الدعوى 20 لسنة 15 – دستورية – المحكمة الدستورية العليا – مرفوعة علنية رقم 20 لسنة 15 بتاريخ 01/10/1994

Facebook
Twitter

الدعوى 20 لسنة 15 – دستورية – المحكمة الدستورية العليا – مرفوعة علنية رقم 20 لسنة 15 بتاريخ 01/10/1994

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

باسم الشعب

المحكمة الدستورية العليا
بالجلسة العلنية المنعقدة يوم السبت أول اكتوبر1994 الموافق 25 ربيع الآخر 1415هـ.

برئاسة السيد المستشار الدكتور/ عوض محمد عوض المر رئيس المحكمة
وعضوية السادة المستشارين : الدكتور/ محمد إبراهيم أبوالعينين ومحمد ولى الدين جلال وفاروق عبد الرحيم غنيم وعبد الرحمن نصير وسامى فرج يوسف والدكتور/ عبد المجيد فياض اعضاء
وحضور السيد المستشار الدكتور/ عادل عمر شريف رئيس هيئة المفوضين
وحضور السيد/ رأفت محمد عبد الواحد أمين السر
أصدرت الحكم الآتى
:
فى القضية المقيد ة بجدول المحكمة الدستورية العليا برقم 20 لسنة 15 قضائية دستورية
المقامة من
– السيد / فيسنتى ميجيا ابانس
ضد
– السيد / رئيس الجمهورية
– السيد / رئيس مجلس الوزراء
– السيد / وزير العدل
– السيد / النائب العام
الإجراءات
بتاريخ 11 مايو 1993 أودع المدعى صحيفة هذه الدعوى قلم كتاب المحكمة طالباً الحكم بعدم دستورية المادة الأولى من قرار رئيس مجلس الوزراء رقم 450 لسنة 1986.
وقدمت هيئة قضايا الدولة مذكرة طلبت فيها الحكم، أصلياً: بعدم قبول الدعوى واحتياطياً: برفضها.
وبعد تحضير الدعوى أودعت هيئة المفوضين تقريراً برأيها.
ونُظرت الدعوى على الوجه المبين بمحضر الجلسة ، وقررت المحكمة إصدار الحكم فيها بجلسة اليوم.
المحكمة
بعد الاطلاع على الأوراق، والمداولة.

حيث إن الوقائع تتحصل – حسبما يبين من صحيفة الدعوى وسائر الأوراق- فى أن السفينة بناى سامبا جويتا – قيادة المدعى – كانت تعبرخليج السويس بالبحر الأحمر فى طريقها إلى قناة السويس، فاحتكت بالرصيف البترولى رقم 382 المعروف باسم صدقى وإذ اتهمته النيابة العامة بالإضرار بالحياة البحرية وكائناتها بمناطق البحر الأحمر، وقدمته للمحاكمة الجنائية فى القضية رقم 302 لسنة 1989 جنح رأس غارب بالمواد (1، 2، 7) من القانون رقم 102 لسنة 1983، وقرار رئيس مجلس الوزراء رقم 450 لسنة 1986 بإنشاء محميات طبيعية بمحافظة البحر الأحمر، والمواد (1، 2، 3) من القرار بقانون رقم 72 لسنة 1968 فى شأن منع تلوث مياه البحر الأحمر بالزيت، والمادة (378 /6) من قانون العقوبات، وكان الحاضر عن المتهم قد دفع أمام محكمة الموضوع بعدم دستورية المادة الأولى من قرار رئيس مجلس الوزراء رقم 450 لسنة 1986، وكانت محكمة الموضوع بعد أن قدرت جدية هذا الدفع، قررت تأجيل نظر الدعوى وحددت للمدعى ثلاثة أشهر لرفع الدعوى الدستورية بذلك، فقد أقام الدعوى الراهنة.

