الدعوى 2 لسنة 9 – دستورية – المحكمة الدستورية العليا – مرفوعة علنية رقم 2 لسنة 9 بتاريخ 01/02/1992

Facebook
Twitter

الدعوى 2 لسنة 9 – دستورية – المحكمة الدستورية العليا – مرفوعة علنية رقم 2 لسنة 9 بتاريخ 01/02/1992
صورة التشريع

باسم الشعب

المحكمة الدستورية العليا
بالجلسة العلنية المنعقدة فى يوم السبت أول فبراير سنة 1992م الموافق 27 رجب سنة 1412ه .
برئاسة السيد المستشار/ عوض محمد عوض المر رئيس المحكمة
وحضور السادة المستشارين/ الدكتور محمد إبراهيم أبو العينين ومحمد ولي الدين جلال وفاروق عبد الرحيم غنيم وسامي فرج يوسف والدكتور عبد المجيد فياض وماهر البحيري أعضاء
وحضور السيد المستشار/ السيد عبد الحميد عماره المفوض
وحضور السيد/ رأفت محمد عبد الواحد أمين السر
أصدرت الحكم الآتي
فى القضية المقيدة بجدول المحكمة الدستورية العليا برقم 2 لسنة 9 قضائية دستورية .
المرفوعة من
– السيد/ مالك محمد علوان.
ضد
1- السيد/ رئيس الجمهورية .
2- السيد/ وزير العدل.
الإجراءات
بتاريخ 26 يناير سنة 1987 أودع المدعى صحيفة هذه الدعوى قلم كتاب المحكمة طالباً الحكم بعدم دستورية المادة (111) من قانون السلطة القضائية الصادر بالقرار بقانون رقم 46 لسنة 1972 فيما تضمنته من عدم جواز الطعن فى القرار الصادر عن مجلس الصلاحية .
وقدمت هيئة قضايا الدولة مذكرة طلبت فيها الحكم برفض الدعوى .
وبعد تحضير الدعوى أودعت هيئة المفوضين تقريراً برأيها.
ونظرت الدعوى على الوجه المبين بمحضر الجلسة ، وقررت المحكمة إصدار الحكم فيها بجلسة اليوم.
المحكمة
بعد الإطلاع على الأوراق والمداولة .
حيث أن الوقائع على ما بين من صحيفة الدعوى وسائر الأوراق – تتحصل فى أن مجلس الصالحية كان قد قضى بإحالة المدعى إلى المعاش لما نسب إليه فى مذكرة مقدمة من إدارة التفتيش القضائي بوزارة العدل إعمالاً لحكم المادة (111) من قانون السلطة القضائية الصادر بالقرار بقانون رقم 46 لسنة 1972 المعدل بالقانون رقم 35 لسنة 1984، فطعن على قرار أحالته إلى المعاش أمام الدائرة المدنية بمحكمة النقض – دائرة طلبات رجال القضاء – حيث قيد طلبه برقم 86 لسنة 55 قضائية . وأثناء نظر هذه الدائرة لذلك الطلب بلجسة 6 يناير سنة 1987 دفع بعدم دستورية المادة (11) من قانون السلطة القضائية المشار إليه، وإذ ارتأت جدية الدفع قررت تأجيل نظر الدعوى إلى جلسة 10 مارس سنة 1987 ليرفع المدعى الدعوى الدستورية ، فقد أقام الدعوى الماثلة .
