الدعوى 19 لسنة 8 – دستورية – المحكمة الدستورية العليا – مرفوعة علنية رقم 19 لسنة 8 بتاريخ 18/04/1992 ص

Facebook
Twitter

الدعوى 19 لسنة 8 – دستورية – المحكمة الدستورية العليا – مرفوعة علنية رقم 19 لسنة 8 بتاريخ 18/04/1992

صورة التشريع

باسم الشعب

المحكمة الدستورية العليا
بالجلسة العلنية المنعقدة في يوم السبت 18 أبريل سنة 1992 م الموافق 15 شوال سنة 1412 ه .
برئاسة السيد المستشار الدكتور/ عوض محمد عوض المر رئيس المحكمة
وعضوية السادة المستشارين : الدكتور/ محمد إبراهيم أبو العينين ومحمد ولى الدين جلال وعبد الرحمن نصير وسامى فرج يوسف ومحمد على عبد الواحد والدكتور عبد المجيد فياض اعضاء
وحضور السيد المستشار / السيد عبد الحميد عمارة المفوض
وحضور السيد/ رأفت محمد عبد الواحد أمين السر
أصدرت الحكم الآتى

فى القضية المقيدة بجدول المحكمة الدستورية العليا برقم 19 لسنة 8 قضائية دستورية .
المقامة من
الدكتور / احمد عزت عبد الغفار ابراهيم
ضد
1 – السيد / رئيس الجمهورية
2 – السيد / رئيس مجلس الوزراء
3 – السيد / وزير العدل
4 – السيد / وزير الداخلية
الإجراءات
فى الثالث من أغسطس سنة 1986 أودع المدعى قلم كتاب المحكمة صحيفة الدعوى الماثلة طالباً الحكم بعدم دستورية المواد (63، 64، 162، 210، 232) من قانون الإجراءات الجنائية .
وقدمت هيئة قضايا الدولة مذكرة، طلبت فيها رفض الدعوى .
وبعد تحضير الدعوى، أودعت هيئة المفوضين تقريراً برأيها .
ونُظرت الدعوى على الوجه المبين بمحضر الجلسة، وقررت المحكمة إصدار الحكم فيها بجلسة اليوم .
المحكمة
بعد الاطلاع على الأوراق، والمداولة .
حيث إن الوقائع – على ما يبين من صحيفة الدعوى وسائر الأوراق – تتحصل فى أن المدعى كان قد أقام ضد وزير الثقافة الدعوى رقم 4133 لسنة 1983 مستعجل القاهرة طالباً الحكم بصفة مستعجلة بندب الخبير المختص لإثبات حالة أفلام الماستر فيديو التى قام تابعو الوزير بمحو تسجيلاتها، وتقدير قيمة ما أصابه من ضرر من جراء ذلك، فأصدرت محكمة القاهرة للأمور المستعجلة فى 7 نوفمبر سنة 1983 حكماً تمهيدياً بندب خبير مختص فى المرئيات والصوتيان لمعاينة الأفلام المشار إليها وإثبات حالتها وتقدير قيمتها مسجلة وخالية وقيمة الضرر الناجم عن محوها، وكلفت المدعى إيداع أمانة قدرها مائة جنيه أتعاباً للخبير، فقام المدعى بذلك، إلا أن مكتب خبراء جنوب القاهرة أخطأ بتكليفه أحد خبراء الجدول من المهندسين المعماريين بمباشرة المأمورية التى فصلها الحكم التمهيدى، وقد اعترض المدعى على قيام هذا المهندس بالمأمورية لعدم خبرته فى مجال الصوتيات والمرئيات، إلا أنه مضى فى مباشرتها وقام بقبض الأمانة، فتقدم المدعى بشكوى اتهم فيها ذلك المهندس باختلاس المال العام والاستيلاء عليه وانتحال صفة الخبير ذى الحق فى اقتضاء الأمانة، ومن ثم ارتكابه الجرائم المنصوص عليها فى المواد (112، 113، 211) من قانون العقوبات، وقامت النيابة العامة بتحقيق هذه الشكوى بسماع أقوال وكيل المدعى الذى ادعى مدنياً مطالباً إلزام المشكو ضده بتعويضه مؤقتاً بما مقداره واحد وخمسون جنيهاً . وإذ أصدرت النيابة العامة قرارها بحفظ الأوراق وقيدها بدفتر الشكاوى الإدارية برقم 5664 لسنة 1985 إدارى عابدين، فقد تظلم الشاكى – بصفته مدعياً بالحقوق المدنية – من هذا القرار، ونظر تظلمه أمام محكمة جنايات القاهرة من عقدة فى غرفة المشورة، حيث دفع بجلسة 15 يونية 1986 بعدم دستورية المواد (63، 64، 162، 210) من قانون الإجراءات الجنائية ، فصرحت باتخاذ إجراءات الطعن بعدم دستورية المواد المشار إليها والمادة (232) من قانون الإجراءات الجنائية ، فأقام دعواه الماثلة .
