الدعوى 37 لسنة 10 – دستورية – المحكمة الدستورية العليا – مرفوعة علنية رقم 37 لسنة 10 بتاريخ 07/03/1992

Facebook
Twitter

الدعوى 37 لسنة 10 – دستورية – المحكمة الدستورية العليا – مرفوعة علنية رقم 37 لسنة 10 بتاريخ 07/03/1992

باسم الشعب

المحكمة الدستورية العليا

بالجلسة العلنية المنعقدة في يوم السبت 7 مارس سنة 1992 الموافق 3 رمضان سنة 1412 ه .
برئاسة السيد المستشار الدكتور/ عوض محمد عوض المر رئيس المحكمة
وحضور السادة المستشارين: الدكتور/ محمد إبراهيم أبوالعينين ومحمد ولى الدين جلال وفاروق عبد الرحيم غنيم وحمدى محمد على وسامى فرج يوسف والدكتور/ عبد المجيد فياض أعضاء
وحضور السيد المستشار/ السيد عبد الحميد عماره المفوض
وحضور السيد/ رأفت محمد عبد الواحد أمين السر
أصدرت الحكم الآتى

فى القضية المقيدة بجدول المحكمة الدستورية العليا برقم 37 لسنة 10 قضائية دستورية .
المرفوعة من

السيد/ حسانين فؤاد حسانين محمد

ضد

1 – السيد / رئيس الجمهورية
2 – السيد/ وزير العدل
3 – السيد / المستشار/ رئيس مجلس القضاء الاعلي

الإجراءات
بتاريخ أول سبتمبر سنة 1988 أودع المدعى صحيفة هذه الدعوى قلم كتاب المحكمة طالباً الحكم بعدم دستورية المادة (107) من القرار بقانون رقم 46 لسنة 1972 بشأن السلطة القضائية وبعدم سريان أحكامها على القرارات الصادرة من مجلس الصلاحية مع ما يستتبع ذلك من آثار قانونية .
وقدمت هيئة قضايا الدولة مذكرة طلبت فيها الحكم برفض الدعوى .
وبعد تحضير الدعوى، أودعت هيئة المفوضين تقريراً برأيها .
ونظرت الدعوى على النحو المبين بمحضر الجلسة، وقررت المحكمة إصدار الحكم فيها بجلسة اليوم.
المحكمة
بعد الاطلاع على الأوراق ، والمداولة .
وحيث إن الوقائع – على ما يبين من صحيفة الدعوى وسائر الأوراق – تتحصل في أن مجلس الصلاحية كان قد قضى بجلسة 4 يناير سنة 1987 فى الدعوى رقم 19 لسنة 1985 بنقل المدعى إلى وظيفة غير قضائية إعمالاً لحكم المادة (111) من قانون السلطة القضائية ، الصادر بالقرار بقانون رقم 46 لسنة 1972 ، وقد طعن المدعى على هذا القرار أمام دائرة طلبات رجال القضاء بمحكمة النقض وقيد طعنه برقم 3 لسنة 57 قضائية ، وإذ دفع بعدم دستورية المادتين (107) ، (111) من قانون السلطة القضائية المشار إليه، وارتأت محكمة الموضوع جدية هذا الدفع ، فقد أقام المدعى الدعوى الماثلة بطلب الحكم بعدم دستورية المادة (107) من القرار بقانون رقم 46 لسنة 1972 بشأن السلطة القضائية وبعدم سريان أحكامها على القرارات الصادرة من مجلس الصلاحية .