وحيث إن المدعى ينعى على المادة 111 المطعون عليها مخالفتها للدستور من عدة أوجه أولها : أن ما يصدر عن مجلس الصلاحية فصلاً فى الطلب المقدم إليه بشأن زوال صلاحية القاضى لولاية القضاء لغير الأسباب الصحية لا يعد حكماً إذ لا تتوافر فيه خصائص القرار القضائى بعد أن جرد قانون السلطة القضائية دعوى الصلاحية من عدد من الضمانات الأساسية التى كفلها فى مجال الدعوى التأديبية، هى تلك المنصوص عليها فى المواد 99 و 100 و 102 منه . وإذ حظر النص المطعون فيه الطعن فى القرار الصادر عن مجلس الصلاحية – وهو لا يعدو أن يكون قراراً إدارياً – فقد أخل بحكم الفقرة الثانية من المادة 68 من الدستور التى لا تجيز إسباغ الحصانة المانعة من الخضوع لرقابة القضاء على الأعمال والقرارات الإدارية على اختلافها . ثانيها : أن ضمانة الدفاع التى كفلتها الفقرة الأولى من المادة 69 من الدستور غير متحققة فى النص المطعون فيه إذ أخل بمقوماتها . ثالثها : أن تقرير صلاحية القضاة للاستمرار فى وظائفهم القضائية أو نفى هذه الصلاحية عنهم مسألة وثيقة الصلة بشئونهم التى كان ينبغى أن تقوم عليها الدائرة المدنية والتجارية بمحكمة النقض بوصفها قاضيهم الطبيعى وفقاً للفقرة الأولى من المادة 68 من الدستور .الأمر الذى ينطوى على التمييز – فى مجال اللجوء إليه – بينهم وبين غيرهم من المواطنين بالمخالفة لنص المادة 40 من الدستور .
وحيث إن من بين ما ينعاه المدعى فى الدعوى الماثلة على مجلس الصلاحية المنصوص عليه فى المادة 98 من قانون السلطة القضائية، أن قراره بنقل القاضى إلى وظيفة غير قضائية أو بإحالته إلى المعاش لا يعتبر قراراً قضائياً ما لم يكن الإطار الذى يعمل فيه هذا المجلس مشتملاً على ضمانات الدعوى التأديبية المنصوص عليها فى المواد 99 ، 100 ، 102 من هذا القانون.
وحيث إن هذا النعى مردود بأن من ضمانات الدعوى التأديبية ما هو خاص بها لتعلقه بطبيعتها . وانصرافها إلى الدعوى التأديبية دون سواها يفيد بالضرورة عدم انسحابها إلى دعوى الصلاحية التى لا تختلط بالدعوى التأديبية ولا تُعد فرعاً منها ، ذلك أن قانون السلطة القضائية قصد إلى المغايرة بين نظامين لكل منهما مجال يعمل فيه، هما المساءلة التأديبية التى فصل أحكامها فى المواد من 99 إلى 110 من هذا القانون ، ونظام الصلاحية لولاية القضاء الذى أفرد له المادة 111 لينظم موضوعها، وإذ غاير المشرع بين هذين النظامين فى الخصائص والآثار، فإن تطابقهما من كل الوجوه يغدو أمراً مستحيلاً ، وإلا فقد أحدهما مغزاه، ولكان متعيناً دمجهما معاً فى نظام واحد يكون بذاته نافياً لاستقلال كل منهما عن الآخر .
وحيث إن الأصل فى الدعوى التأديبية أنها لا تقام إلا عن تهمة محددة تظاهرها الأدلة المؤيدة لها ، ومن ثم يتعين أن تكون إقامتها – وعلى ما تنص عليه المادة 99 من قانون السلطة القضائية الصادر بالقرار بقانون رقم 46 لسنة 1972 بناء على تحقيق جنائى أو إدارى، يتولاه أحد نواب رئيس محكمة النقض أو رئيس محكمة استئناف يندبه وزير العدل بالنسبة إلى المستشارين أو مستشار من إدارة التفتيش القضائى بالنسبة إلى الرؤساء بالمحاكم الابتدائية وقضاتها ، وبالتالى يكون التحقيق الجنائى أو الإدارى الذى يتم إجراؤه قبل إقامة الدعوى التأديبية وفقاً لنص المادة 99 المشار إليها ضمانة جوهرية غايتها الاستيثاق مما إذا كانت الوقائع المنسوبة إلى القاضى لها معينها من الأوراق، وترقى بما لها من خصائص إلى مرتبة التهمة المحددة التى يجوز أن تقام الدعوى التأديبية عنها .