وحيث إن هيئة قضايا الدولة دفعت بعدم قبول الدعوى الدستورية الماثلة بمقولة إن المدعى مقدم إلى المحاكمة الجنائية بالمواد (1، 2، 7) من القانون رقم 102 لسنة 1983 وقرار رئيس مجلس الوزراء رقم 450 لسنة 1986، والمواد (1، 2، 3) من القرار بقانون رقم 72 لسنة 1968 فى شأن منع تلوث مياه البحر الأحمر بالزيت، والمادة (378) من قانون العقوبات، وأن نعيه عدم دستورية المادة الأولى من قرار رئيس مجلس الوزراء رقم 450 لسنة 1986 دون غيرها من مواد الاتهام الأخرى ، لن يعود عليه بأية فائدة عملية يمكن أن يتغير بها مركزه القانونى بعد الفصل فى الدعوى الدستورية عما كان عليه عند رفعها، وذلك تأسيساً على أنه ملاحق بمواد الاتهام، ولن يستطيع منها فكاكاً، وبوجه خاص المواد (1، 2، 3) من القرار بقانون رقم 72 لسنة 1968 التى تعاقب جميع السفن على اختلاف جنسياتها – بما فيها السفن التابعة لدول غير منضمة إلى المعاهدة الدولية لمنع تلوث مياه البحر بالزيت – إذا ألقت الزيت أو المزيج الزيتى فى المياه الداخلية أو الإقليمية لجمهورية مصر العربية ، أياً كان موقعها وعلى امتدادها.
وحيث إن هذا النعى مردود بأن تعدد مواد الاتهام، لا يعنى أن من وجهت اليه مدان بأيها،إذ تفترض براءته من التهم التى أسندتها النيابة العامة إليه إلى أن يقوم الدليل أمام القضاء جلياً قاطعاً على ثبوتها فى حقه. كذلك فإن تعدد مواد الاتهام لا يدل بداهة على أن جميعها مخالفة للدستور حتى يحمل المتهم على اختصامها بتمامها أمام المحكمة الدستورية العليا، بل تقوم مصلحته الشخصية والمباشرة فى الطعن على ما يكون منها كذلك فى تقديره توصلاً لإبطالها وإلغاء قوة نفاذها كى لا تطبقها محكمة الموضوع بالنسبة إليه. متى كان ذلك، وكان مناط المصلحة فى الدعوى الدستورية – وهى شرط لقبولها – أن يكون ثمة ارتباط بينها وبين المصلحة القائمة فى الدعوى الموضوعية ، وذلك بأن يكون الفصل فى المسألة الدستورية لازماً للفصل فى الطلبات المرتبطة بها المطروحة أمام محكمة الموضوع، وكان الحكم فى الدعوى الجنائية متوقفاً على الفصل فى دستورية بعض مواد الاتهام المثارة فيها، فإن الدفع بعدم قبول الدعوى الدستورية يكون على غير أساس.
وحيث إن المدعى طعن بعدم دستورية أحكام قرار رئيس مجلس الوزراء رقم 450 لسنة 1986 على أساس أن مادته الأولى الصادرة بناء على تفويض من القانون رقم 102 لسنة 1983، قد خالفت مبدأ شرعية الجرائم والعقوبات الذى نصت عليه المادة (66) من الدستور، وكذلك أحكام المادتين (187، 188) من الدستور اللتين تقضيان بأن أحكام القوانين لا تسرى إلا على ما يقع من تاريخ العمل بها، ولا يترتب عليها أثر فيما وقع قبلها، وكان العلم بالأفعال التى يعد ارتكابها جريمة معاقباً عليها قانوناً لا يفترض، بل يتعين بيانها بما لا تجهيل فيه حتى لا تختلط بغيرها مما يعد مباحاً. وإذ نص القرار المطعون فيه على أن المحميات الطبيعية وفقاً لأحكامه، هى تلك المبينة حدودها وفقاً للخريطة المرفقة ، وكانت هذه الخريطة لم تنشر، فإن التجريم يكون قد تم بموجب نص تشريعى لايجوز إنفاذه من الناحية الدستورية.