وحيث إن نعى المدعى وإن كان ينصب أساساً على المادة (107) من قانون السلطة القضائية بمقولة مخالفتها لأحكام المواد (45) ، (68) ، (165) ، (167) ، (183) من الدستور ، وكان هذا النعى في حقيقة مرماه يتغيا أن يعامل القرار الصادر عن مجلس الصلاحية بنقل القاضى إلى وظيفة غير قضائية بوصفه قراراً إدارياً لا يجوز حظر الطعن فيه ، متى كان ذلك فإن ما توخاه المدعى بمنعاه ينطوى بالضرورة على طعن في المادة (111) من قانون السلطة القضائية باعتبار أن هذه المادة هى التى تحدد اختصاص مجلس الصلاحية والقواعد التى يجرى عليها عند الفصل فى الدعوى المتعلقة بها ، وهى التى تكشف بأحكامها عما إذا كان هذا المجلس – وبالنظر إلى خصائص التنظيم الذى أفرده المشرع له – يعتبر جهة قضاء يجوز قصر التقاضى في المسائل التى فصل فيها على درجة واحدة ، أم محض جهة إدارية يمتنع تحصين القرارات الصادرة عنها.
وحيث إن هذا النعى – محدداً في الإطار سالف البيان – مردود بأن من ضمانات الدعوى التأديبية ما هو خاص بها لتعلقه بطبيعتها، وانصرافها إلى الدعوى التأديبية دون سواها يفيد بالضرورة عدم انسحابها الى دعوى الصلاحية التى لا تختلط بالدعوى التأديبية ولا تعد فرعاً منها ، ذلك أن قانون السلطة القضائية قصد إلى المغايرة بين نظامين لكل منهما مجال يعمل فيه هما المساءلة التأديبية التى فصل أحكامها في المواد من (99) إلى (110) من هذا القانون ، ونظام الصلاحية لولاية القضاء الذى أفرد له المادة (111) لتنظيم موضوعها ، وإذ غاير المشرع بين هذين النظامين في الخصائص والآثار، فإن تطابقهما من كل الوجوه يعد أمراً مستحيلاً، وإلا فقد أحدهما مغزاه ، وكان متعيناً دمجهما معاً في نظام واحد يكون بذاته نافياً لاستقلال كل منهما عن الآخر.
وحيث إن الأصل في الدعوى التأديبية أنها لا تقام إلا عن تهمة محددة تظاهرها الأدلة المؤيدة لها ، ومن ثم يتعين أن تكون أقامتها – وعلى ما تنص عليه المادة (99) من قانون السلطة القضائية الصادر بالقرار بقانون رقم 46 لسنة 1972 – بناءً على تحقيق جنائى أو إدارى يتولاه أحد نواب رئيس محكمة النقض أو رئيس محكمة استئناف يندبه وزير العدل بالنسبة إلى المستشارين أو مستشار من إدارة التفتيش القضائى بالنسبة إلى الرؤساء بالمحاكم الابتدائية وقضاتها ، وبالتالى يكون التحقيق الجنائى أو الإدارى الذى يتم إجراؤه قبل إقامة الدعوى التأديبية وفقاً لنص المادة (99) المشار إليها ضمانة جوهرية غايتها الاستيثاق مما إذا كانت الوقائع المنسوبة إلى القاضى لها معينها من الأوراق وترقى بما لها من خصائص إلى مرتبة التهمة المحددة التى يجوز أن تقام الدعوى التأديبية عنها .
وحيث إنه استصحاباً لطبيعة الدعوى التأديبية ، نص قانون السلطة القضائية الصادر بالقرار بقانون رقم 46 لسنة 1972 في المادة (100) منه على أن تكون عريضتها مشتملة على بيان بالتهمة والأدلة المؤيدة لها باعتبار أن الدعوى التأديبية لا يجوز رفعها إلا عن واقعة بذاتها أو وقائع محددة عناصرها تفصيلاً بوصفها محل المؤاخذة المسلكية ، ولأن اسنادها إلى شخص بذاته يتطلب أن يكون على بينة منها بما ينفى التجهيل بها وتلك هى الغاية