وحيث إنه استصحاباً لطبيعة الدعوى التأديبية ، نص قانون السلطة القضائية الصادر بالقرار بقانون رقم 46 لسنة 1972 فى المادة 100 منه على أن تكون عريضتها مشتملة على بيان بالتهمة والأدلة المؤيدة لها باعتبار أن الدعوى التأديبية لا يجوز رفعها إلا عن واقعة بذاتها أو وقائع محددة عناصرها تفصيلاً بوصفها محل المؤاخذة المسلكية ، ولأن إسنادها إلى شخص بذاته يتطلب أن يكون على بينة منها بما ينفى التجهيل بها، وتلك هى الغاية التى استهدفتها كذلك المادة 102 من القرار بقانون المشار إليه، وذلك بإيجابها أن تكون الدعوة الموجهة إلى القاضى للمثول أمام مجلس التأديب متضمنة بياناً كافياً لموضوع الدعوى ولأدلة الاتهام المؤيدة لوقوع الجريمة التأديبية، وذلك إذا رأى هذا المجلس وجهاً للسير فى إجراءات المحاكمة عن جميع التهم أو بعضها، والأمر على نقيض ذلك فى مجال دعوى الصلاحية المغايرة فى الأساس الذى تقوم عليه الدعوى التأديبية، ولا تعتبر بالتالى من طبيعتها أو تندرج تحت مفهومها، ذلك أن دعوى الصلاحية لا تقوم فى الأصل على تهمة محددة جرى إسنادها إلى القاضى، وإن صح الارتكان إلى الحكم الصادر فى شأنها لتقييم حالته على ضوء الشروط التى يتطلبها المشرع فيمن يولى القضاء، ومن بينها أن يكون شاغل الوظيفة القضائية محمود السيرة حسن السمعة، وهو شرط لا ينفك عنه بل يلازمه دوماً ما بقى قائماً بأعبائها بحيث إذا انتفت صلاحيته للاستمرار فيها ، تعين بقرار من مجلس الصلاحية إحالته إلى المعاش أو نقله إلى وظيفة أخرى بعيداً عن العمل القضائى، وليس لازماً أن تكون عناصر الواقعة الواحدة مؤيدة فى كل جزئياتها بالأدلة المثبتة بها، وإنما يجوز أن يؤسس مجلس الصلاحية قراره على ما يتولد من الانطباع عن أفعال أتاها القاضى وتناقلتها ألسن الناس فى محيط اجتماعى معين، واستقر أمرها فى وجدانهم كحقيقة تزعزع الثقة فيه وتنال من اعتباره ، وبالتالى لا يرتبط قرار مجلس الصلاحية لزوماً بواقعة معينة، بل يقوم عمل المجلس فى جوهره على تقييم لحالة القاضى فى مجموعها من حيث صلاحيته للاستمرار فى وظيفته القضائية، وتنحل دعوى الصلاحية بالتالى إلى دعوى أهلية يراعى عند الفصل فيها الاعتداد بالعناصر المختلفة التى تتصل بهذا التقييم حتى ما كان منها متعلقاً بحقبة ماضية ، ذلك أن الأمر المعتبر فى تقدير حالة القاضى هو النهج الذى احتذاه طريقاً ثابتاً فى مظاهر سلوكه المختلفة ، ومن ثم لا يتقيد تقدير مجلس الصلاحية للقيم التى التزمها بفترة معينة دون أخرى، ولا بواقعة دون غيرها، وإنما يقلب البصر فى الصورة المتكاملة لسمعته وسيرته ، وما استقر فى شأنها بطريق التواتر ماضياً وحاضراً، ذلك أن عمل القاضى لا يقاس بغيره من الموظفين العامين، ولا هو يؤاخذ بالضوابط المعمول بها فى شأن واجباتهم الوظيفية، وإنما يتعين أن تكون مقاييس سلوكه أكثر صرامة وأشد حزماً نأياً بالعمل القضائى عن أن تحيطه الشبهات أو تكتنفه مواطن الريب التى تلقى بذاتها ظلا لاً قاتمة على حيدته ونزاهته ، وتتضاءل معها أو تنعدم الثقة فى القائمين عليه بما يستوجب الحكم بانتفاء صلاحية القاضى لولاية القضاء وإبعاده عن محيط العمل القضائى إذا ما انزلق إلى أفعال كان ينبغى عليه أن يتجنبها صوناً لهيبة الوظيفة القضائية، وتوكيداً لسمو شأنها، وتوقياً للتعريض بها إذا لابستها عوامل تنتقص من كرامتها، أو داخلتها المآخذ التى لا يطمأن معها إلى الالتزام بقيمها الرفيعة .
