الطعن رقم 27047 لسنة 68 بتاريخ 18-12-2023
بسم الله الرحمن الرحيم
باسم الشعب
مجلس الدولة
المحكمـة الإداريـة العُليـا
"الـدائـرة الأولـى - مـوضـوع"
بالجلسة المُنعقدة علنًا برئاسة السيد الأستاذ المستشـــــار/ عادل فهيم محمد عزب رئيــس مجلـس الــدولـــة
ورئيـس المحكمـة
وعضويـة السيد الأستاذ المستشــــار/ محمد عبد السميع محمد إسماعيل نائب رئيس مجلس الدولة
وعضويـة السيد الأستاذ المستشـــــار/ جابر خليل خليل إبراهيم نائب رئيس مجلس الدولة
وعضويـة السيد الأستاذ المستشــــــار/ عبد المنعم فتحي عبد المنعم أحمد نائب رئيس مجلس الدولة
وعضويـة السيد الأستاذ المستشـــــــار/ وائل مصطفى محمد حسن الشامي نائب رئيس مجلس الدولة
وبحضـور السيد الأستاذ المستشـــــــــار/ محمد عبد المحسن إسماعيل نائب رئيس مجلس الدولة
مفــوض الـدولــة
وسـكـــرتـــــــــاريــــــــــــة السـيــــــــــد/ أسعد سيد عمر سكرتير المحكمة
أصدرت الحُكم الآتي:
في الطعن رقم 27047 لسنة 68 ق.عُليا
المُقـام مــن/
1- رئيس مجلس الوزراء.
2- مُحافظ الجيزة.
3- رئيس حي الدقي.
4- مُدير مُديرية الإسكان والمرافق بمُحافظة الجيزة.
5- رئيس مجلس إدارة الجهاز القومي للتنسيق الحضاري.
6- مُدير الإدارة الهندسية بحي الدقي.
7- رئيس اللجنة الدائمة للمُنشآت الغير آيلة للسقوط. "بصفاتهم"
ضــــــد/
شركة .....
في الحُكم الصادر عن محكمة القضاء الإداري بالقاهرة
بجلسة 22/12/2021 في الدعوى رقم 23836 لسنة 73 ق.
الإجـــــراءات
بتاريخ 14/2/2022 أودعت هيئة قضايا الدولة نائبًة عن الطاعنين بصفاتهم قلم كُتّاب هذه المحكمة تقريرًا بالطعن الماثل في الحُكم المُشار إليه عاليه، والقاضي في منطوقه: "بقبول الدعوى شكلًا، وفي الموضوع بإلغاء القرار المطعون فيه على النحو المُبَيّن بالأسباب، وما يترتب على ذلك من آثار، وبإلزام جهة الإدارة المصروفات".
وطلب الطاعنون بصفاتهم - للأسباب الواردة بتقرير الطعن - الحُكم بقبول الطعن شكلًا، وفي الموضوع بإلغاء الحُكم المطعون فيه، والقضاء مُجددًا برفض الدعوى، مع إلزام المطعون ضده المصروفات عن درجتي التقاضي.
وأعدت هيئة مُفوضي الدولة تقريرًا مُسببًا بالرأي القانوني في الطعن، ونظرته دائرة فحص الطعون، وتُدوول أمامها على النحو المُبَيّن بمحاضر جلساتها، وبجلسة 28/8/2022 قررت إحالته إلى هذه المحكمة (الدائرة الأولى عُليا موضوع) لنظره بجلسة تُحددها، وبجلسة19/11/2023 قضت المحكمة تمهيديًّا، وقبل الفصل في شكل الطعن وموضوعه، بندب لجنة خُماسية من أعضاء هيئة التدريس المُتخصصين بالجامعات المصرية، يُحددهم السيد الأستاذ الدكتور وزير التعليم العالي، للقيام بالمأمورية المُبَيّنة بأسباب الحُكم، وعلى الجهة الإدارية الطاعنة إيداع مبلغ (50000) خمسين ألف جُنيه على ذمة أتعاب الخُبراء تُصرَف لهم فور إيداع التقرير، وحددت جلسة 14/1/2023 لنظر الطعن في حال عدم سداد الأمانة، وجلسة 4/2/2023 في حال إيداعها وإذ لم تقم الجهة الإدارية الطاعنة بسداد الأمانة، فقد استأنفت المحكمة نظر الطعن ومنحت الجهة الإدارية عِدة آجال لإيداع الأمانة دون جدوى، وبجلسة 6/11/2023 قررت إصدار الحُكم بجلسة اليوم، وفيها صدر الحُكم وأُودعت مسودته المُشتملة على أسبابه عند النطق به.