التى استهدفتها كذلك المادة (102) من القرار بقانون المشار إليه ، وذلك بإيجابها أن تكون الدعوة الموجهة إلى القاضى للمثول أمام مجلس التأديب متضمنة بياناً كافياً لموضوع الدعوى ولأدلة الاتهام المؤيدة لوقوع الجريمة التأديبية وذلك إذ رأى هذا المجلس وجهاً للسير في إجراءات المحاكمة عن جميع التهم أو بعضها ، والأمر على نقيض ذلك فى مجال دعوى الصلاحية المغايرة في الأساس الذى تقوم عليه الدعوى التأديبية ولا تعتبر بالتالى من طبيعتها أو تندرج تحت مفهومها ، ذلك أن دعوى الصلاحية لا تقوم في الأصل على تهمة محددة جرى اسنادها إلى القاضى وأن صح الارتكان إلى الحكم الصادر فى شأنها لتقييم حالته على ضوء الشروط التى يتطلبها المشرع فيمن يولى القضاء ومن بينها أن يكون شاغل الوظيفة القضائية محمود السيرة حسن السمعة ، وهو شرط لا ينفك عنه بل يلازمه دوماً ما بقى قائماً بأعبائها بحيث إذا انتفت صلاحيته للاستمرار فيها ، تعين بقرار من مجلس الصلاحية إحالته إلى المعاش أو نقله إلى وظيفة أخرى بعيداً عن العمل القضائى، ولا يتقيد المجلس في ذلك بالأدلة المادية الثابتة أصولها في الأوراق المؤيدة لواقعة بذاتها بعناصرها المختلفة ، وإنما يجوز أن يؤسس قراره على ما تولد من الانطباع عن أفعال أتاها القاضى وتناقلتها ألسن الناس في محيط اجتماعى معين واستقر في وجدانها كحقيقة تزعزع الثقة فيه وتنال من اعتباره، وبالتالى لا يرتبط قرار مجلس الصلاحية لزوماً بواقعة معينة ، بل يقوم عمل المجلس في جوهره عل تقييم لحالة القاضى في مجموعها من حيث صلاحيته للاستمرار في وظيفته القضائية، وتنحل دعوى الصلاحية بالتالى إلى دعوى أهلية يراعى عند الفصل فيها الاعتداد بالعناصر المختلفة التى تتصل بهذا التقييم حتى ما كان منها متعلقاً بحقبة ماضيه، ذلك أن الأمر المعتبر في تقدير حالة القاضى هو النهج الذى احتذاه طريقاً ثابتاً في مظاهر سلوكه المختلفة، ومن ثم لا يتقيد تقدير مجلس الصلاحية للقيم التى التزمها بفترة معينة دون أخرى، ولا بواقعة دون غيرها ، وإنما يقلب البصر في الصورة المتكاملة لسمعته وسيرته وما استقر في شأنها بطريق التواتر ماضياً وحاضراً ، وذلك أن عمل القاضى لا يقاس بعمل غيره من الموظفين العموميين، ولا هو مؤاخذ بالضوابط المعمول بها في شأن واجباتهم الوظيفية ، وإنما يتعين أن تكون مقاييس سلوكه أكثر صرامة وأشد حزماً نأياً بالعمل القضائى من أن تحيطه الشبهات أو تكتنفه مواطن الريب التى تلقى بذاتها ظلالاً قاتمة على حيدته ونزاهته وتتضاءل معها أو تنعدم الثقة في القائمين عليه بما يستوجب الحكم بانتفاء صلاحية القاضى لولاية القضاء وأبعاده عن محيط العمل القضائى إذا ما انزلق إلى أفعال كان ينبغى عليه أن يتجنبها صوناً لهيبة الوظيفة القضائية وتوكيداً لسمو شأنها وتوقياً للتعرض بها إذا لامستها عوامل تنتقص من كرامتها أو داخلتها مآخذ لا يطمأن معها إلى الالتزام بقيمها الرفيعة .
