الدعوى 152 لسنة 20 – دستورية – المحكمة الدستورية العليا – مرفوعة علنية رقم 152 لسنة 20 بتاريخ 03/06/2000

Facebook
Twitter

الدعوى 152 لسنة 20 – دستورية – المحكمة الدستورية العليا – مرفوعة علنية رقم 152 لسنة 20 بتاريخ 03/06/2000

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
باسم الشعب

المحكمة الدستورية العليا
بالجلسة العلنية المنعقدة يوم السبت 3 يونيه سنة 2000 الموافق 30 صفر سنة 1421 هـ.

برئاسة السيد المستشار / محمد ولى الدين جلال رئيس المحكمة
وعضوية السادة المستشارين / فاروق عبد الرحيم غنيم و حمدى محمد على والدكتور عبد المجيد فياض وماهر البحيرى ومحمد على سيف الدين وعدلى محمود منصور
وحضور السيد المستشار / عبد الوهاب عبد الرازق رئيس هيئة المفوضين
وحضور السيد / ناصر إمام محمد حسن أمين السر
أصدرت الحكم الآتى

فى القضية المقيدة بجدول المحكمة الدستورية العليا برقم 152 لسنة 20 قضائية دستورية
المقامة من
السيد / فهمى مصطفى مروان
ضد
1- السيد رئيس الجمهورية
2- السيد رئيس مجلس الشعب
3- السيد رئيس مجلس الوزراء
4- السيد وزير العدل
5- السيد رئيس مجلس إدارة بنك قناة السويس
6- السيدة / فاطمة محمد محمد عطا الله
7- السيد / محمد مصطفى مروان
8- السيدة / فاطمة عبد الوهاب درويش
9- السيد / مصطفى مصطفى مروان
10- السيدة / سلوى مصطفى مروان
الإجراءات
بتاريخ السادس والعشرين من يوليو سنة 1998، أودع المدعى صحيفة هذه الدعوى قلم كتاب المحكمة ، طالباً الحكم بعدم دستورية المادة (1) مكرراً من القانون رقم 36 لسنة 1975 – المضافة بالقانون رقم 7 لسنة 1985 – بفرض رسم خاص لصندوق الخدمات الصحية والاجتماعية لأعضاء الهيئات القضائية فيما نصت عليه من أن يكون لهذا الرسم حكم الرسوم القضائية الأصلية المقررة.

وقدمت هيئة قضايا الدولة مذكرة بدفاعها طلبت فى ختامها رفض الدعوى.

وبعد تحضير الدعوى ، أودعت هيئة المفوضين تقريراً برأيها.
ونُظرت الدعوى على النحو المبين بمحضر الجلسة ، وقررت المحكمة إصدار الحكم فيها بجلسة اليوم.
المحكمة
بعد الاطلاع على الأوراق، والمداولة.

حيث إن الوقائع – على ما يبين من صحيفة الدعوى وسائر الأوراق – تتحصل فى أن المدعى كان قد أقام الدعوى رقم 304 لسنة 1997- أمام محكمة بورسعيد الإبتدائية – بطلب الحكم بإلغاء قائمتى الرسوم رقمى 388، 488 لسنة 1997 بتقدير الرسوم القضائية الأصلية ورسوم صندوق الخدمات المستحقة عن الدعوى رقم 306 لسنة 1986 مدنى كلى بور سعيد. وإذ قضى برفض معارضته فى هاتين القائمتين، فقد طعن على هذا الحكم بالاستئناف رقم 858 لسنة 38 قضائية – أمام مأمورية استئناف بورسعيد، وأثناء نظره دفع بعدم دستورية نص المادة (1) مكرراً من القانون رقم 36 لسنة 1975 بإنشاء صندوق للخدمات الصحية والاجتماعية لأعضاء الهيئات القضائية ، وإذ قدرت محكمة الموضوع جدية الدفع وصرحت له بإقامة دعواه الدستورية ، فقد أقام الدعوى الماثلة.