وحيث إن ولاية هذه المحكمة فى الدعاوى الدستورية – وعلى ما جرى به قضاؤها – لا تقوم إلا باتصالها بالدعوى اتصالاً مطابقاً للأوضاع المقررة فى قانونها، وكان نطاق الدعوى الدستورية التى أتاح المشرع للخصوم إقامتها يتحدد بنطاق الدفع بعدم الدستورية الذى أثير أمام محكمة الموضوع، وفى الحدود التى تقدر فيها جديته، وكان المدعى – فى الدعوى الماثلة – قد دفع أمام محكمة الموضوع بعدم دستورية المواد (63، 64، 162، 210) من قانون الإجراءات الجنائية ، فصرحت له برفع الدعوى بعدم دستورية تلك المواد مضيفة إليها المادة (232) من القانون ذاته دون دفع مسبق بعدم دستوريتها، فإن الطعن بعدم دستورية هذه المادة الأخيرة يكون مجاوزاً النطاق الذى تتحدد به المسألة الدستورية التى تدعى هذه المحكمة للفصل فيها، بما مؤداه : انتفاء اتصال الدعوى الماثلة – فى شقها الخاص بالطعن على المادة (232) من قانون الإجراءات الجنائية – بالمحكمة الدستورية العليا، اتصالاً مطابقاً للأوضاع التى رسمها قانونها، والتى لا يجوز الخروج عليها بوصفها ضوابط جوهرية فرضها المشرع لمصلحة عامة كى ينتظم التداعى فى المسائل الدستورية وفقاً للقواعد التى حددها، الأمر الذى يتعين معه الحكم بعدم قبول الدعوى بالنسبة إليها، وليس سائغاً القول بأن المادة (232) المشار إليها والتى أضافتها محكمة الموضوع إلى المواد التى دفع المدعى أمامها بعدم دستوريتها، تعتبر محالة منها مباشرة إلى المحكمة الدستورية العليا، ذلك أن البند (أ) من المادة (29) من قانون هذه المحكمة وإن خول محكمة الموضوع أن تحيل من جانبها النصوص التشريعية التى تقوم لديها شبهة قوية على مخالفتها أحكام الدستور، ويكون الفصل فى دستوريتها لازماً للفصل فى الطلبات الموضوعية المرتبطة بها والمطروحة عليها، إلا أن مباشرة محكمة الموضوع لهذا الاختصاص يقتضيها أن تصدر بالإحالة حكماً بمعنى الكلمة يكون قاطعاً فى دلالته على انعقاد إرادتها على أن تعرض بنفسها المسألة الدستورية على المحكمة الدستورية العليا، وأن يكون قضاؤها بالإحالة متضمناً تحديداً كافياً للنصوص التشريعية المطعون عليها ونصوص الدستور المدعى مخالفتها والأوجه التى تقوم عليها هذه المخالفة، وهو ما لم يتحقق فى الدعوى الماثلة .