المحكمـــــة
بعد الاطلاع على الأوراق، وسماع الإيضاحات، وبعد المداولة قانونًا.
حيثُ إن الطعن قد استوفى أوضاعه الشكلية المُقررة قانونًا، فمن ثم فهو مقبول شكلًا.
ومن حيثُ إن عناصر المُنازعة في الطعن الماثل تتحصل - حسبما يبين من الأوراق - في أن المطعون ضده أقام الدعوى رقم 23836 لسنة 73 ق بموجب صحيفة أُودعت قلم كُتّاب محكمة القضاء الإداري بالقاهرة بتاريخ 17/1/2019 وطلب في ختامها الحُكم بقبولها شكلًا، وفي الموضوع بإلغاء قرار رئيس مجلس الوزراء رقم 2273 لسنة 2010 فيما تضمنه من إدراج العقار الكائن 19 شارع أمين الرافعي - حي الدقي ضمن سجلات المباني المُتميزة معماريًا بمُحافظة الجيزة، وما يترتب على ذلك من آثار، وإلزام الجهة الإدارية المصروفات.
وذكر شرحًا لدعواه أنه يمتلك العقار رقم 19 شارع أمين الرافعي - حي الدقي بمُحافظة الجيزة، وتم إدراجه ضمن سجلات التُراث المعماري بمُحافظة الجيزة، ونعى المطعون ضده على القرار المطعون فيه صدوره بالمُخالفة للقانون، مما حداه على إقامة دعواه الماثلة، واختتم صحيفة دعواه بطلباته سالفة البيان.
وتُدوول نظر الدعوى أمام المحكمة على النحو الثابت بمحاضر الجلسات، وبجلسة 25/11/2020 أصدرت حُكمًا تمهيديًا وقبل الفصل في شكل الدعوى وموضوعها بندب لجنة من خمسة من الأساتذة أعضاء هيئة التدريس المُتخصصين في مجالات الهندسة المعمارية والإنشائية والفنون والتاريخ والآثار بكُليات جامعة عين شمس يختارهم رئيس الجامعة لأداء المأمورية المُبَيّنة بالأسباب، لمُباشرة المأمورية الموضحة بأسباب الحُكم، وقد باشرت اللجنة المأمورية المُكلفة بها بعد حلف اليمين القانونية، وأودعت تقريرها ملف الدعوى.
وتُدوول نظر الدعوى أمام المحكمة، وذلك على النحو المُبَيّن بمحاضر جلساتها، وبجلسة 22/12/2021 أصدرت حُكمها المطعون فيه سالف الذِكر، وشَيّدَت قضاءها على أساس أن الثابت في الأوراق أن اللجنة التي تم انتدابها للقيام بالمهمة المُكلفة بها بالحُكم التمهيدي قامت بمُعاينة العقار موضوع الدعوى، وتناولت وصفه من النواحي المعمارية وما يتعلق بها وغيرها مما يدخل في تخصصات أعضائها التي تُماثل تخصصات الفنيين بلجنة الحصر المُشكّلة وفقًا للمادة الرابعة من القانون رقم 144 لسنة 2006، وخلُصت إلى أن المبنى حاليًا لا يُمثل قيمة معمارية وطرازًا مُميزًا، ولا يُمثل حقبة مهمة من تاريخ الفن والعمارة بمُحافظة الجيزة، ولا يُمثل قيمة جمالية وفنية عالية وأنه مبنى سكني لا يُعبر عن عمارة تلقائية أو بيئية محلية مُحددة، وارتأت اللجنة أن عناصر اعتبار المبنى ذا طراز معماري غير متوفرة ولا يُعدُّ مُتميزًا أو مُتفردًا في طرازه المعماري، وذلك كله على خِلاف ما ذهبت إليه لجنة الحصر والذي صدر القرار المطعون فيه على أساس ما تبنته لجنة الحصر، ولما كانت المحكمة تطمئن لِما ورد بتقرير اللجنة المُنتدبة في الدعوى الماثلة وما خلُصت إليه من نتيجة، وتتخذ المحكمة من الأسباب التي قام عليها أسبابًا لقضائها، وكان القرار المطعون فيه قد قام سببه على أن المبنى ذو طراز معماري مُميز ويُمثل حقبة تاريخية، فمن ثم يغدو هذا السبب غير مُستخلص استخلاصًا صحيحًا من واقع يُنتجه، ويضحى القرار الطعين - والحال كذلك - قرارًا مُخالفًا صحيح حُكم القانون لقيامه على غير سبب صحيح، جديرًا بالإلغاء.