وحيث إن المادة (1) من القانون رقم 36 لسنة 1975 تنص على أن ينشأ بوزارة العدل صندوق، تكون له الشخصية الاعتبارية تخصص له الدولة الموارد اللازمة لتمويل وكفالة الخدمات الصحية والاجتماعية للأعضاء الحاليين والسابقين للهيئات القضائية الآتية :
1- القضاء والنيابة العامة 2- مجلس الدولة 3- هيئة قضايا الدولة 4- النيابة الإدارية.
وتشمل الخدمات الصحية والاجتماعية أسر أعضاء هذه الهيئات. ويخصص لكل هيئة من هذه الهيئات قسم فى موازنة الصندوق. ويصدر بتنظيم الصندوق وقواعد الإنفاق منه قرار من وزير العدل بعد موافقة المجلس الأعلى للهيئات القضائية.
وتنص المادة الأولى من القانون 7 لسنة 1985 بتعديل بعض أحكام القانون رقم 36 لسنة 1975، المشار إليه، على أن:
تضاف إلى القانون رقم 36 لسنة 1975 بإنشاء صندوق للخدمات الصحية والاجتماعية لأعضاء الهيئات القضائية مادة جديدة برقم (1) مكرراً نصها الآتى :
مادة (1) مكرراً : يفرض رسم خاص أمام المحاكم ومجلس الدولة يعادل نصف الرسوم القضائية الأصلية المقررة فى جميع الأحوال ويكون لها حكمها، وتؤول حصيلته إلى صندوق الخدمات الصحية والاجتماعية لأعضاء الهيئات القضائية.

ويعفى نشاط الصندوق وكافة الخدمات التى يقدمها من جميع الضرائب والرسوم.
ومؤدى ماتقدم أن المشرع قد فرض رسماً خاصاً ألحقه بالرسوم القضائية – بعد أن قدره بنصفها – ليتبعها فى جميع أحوال استحقاقها، ويترتب فى ذمة الملتزم بها، ويخضع لإجراءات تقديرها، والتداعى فى شأنها، وخصص حصيلته للصندوق المشار إليه، بحسبانه شخصاً اعتبارياً عاماً ينفرد بذمته المالية المستقلة.

وحيث إن المدعى ينعى على النص الطعين مخالفته نصوص المواد (4، 8، 67، 68، 165، 166) من الدستور، تأسيساً على أنه إذ اختص رجال القضاء بإصدار أوامر تقدير الرسم المفروض به، ونظر دعاوى المعارضة فى تقديره، والفصل فيها، رغم كونهم أصحاب مصلحة بسبب انتفاعهم بخدمات الصندوق المخصصة له حصيلة ذلك الرسم؛ فإنه يكون -بذلك- قد أخل بضمانة الحيدة والتجرد التى يستلزمها الدستور للفصل فى الخصومة القضائية.