وحيث إن قضاء هذه المحكمة قد جرى على أن المصلحة الشخصية المباشرة تعد شرطاً لقبول الدعوى الدستورية ، وأن مناطها أن يكون ثمة ارتباط بينها وبين المصلحة القائمة فى الدعوى الموضوعية، وذلك بأن يكون الحكم فى المسألة الدستورية لازماً للفصل فى الطلبات المرتبطة بها والمطروحة أمام محكمة الموضوع، وكان من المقرر – وعلى ما جرى به قضاء هذه المحكمة – أن المصلحة الشخصية المباشرة لا تعتبر متحققة بالضرورة بناء على مجرد مخالفة النص التشريعى المطعون عليه للدستور، بل يتعين أن يكون هذا النص – بتطبيقه على المدعى – قد أخل بأحد الحقوق التى كفلها الدستور على نحو ألحق به ضرراً مباشراً، وبذلك يكون شرط المصلحة الشخصية المباشرة فى الدعوى الدستورية مرتبطاً بالخصم الذى أثار المسألة الدستورية، وليس بهذه المسألة فى ذاتها منظوراً إليها بصفة مجردة، وبالتالى لا تقوم هذه المصلحة إلا بتوافر شرطين أوليين يحددان معاً مفهومها، ولا يتداخل أحدهما مع الآخر أو يندمج فيه، وإن كان استقلال كل منهما عن الآخر لا ينفى تكاملهما، وبدونهما مجتمعين لا يجوز لهذه المحكمة أن تباشر رقابتها على دستورية النصوص التشريعية، أولهما: أن يقيم المدعى – وفى حدود الصفة التى اختصم بها النص التشريعى المطعون عليه – الدليل على أن ضرراً واقعياً – اقتصادياً أو غيره – قد لحق به، ويتعين أن يكون هذا الضرر مباشراً، مستقلاً بعناصره، ممكناً إدراكه ومواجهته بالترضية القضائية، وليس ضرراً متوهماً أو نظرياً أو مجهلاً، ذلك أن إسناد الرقابة الدستورية إلى هذه المحكمة لا يتوخى الفصل فى خصومة قضائية تكون فيها المصلحة نظرية صرفه كتلك التى تتوخى تقرير حكم الدستور مجرداً فى موضوع معين لأغراض أكاديمية أو أيدلوجية أو دفاعاً عن قيم مثالية يرجى تثبيتها، أو كنوع من التعبير فى الفراغ عن وجهة نظر شخصية ، أو لتوكيد مبدأ سيادة القانون فى مواجهة صور من الإخلال بمضمونه لا صلة للطاعن بها، أو لإرساء مفهوم معين فى شأن مسألة لم يترتب عليها ضرر بالطاعن ولو كانت تثير اهتماماً عاماً، وإنما قصد المشرع بهذه الرقابة أن تقدم المحكمة من خلالها الترضية التى تقتضيها أحكام الدستور عند وقوع عدوان على الحقوق التى كفلها، ومن ثم تكون هذه الرقابة موطئاً لمواجهة أضرار واقعية بغية ردها وتصفية آثارها القانونية، ولا يتصور أن تقوم المصلحة الشخصية المباشرة إلا مرتبطة بدفعها، ثانيهما: أن يكون مرد الأمر فى هذا الضرر إلى النص التشريعى المطعون عليه، بما مؤداه: قيام علاقة سببية بينهما تحتم أن يكون الضرر المدعى به ناشئاً عن هذا النص ومترتباً عليه، فإذا لم يكن النص التشريعى قد طبق على المدعى أصلاً، أو كان من غير المخاطبين بأحكامه، أو كان قد أفاد من مزاياه، أو كان الإخلال بالحقوق التى يدعيها لا يعود إليه، فإن المصلحة الشخصية المباشرة تكون منتفية، ذلك أن إبطال النص التشريعى فى هذه الصور جميعها لم يحقق للمدعى أية فائدة عملية يمكن أن يتغير بها مركزه القانونى بعد الفصل فى الدعوى الدستورية عما كان عليه قبل رفعها .
وحيث إنه بالبناء على ما تقدم، يبرز شرط المصلحة الشخصية المباشرة باعتباره محدداً لفكرة الخصومة فى الدعوى الدستورية، ومبلوراً نطاق المسألة الدستورية التى تدعى هذه المحكمة للفصل فيها، ومؤكداً ضرورة أن تكون المنفعة التى يقررها القانون هى محصلتها النهائية، ومن فصلاً دوماً عن مطابقة النص التشريعى المطعون عليه للدستور أو مخالفته لأحكامه .