ومن حيثُ إن مبنى الطعن الماثل يتحصل في النعي على الحُكم المطعون فيه مُخالفته القانون والخطأ في تطبيقه وتأويله وللثابت في الأوراق وذلك على النحو الوارد تفصيلًا بصحيفة الطعن، واختتم الطاعنون بصفاتهم تقرير طعنهم بطلباتهم سالفة الذِكر.
ومن حيث إنه عن موضوع الطعن، فإن المادة (1) من القانون رقم 144 لسنة 2006 في شأن تنظيم هدم المباني والمُنشآت غير الآيلة للسقوط والحِفاظ على التراث المعماري تنص على أنه:" مع عدم الإخلال بأحكام القانون 49 لسنة 1977 في شأن تأجير وبيع الأماكن وتنظيم العلاقة بين المؤجر والمُستأجر وقانون حماية الآثار الصادر بالقانون رقم 117 لسنة 1983، تسري أحكام هذا القانون على المباني والمُنشآت غير الآيلة للسقوط، وكذا المباني والمُنشآت التي يتوافر فيها أحد الأوضاع المُبَيّنة في الفقرة الأولى من المادة الثانية من هذا القانون أيًا كان موقعها أو مالكها".
وتنص المادة (2) من القانون المذكور على أن:" يُحظر الترخيص بالهدم أو الإضافة للمباني والمُنشآت ذات الطراز المعماري المتميز المُرتبطة بالتاريخ القومي أو بشخصية تاريخية أو التي تُمثل حقبة تاريخية أو التي تُعتبر مزارًا سياحيًّا، وذلك مع عدم الإخلال بما يُستحق قانونًا من تعويض.
ولا يجوز هدم ماعدا ذلك أو الشروع في هدمه إلا بترخيص يصدر وفقًا لأحكام هذا القانون.
ويصدر رئيس مجلس الوزراء قرار بمعايير ومواصفات المباني والمُنشآت المُشار إليها في الفقرة الأولى وذلك بنُاءً على اقتراح الوزير المُختص بشئون الثقافة بالاتفاق مع الوزراء المُختصين وبعد موافقة مجلس الوزراء.
ويصدر بتحديد هذه المباني والمُنشآت قرار من رئيس مجلس الوزراء...".
وتنص المادة (4) من القانون ذاته على أن:" تُشكّل في كل مُحافظة بقرار من المُحافظ لجنة دائمة - أو أكثر - مكونة من:
- مُمثل لوزارة الثقافة يختاره وزير الثقافة وتكون له رئاسة اللجنة.
- مُمثل لوزارة الإسكان والمرافق والتنمية العُمرانية يختاره الوزير المُختص بشئون الإسكان.
- اثنين يُمثلان المُحافظة.
- خمسة من أعضاء هيئات التدريس بالجامعات المُتخصصين في مجالات الهندسة المعمارية والإنشائية والآثار والتاريخ والفنون يختارهم رؤساء الجامعات المُختصون بُناءً على طلب المُحافظ المُختص.
وتختص اللجنة بحصر المباني والمُنشآت المنصوص عليها في الفقرة الأولى من المادة الثانية من هذا القانون ومُراجعة هذا الحصر بصفة دورية.
ويرفع المُحافظ المُختص قرارات اللجنة إلى رئيس مجلس الوزراء...".