وحيث إن قانون السلطة القضائية نظم في المادة (111) منه الأحكام المتعلقة بدعوى الصلاحية، فنص في فقرتها الأولى على أنه إذا ظهر في أى وقت أن القاضى فقد أسباب الصلاحية لولاية القضاء ، لغير الأسباب الصحية ، رفع طلب الإحالة إلى المعاش أو النقل إلى وظيفة أخرى غير قضائية من وزير العدل من تلقاء نفسه، أو بناءً على طلب رئيس المحكمة إلى المجلس المشار إليه في المادة (98) ولهذا المجلس إذا رأى محلاً للسير في الإجراءات أن يندب عند الاقتضاء أحد أعضائه لأجراء ما يلزم من التحقيقات، ويدعو المجلس القاضى للحضور أمامه بميعاد ثلاثة أيام. كما تنص فقرتها الثانية على أنه بعد سماع طلبات ممثل النيابة العامة ودفاع القاضى أو من ينوب عنه يصدر المجلس حكمه مشتملاً على الأسباب التى بنى عليها أما بقبول الطلب وإحالة القاضى إلى المعاش أو نقله إلى وظيفة أخرى غير قضائية، وإما برفضه الطلب. وتسرى على هذا الطلب – عملاً بالفقرة الثالثة من المادة (111) المشار إليها – أحكام المواد (104) ، (105) ، (106) ، (107) من هذا القانون .
وحيث إن البين مما تقدم، أن المشرع ناط بالمجلس المنصوص عليه في المادة (98) من قانون السلطة القضائية، الفصل فى دعوى الصلاحية بمراعاة الأحكام التى خصها بها بمقتضى المادة (111) المشار إليها، وفي إطار الضمانات الجوهرية المنصوص عليها في المواد (104) ، (105) ، (106) ، (107) من هذا القانون .
وحيث إن مؤدى النصوص المتقدمة مجتمعة ، أن الاختصاص بالفصل في دعوى الصلاحية موكول إلى سبعة من رجال القضاء هم بطبيعة مراكزهم وأقدمياتهم على القمة من مدارج التنظيم القضائى، وبالتالى أكثر خبرة ودراية بأوضاع السلطة القضائية وشئون القائمين عليها ، وأعمق فهما للمقاييس الصارمة التى يتعين أن يؤدى العمل القضائى في إطارها، وأنفذ إلى الضوابط الكامنة في طبيعة الوظيفة القضائية وما يرتبط بها من القيم الرفيعة التى ترد عنها كل تخرص أو شبهة تنال منها ، ومن ثم يكون مجلس الصلاحية – وعلى ضوء تلك الحقائق – مهيأ أكثر من غيره للفصل فى نزاع قد يؤول إلى إبعاد القاضى عن تولى مهام الوظيفة القضائية، وهو نزاع يتصل مباشرة ً بالشروط التى يتطلبها القانون فيمن يولى القضاء، والمعتبرة من الشئون المتصلة بجوهر الوظيفة القضائية لارتباطها بالقائمين عليها وكيفية النهوض بمتطلباتها ، إذ كان ذلك وكان المشرع – إعمالاً للتفويض المخول له بمقتضى المادة (167) من الدستور في شأن تحديد الهيئات القضائية واختصاصاتها وتنظيم طريقة تشكيلها قد أسند الفصل فيى دعوى الصلاحية إلى قضاة من بين رجال السلطة القضائية يكونون أكثر إحاطة بها، وأقدر على مواجهتها بحكم مواقعهم العليا في التنظيم القضائى هم هؤلاء الذين يتكون منهم مجلس الصلاحية، فإن إقامة هذا المجلس على شئون تلك الدعوى لا يتضمن خروجاً على نص المادة (68) من الدستور إذ هو قاضيها الطبيعى بالنسبة إلى من يحالون إليه من رجال السلطة القضائية لما أثير حولهم من أمور تمس السلطة القضائية في صميمها وتعتبر من دخائلها .