وحيث إن قانون السلطة القضائية نظم فى المادة 111 منه الأحكام المتعلقة بدعوى الصلاحية، فنص فى فقرتها الأولى على أنه إذا ظهر فى أى وقت أن القاضى فقد أسباب الصلاحية لولاية القضاء لغير الأسباب الصحية، يرفع طلب الإحالة إلى المعاش أو النقل إلى وظيفة أخرى غير قضائية من وزير العدل من تلقاء نفسه، أو بناء على طلب رئيس المحكمة إلى المجلس المشار إليه فى المادة 98 منه، ولهذا المجلس إذا رأى محلاً للسير فى الإجراءات أن يندب عند الاقتضاء أحد أعضائه لإجراء ما يلزم من التحقيقات، ويدعو المجلس القاضى للحضور أمامه بميعاد ثلاثة أيام، كما تنص فقرتها الثانية على أنه بعد سماع طلبات ممثل النيابة العامة ودفاع القاضى أو من ينوب عنه يصدر المجلس حكمه مشتملاً على الأسباب التى بنى عليها ، إما بقبول الطلب وإحالة القاضى إلى المعاش أو نقله إلى وظيفة أخرى غير قضائية، وإما برفضه الطلب . وتسرى على هذا الطلب – وعملاً بالفقرة الثالثة من المادة 111 المشار إليها – أحكام المواد 104، 105 ، 106 107 من هذا القانون .
وحيث إن البين مما تقدم، أن المشرع ناط بالمجلس المنصوص عليه فى المادة 98 من قانون السلطة القضائية، الفصل فى دعوى الصلاحية بمراعاة الأحكام التى خصها بها بمقتضى المادة 111 المشار إليها وفى إطار الضمانات الجوهرية المنصوص عليها فى المواد 104 ، 105 ، 106 ، 107 من هذا القانون .
وحيث إن مؤدى النصوص المتقدمة مجتمعة – أن الاختصاص بالفصل فى دعوى الصلاحية موكول إلى سبعة من رجال القضاء هم بطبيعة مراكزهم وأقدمياتهم على القمة من مدارج التنظيم القضائى، وبالتالى أكثر خبرة ودراية بأوضاع السلطة القضائية وشئون القائمين عليها، وأعمق فهماً للمقاييس الصارمة التى يتعين أن يؤدى العمل القضائى فى إطارها، وأنفذ إلى الضوابط الكامنة فى طبيعة الوظيفة القضائية وما يرتبط بها من القيم الرفيعة التى ترد عنها كل تحرض أو شبهة تنال منها، ومن ثم يكون مجلس الصلاحية – وعلى ضوء تلك الحقائق – مهيأ أكثر من غيره للفصل فى نزاع قد يؤول إلى إبعاد القاضى عن تولى مهام الوظيفة القضائية ، وهو نزاع يتصل مباشرة بالشروط التى يتطلبها القانون فيمن يتولى القضاء ، والمعتبرة من الشئون المتصلة بجوهر الوظيفة القضائية لارتباطها بالقائمين عليها ، وكيفية النهوض بمتطلباتها ، إذ كان ذلك وكان المشرع _ إعما لاً للتفويض المخول له بمقتضى المادة 167 من الدستور فى شأن تحديد الهيئات القضائية واختصاصاتها وتنظيم طريقة تشكيلها قد اسند الفصل فى دعوى الصلاحية إلى قضاة من بين رجال السلطة القضائية يكونون أكثر إحاطة بها، واقدر على مواجهتها بحكم مواقعهم العليا فى التنظيم القضائى هم هؤلاء الذين يتكون منهم مجلس الصلاحية ، فإن إقامة هذا المجلس على شئون تلك الدعوى لا يتضمن خروجاً على نص المادة 68 من الدستور إذ هو قاضيها الطبيعى بالنسبة إلى من يحالون إليه من رجال السلطة القضائية لما أثير حولهم من أمور تمس السلطة القضائية فى صميمها وتعتبر من دخائلها .