وحيث إن الدستور فى اتجاهه إلى ترسم النظم المعاصرة ، ومتابعة خطاها والتقيد بمناهجها التقدمية ، قد نص فى المادة (66) منه على أنه لا جريمة ولا عقوبة إلا بناء على قانون ولا عقاب إلا على الأفعال اللاحقه لصدور القانون الذى ينص عليها، كاشفاً بذلك عن أن لكل جريمة ركناً مادياً لا قوام لها بغيره يتمثل أساساً فى فعل أو امتناع وقع بالمخالفة لنص عقابى ، ذلك إن العلائق التى ينظمها القانون الجنائى محورها الأفعال ذاتها باعتبارها مناط التجريم وعلته، وهى التى يتصور إثباتها أو نفيها، وهى التى يتم التمييز على ضوئها بين الجرائم بعضها البعض، وهى التى تديرها محكمة الموضوع على حكم العقل لتقييمها وتقدير العقوبة التى تناسبها وفقاً للقانون، فإذا كان الأمر غير متعلق بأفعال أحدثتها إرادة مرتكبها وتم التعبير عنها خارجياً فى صورة مادية لا تخطئها العين، فليس ثمة جريمة.
والأمر كذلك إذا كان تأثيم المشرع لأفعال بذاتها معلقاً على ارتكابها فى مكان معين، إذ يكون اتصال هذه الأفعال بذلك الم كان شرطاً لتأثيمها، بحيث يعتبر وقوعها فى غيره نافياً وصف التجريم عنها.
وحيث إن الجزاء الجنائى كان عبر أطوار قاتمة فى التاريخ، أداة طيعة للقهروالطغيان، محققاً للسلطة المستبدة أطماعها، ومبتعداً بالعقوبة عن أغراضها الاجتماعية ، وكان منطقياً وضرورياً أن تعمل الدول المتمدينة على أن تقيم تشريعاتها الجزائية وفق أسس ثابتة تكفل بذاتها انتهاج الوسائل القانونية السليمة – فى جوانبها الموضوعية والإجرائية – لضمان ألا تكون العقوبة أداة قامعة للحرية ، عاصفة بها، بالمخالفة للقيم التى تؤمن بها الجماعة فى تفاعلها مع الأمم المتحضرة واتصالها بها. وكان لازماً- فى مجال تثبيت هذا الاتجاه – أن تفرض الدساتير المعاصرة القيود التى ارتأتها على سلطان المشرع فى مجال التجريم، تعبيرا عن إيمانها بأن حقوق الإنسان وحرياته لايجوز التضحية بها فى غير ضرورة تمليها مصلحة اجتماعية لها اعتبارها، واعترافاً منها بأن الحرية فى كامل أبعادها لا تنفصل عن حرمة الحياة ، وأن الحقائق المريرة التى عايشتها البشرية على امتداد مراحل تطورها، تتطلب نظاماً متكاملاً يكفل للجماعة مصالحها الحيوية ، ويصون – فى إطار أهدافه – حقوق الفرد وحرياته الأساسية ، بما يحول دون إساءة استخدام العقوبة تشويهاً لأغراضها. وقد تحقق ذلك بوجه خاص من خلال ضوابط صارمة ومقاييس أكثر أحكاماً غايتها تحديد ماهية الأفعال المن هى عن ارتكابها تحديداً قاطعاً، وكذلك تعيين مكان وقوعها كلما كان اتصال هذه الأفعال بذلك الم كان متطلباً لتجريمها.
وحيث إن تأثيم المشرع لأفعال بذواتها حال وقوعها فى مكان معين، مؤداه: أن تعيين حدود هذا الم كان بما ينفى التجهيل بأبعاده شرط أولى لصون الحرية الفردية التى أعلى الدستور قدرها، واعتبرها من الحقوق الطبيعية التى تكمن فى النفس البشرية ولا يتصور فصلها عنها أو انتهاكها inherent, inalienable and inviolable right إذ هى من مقوماتها، وكانت القيود التى تفرضها القوانين الجزائية على تلك الحرية سواء بطريق مباشر أو غير مباشر