وحيث إنه متى كان ما تقدم، وكان المدعى – بوصفه مدعياً بالحقوق المدنية أثناء تحقيق أجرته النيابة العامة – قد طعن فى القرار الصادر عنها بحفظ شكواه إدارياً، وكان هذا القرار لا يعدو أن يكون تصرفاً قضائياً من جانبها فى التحقيق الإبتدائى الذى أجرته متضمناً إنهاءه وقوفاً بالدعوى الجنائية عند هذه المرحلة لانتفاء مقتضيات رفعها – بحالتها – إلى القضاء، فإن ذلك القرار، وإعمالاً لنص المادة (209) من قانون الإجراءات الجنائية ينحل إلى أمر بألا وجه لإقامة الدعوى الجنائية يكون بذاته مانعاً من العودة إلى التحقيق الإبتدائى إلا إذا ظهرت دلائل جديدة قبل انتهاء المدة المقررة لسقوط الدعوى الجنائية ، وإذ طعن المدعى بالحقوق المدنية فى هذا الأمر أمام محكمة الجنايات من عقدة فى غرفة المشورة، وكانت الفقرة الأولى من المادة (210) إجراءات جنائية معدلة بالقانون 373 لسنة 1972 – التى تخول المدعى بالحقوق المدنية الطعن فى الأمر الصادر من النيابة العامة بألا وجه لإقامة الدعوى ما لم يكن صادراً فى تهمة موجهة ضد أحد الموظفين أو المستخدمين العامين أو أحد رجال الضبط لجريمة ارتكبها أثناء تأدية وظيفته أو بسببها من غير الجرائم المشار إليها فى المادة (123) عقوبات – هى التى تحول بذاتها بين المدعى بالحقوق المدنية وبين الطعن فى قرار أصدرته النيابة العامة فى شأن اتهام موجه إلى خبير يشغل وظيفة عامة بمقولة ارتكابه جريمة أثناء تأديته لواجباتها وكان الدفع بعدم الدستورية الذى أبداه المدعى أمام المحكمة من عقدة فى غرفة المشورة يتوخى فى حقيقة مرماه إسقاط حكم الفقرة الأولى سالفة البيان بوصفها عائقاً يحول دون انفتاح طريق الطعن أمامه فى القرار الصادر من النيابة العامة بألا وجه لإقامة الدعوى الجنائية فى الإطار المتقدم، فإن مصلحته الشخصية المباشرة فى الدعوى الدستورية الماثلة تنحصر فى الطعن على هذه الفقرة وحدها وذلك دون المواد (63، 64، 162) من قانون الإجراءات الجنائية التى ليس لها من صلة بطلباته أمام غرفة المشورة ؟ ذلك أن المادة (63) بفقراتها الأربع لا شأن لها بقرار بألا وجه لإقامة الدعوى الجنائية صدر عن النيابة العامة على ضوء التحقيق الابتدائى الذى أجرته وأساس ذلك أنها تنظم اختصاص النيابة العامة فى مجال تصرفها فى التهمة وفق ما أسفرت عنه أعمال الاستدلال، وهى أعمال لابد أن يعقبها بدء التحقيق الابتدائى إذا كانت الجريمة جناية، أما المادة (64) فتحدد الأحوال التى يجوز فيها للنيابة العامة أن تطلب من رئيس المحكمة الإبتدائية ندب أحد قضاتها لمباشرة التحقيق فى جناية أو جنحة، ولا صلة لها بالتالى بمصلحة المدعى بالحقوق المدنية فى دعواه الموضوعية التى يطعن فيها على قرار النيابة العامة بألا وجه لإقامة الدعوى الجنائية الصادر عنها بعد مباشرتها التحقيق بنفسها، والأمر كذلك بالنسبة إلى المادة (162) لأن حكمها خاص بحدود حق المدعى بالحقوق المدنية فى الطعن – استئنافياً – على الأمر الصادر من قاضى التحقيق بألا وجه لإقامة الدعوى الجنائية ، ومن ثم يتعين الحكم بعدم قبول الدعوى بالنسبة إلى الطعن على المواد (63، 64، 162) من قانون الإجراءات الجنائية .
وحيث إنه متى كان ما تقدم، وكانت مصلحة المدعى -فى الدعوى الماثلة – تنحصر فى الطعن على الفقرة الأولى من المادة (210) من قانون الإجراءات الجنائية فيما تضمنته من حرمان المدعى بالحقوق المدنية من الطعن فى الأمر الصادر من النيابة العامة بألا وجه لإقامة الدعوة الجنائية إذا تعلق بتهمة موجهة إلى أحد الموظفين أو المستخدمين العامين أو أحد رجال الضبط لجريمة ارتكبها أثناء تأدية الوظيفة أو بسببها ما لم تكن من الجرائم المشار إليها فى المادة (123) من قانون العقوبات، فقد غدا محتوماً إخضاع هذه الفقرة لما تتولاه هذه المحكمة من رقابة دستورية .