وحيث إن المشرع أفرد مجلس الصلاحية بتنظيم خاص عهد إليه بمقتضاه ولاية الفصل بصفة قضائية في الدعوى المتعلقة بها وتتحدد ملامح هذا التنظيم في تشكيل مجلس الصلاحية بأكمله من عناصر قضائية ، وقيامه دون غيره على شئون دعوى الصلاحية . وهيمنته على إجراءاتها إذا ما قرر السير فيها ، فإذا بان له من الاطلاع على أوراقها أن موجبات رفعها إليه منتفية ، غض النظر عنها غير مقيد في ذلك بطلب الإحالة إلى المعاش أو النقل إلى وظيفة غير قضائية المرفوع إليه من وزير العدل، إذ لا ينال الطلب – وبه تقام دعوى الصلاحية – من السلطة المطلقة التى يملكها المجلس بصددها بلا معقب عليه من أية جهة ، وكلما رأى مجلس الصلاحية محلاً للسير في إجراءاتها، اعتبر ذلك افتتاحاً للخصومة يؤذن بالبدء في تحقيق موضوعها ، وفي سبيل ذلك اختص المشرع مجلس الصلاحية بالحق في أن يعهد إلى أحد أعضائه بإجراء ما يراه لازماً من أعمال التحقيق التى يستظهر بها وجه الحقيقة، أو تلقى ضوءً على بعض جوانبها انطلاقاً من أن التحقيق الذى تجريه المحكمة أو الهيئة القضائية التى خولها المشرع سلطة الحكم في الدعوى هو الذى يكفل التوصل إلى الحقيقة الراجحة التى يقيم عليها الحكم قضاءه ، وبلوغاً لهذه الغاية خول المشرع مجلس الصلاحية وكذلك من يندبه لأعمال التحقيق حق استدعاء الشهود لسماع أقوالهم إذا كان من شأنها إيضاح بعض الوقائع التى غمض أمرها وتجلية وجه الخفاء فيها مزوداً في ذلك بالسلطة المخولة لمحاكم الجنح. كذلك فإن الأصل في الإجراءات التى يتخذها المجلس هو أنها تتم في مواجهة القاضى المرفوعة عليه الدعوى فلا يجوز للمجلس أن يحكم في غيبته إلا بعد التحقق من صحة إعلانه. ولئن نص القانون على أن يدعو مجلس الصلاحية العضو المحال إليه للحضور أمامه بميعاد ثلاثة أيام – وهو ميعاد قصير نسبياً – إلا أن ذلك لا يخل بحقه في الدفاع عن وجهة نظره وابدائها كاملة أمام المجلس سواء استجاب إلى الدعوة الموجهة إليه وحضر بشخصه لدحض الوقائع المنسوبة إليه ، أم فوض في الدفاع عنه أحد رجال القضاء من غير مستشارى محكمة النقض بما مؤداه ضمان حقه في الدفاع بالأصالة أو الوكالة ، شفاهة أو كتابة ً. وتوكيداً لهذه الضمانة ذاتها حرص المشرع على أن يخول مجلس الصلاحية الحق في أن يطلب من العضو المحال إليه الحضور بشخصه إذا قدر ضرورة ذلك لاستيضاح بعض النقاط المثارة في الدعوى أو التى تتصل بها كى يكون الحكم فيها صادراً عن بصر وبصيرة دالا على أنه أحاط بجوانبها المختلفة . وتعزيزاً لضمانة الدفاع، لا يجوز لمجلس الصلاحية أن يفصل في الدعوى المتعلقة بها إلا بعد سماع أقوال النيابة العامة ودفاع العضو المرفوعة عليه الدعوى على أن يكون هذا العضو آخر من يتكلم بما يعينه ذلك من ضمان حقه في الرد تعقيباً على كل واقعة نسبتها إليه النيابة العامة أو كشفت عنها الأوراق وتفنيداً لأقوال الشهود توصلاً إلى اطراحها. كذلك فأن ما قرره المشرع من عدم جواز الحكم في غيبته إلا بعد التحقق من صحة إعلانه يمثل ضمانة قصد بها – بالإضافة إلى مواجهته بكل ما قدم من هذه الأدلة – أن يقف مجلس الصلاحية على حقيقة الأمر في شأن صلاحيته للعمل القضائى ، وهو ما يفيد لزوماً تقصيه لكل واقعة جرى إسنادها إليه كى ينزلها المنزلة التى تستحقها ويكون عقدته على ضوء ما ينتهى إليه بشأنها ، ومن ثم فإن قالة الإخلال بحق المدعى في الدفاع – الذى كفل الدستور أصله بالفقرة الأولى من المادة (69) منه – لا يكون لها محل .