تقتضى أن تصاغ أحكامها بما يقطع كل جدل فى شأن حقيقة محتواها ليبلغ اليقين بها legal certainty حداً يعصمها من الجدل، وبما يحول بين رجال السلطة العامة وتطبيقها بصورة انتقائية وفق معايير شخصية تخالطها الأهواء وتنال من الأبرياء لافتقارها إلى الأسس الموضوعية اللازمة لضبطها، وكان ماتقدم مؤداه: أن النصوص العقابية لايجوز من خلال انفلات عباراتها أو تعدد تأويلاتها أو انتفاء التحديد الجازم لضوابط تطبيقها أن تعرقل حقوقاً كفلها الدستور كالحق فى التنقل، فقد تعين ألا تكون هذه النصوص شباكاً أو شراكاً يلقيها المشرع متصيداً باتساعها أو بخفائها المتهمين المحتملين ليكون تصنيفهم وتقرير من يجوز احتجازه من بينهم عبئاً على السلطة القضائية لتحل إرادتها بعدئذ محل إرادة السلطة التشريعية ، وهو ما لا يجوز أن تنزلق إليه القوانين الجنائية باعتبار أن ما ينبغى أن يعنيها هو أن تحدد بصورة جلية مختلف مظاهر السلوك التى لايجوز التسامح فيها على ضوء القيم التى تبنتها الجماعة واتخذتها أسلوباً لحياتها وحركتها، وركائز لتطورها، وبما يكفل دوماً ألا تكون هذه القوانين مجرد إطار لتنظيم القيود على الحرية الشخصية ، بل ضماناً لفعالية ممارستها.
وحيث إن القانون رقم 102 لسنة 1983 فى شأن المحميات الطبيعية قد حدد- فى مادته الأولى – المقصود بالمحمية فى تطبيق أحكامه، فعّرفها بأنها أى مساحة من الأرض أو المياه الساحلية أو الداخلية تتميز بما تضمه من كائنات حية نباتات كانت أو حيوانات أو أسماك أو ظواهر طبيعية ذات قيمة ثقافية أو علمية أو سياحية أو جمالية ، يصدر بتحديدها قرار من رئيس مجلس الوزراء بناء على اقتراح جهاز شئون البيئة بمجلس الوزراء. ونصت المادة الثالثة من هذا القانون – فى مجال تحديدها للأفعال التى لا يجوز ارتكابها فى منطقة المحمية – على حظر القيام بأعمال أو تصرفات أو مباشرة نشاط أو إجراءات من شأنها تدميرأوإتلاف أو تدهور البيئة البحرية أو الإضرار بالحياة البرية أو البحرية أو النباتية أو المساس بمستواها الجمالى بمنطقة المحمية.
ولا يجوز بوجه خاص صيد أو نقل الكائنات البحرية أو البرية أو إزعاجها أو القيام بأعمال من شأنها القضاء عليها، وكذلك نقل النباتات الكائنة بمنطقة المحمية أو إتلافها أو إدخال أجناس غريبة لهذه المنطقة ، أو تلويث تربتها أو هوائها أو مياهها بأى شكل من الأشكال أو صيد أو نقل أو أخذ كائنات عضوية كالشعب المرجانية أو الصخور أو التربة أياً كان الغرض من ذلك. ولا يجوز كذلك إقامة مبان أو منشآت أو شق الطرق أو تسيير المركبات أو ممارسة نشاط زراعى أو صناعى أو تجارى فى منطقة المحمية ولم تجز المادة الثالثة من هذا القانون أن تمارس فى المناطق – المحيطة بمنطقة المحمية – تلك الأعمال أو التصرفات التى يصدر بتحديدها قرار من الوزير المختص بناء على اقتراح جهاز شئون البيئة بمجلس الوزراء إذا كان من شأنها التأثير على بيئة المحمية أو الظواهر الطبيعية بها إلا بتصريح من الجهة الإدارية المختصة.
وحددت مادته السابعة العقوبات المقررة على مخالفة أحكام مادتيه الثانية والثالثة.