وحيث إن المدعى ينعى على الفقرة المشار إليها مخالفتها لمبدأ المساواة أمام القانون المنصوص عليها فى المادة (40) من الدستور بمقولة أن ما سعى إليه النص المطعون عليه من تأمين شاغل الوظيفة العامة أو القائم بالخدمة العامة من شرور الإدعاء عليه، وضمان جدية الاتهام الموجه إليه، لا يقتضى إفراده بحصانة غير مقررة بالنسبة إلى غيره من المواطنين، ذلك أن المتهمين والمجرمين يخضعون لمبدأ المساواة فلا يجوز تمييزهم إذا كانوا من الموظفين أو القائمين بخدمة عامة على غيرهم من أفراد الشعب مخدومهم .
وحيث إن هذا النعى غير سديد، ذلك أن مبدأ المساواة بين المواطنين فى الحقوق لا يعنى أن تعامل فئاتهم -على ما بينها من تباين فى مراكزهم القانونية – معاملة قانونية متكافئة ، كذلك لا يقوم هذا المبدأ على معارضة صور التمييز جميعها ذلك أن من بينها ما يستند إلى أسس موضوعية ولا ينطوى بالتالى على مخالفة لنص المادة (40) المشار إليها، بما مؤداه: أن التمييز المن هى عنه بموجبها هو ذلك الذى يكون تحكمياً، وأساس ذلك أن كل تنظيم تشريعى لا يعتبر مقصوداً لذاته، بل لتحقيق أغراض بعينها تعكس مشروعيتها إطاراً للمصلحة العامة التى يسعى المشرع إلى تحقيقها من وراء هذا التنظيم، فإذا كان النص المطعون عليه -بما انطوى عليه من تمييز- مصادماً لهذه الأغراض بحيث يستحيل منطقياً ربطه بها أو اعتباره مدخلاً إليها، فإن التمييز يكون تحكمياً وغير مستند بالتالى إلى أسس موضوعية ، ومن ثم مجافياً لنص المادة (40) من الدستور .
وحيث إنه إذ كان ذلك، وكان ادعاء من لحقه ضرر من الجريمة بالحقوق المدنية أثناء تحقيق تجريه النيابة العامة لجبر الأضرار الناجمة عن جريمة ارتكبها أحد الموظفين أو المستخدمين العامين أثناء تأدية وظيفته أو بسببها، قد يحمل فى ثناياه اتهاماً كيدياً بسبب منفعة ضيعها أحد العاملين بالدولة على المدعى بالحقوق المدنية، أو لقيام من اتهمه من هؤلاء بعمل أضر به وإن كان تنفيذاً لحكم القانون، أو لإشباع شهوة الانتقام لضغائن شخصية أو إذكاء لنزعة النيل من الآخرين تطاولاً على سمعتهم، وكان المشرع قد وازن بين حق المدعى بالحقوق المدنية فى الإدعاء المباشر – وهو حق ورد على خلاف الأصل الذى قررته المادة (70) من الدستور التى لا تجيز إقامة الدعوى الجنائية إلا بأمر من جهة قضائية فيما عدا الأحوال التى يحددها القانون – وبين ما تقتضيه إشاعة الاطمئنان بين القائمين بالعمل العام بثاً للثقة فى نفوسهم بما يكفل قيامهم بأعباء الوظيفة أو الخدمة العامة، دون تردد أو وجل يعوق الأداء الأكمل لواجباتها أو يدفعهم إلى التنصل من أعبائها توقياً لمسئوليتهم عنها، بما يثنيهم فى النهاية عن تحمل تبعاتها ويعطل قدرتهم على إتخاذ القرار الملائم، فأقر – فى إطار هذه الموازنة – نص المادة (232) إجراءات جنائية مستبعداً بموجبها الإدعاء المباشر فى مجال الجرائم التى يرتكبها الموظفون أو المستخدمون العامون أثناء تأديتهم لوظائفهم أو بسببها عدا الجرائم المنصوص عليها فى المادة (123) من قانون العقوبات، مؤكداً بهذا الاستبعاد ما قررته المذكرة الإيضاحية – للقانون رقم (121) لسنة 1956 – فى شأن هذا القيد من أن النصوص العقابية تعامل الموظفين والمستخدمين العامين فى شأن التجريم على نحو مغاير لغيرهم سواء بتغليظ العقوبة عليهم لحملهم على الوفاء بواجباتهم التى حملتهم بها، أو