وحيث إن هذا النعى فى غير محله، ذلك أن الدستور دل بنص المادة (68) منه – وفقاً لما اطرد عليه قضاء هذه المحكمة – على وجوب أن يكون لكل خصومة قضائية قاضيها، ولو كانت الحقوق المتنازع عليها من طبيعة مدنية ، وألقى على عاتق الدولة إلتزاماً يقتضيها أن توفر لكل فرد – وطنياً كان أم أجنبياً – نفاذاً ميسراً إلى محاكمها يكفل الضمانات الأساسية اللازمة لإدارة العدالة إدارة فعالة وفقاً لمستوياتها فى الدول المتحضرة ؛ وكانت الحقوق التى تستمد وجودها من النصوص القانونية يلازمها بالضرورة -ومن أجل اقتضائها- طلب الحماية التى يكفلها الدستور أو المشرع لها، باعتبار أن مجرد النفاذ إلى القضاء، لا يعتبر كافياً لضمانها، وإنما يجب أن يقترن هذا النفاذ دوماً بإزالة العوائق التى تحول دون تسوية الأوضاع الناشئة عن العدوان عليها، وبوجه خاص ما يتخذ منها صورة الأشكال الإجرائية المعقدة ، كى توفر الدولة للخصومة فى نهاية مطافها حلاً منصفاً يقوم على حيدة المحكمة واستقلالها، ويضمن عدم استخدام التنظيم القضائى كأداة للتمييز ضد فئة بذاتها أو للتحامل عليها، وكانت هذه التسوية هى التى يعمد الخصم إلى الحصول عليها بوصفها الترضية القضائية التى يطلبها لمواجهة الإخلال بالحقوق التى يدعيها، فإن هذه الترضية -وبافتراض مشروعيتها واتساقها مع أحكام الدستور – تندمج فى الحق فى التقاضى ، وتعتبر من متمماته.
وحيث إن الدستور كفل – بنص المادة (165) – استقلال السلطة القضائية كما نص كذلك فى المادة (166) على أنه لا سلطان على القضاة فى قضائهم لغير القانون، وهذا المبدأ الأخير لا يحمى فقط استقلال القاضى ، بل يحول كذلك دون أن يكون العمل القضائى وليد نزعة شخصية غير متجردة ، ومن ثم تكون حيدة القاضى شرطاً لازماً دستورياً لضمان ألا يخضع فى عمله لغير سلطان القانون، وقد اطرد قضاء هذه المحكمة على أن استقلال السلطة القضائية وإن كان لازماً لضمان موضوعية الخضوع للقانون، ولحصول من يلوذون بها على الترضية القضائية التى يطلبونها عند وقوع عدوان على حقوقهم وحرياتهم إلا أن حيدتها عنصر فاعل فى صون رسالتها لا تقل شأناً عن استقلالها بما يؤكد تكاملهما، وهاتان الضمانتان – وقد فرضهما الدستور على ماتقدم – تعتبران قيداً على السلطة التقديرية التى يملكها المشرع فى مجال تنظيم الحقوق، ومن ثم يلحق البطلان كل تنظيم تشريعى للخصومة القضائية على خلافهما.
وحيث إن الحق فى رد قاض بعينه عن نظر نزاع محدد وثيق الصلة بحق التقاضى ، وكان من المقرر أن تنظيم المشرع لأحوال رد القضاة – على مايبين من قانون المرافعات وأعما له التحضيرية – قد توخى قاعدة أصولية قوامها – وعلى ماجرى عليه قضاء هذه المحكمة – أن كل متقاض يجب أن يطمئن إلى أن قضاء قاضيه لا يصدر إلا عن الحق وحده، دون تأثير من دخائل النفس البشرية فى هواها وتحيزها، وقد وازن المشرع- بالنصوص التى نظم بها رد القضاة – بين أمرين، أولهما: ألا يفصل فى الدعوى – وأياً كان موضوعها – قضاة داخلتهم شبهة تقوم بها مظنة ممالأة أحد أطرافها والتأثير بالتالى فى حيدتهم، ومن ثم أجاز المشرع ردهم وفق أسباب حددها ليحول دونهم وموالاة نظر الدعوى التى قام سبب ردهم بمناسبتها، ثانيهما: ألا يكون رد القضاة مدخلاً إلى التشهير بهم دون حق، أو لمنعهم من نظر قضايا بذواتها توقياً للفصل فيها كيداً ولدداً، وكان من المقرر – بنص المادة (494/2) من قانون المرافعات – أن القاضى يعد منكراً للعدالة ، ويحق لصاحب المصلحة مخاصمته، إذا امتنع عن الإجابة على عريضة قدمت له، أو عن الفصل فى قضية صالحة للحكم. ومن ثم وجب عليه مباشرة ما هو منوط به من سلطة ولائية أو قضائية فيما يقدم إليه من عرائض أو يطرح عليه من خصومات وإلا حقت مساءلته مدنياً- وفقاً للقواعد وطبقاً للإجراءات المبينة فى هذه المادة – بطريق المخاصمة ، ومن ثم فإن حقى الرد والمخاصمة – المخولين للمتقاضين – كفيلان بسد أية ثغرة يمكن أن ينفذ منها الريب إلى نفوسهم، ويهتز به اطمئنانهم إلى قضاتهم، ويخل بثقتهم فى أن ما يقضون به – فى أقضيتهم – هو الحق لا غيره.
