الدعوى 2 لسنة 20 – دستورية – المحكمة الدستورية العليا – مرفوعة علنية رقم 2 لسنة 20 بتاريخ 05/08/2000

Facebook
Twitter

الدعوى 2 لسنة 20 – دستورية – المحكمة الدستورية العليا – مرفوعة علنية رقم 2 لسنة 20 بتاريخ 05/08/2000

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
باسم الشعب
المحكمة الدستورية العليا
بالجلسة العلنية المنعقدة يوم السبت 5 أغسطس سنة 2000 الموافق 5 جمادى الأولى سنة 1421ه
برئاسة السيد المستشار / محمد ولى الدين جلال رئيس المحكمة
وعضوية السادة المستشارين / ماهر البحيرى ومحمد على سيف الدين وعدلي محمود منصور ومحمد عبد القادر عبد الله وعلى عوض محمد صالح وأنور رشاد العاصى
وحضور السيد المستشار / عبد الوهاب عبد الرازق رئيس هيئة المفوضين
وحضور السيد / ناصر إمام محمد حسن أمين السر
أصدرت الحكم الآتى

فى القضية المقيدة بجدول المحكمة الدستورية العليا برقم 2 لسنة 20 قضائية دستورية
المقامة من
السيد / جلال عبده متولى علام
ضد
1 – السيد رئيس مجلس الشعب
2- السيد رئيس مجلس الوزراء
3 – السيد وزير العدل
الإجراءات
بتاريخ 5 من يناير سنة 1998، أودع المدعى صحيفة هذه الدعوى قلم كتاب المحكمة ، طالبا فى ختامها الحكم بعدم دستورية نص المادتين 22 فقرة أولى و22 مكرراً (1) فقرة ثانية من القانون رقم 106 لسنة 1976 فى شأن توجيه وتنظيم أعمال البناء معدلتين بالقانون رقم 25 لسنة 1992
وقدمت هيئة قضايا الدولة مذكرة طلبت فيها الحكم برفض الدعوى
وبعد تحضير الدعوى ، أودعت هيئة المفوضين تقريراً برأيها
ونظرت الدعوى على النحو المبين بمحضر الجلسة ، وقررت المحكمة إصدار الحكم فيها بجلسة اليوم
المحكمة
بعد الاطلاع على الأوراق، والمداولة
حيث إن الوقائع – على ما يبين من صحيفة الدعوى وسائر الأوراق – تتحصل فى أن النيابة العامة كانت قد أقامت ضد المدعى الجنحة رقم 7471 لسنة 1995 قسم كفر الشيخ متهمة إياه بأنه أقام المبنى الموضح بالأوراق بدون ترخيص من الجهة الإدارية المختصة بشئون التنظيم، وبجلسة 23/12/1995 قضت المحكمة غيابياً بتغريم المتهم قيمة الأعمال المخالفة وغرامة إضافية لصالح حساب صندوق مشروعات الإسكان، وإذ تأيد هذا الحكم لدى المعارضة فيه فقد طعن عليه المدعى بالاستئناف رقم 839 لسنة 1997 جنح مستأنف كفر الشيخ، وأثناء نظره دفع بعدم دستورية المادتين 22 فقرة أولى و 22 مكرراً (1) فقرة ثانية من القانون رقم 106 لسنة 1976 المشار إليه معدلاً بالقانون رقم 25 لسنة 1992 وإذ قدرت المحكمة جدية هذا الدفع وصرحت له بإقامة الدعوى الدستورية فقد أقام الدعوى الماثلة
وحيث إن الفقرة الأولى من المادة 22 من القانون رقم 106 لسنة 1976 فى شأن توجيه وتنظيم أعمال البناء قبل تعديلها بالقانون رقم 101 لسنة 1996 كانت تنص على أنه مع عدم الإخلال بأية عقوبة أشد ينص عليها قانون العقوبات أو أى قانون آخر يعاقب بالحبس وبغرامة لا تجاوز قيمة الأعمال أو مواد البناء المتعامل فيها بحسب الأحوال أو بإحدى هاتين العقوبتين كل من يخالف أحكام المواد 4و5و6 مكرراً و7و8 و9و11و12و13و14و17 من هذا القانون أو لائحته التنفيذية أو القرارات الصادرة تنفيذاً له
وتنص المادة 22 مكرراً (1) على أنه : يجب الحكم فضلاً عن العقوبات المقررة فى هذا القانون بإزالة أو تصحيح أو استكمال الأعمال المخالفة بما يجعلها متفقة مع أحكام هذا القانون ولائحته التنفيذية
وفى غير الحالات التى يتعين فيها الحكم بالإزالة يحكم بغرامة إضافية لا تقل عن مثلى قيمة الأعمال المخالفة ، ولا تجاوز ثلاثة أمثال قيمة الأعمال المذكورة وقت صدور الحكم وتؤول حصيلة هذه الغرامة إلى حساب تمويل مشروعات الإسكان الاقتصادى بالمحافظة وتخصص للصرف منها فى أغراضه