بإفرادهم بجرائم وعقوبات يختصون بها دون غيرهم، متى كان ذلك، وكان المشرع قد دل بالأحكام السابق بيانها على أن تخويل المدعى بالحقوق المدنية الحق فى ملاحقة هؤلاء جنائياً عن طريق الإدعاء المباشر بناء على دوافع واهية تكون المخاصمة فى إطارها شططاً إنما يلحق بالمصلحة العامة إضراراً بليغة وكان النص التشريعى المطعون فيه يحظره الطعن فى قرار النيابة العامة بألا وجه لإقامة الدعوى الجنائية فى تهمة موجهة إلى أحد الموظفين أو المستخدمين العامين لجريمة وقعت منه، أثناء تأديته وظيفته أو بسببها، قد التزم اتجاه رد غائلة العدوان عن هؤلاء فى مواجهة صور من إساءة استعمال الحق فى التعويض عن الأضرار الناشئة عن الجريمة كوسيلة لملا حقة جنائية تقوم على أدلة متخاذلة أو يكون باعثها تلك النزعة الطبيعية – عند البعض – إلى التجريح، فإن المشرع يكون قد رجح بالنص التشريعى المطعون عليه مصلحة أولى فى تقديره بالاعتبار هى تلك التى يمليها الأداء الأقوم للوظيفة العامة دون تردد يقعد بشاغليها عن الوفاء بأمانة المسئولية المرتبطة بها، وتوقياً لخوريوهن عزائمهم، ويصرفهم عن النهوض بأعبائها، متى كان ذلك، فإن النص التشريعى المطعون عليه يكون قد توخى – وعلى ما تقدم – حماية الوظيفة العامة من مخاطر اتهام موجه إلى شاغلها لا يقوم على أساس سواء من ناحية الواقع أو القانون، وهى بعد حماية لا تعنى أن قانون الإجراءات الجنائية قد أسقط عن الموظفين أو المستخدمين العامين الحق فى ملاحقتهم لمحاسبتهم أمام القضاء عن الجرائم التى وقعت منهم أثناء تأدية الوظيفة أو بسببها، ذلك أن الحق فى إقامة الدعوى الجنائية قبلهم فى شأن هذه الجرائم لا زال قائماً كلما كانت الأدلة على وقوعها بأركانها التى عينها القانون وعلى نسبتها إلى فاعلها كافية ، وإن كان زمام رفعها معقوداً للنائب العام أو المحامى العام أو رئيس النيابة العامة ، وذلك بالنظر إلى ضرورة تقدير التهمة وأدلتهما وفق مقاييس دقيقة تصون للوظيفة العامة حرمتها وتكفل السير المنتظم لها فى إطار المصلحة العامة ونزولاً على موجباتها، وبذلك تكون الواقعة محل الاتهام الجنائى وما أسفر عنه التحقيق بشأنها وحكم القانون المتعلق بها هى العناصر الموضوعية التى يتحدد على ضوئها مسار الدعوى الجنائية، إما وقوفاً بها عند مرحلة التحقيق الابتدائى بإصدار النيابة العامة أمراً بألا وجه لإقامة الدعوى الجنائية ، وإما بإحالتها إلى المحكمة المختصة بنظرها على ضوء ما توافر من الأدلة المعززة للاتهام .
وحيث إنه متى كان ذلك، وكان النص المطعون عليه قد حظر الطعن فى قرار النيابة العامة بألا وجه لإقامة الدعوى الجنائية فى الإطار المتقدم بيانه، لا بقصد تمييز بعض المتهمين أو المذنبين على بعض، وإنما لتحقيق غاية بعينها تتمثل فى صون الأداء الأفضل للوظيفة العامة من خلال توفير ضمانة لازمة تكفل لمن يقوم بأعبائها أن يوزن الاتهام إليه بمقاييس دقيقة لا يكون معها العمل العام موطئاً لشهوة التشهير بسمعته أو الازدراء بقدره دون أدلة كافية تظاهر الاتهام وترجحه، فإن النص التشريعى المطعون عليه يكون محققاً لمصلحة عامة مرتكناً فى بلوغها إلى أسس موضوعية لا تقيم فى مجال تطبيقها تمييزاً بين المخاطبين بأحكامه المتماثلة مراكزهم القانونية بالنسبة إليه، ومن ثم تكون قالة الإخلال بمبدأ المساواة أمام القانون فاقدة لأساسها حرية بالرفض .