وحيث إن الدستور والقانون كليهما قد أحاطا القضاء – على النحو المتقدم – بسياج من الضمانات تؤكد استقلاله وتكفل حيدته وتضمن تجرده، وكان المشرع قد تغيا من الصندوق المشار إليه -وعلى ما جاء بالأعمال التحضيرية لقانون إنشائه- مصلحة عامة بإرساء ما قصد إليه الدستور من كفالة استقلال القضاء وحصانة رجاله، باعتباره ما ضمانتين أساسيتين لحماية الحقوق والحريات، وذلك بتوفير أسباب الراحة النفسية والطمأنينة لحماة العدالة ، وكفالة رعايتهم صحياً واجتماعياً هم وأسرهم حتى ينصرفوا لأداء رسالتهم على أكمل وجه، وعلى هذا الدرب أدرج المشرع الرسم المفروض -بالنص الطعين- ضمن موارد هذا الصندوق، لتندمج معها فى تمويل أغراضه، وألحقه بالرسوم القضائية الأصلية المقررة ، ليتم تحديده واستئداؤه وفق قواعد من ضبطة ، ولينسبغ عليه الامتياز المقرر لها قانوناً. إذ كان ذلك، وكان مناط استحقاق الرسم خدمة محددة بذلها الشخص العام لمن طلبها عوضاً عن تكلفتها وإن لم يكن بمقدارها، فإن الدولة الفارضة للرسم من ناحية والملتزم بأدائه من ناحية أخرى يكوّنان – إزاءه- طرفى علاقة قانونية عامة ، أقامها النص الطعين، تبدأ بتقديم ذى الشأن نفسه صحيفة دعواه إلى قلم الكتاب مما يعنى أن رجال القضاء أغيار عن هذه العلاقة ، وليسوا طرفاً مباشراً فيها، ولا يتصور بالتالى أن يكونوا ذوى مصلحة فيها ابتداء؛ ومن ثم تنتفى أدنى شبهة بالنص الطعين من شأنها الإخلال بحيدتهم لدى إصدارهم لأمر بتقدير الرسم المشار إليه، أو نظرهم المعارضة فيه أو فصلهم فيها.
وحيث إنه فضلاً عن ذلك، فإن مؤدى القاعدة التى أرستها المادتان (184، 186) من قانون المرافعات المدنية والتجارية أن لمصاريف الدعوى أصلاً يحكمها ويهيمن عليها يتحصل فى ألا يحكم بها إلا على الخصم الذى خسر الدعوى بحكم نهائى ، وهو ما يضمن ألا تكون نفقاتها عبئاً إلا على هؤلاء الذين جحدوا الحقوق المتداعى فى شأنها إعناتاً ومماطلة ، فمرد الأمر فى الرسوم المستحقة عن الدعوى – ومنها الرسم الطعين – هو إلى الحكم الموضوعى الفاصل نهائياً فى الحق محلها، والذى يعين الخصم الذى خسر دعواه، والملتزم بمصروفاتها-والرسوم جزء منها- والواجب إصدار أمر تقديرها ضده، من غير أن يكون للقاضى الآمر به دخل فى تعيينه، ولا يعقل – بالتالى – أن يكون منحازاً فى مباشرة سلطته ضد من تحدد مركزه من الالتزام بالرسوم قبل عرض طلب تقديرها عليه، ومن ثم فإن القول بإنكار صلاحية القضاة – جميعاً – للأمر بتقدير الرسم الطعين والفصل فى المعارضة فيه، لا يعدو أن يكون وهماً يتأباه المنطق الصحيح.
وحيث إنه إذ كان ماتقدم، وكان لا دليل من النص الطعين- على النحو المتقدم- على إخلاله بحق التقاضى ، أو مساسه باستقلال السلطة القضائية وتدخله فى أعمال وظيفتها، أو انتهاكه ضمانة حيدة أعضائها وتجردهم لدى الفصل فى الأنزعة القضائية الناشئة عنه، أو حجبه عن أطرافها حقوقهم القانونية فى رد ومخاصمة قضاتهم، وكان هذا النص لم يتجاوز حدود السلطة التقديرية التى يملكها المشرع فى مجال تنظيم الحقوق، ولم يتعد تخومها ؛ فإن الحكم برفض الدعوى يكون متعيناً.
فلهذه الأسباب
حكمت المحكمة برفض الدعوى وبمصادرة الكفالة ، وألزمت المدعى المصروفات ومبلغ مائة جنيه مقابل أتعاب المحاماة.