وحيث إنه بناء على التفويض المخول لرئيس مجلس الوزراء بمقتضى المادة الأولى من القانون رقم 102 لسنة 1983 المشار إليه، أصدر رئيس مجلس الوزراء – بناء على اقتراح جهاز شئون البيئة بمجلس الوزراء – القرار رقم 450 لسنة 1986 منشئاً بموجبه محميات طبيعية فى منطقة جبل علبة بمحافظة البحر الأحمر، ذلك أن مادته الأولى نصها الآتى : تعتبر محمية طبيعية فى تطبيق أحكام القانون رقم 102 لسنة 1983 المشار إليه وفقاً للحدود الموضحة بالخريطة المرفقة كل من : منطقة جزر البحر الأحمر وغابات المانجروف الساحلية – منطقة أبرق – منطقة الدئيب – منطقة جبل علبة.
وحظرت مادته الثالثة الأعمال أو التصرفات أو الاجراءات وكذلك مختلف صور النشاط إذا كان من شأنها تدمير البيئة البحرية بمناطق المحميات المشار إليها أو إتلافها أو دهورتها أو الأضرار بالحياة البحرية أو البرية أو النباتية فيها أو المساس بمستواها الجمالى وبوجه خاص لايجوز نقل نباتاتها أو إتلافها أو تدمير تكويناتها الجيولوجية أو الجغرافية أو المناطق التى تعتبر موطناً لفصائل حيواناتها أو نباتاتها أو تكاثرها. كما لا يجوز إدخال أجناس غريبة لمناطق المحميات أو تلويث تربتها أو هوائها أو مياهها بأى شكل من الأشكال أو إلقاء السوائل الضارة أو المواد الكيماوية أو الزيوت أو النفايات على اختلاف أنواعها فى تلك المناطق أو المناطق المحيطة بها بما يؤدى إلى تسربها إلى مناطق المحمية.
ويحظر كذلك إقامة مبان أو منشآت أو شق الطرق أو تسيير المركبات فى مناطق المحميات إلا بتصريح من فرع جهاز شئون البيئة بمحافظة البحر الأحمر ووفقاً للشروط والقواعد التى يصدر بتحديدها قرار من رئيس مجلس الوزراء.
وحيث إن البين مما تقدم، أن القانون رقم 102 لسنة 1983 المشار إليه، وكذلك قرار رئيس مجلس الوزراء المطعون فيه، قد توخيا بأحكامهما صون المحميات الطبيعية فى مواجهة الأفعال التى تغير من خصائصها وتكويناتها الجيولوجية أو الجغرافية أو تشوه طبيعتها أو تخل بعناصر التوازن الإيكولوجى فيها، أو تدهور مواردها سواء باستنزافها أو تلويثها، أو تنال من قيمتها الجمالية أو الثقافية ، أو تضر بحيواناتها أو نباتاتها أو تحول دون تكاثرها، أو تدخل من الأجناس ما يكون غريبا عنها، وكذلك أية أفعال أخرى يكون وقوعها فى المحميات الطبيعية مصادما للأغراض المقصودة من إنشائها.
وحيث إن صون المحميات الطبيعية يتغيا كذلك أن تظل باقيه أبداً لتفرض الصورة البدائية لمختلف مظاهرها الطبيعية نفسها على المترددين عليها، فلا ينالها تبديل إلا بالقدر الذى يكون ضرورياُ لإنمائها وتطويرها كى ترعى على مر العصور جوهر خصائصها حفاظاً على معالم بنيانها، فلا تمتد مظاهر الحياة المدنية أو أدواتها إلى مواقعها لتعدل من مكوناتها أو تحيلها عدماً. وكان حتماً بالتالى أن يكون التنظيم التشريعى لأوضاعها متوازناً، فلا تكون الحماية الواجبة لبيئتها أو موالاة شئونها بوصفها تراثاً للبشرية ، حائلاً دون الترخيص بالأعمال التى لاتناهضها، كتلك المتعلقة برصد ظواهرها البيئية.