وحيث إنه على ضوء الأحكام السالف بيانها ، تتمحض دعوى الصلاحية عن خصومة قضائية أسند المشرع الفصل فيها إلى مجلس الصلاحية المشكل من عناصر قضائية صرفة ، وذلك باعتباره جهة قضاء تباشر بصفة دائمة اختصاصاتها المنصوص عليها فى قانون السلطة القضائية طبقاً للمادة (111) منه وفى إطار من الضمانات الرئيسية للتقاضى التى كفلها المشرع للعضو المرفوعة عليه الدعوى، وأخصها تكليفه الحضور أمام هذا المجلس لمواجهة ما أسند إليه وتمكينه من إبداء دفاعه وسماع أقواله وتحقيقها ومقابلتها بطلبات النيابة العامة وأقوال الشهود ليتخذ مجلس الصلاحية على ضوء جماع العناصر المطروحة في الدعوى قراراً قضائياً حاسماً للخصومة محدداً به وفقاً للقانون خاتمتها سواء برفض الدعوى أو بإبعاد العضو عن محيط العمل القضائى، وفي كل ذلك يتعين أن يكون هذا القرار القضائى مشتملاً على الأسباب التى بنى عليها كى يكون له مأخذ من الأوراق وحكم القانون ، وإذ حظر المشرع الطعن في هذا القرار الذى لا يعدو أن يكون حكماً بمعنى الكلمة ، فقد دل بذلك على اتجاه إرادته إلى قصر التقاضى فى المسائل التى فصل فيها هذا الحكم على درجة واحدة، وهو ما يستقل المشرع بتقديره في إطار سلطته في مجال تنظيم الحقوق وبمراعاة ما يقتضيه الصالح العام .
وحيث إن ما ينعاه المدعى من إخلال النص المطعون فيه بالمادة (40) من الدستور مردود بأن مبدأ المساواة في الحقوق بين المواطنين أمام القانون لا يعنى أن تعامل فئاتهم على ما بينها من تباين من مراكزها القانونية معاملة قانونية متكافئة كذلك لا يقوم هذا المبدأ على معارضة صور التمييز جميعها ، ذلك أن من بينها ما يستند إلى أسس موضوعية ولا ينطوى بالتالى على مخالفة لنص المادة (40) المشار إليها بما مؤداه أن التمييز المن هى عنه بموجبها هو ذلك الذى يكون تحكيماً ، ذلك أن تنظيم تشريعى لا يعتبر مقصوداً لذاته بل لتحقيق أغراض بعينها تعكس مشروعيتها إطاراً للمصلحة العامة التى يسعى المشرع إلى تحقيقها من وراء هذا التنظيم، فإذا كان النص التشريعى المطعون عليه – بما أنطوى عليه من التمييز – مصادماً لهذه الأغراض بحيث يستحيل منطقياً ربطه بها أو اعتباره مدخلاً إليها، فإن التمييز يكون تحكمياً وغير مستند بالتالى إلى أسس موضوعية ومجافياً لنص المادة (40) من الدستور .
إذ كان ذلك ، وكان قانون السلطة القضائية قد افرد دعوى الصلاحية بذلك التنظيم الخاص محدداً قواعده وفق أسس موضوعية لا تقيم في مجال تطبيقها تمييزاً من أى نوع بين المخاطبين بها من رجال السلطة القضائية المتكافئة مراكزهم القانونية بالنسبة إليها، وكان قصراً هذا التنظيم عليهم قد تقرر لأغراض بعينها تقتضيها المصلحة العامة صوناً للوظيفة القضائية وتوكيدا لما ينبغى أن يتوافر من الثقة في القائمين عليها، وتلك جميعها مصالح مشروعة يعتبر هذا التنظيم مرتبطاً ومحققاً لها، فإن قالة الإخلال بمبدأ المساواة أمام القانون تكون فاقدة لأساسها حرية بالرفض .
وحيث إن النص المطعون فيه لا يتعارض مع أى حكم من أحكام الدستور من أوجه أخرى .
فلهذه الأسباب
حكمت المحكمة برفض الدعوى، وبمصادرة الكفالة، وألزمت المدعى المصروفات، ومبلغ مائة جنيه مقابل أتعاب المحاماة .
أمين السر رئيس المحكمة