وحيث إن المشرع افرد مجلس الصلاحية بتنظيم خاص عهد إليه بمقتضاه ولاية الفصل بصفة قضائية فى الدعوى المتعلقة بها وتتحدد ملامح هذا التنظيم فى تشكيل مجلس الصلاحية بأكمله من عناصر قضائية ، وقيامه دون غيره على شئون دعوى الصلاحية ، وهيمنته على إجراءاتها إذ ما قرر السير فيها ، فإذا بان له من الاطلاع على أوراقها أن موجبات رفعها إليه منتفية، غض النظر غير مقيد فى ذلك بطلب الإحالة إلى المعاش أو النقل إلى وظيفة غير قضائية المرفوع إليه من وزير العدل، إذ لا ينال هذا الطلب – وبه تقام دعوى الصلاحية – من السلطة المطلقة التى يملكها المجلس بصددها بلا معقب عليه من أى جهة ، وكلما رأى مجلس الصلاحية محلاً للسير فى إجراءاتها، اعتبر ذلك افتتاحاً للخصومة يؤذن بالبدء فى تحقيق موضوعها . وفى سبيل ذلك اختص المشرع مجلس الصلاحية بالحق فى أن يعهد إلى أحد أعضائه بإجراء ما يراه لازماً من أعمال التحقيق التى يستظهر بها وجه الحقيقة أو تلقى ضوءاً على بعض جوانبها انطلاقاً من أن التحقيق الذى تجريه المحكمة أو الهيئة القضائية التى خولها المشرع سلطة الحكم فى الدعوى هو الذى يكفل التوصل إلى الحقيقة الراجحة التى يقيم عليها الحكم قضاءه ، وبلوغاً لهذه الغاية خول المشرع مجلس الصلاحية وكذلك من يندبه لأعمال التحقيق حق استدعاء الشهود لسماع أقوالهم إذا كان من شأنها إيضاح بعض الوقائع التى غمض أمرها، وتجليه وجه الخفاء فيها مزوداً فى ذلك بالسلطة المخولة لمحاكم الجنح . كذلك فإن الأصل فى الإجراءات التى يتخذها المجلس هو أنها تتم فى مواجهة القاضى المرفوعة عليه الدعوى فلا يجوز للمجلس أن يحكم فى غيبته إلا بعد التحقق من صحة إعلانه . ولئن نص القانون على أن يدعو مجلس الصلاحية العضو المحال إليه للحضور أمامه بميعاد ثلاثة أيام – وهو ميعاد قصير نسبياً – إلا أن ذلك لا يخل بحقه فى الدفاع عن وجهة نظره وإبدائها كاملة أمام المجلس سواء استجاب إلى الدعوة الموجهة إليه وحضر بشخصه لدحض الوقائع المنسوبة إليه أم فوض فى الدفاع عنه أحد رجال القضاء من غير مستشارى محكمة النقض بما مؤداه ضمان حقه فى الدفاع بالأصالة أو الوكالة، شفاهة أو كتابة وتوكيداً لهذه الضمانة ذاتها، حرص المشرع على ان يخول مجلس الصلاحية الحق فى ان يطلب من العضو المحال إليه الحضور بشخصه إذا قدر ضرورة ذلك لاستيضاح بعض النقاط المثارة فى الدعوى أو التى تتصل بها كى يكون الحكم فيها صادراً عن بصر وبصيرة دالاً على انه أحاط بجوانبها المختلفة ، وتعزيزاً لضمانة الدفاع، لا يجوز لمجلس الصلاحية أن يفصل فى الدعوى المتعلقة بها إلا بعد سماع أقوال النيابة العامة ودفاع العضو المرفوعة عليه الدعوى، على ان يكون هذا العضو آخر من يتكلم بما يعنيه ذلك من ضمان حقه فى الرد تعقيباً على كل واقعه نسبتها إليه النيابة العامة أو كشفت عنها الأوراق، وتنفيذاً لأقوال الشهود توصلاً إلى إطراحها . كذلك فإن ما قرره المشرع من عدم جواز الحكم فى غيبته إلا بعد التحقق من صحة إعلانه يمثل ضمانة قصد بها – بالإضافة إلى مواجهته بكل ما قدم ضده من الأدلة – أن يقف مجلس الصلاحية على حقيقة الأمر فى شأن صلاحيته للعمل القضائى ، وهو ما يفيد لزوماً تقصيه لكل واقعة جرى إسنادها إليه كى ينزلها المنزلة التى يستحقها، ويكون عقيدته على ضوء ما ينتهى إليه بشأنها، ومن ثم فإن قالة الإخلال بحق المدعى فى الدفاع – الذى كفل الدستور أصله بالفقرة الأولى من المادة 69 منه – لا يكون لها محل .