وحيث إنه متى كان ذلك، وكان تأمين المحميات الطبيعية من صور العدوان المحتمل عليها، يفترض بداهة تعيين حدودها بما لا خفاء فيه، وبوجه خاص حين تكون هذه المحميات واقعة فى نطاق المياه البحرية التى ينظم القانون الدولى قواعد المرور فيها، ذلك أن حقوق الدول وواجباتها فى أجزاء المياه البحرية الواقعة وراء الحدود الخارجية للبحار الإقليمية ، مقيدة بألا يكون استخدامها منطوياً على سوء استعمالها، وأن يكون وفاؤها بإلتزاماتها مقروناً بحسن النية ، وهو ما أكدته اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار الموقع عليها فى چامايكا فى العاشر من ديسمبر 1982 بنصها على أن الأحكام التى تضمنتها هذه الاتفاقية غايتها أن تقيم للبحار نظاماً قانونياً يسهل الاتصالات البحرية الدولية دون ما إخلال بالسيادة الإقليمية ، وبما يكفل للبحار استخداماتها السلمية ، والانتفاع الكامل بمواردها الطبيعية بصورة من صفة ومقتدرة ، وكذلك صون مواردها الحية وحماية البيئة البحرية.

وحيث إن تسهيل الاتصالات البحرية وفقاً لأحكام هذه الإتفاقية يعنى فى المقام الأول ضمان أن تباشر السفن الأجنبية حق المرور البرئright of innocent passage فى البحارالإقليميه، وحق المرور العابر right of transit passage فى المضايق الدولية ، وحرية الملاحة البحرية freedom of navigation فى المناطق البحرية الواقعة وراء حدود الولاية الوطنية ، وذلك كله وفقاً للأوضاع التى بينتها تلك الاتفاقية ، وكانت القيود التى تتصل بصون المحميات الطبيعية قد تنال من الصور المختلفة للمرور التى تكفلها الاتفاقية آنفة البيان سواء بتقييدها أو منعها، فإن تعيين حدود هذه المحميات وبالقدر الذى يكون كافيا لدرء الأضرار عنها حفاظا على بيئتها وحماية لمواردها يكون لازماً.
وحيث إن مؤدى ما تقدم، أن لكل محمية طبيعية بحرية كانت أم برية عنصرين لا يتصور وجودها بتخلف أيهما، أولهما: أن تكون تكويناتها الطبيعية مبلورة لخصائص متفردة تستقل بها، ويكون لتميزها درجة من الأهمية تقتضى إخضاعها لتنظيم خاص يهيمن على أوضاعها لضمان أن تظل مقوماتها نائيه عما يهددها أو ينال من بقائها. ثانيهما: أن يكون نطاق امتدادها فى الم كان معيناً تعيينا قاطعاً، باعتبار أن لكل محمية وبالضرورة حيزا جغرافياً يُبين تخومها، ويتعين أن تنحصرداخل حدوده، تلك الأفعال التى قيد المشرع ممارستها أو حظرها فيها.
وحيث إن اجتماع العنصرين السابقين فى المحمية الطبيعية ، مؤداه: أن العدوان عليها أو مخالفة النظم السارية فى شأنها، لا يتصور أن يتم بأفعال تقع وراء حدودها الخارجية ، ولا بأفعال لا تخل بالأغراض المقصودة من إنشائها وحمايتها أياً كان مكان ارتكابها، ويعتبر فى حكم الطائفة الأولى من الأفعال، تلك التى يتعذر التيقن مما إذا كان مرتكبها قد أتاها داخل الحدود الجغرافية للمحمية الطبيعية أو خارج محيطها. وهو ما يقع دوماً كلما جهّل المشرع بأبعادها التى يتعين على السفن والأشخاص إلتزامها توقياً للوقوع فى حمأة التجريم.
وحيث إن ماتقدم مؤداه: أن قانون المحميات الطبيعية لم يؤثم أفعالاً بذواتها استقلا لاً عن مكان وقوعها، بل جعل ارتكابها داخل حدودها شرطاً لتجريمها، باعتبار أن ذلك وحده هو الذى يقيد أو يعطل الأغراض المقصودة من إنشائها، وأن إتيانها بعيداً عن هذا المكان ليس بذى أثر على مكوناتها وخصائصها الطبيعية.

