الدعوى 62 لسنة 18 – دستورية – المحكمة الدستورية العليا – مرفوعة علنية رقم 62 لسنة 18 بتاريخ 15/03/1997

Facebook
Twitter

الدعوى 62 لسنة 18 – دستورية – المحكمة الدستورية العليا – مرفوعة علنية رقم 62 لسنة 18 بتاريخ 15/03/1997

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

باسم الشعب

المحكمة الدستورية العليا
بالجلسة العلنية المنعقدة يوم السبت 15 مارس سنة 1997 الموافق 6 ذو العقدة سنة 1417هـ.

برئاسة السيد المستشار الدكتور عوض محمد عوض المر رئيس المحكمة
وحضور السادة المستشارين: محمد ولى الدين جلال ونهاد عبد الحميد خلاف وفاروق عبد الرحيم غنيم وعبد الرحمن نصير وسامي فرج يوسف ومحمد عبد القادر عبد الله
وحضور السيد المستشار الدكتور حنفي على جبالى رئيس هيئة المفوضين
وحضور السيد/ حمدي أنور صابر أمين السر
أصدرت الحكم الآتى

فى القضية المقيدة بجدول المحكمة الدستورية العليا برقم 62 لسنة 18 قضائية دستورية
المقامة من
1. ثابت كامل يعقوب
2. عبده على عثمان
3. محمود السمان أحمد
4. السيد قمر سليم
ضد
1. رئيس الجمهورية بصفته
2. رئيس مجلس الوزراء بصفته
3. رئيس مجلس الإدارة والعضو المنتدب لشركة النصر للأسمدة والصناعات الكيماوية بصفته
الإجراءات
بتاريخ 16 من يونيو سنة 1996 أقام المدعون هذه الدعوى بإيداع صحيفتها قلم كتاب المحكمة الدستورية العليا، طالبين فى ختامها الحكم بقبول الدعوى شكلاً، وفى الموضوع بعدم دستورية المادة (33) من القانون رقم 48 لسنة 1978 بشأن نظام العاملين بالقطاع العام.
وقدمت هيئة قضايا الدولة مذكرة طلبت فى ختامها الحكم، أصلياً: بعدم قبول الدعوى ، واحتياطياً: برفضها.
وبعد تحضير الدعوى أودعت هيئة المفوضين تقريراً برأيها.
ونُظرت الدعوى على الوجه المبين بمحضر الجلسة ، وقررت المحكمة إصدار الحكم فيها بجلسة اليوم.
المحكمة
بعد الاطلاع على الأوراق، والمداولة.

حيث إن الوقائع -على ما يبين من صحيفة الدعوى وسائر الأوراق- تتحصل فى أن شركة النصر للأسمدة والصناعات الكيماوية (قطاع أعمال) كانت قد أجرت حركة ترقيات إلى الدرجة الأولى ، إلا أنها خلت من المدعين، رغم استيفائهم لشروط الترقية إلى هذه الدرجة وتساويهم فى متطلبات شغلها مع زملائهم الذين رقوا إليها، ومن ثم فقد أقاموا الدعوى رقم 189 لسنة 1994 مدنى كلى السويس للمطالبة بأحقيتهم فى الترقية إلى الدرجة الأولى التى نحوا عنها. وإذ قُضى برفضها، فقد طعنوا على حكمها باستئنافهم رقم 46 لسنة 18 قضائية أمام المحكمة الاستئنافية بالإسماعيلية مأمورية السويس. وأثناء نظره دفع المدعون بعدم دستورية المادة (33) من القانون رقم 48 لسنة 1978 بشأن نظام العاملين بالقطاع العام، تأسيساً على أنها تخول الإدارة سلطة مطلقة فى مجال الترقية بالاختيار تجعلها بمنأى عن الخضوع لرقابة القضاء بالمخالفة لنص المادة (68) من الدستور. وقد أبدى هذا الدفع لأول مرة بمذكرة دفاعهم المقدمة بجلسة 16/1/1996، وعلى أثرها تقرر حجز الدعوى للحكم لجلسة 14/2/1996، ثم أعيدت للمرافعة لجلسة 21/4/1996.
وحيث إن تقدير محكمة الموضوع جدية الدفع بعدم دستورية نص قانونى معين، يفترض إجالتها لبصرها فيه بعد فهمها لحقيقته ووقوفها على أبعاده. ويقتضى ذلك أن تقابل – بصفة مبدئية – بين هذا النص والنصوص الدستورية المدعى مخالفتها، مستظهرة من ذلك نطاق التناقض بين مضمونه وأحكامها. ولا يجوز بالتالى أن يكون تقدير محكمة الموضوع جدية دفع مثار أمامها، من فصلاً عن تعارض تتحراه مبدئياً بين النصوص القانونية المطعون عليها ومواقع بطلانها من أحكام الدستور.
وحيث إن المدعين وإن أثاروا لأول مرة – بمذكرتهم التى قدموها إلى محكمة الموضوع فى 16/1/1996 – مخالفة نص المادة (33) من قانون نظام العاملين بالقطاع العام الصادر بالقانون رقم 48 لسنة 1978، للمادتين (8، 68) من الدستور؛ وكانت محكمة الموضوع -بعد إبداء المدعين لدفعهم هذا- لم تمض فى نظر الدعوى الموضوعية ، ولكنها حجزتها للحكم فى 14/2/1996. وبجلستها هذه أعادتها للمرافعة استئنافاً منها لنظرها فى 21/4/1996. وبهذه الجلسة ، قررت تأجيلها إلى 18/6/1996 ليقيم المدعون قبل حلولها دعواهم الدستورية ؛ وكان ما تقدم مؤداه: أن محكمة الموضوع لم تفصح عن تقديرها لجدية الدفع المطروح عليها إلا بتاريخ 21/4/1996. وإذ أقام المدعون الدعوى الماثلة قبل انتهاء الأجل الذى حددته محكمة الموضوع لرفعها – وعلى التحديد فى 16/6/1996- فإن النعى بعدم قبولها شكلاً، يكون فاسداً.
وحيث إن المادة (33) من قانون نظام العاملين بالقطاع العام الصادر بالقانون رقم 48 لسنة 1978، تنص على ما يأتى :
مع مراعاة حكم المادة (12) من هذا القانون تكون الترقية إلى وظائف الدرجة الأولى فما فوقها بالاختيار، ويستهدى فى ذلك بما يبديه الرؤساء بشأن المرشحين لشغل هذه الوظائف، وبما ورد فى ملفات خدمتهم من عناصر الامتياز.
وتكون الترقية إلى الوظائف الأخرى بالاختيار فى حدود النسبة الواردة فى الجدول رقم (1) المرافق، وذلك بالنسبة لكل سنة مالية على حدة ، على أن يبدأ بالجزء المخصص للترقية بالأقدمية.
ويشترط فى ذلك أن يكون العامل حاصلاً على مرتبة امتياز فى تقرير الكفاية عن السنتين الأخيرتين، ويفضل من حصل على مرتبة ممتاز فى السنة السابقة عليها مباشرة وذلك مع التقيد بالأقدمية فى ذات مرتبة الكفاية.