وينعى المدعى على النصين الطعينين تعارضهما مع أحكام الشريعة الإسلامية التى تدعو إلى عمارة الأرض، واعتداءهما على الملكية الخاصة بإيقاع عقوبتين من جنس واحد عن ذات الفعل، مع المغالاة فى تقدير هاتين العقوبتين بالمخالفة لمبدأى العدالة والشرعية الجنائية ؛ بالإضافة إلى أن ما تضمنه النص الطعين الثانى من تخصيص حصيلة الغرامة الإضافية لصندوق مشروعات الإسكان الاقتصادى يشكل انحيازاً – مخلاً بالمساواة – من المشرع لصالح هذا الصندوق على حساب المخالفين، وبالتالى يكون النصان الطعينان مخالفين لأحكام المواد 2، 32، 34، 36، 40 من الدستور
وحيث إن هذا النعى مردود أولاً : بأن قضاء هذه المحكمة جرى على أن ما نصت عليه المادة الثانية من الدستور بعد تعديلها فى سنة 1980 – إنما يتمحض عن قيد يجب على السلطة التشريعية التزامه فى التشريعات الصادرة بعد العمل بالتعديل الدستورى المشار إليه – ومن بينها المادتان محل الطعن بعد تعديلهما بالقانونين رقم 30 لسنة 1983 ورقم 25 لسنة 1992 – فلا يجوز لهذه النصوص أن تناقض الأحكام الشرعية القطعية فى ثبوتها ودلالتها باعتبار أن هذه الأحكام وحدها هى التى يكون الاجتهاد فيها ممتنعاً، لأنها تمثل من الشريعة الإسلامية مبادئها الكلية وأصولها الثابتة التى لا تحتمل تأويلاً أو تبديلاً ولا كذلك الأحكام الظنية غير المقطوع بثبوتها أو بدلالتها أو هما معاً، ذلك أن دائرة الاجتهاد تنحصر فيها ولا تمتد لسواها، وهى بطبيعتها متطورة تتغير بتغير الزمان والم كان لضمان مرونتها وحيويتها، ولمواجهة النوازل على اختلافها تنظيماً لشئون العباد بما يكفل مصالحهم المعتبرة شرعاً ولا يعطل بالتالى حركتهم فى الحياة ومن ثم فإن الاجتهاد يكون سائغاً فى المسائل الاختلافية التى لايجوز أن تكون أحكامها جامدة مما ينقض كمال الشريعة ومرونتها، طالما كان واقعاً فى إطار الأصول الكلية للشريعة لا يجاوزها، مستخلصاً عن طريق الإدلة الشرعية النقلية منها والعقلية كافلاً صون المقاصد العامة للشريعة ، متى كان ذلك وكان النصان الطعينان لا يخالفان حكماً شرعياً قطعى الثبوت والدلالة ، وإنما تضمنا تقرير العقوبة الجنائية – تعزيراً – على مخالفة أحكام يجوز لولى الأمر الاجتهاد فيها بما يراه أصلح لتنظيم المجتمع فى إطار القواعد الكلية للشريعة ، فإن النعى عليهما بمخالفة المادة الثانية من الدستور يكون مفتقداً لسنده
ومردود ثانيا : بأن الأصل فى سلطة المشرع فى موضوع تنظيم الحقوق، أنها سلطة تقديرية مالم يقيدها الدستور بضوابط محددة تعتبر تخوما لها لايجوز اقتحامها أو تخطيها ويتمثل جوهر هذه السلطة – وعلى ماجرى به قضاء هذه المحكمة – فى المفاضلة بين البدائل المختلفة التى تتزاحم فيما بينها وفق تقديره لتنظيم موضوع محدد، فلا يختار من بينها إلا ما يكون منها عنده مناسبا أكثر من غيره لتحقيق الأغراض التى يتوخاها وكلما كان التنظيم التشريعى مرتبطا منطقيا بهذه الأغراض – وبافتراض مشروعيتها – كان هذا التنظيم موافقا للدستور وإذ كانت المبانى التى يقيمها أصحابها بدون ترخيص، أو على خلاف الأصول الفنية ، تعد عملا عشوائيا يهدد بتداعيها، أو ينتقص من مقوماتها، بما يخل بأمن سكانها وجيرانهم فإن تلك المخاطر تستدعى تدخل المشرع لتوقيها درءًا لمفاسدها، بما لا إخلال فيه للدستور