وتنص المادة (5) من القانون ذاته المُشار إليه على أن:" يُخطر ذوو الشأن بخطاب موصى عليه بعِلم الوصول بالقرارات النهائية للجنة المنصوص عليها في المادة الرابعة من هذا القانون بعد اعتمادها من رئيس مجلس الوزراء، ويجوز لهم التظلم من هذه القرارات أمام اللجنة المُشار إليها في الفقرة الأخيرة من المادة الثانية خِلال شهر من تاريخ استلام الإخطار...".
كما تنص المادة (14) من القانون سالف الذِكر على أن:" يصدر الوزير المُختص بشئون الإسكان اللائحة التنفيذية لهذا القانون خِلال ثلاثة أِشهر من تاريخ العمل به، وإلى أن تصدر هذه اللائحة يستمر العمل باللوائح والقرارات القائمة وذلك فيما لا يتعارض مع أحكامه".
ونفاذًا لذلك صدر قرار وزير الإسكان والمرافق رقم 266 لسنة 2006 بإصدار اللائحة التنفيذية للقانون المذكور ونص في المادة (1) منه على أن:" تتولى لجنة حصر المباني والمُنشآت الصادر بها قرار من المُحافظ المُختص حصر المباني والمُنشآت ذات الطراز المعماري المتميز المُرتبطة بالتاريخ القومي أو شخصية تاريخية أو التي تُمثل حقبة تاريخية أو التي تُعتبر مزارًا سياحيًا وذلك لبيان مدى مُطابقتها للمعايير ومواصفات المباني والمُنشآت الصادر بها قرار رئيس مجلس الوزراء.
وللجنة في سبيل إنجاز مهامها الرجوع إلى المعلومات الوثائقية وقواعد البيانات لهذه المباني لدى الجهات ذات الصِلة".
وتنص المادة (2) من اللائحة المذكورة على أن:" تقوم لجنة حصر المباني والمُنشآت بقيد العقارات المحظور هدمها في سجلات يوضح بها أسباب القيد للمباني والمُنشآت، وذلك على النحو التالي:
1- المباني والمُنشآت ذات الطراز المعماري المُتميز.
2- المباني والمُنشآت المُرتبطة بالتاريخ القومي.
3- المباني والمُنشآت المُرتبطة بشخصية تاريخية.
4- المباني والمُنشآت التي تُمثل حقبة تاريخية.
5- المباني والمُنشآت التي تُعتبر مزارًا سياحيًا....".
ومن حيث إنه صدر قرار رئيس مجلس الوزراء رقم 2276 لسنة 2006 بتحديد معايير ومواصفات المباني والمُنشآت المنصوص عليها بالمادة الثانية من القانون رقم 144 لسنة 2006 ونص على أن:"1- المباني والمُنشآت ذات الطراز المعماري المتميز:
تشمل المباني أو المُنشآت المُجمعة أو المُنفردة أو الحدائق التي تتميز بقيمتها الفنية أو مواد بنائها أو الأساليب الإنشائية المُستخدمة وتنطبق عليها أحد المعايير والمواصفات الآتية:
(ا) تم إنشاؤها وفق مفاهيم أو مدرسة معمارية.
(ب) تعكس سمات حقبة تاريخية مُعينة.
(ج) تتسم بالنُدرة والتفرد بما تحمله من زخارف ومقرفصات لها قيمتها.
(د) عمارة تلقائية تُعبر عن بيئة محلية.
2- المباني والمُنشآت المُرتبطة بالتاريخ القومي:
تشمل المباني التي ارتبطت بأحداث قومية مؤثرة وفاصلة في تاريخ مصر.
3- المباني والمُنشآت المُرتبطة بشخصية تاريخية:
تشمل المباني التي ارتبطت بشخصية مصرية أو غير مصرية كان لها تأثيرها الواضح أيًا كان مجاله في مسيرة المُجتمع، ويكون ارتباط الشخصية بالمبنى أو المنشأ نتيجة المولد أو النشأة أو الإقامة المُستمرة أو العمل أو التصميم المعماري للمبنى أو المنشأة.