ومن ثم لا يكون المكان فى المحميات الطبيعية ظرفاً مستقلاً عن الركن المادى للجرائم التى أحدثها القانون المنظم لها، بل هو مفترض أولى لاكتمال مادية الأفعال التى تكونها، وبالتالى لا يقوم النشاط الإجرامى للجانى بالغاً مداه بالمعنى المقصود فى قانون المحميات الطبيعية إذا ما تم وراء مواقعها.
وحيث إن التنظيم العقابى المقارن لا يناهض ماتقدم، وذلك كلما كان المكان لازماً لوقوع الجرائم التى نص عليها، كدخول شخص بيتاً مسكوناً أو مكاناً معداً للسكنى أو ملحقاتهما قاصداً من ذلك إتيان إحدى الجرائم فيه ولو لم تتعين. ولا كذلك تقرير عقوبة على أفعال بذواتها استقلالاً عن وقوعها فى مكان محدد أو خلال زمن معين، إذ لا يعد هذا الم كان أو ذلك الزمان ظرفاً يتوقف تأثيمها على توافره، فإذا لابسها، تعين تغليظ العقوبة المقررة أصلاً لها. فما ينص عليه قانون العقوبات من أن كل من اختلس ما لا لغيره فهو سارق، لا يعدو أن يكون تعريفاً بالسرقة من خلال تحديد ركنيها، فإذا حصلت فى مكان مسكون أو معد للسكنى أو ملحقاتهما، كان ذلك ظرفاً مشدداً للسرقة مستوجباً تغليظ عقوبتها ردعاً لمرتكبها. وكذلك الأمر بالنسبة إلى السرقات التى تقع ليلاً، باعتبار أن ظرفاً زمنياً قد قارنها، وإن لم يكن متطلباً لوجودها قانوناً.
وحيث إن المحميات الطبيعية التى نظمها القانون رقم 102 لسنة 1983 المشار إليه وأحاطها بالحماية الجنائية تقديراً منه لحيوية المصالح التى ترتبط بوجودها، لا ينشئها إلا قرار يصدر عن رئيس مجلس الوزراء بناء على اقتراح جهاز شئون البيئة بمجلس الوزراء يكون كاشفاً عن حدودها قاطعاً بتخومها، ليكون نطاقها الم كانى جلياً واضحاً توقياً لاختلاطها بغيرها من المناطق البحرية ، وتعييناً للدائرة التى لا يتصور وقوع الأفعال التى أثمها فيما وراء محيطها، وكان إعمال أحكام هذا القانون رهناً بصدور ذلك القرار مستكملاً العناصر التى لا يقوم إلا بها، فإن تعيين حدود المحميات البحرية التى يسرى عليها، يجب أن يكون محمولاً عليه أو متسانداً إليه سواء بين مواقعها فى صلبه أم أحال فى شأن تجليتها إلى وثيقة أفصح عنها، لتندمج بالتالى فى الأحكام التى تضمنها، وتغدو جزءاً منها يتكامل معها.
وحيث إن إعلام المخاطبين بالقانون رقم 102 لسنة 1983 آنف البيان إعلاماً كافياً fair notice بحدود المحميات الطبيعية لضمان حقوقهم وحرياتهم التى نص عليها الدستور أو كفلتها قواعد القانون الدولى العام، لا يتأتى إلا من خلال نشرها فى الجريدة الرسمية التى تتحقق بها العلانية ، وكان قرار رئيس مجلس الوزراء المطعون فيه قد أحال فى شأن تعيين حدود المحميات الطبيعية التى عينها إلى خريطة تبين مواقعها، إلا أنها لم تنشر، وظل خافياً بذلك النطاق الم كانى الذى تمتد إليه تلك المحميات على صعيد المياه البحرية ، وكان إتيان الأفعال التى أثمها قانون المحميات الطبيعية فى هذا النطاق شرطاً لتجريمها على ما سلف البيان فإن القرار المطعون فيه إذ جهل بحدود المحميات الطبيعية التى يسرى عليها والتى يعتبر تعيينها مفترضاً أولياً لإعمال النصوص العقابية التى تضمنها القانون المنظم لتلك المحميات من خلال ترسيم الدائرة التى تعمل فيها يكون مفتقراً إلى خاصية اليقين التى تهيمن على التجريم، ويخل كذلك بالحرية الشخصية من خلال القيود التى لا يجوز أن تنال من جوهرها essential core، ويغدو هذا القرار بالتالى مخالفاً للمادتين (41، 66) من الدستور.
فلهذه الأسباب
حكمت المحكمة بعدم دستورية المادة الأولى من قرار رئيس مجلس الوزراء رقم 450 لسنة 1986 بإنشاء محميات طبيعية بمنطقة جبل علبة بالبحر الأحمر وذلك فيما تضمنته من عدم تعيين الحدود التى تبين النطاق المكانى لتلك المحميات، وألزمت الحكومة المصروفات ومبلغ مائه جنيه مقابل أتعاب المحاماة.