وحيث إن المدعى ينعى على النص المطعون عليه مخالفته المواد (3، 64، 65) من الدستور، بمقولة أن الدولة هى جماع مؤسساتها التى تضم الموظفين والمستخدمين العامين كافة، وأنه إذ نص الدستور فى المادة (64) على أن سيادة القانون أساس الحكم فى الدولة، وقرر فى المادة (65) خضوع الدولة للقانون، فإن النص التشريعى المطعون عليه إذ حال بين المدعى بالحقوق المدنية والطعن فى قرار النيابة العامة بألا وجه لإقامة الدعوى الجنائية فى تهمة موجهة إلى موظف أو مستخدم عام لجريمة وقعت منه أثناء تأديته وظيفته أو بسببها، يكون قد جاء مصادماً لهاتين المادتين ومخالفاً كذلك للمادة (3) من الدستور التى تعقد السيادة للشعب وحده .
وحيث إن هذا النعى مردود بأن الأصل فى النصوص الدستورية – وعلى ما جرى به قضاء هذه المحكمة – أنها تؤخذ باعتبارها متكاملة وأن المعانى التى تتولد عنها يتعين أن تكون مترابطة فيما بينها بما يرد عنها التناقض أو التنافر، وكان الدستور بعد أن نص فى المادة (3) على أن السيادة للشعب وحده، حتم أن تكون ممارستها وحمايتها على الوجه المبين فى الدستور، بما مؤداه: أن أحكامه هى التى تحدد قواعد مباشرتها وتبين تخومها وكان الدستور قد خول المحكوم له – وبوصفه مدعياً بالحقوق المدنية – الحق فى الإدعاء المباشر فى حالة بذاتها هى جريمة الامتناع عن تنفيذ الأحكام القضائية أو تعطيل تنفيذها المنصوص عليها فى المادة (72) منه، وفرض المشرع فيما عداها – وعلى ما تنص عليه المادة (70) – لتحديد الأحوال التى تقام فيها الدعوى الجنائية عن غير طريق الجهة القضائية ويندرج تحتها الحق فى الإدعاء المباشر، وكان المشرع فى إطار هذا التفويض وإلتزاماً بأبعاده قد استبعد من نطاق الإدعاء المباشر أى جناية أو جنحة يكون الاتهام بارتكابها أثناء تأدية الوظيفة العامة أو بسببها موجهاً إلى أحد الموظفين أو المستخدمين العامين وذلك لضمان الأداء الأفضل للوظيفة العامة على ما تقدم، وكان النص التشريعى المطعون عليه متعلقاً بجرائم الوظيفة العامة واقعاً فى إطارها مستلهماً الاعتبارات عينها التى قرر المشرع من أجلها استبعاد الإدعاء المباشر فى مجال الجرائم الوظيفية ودون ما إهدار للحق فى إحالتها إلى القضاء المختص بنظرها عن طريق النائب العام أو المحامى العام أو رئيس النيابة العامة إذا ما كانت الأدلة على وقوع الجريمة وعلى نسبتها إلى المتهم كافية، وكان حظر الطعن الذى تضمنه النص التشريعى المطعون عليه متعلقاً بقرار بألا وجه لإقامة الدعوى الجنائية صدر عن النيابة العامة على ضوء تحقيقاتها، وكان هذا القرار قضائياً بمعنى الكلمة ، فإن حظر الطعن فيه يدخل فى نطاق السلطة التقديرية التى يملكها المشرع فى مجال تنظيم الحقوق، بما لا مخالفة فيه لأحكام المواد (3، 64، 65) من الدستور .
وحيث إن المدعى ينعى على النص التشريعى المطعون عليه إخلاله بالحق فى التقاضى إذ منع المضرور من الجريمة التى ارتكبها موظف أو مستخدم عام أثناء تأدية وظيفته أو بسببها، من اللجوء إلى قاضيه الطبيعى لطلب التعويض من المسئول عن الفعل الضار فضلاً عن القصاص منه .