4 - المباني والمُنشآت التي تُعتبر مزارًا سياحيًا:
تشمل المباني والمُنشآت التي اعتاد الجُمهور العام على زيارتها بغرض السياحة".
ومن حيثُ إن مفاد ما تقدم أن المُشرع فرض حظرًا على الترخيص بالهدم أو الإضافة للمباني ذات الطابع المعماري المتميز التي ترتبط بالتاريخ القومي، أو بشخصية تاريخية، أو التي تُمثل حقبة تاريخية، أو التي تُعدُّ مزارًا سياحيًّا، وذلك رغبًة منه في الحِفاظ على التُراث المعماري لتلك العقارات، ومن ثم فإن مناط حظر الترخيص بالهدم لتلك المباني أو الإضافة إليها توفر رُكنين مُجتمعين: أولهما: أن يكون المبنى ذا طراز معماري مُتميز. وثانيهما: أن يكون مرتبطًا بالتاريخ القومي أو بشخصية تاريخية أو حقبة تاريخية أو يُعد مزارًا سياحيًّا، وذلك طبقًا لحُكم المادة الثانية من القانون رقم 144 لسنة 2006 المُشار إليه دون سواه والذي يُمثل مرتبة أعلى في سلم تدرج القواعد القانونية من اللائحة التنفيذية له الصادرة بقرار وزير الإسكان والمرافق رقم 266 لسنة 2006، ومن ثم فلا يكفي أن يكون العقار ذا طابع معماري مُتميز فحسب لإدراجه في سجلات التُراث المعماري للعقارات المحظور هدمها، وإنما يتعين الالتزام بما اشترطه القانون من ربط هذا التميز بإحدى الحالات المُقررة في المادة الثانية من القانون المذكور، ومن ثم يتعين الاعتداد في هذا الخصوص بما ورد في القانون رقم 144 لسنة 2006 دون سواه.
ولما كان المُستقر عليه في قضاء هذه المحكمة أن ما يقوم به الخبير من مهام وما يسطره في تقريره وما يخلُص إليه من نتيجة، يخضع جميعه لتقدير المحكمة التي تزنه بميزان الحق والعدل، ويضحى من ثمَّ جزءًا لا يتجزأ من أسباب حُكمها إذا اطمأنت إلى ما انتهى إليه.
وأن تحصيل فهم الواقع في الدعوى وتقرير ما يُقدم فيها من الأدلة والبيانات واستخلاص ما يتفق وحقيقة واقعها هو من شأن المحكمة وتصريفها وبحسبُها أن تُبين الحقيقة الثابتة من الأوراق والمُستندات المُقدمة في الدعوى وتُعمِل بشأنها حُكم القانون، ولا شك أن تقرير الخبير المُقدم فيها لا يعدو أن يكون عُنصرًا من عناصر الإثبات فيها، وللمحكمة أن تأخذ به كله أو تطرحه كله أو تأخذ ببعض ما ورد به وخلُص إليه وتعرض عن بعضه الآخر، كما أن لها السُلطة التامة في وزن التقارير المُقدمة في النزاع الواحد والترجيح بينها والأخذ بأحدها دون غيره متى كان مرد الأمر في جميع الأحوال ما هو ثابت بعيون الأوراق وله أصل واضح بها ويتفق وحقيقة الواقع والقانون، ومتى اطمأنت المحكمة التي تقرير الخبير ورأت سلامة الأُسس والأبحاث التي قام عليها، وأن النتيجة التي انتهى إليها لم تُنزع من الأوراق، وإنما قامت على أصول ثابتًة بها ومن شأنها أن تؤدي إليها وتُنتجها واقعًا وقانونًا، فإنه يكون لها أن تأخذ في حُكمها بذلك التقرير محمولًا على أسبابه وفي أخذها به على هذا النحو ما يدل على أنها لم تجد في المطاعن التي وُجِهَت إليه ما يستحق الرد عليه بأكثر مما ورد بالتقرير ذاته.
(حُكمها في الطعن رقم 68863 لسنة 62 ق.عُليا بجلسة 21/12/2019).