وحيث إنه على ضوء الأحكام السالف بيانها تتمحض دعوى الصلاحية عن خصومة قضائية اسند المشرع الفصل فيها إلى مجلس الصلاحية المشكل من عناصر قضائية صرفة، وذلك باعتباره جهة قضاء تباشر بصفة دائمة اختصاصاتها المنصوص عليها فى قانون السلطة القضائية طبقاً للمادة 111 منه، وضمن إطار من الضمانات الرئيسية للتقاضى التى كفلها المشرع للعضو المرفوعة عليه الدعوى، وأخصها تكليفه الحضور أمام هذا المجلس لمواجهة ما اسند إليه، وتمكينه من إبداء دفاعه وسماع أقواله وتحقيقها ومقابلتها بطلبات النيابة العامة وأقوال الشهود ليتخذ مجلس الصلاحية على ضوء جماع العناصر المطروحة فى الدعوى قراراً قضائياً حاسماً للخصومة محدداً به وفقاً للقانون خاتمتها سواء برفض الدعوى أو بإبعاد العضو عن محيط العمل القضائى، وفى كل ذلك يتعين أن يكون هذا القرار القضائى مشتملاً على الأسباب التى بنى عليها كى يكون له مأخذه من الأوراق وحكم القانون . وإذ حظر المشرع الطعن فى هذا القرار الذى لا يعدو أن يكون حكماً بمعنى الكلمة، فقد دل بذلك على اتجاه إرادته إلى قصر التقاضى فى المسائل التى فصل فيها هذا الحكم على درجة واحدة، وهو ما يستقل المشرع بتقديره فى إطار سلطته فى مجال تنظيم الحقوق وبمراعاة ما يقتضيه الصالح العام .
وحيث إن ما ينعاه المدعى من خلال النص المطعون فيه بالمادة 40 من الدستور مردود بأن مبدأ المساواة فى الحقوق بين المواطنين أمام القانون لا يعنى أن تعامل فئاتهم على ما بينها من تباين فى مراكزها القانونية معاملة قانونية متكافئة، كذلك لا يقوم هذا المبدأ على معارضة صور التمييز جميعها ، ذلك أن من بينها ما يستند إلى أسس موضوعية ولا ينطوى بالتالى على مخالفة لنص المادة 40 المشار إليها بما مؤداه أن التمييز المن هى عنه بموجبها هو ذلك الذى يكون تحكمياً، ذلك أن كل تنظيم تشريعى لا يعتبر مقصوداً لذاته بل لتحقيق أغراض بعينها تعكس مشروعيتها إطاراً للمصلحة العامة التى يسعى المشرع إلى تحقيقها من وراء هذا التنظيم، فإذا كان النص التشريعى المطعون عليه – بما أنطوى عليه من التمييز – مصادماً لهذه الأغراض بحيث يستحيل منطقياً ربطه بها أو اعتباره مدخلاً إليها، فإن التمييز يكون تحكمياً وغير مستند بالتالى إلى أسس موضوعية ومجافياً لنص المادة 40 من الدستور . إذ كان ذلك، وكان قانون السلطة القضائية قد افرد دعوى الصلاحية بذلك التنظيم الخاص محدداً قواعده وفق أسس موضوعية لا تقيم فى مجال تطبيقها تمييزاً من أى نوع بين المخاطبين بها من رجال السلطة القضائية المتكافئة مراكزهم القانونية بالنسبة إليها، وكان قصر هذا التنظيم عليهم قد تقرر لأغراض بعينها تقتضيها المصلحة العامة صوناً للوظيفة القضائية، وتوكيداً لما ينبغى أن يتوافر من الثقة فى القائمين عليها، وتلك جميعها مصالح مشروعة يعتبر هذا التنظيم مرتبطاً بها ومحققاً لها ، فإن قالة الإخلال بمبدأ المساواة أمام القانون تكون فاقدة لأساسها حرية بالرفض .
وحيث إن النص المطعون فيه، لا يتعارض مع أى حكم من أحكام الدستور من أوجه أخرى .
فلهذه الأسباب
حكمت المحكمة برفض الدعوى ، وبمصادرة الكفالة ، وألزمت المدعى المصروفات ، ومبلغ مائة جنيه مقابل أتعاب المحاماة .