وحيث إن هذا النعى مردود، ذلك أن المشرع وإن خول من لحقه ضرر من الجريمة أن يدعى بحقوق مدنية أثناء إجراء التحقيق، إلا أن اللجوء إلى القضاء الجنائى للفصل فى الحقوق المدنية لا يعدو أن يكون استثناء من أصل اختصاص القضاء المدنى بنظر الدعوى المتعلقة بها، ومن ثم كانت الدعوى المدنية المنظورة أمام القضاء الجنائى تابعة للدعوى الجنائية ، وكان المدعى بالحقوق المدنية بالخيار بين ولوج أحد الطرفين المدنى أو الجنائى إذا كان كلاهما مفتوحاً أمامه، فإذا انغلق الطريق الاستثنائى بالنسبة إليه، ظل حقه فى طلب تعويض الأضرار الناشئة عن الجريمة قائماً أمام القضاء المدنى، بوصفه حقاً أصيلاً – لا استثنائياً – بما مؤداه: أن الأصل هو أن يكون الفصل فى الدعوى المدنية بيد هذا القضاء بوصفه قاضيها الطبيعى، ومن ثم لا يكون النص التشريعى المطعون عليه قد حال دون لجوء المدعى بالحقوق المدنية إليه لجبر الضرر الذى لحقه من الجريمة التى ارتكبها احد الموظفين أو المستخدمين العامين، ذلك أن الطريق إلى اقتضاء الحقوق المدنية أمام قاضيها الطبيعى يظل مفتوحاً ولا يسقط حقه فيه إلا بسقوط الحق فى الدعوى التى تقام لطلبها .
وحيث إنه عن الإدعاء بحرمان المدعى بالحقوق المدنية من القصاص من هؤلاء لجريمة وقعت منهم أثناء تأدية الوظيفة أو بسببها، فمردود بأن الحق فى الإدعاء المباشر ليس إلا استثناء من أصل رفع الدعوى الجنائية بأمر من جهة قضائية ، وقد أغلق المشرع – فى حدود سلطته التقديرية ولاعتبارات تتعلق بالمصلحة العامة على ما سلف بيانه – هذا الطريق فى مجال الجرائم الوظيفية ودون ما إهدار للحق فى ملاحقة مرتكبيها جنائياً وفق مقاييس موضوعية وعلى ضوء الأدلة التى تعزز الاتهام وترجحه، إذ كان ما تقدم، فإن النص التشريعى المطعون عليه لا يكون قد اخل بالحق فى الفصل فى الحقوق المدنية لجبر الضرر الناشئ عن الجريمة الوظيفية أو أهدر الحق فى القصاص من مرتكبها الأمر الذى يعتبر معه هذا النعى برمته على غير أساس.
وحيث إن ما ينعاه المدعى على النص التشريعى المطعون عليه من أنه حصن قراراً صدر عن النيابة العامة بألا وجه لإقامة الدعوى الجنائية بالمخالفة لنص المادة (68) من الدستور، مردود بأن ما قررته هذه المادة من عدم جواز النص فى القوانين على تحصين أى عمل أو قرار إدارى من رقابة القضاء، لا ينسحب إلى القرارات القضائية، ويندرج تحتها الأمر بألا وجه لإقامة الدعوى الجنائية الصادر عن النيابة العامة على ضوء التحقيق الذى أجرته، إذ يعتبر قراراً قضائياً بمعنى الكلمة ويجوز بالتالى حظر الطعن فيه فى نطاق المسائل التى فصل فيها.
وحيث إنه متى كان ما تقدم، وكان النص المطعون عليه لا يخالف من أوجه أخرى أى حكم من أحكام الدستور، فإنه يتعين والحالة هذه رفض الدعوى بالنسبة إلى الطعن على الفقرة الأولى من المادة (210) من قانون الإجراءات الجنائية .
فلهذه الأسباب
حكمت المحكمة بعدم قبول الدعوى بالنسبة إلى الطعن على نصوص المواد (63، 64، 162، 232) من قانون الإجراءات الجنائية، وبرفضها بالنسبة إلى الطعن على نص الفقرة الأولى من المادة (210) من القانون ذاته، فيما تضمنه من عدم تخويل المدعى بالحقوق المدنية حق الطعن فى أمر النيابة العامة بأن لا وجه لإقامة الدعوى الجنائية الصادر فى تهمة موجهة إلى موظف أو مستخدم عام أو أحد رجال الضبط لجريمة وقعت منه أثناء تأديته وظيفته أو بسببها ما لم تكن من الجرائم المشار إليها فى المادة (123) من قانون العقوبات، وبمصادرة الكفالة، وألزمت المدعى المصروفات، ومبلغ مائة جنيه مقابل أتعاب المحاماة .