ومردود ثالثاً : بأن قضاء هذه المحكمة قد جرى على أن القانون الجنائى وإن اتفق مع غيره من القوانين فى سعيها لتنظيم علائق الأفراد فيما بين بعضهم البعض وكذلك على صعيد علاقاتهم بمجتمعاتهم، إلا أن القانون الجنائى يفارقها فى اتخاذه العقوبة أداة لتقويم ما لايجوز التسامح فيه اجتماعيا من مظاهر سلوكهم وشرط ذلك أن يكون الجزاء الجنائى حائلا دون الولوغ فى الاجرام، ملبيا ضرورة أن يتهيأ المذنبون لحياة أفضل مستلهما أوضاع الجناة وخصائص جرائمهم وظروفها، نائيا بعقابهم عن أن يكون غلوا أو تفريطا بما يفقد فعالية القواعد التى تدار العدالة الجنائية على ضوئها ويتعين بالتالى أن يكون الجزاء الجنائى محيطا بهذه العوامل جميعا، وأن يصاغ على هديها، فلا يتحدد بالنظر إلى واحد منها دون غيره والبين من استعراض التشريعات المتعاقبة المنظمة للبناء، أنها قد حددت حصراً الأفعال التى أثمتها وأحاطتها بالجزاء الرادع لضمان مراعاة الأصول الفنية المقررة قانوناً فى تصميم أعمال البناء أو تنفيذها أو متابعتها وفق رسوماتها وبياناتها التى منح الترخيص على أساسها، وقد تدرج المشرع فى تغليظ هذا الجزاء كلما استبان له استهانة المخالفين واستفحال المخالفات وتعاظم شأنها مراعيا فى ذلك الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية ، فبدأ أولاً بالغرامة وحدها بالقانون رقم 51 لسنة 1940 ثم أضاف إلى الغرامة عقوبة الحبس مدة لا تزيد على ستة أشهر أو إحدى هاتين العقوبتين ( مادة 22 من القانون رقم 106 سنة 1976 ) ثم عدلت العقوبة بالقانون رقم 30 لسنة 1983 إلى الحبس وغرامة تعادل قيمة الأعمال أو مواد البناء المتعامل فيها بحسب الأحوال أو بإحدى هاتين العقوبتين، ثم عدلت الغرامة بالقانون رقم 25 لسنة 1992 على النحو الوارد بالنص الطعين، وإذ قدر المشرع أن تلك العقوبات لم تؤد إلى ردع المخالفين، وإنما استمروا فى غيهم غير عابئين، فقد أضاف إليها وجوب الحكم بإزالة أو تصحيح أو استكمال الأعمال المخالفة ؛ وإذ استبدل المشرع بالإزالة – فى الأحوال التى لا يتعين فيها الحكم بذلك – عقوبة الغرامة الإضافية على النحو الوارد بالفقرة الثانية من المادة 22 مكرراً (1) محل الطعن الماثل محافظة منه على الثروة العقارية وتقديراً لدورها فى حل أزمة الإسكان، مستشعراً كفاية تلك الغرامة الإضافية فى ردع المخالفين كبديل عن توقيع عقوبة الإزالة فى الحالات التى لايكون فيها القضاء بالإزالة حتمياً ؛ فإن مسلكه هذا يندرج فى نطاق السلطة التقديرية المقررة له، وإذ كانت هذه العقوبة – طبقاً لما تقدم – قد استقامت على قواعد تجعلها ملائمة ومبررة فإن إحلال هذه المحكمة لخياراتها محل تقدير المشرع فى هذا الشأن لايكون جائزاً دستورياً
ومردود رابعاً : بأن صندوق مشروعات الإسكان الاقتصادى قد أنشأه المشرع بالقانون رقم 107 لسنة 1976 قاصدا من ورائه – وعلى ما دلت عليه مذكرته الإيضاحية – توفير المسكن الصحى والملائم بالأجر الذى يتناسب مع دخول طبقات الشعب، ليس فقط كضرورة من ضرورات التقدم وخلق حياة أفضل للمواطنين ولكن كضرورة من ضرورات التنمية لرفع مستوى الكفاية الإنتاجية والاجتماعية أيضاً، وهو الأمر الذى يتفق مع التزام الدولة المنصوص عليه فى المادة 16 من الدستور بكفالة الخدمات الثقافية والاجتماعية والصحية ، ومن ثم فإن تخصيص حصيلة الغرامات المحكوم بها بموجب النص الطعين عند مخالفة القواعد المنظمة لأعمال البناء، لتمويل الصندوق المشار إليه، إنما يستهدف إمداده بالأموال اللازمة لتحقيق أغراضه بما لا مخالفة فيه لأحكام الدستور
فلهذه الأسباب
حكمت المحكمة برفض الدعوى وبمصادرة الكفالة ، وألزمت المدعى المصروفات ومبلغ مائة جنيه مقابل أتعاب المحاماة