ومن حيث إنه وبتطبيق ما تقدم على المُنازعة في الطعن الماثل، ولما كان الثابت في الأوراق ان ملكية العقار الكائن 19شارع أمين الرافعي - حي الدقي ثابتًة لشركة دينا للاستثمارات العقارية وقد تم بيعه للشركة المطعون ضدها والمُقدم عنه طلب الشهر رقم 319 في 28/2/2018 بمأمورية الشهر العقاري بالأهرام والوارد وصفه بالعقد والمُطابق لِما اثبتته اللجنة المُنتدبة لمُعاينته، وقد أصدر رئيس مجلس الوزراء القرار رقم 2273 لسنة 2010 بإدراج العقار المذكور ضمن سجلات المباني المُتميزة معماريًا بمُحافظة الجيزة.
ومن حيثُ إن الثابت في تقرير اللجنة الفينة الخُماسية المُنتدبة من أعضاء هيئة التدريس بجامعة عين شمس تنفيذًا للحُكم التمهيدي الصادر عن محكمة القضاء الإداري، أنها قامت بمُعاينة العقار محل النزاع، وتعرضت له من النواحي المعمارية، والتاريخية، والإنشائية، وخلُصت إلى أن المبنى حاليًا لا يُمثل قيمة معمارية وطرازًا مُميزًا، ولا يُمثل حقبة مهمة من تاريخ الفن والعمارة بمُحافظة الجيزة، ولا يُمثل قيمة جمالية وفنية عالية وأنه مبنى سكني لا يُعبر عن عمارة تلقائية أو بيئية محلية مُحددة، كما أنه لم يشهد أي أحداث تاريخية مهمة على المستوى المحلي أو الدولي، كما لا يُعد مزارًا سياحيًا، وأنه لا يُمثل قيمة معمارية أو طرازًا مميزًا حيث جاءت مُفردات واجهاته بسيطة وغير مُتفردة أو مميزة يمكن أن تكرس وتعنون طرازًا أو مدرسة معمارية مُحددة بعينها، وخلُصت اللجنة إلى التوصية بإخراج المبنى من سجلات المباني ذات القيمة المعمارية المُتميزة.
ومن حيث إنه قد ثبت من تقرير اللجنة الخُماسية المُنتدبة أمام محكمة القضاء الإداري أن العقار لا ينطبق عليه وصف الطراز المعماري المُتميز لعدم انتمائه لأي من الطُرز المعمارية الفريدة، ولا يحتوي على أي عناصر مُتميزة، ولا يُحقق أيًا من معايير المباني والمُنشآت المُرتبطة بالتاريخ القومي ولم يرتبط بأي أحداث قومية في مصر، ولم يكن يومًا مزارًا سياحيًا على خِلاف ما ذهبت إليه لجنة الحصر والذي صدر القرار المطعون فيه استنادًا إليها.
ولما كانت المحكمة تطمئن لِما ورد بتقرير الخبرة أمام محكمة القضاء الإداري - لاسيما أن الجهة الإدارية رفضت سداد الأمانة الصادر بها الحُكم التمهيدي بجلسة 19/11/2022، ومن ثم تتخذ من الأسباب التي قام عليها أسبابًا لقضائها - وكان القرار المطعون فيه قد تمثل سببه في أن المبنى ذو طراز معماري مُميز - وذلك على خِلاف ما انتهى إليه تقرير لجنة الخُبراء - فمن ثم يغدو هذا السبب غير مُستخلص استخلاصًا صحيحًا من واقع يُنتجه، ويضحى القرار الطعين فيما تضمنه من إدراج المبنى محل النزاع - والحال كذلك -قرارًا مُخالفًا صحيح حُكم القانون لقيامه على غير سبب صحيح، ويتعين من ثمَّ القضاء بإلغائه.
وإذ انتهى الحُكم المطعون فيه إلى هذه النتيجة، فإنه يكون قد صادف صحيح حُكم القانون، وهو ما يتعين معه رفض الطعن الماثل.
ومن حيثُ إن من يخسر الطعن يُلزم مصروفاته، عملًا بحُكم المادة (184) من قانون المُرافعات.
فلهــذه الأسبـــــاب
حكمت المحكمة: بقبول الطعن شكلًا، ورفضه موضوعًا، وألزمت الجهة الإدارية المصروفات.