فإذا كان عدد من تتوافر فيهم شروط الترقية بالاختيار أقل من العدد المخصص لها تؤجل الترقية فى الجزء الباقى إلى سنة تالية.

وحيث إن المصلحة الشخصية المباشرة -وهى شرط لقبول الدعوى الدستورية – مناطها أن تتوافر علاقة منطقية بينها وبين المصلحة التى يقوم بها النزاع الموضوعى ، وذلك بأن يكون الحكم فى المسائل الدستورية لازماً للفصل فى الطلبات الموضوعية المرتبطة بها؛ وكان النزاع الموضوعى يتحصل فى طلب المدعين الحكم بأحقيتهم فى الترقية إلى الدرجة الأولى التى حرموا منها إعمالاً لقاعدة الاختيار التى تضمنتها الفقرة الأولى من المادة (33) من قانون نظام العاملين بالقطاع العام، فإن مصلحتهم الشخصية والمباشرة – تنحصر فى الطعن عليها.
ولا ينال من ذلك أن يكون المشرع قد استعاض بنص المادة الثانية من قانون إصدار قانون شركات قطاع الأعمال العام الصادر بالقانون رقم 203 لسنة 1991 – والمعمول به اعتباراً من 20 يوليو 1991 – عن هيئات القطاع العام الخاضعة لأحكام القانون رقم 97 لسنة 1983، والشركات التى تباشر إشرافها عليها، بالشركات القابضة والشركات التابعة لها، ذلك أن المادة (4) من قانون إصداره صريحة فى نصها على استمرار خضوع العاملين فى هيئات القطاع العام وشركاته المنقولين إلى الشركات الجديدة بنوعيها، والموجودين بالخدمة فى تاريخ العمل بهذا القانون، للنظم والقواعد التى كانت تحكم شئونهم الوظيفية ، وذلك إلى أن تصدر لوائح أنظمة العاملين بالشركات المنقولين إليها؛ وكان وزير قطاع الأعمال العام والدولة للتنمية الإدارية وشئون البيئة قد أصدر فى 19/9/1995 لائحة النظام الخاص بالعاملين بالشركة التى يتبعها المدعون، على أن يعمل بها اعتباراً من 1/7/1995؛ وكان ذلك مؤداه: أن القواعد القانونية التى كانت تحكمهم – وإلى ما قبل صدور هذا التنظيم الخاص – هى التى تنظم شئون ترقياتهم التى تمت فى 30/6/1991 و 1/2/1994، فإن طعنهم ببطلان الفقرة الأولى من المادة (33) من قانون نظام العاملين بالقطاع العام لمخالفتها الدستور، يكون كافلاً مصلحتهم الشخصية المباشرة ، إذ هى التى اتخذتها الوحدة الاقتصادية التى يعملون بها سنداً لترقية غيرهم إلى الدرجة الأولى.

وحيث إن المدعين ينعون على النص المطعون فيه مخالفته لأحكام المواد (8،40، 68) من الدستور التى تكفل أولاهما تكافؤ الفرص لجميع المواطنين، وثانيتهما مساواتهم أمام القانون، وثالثتهما حق التقاضى للناس كافة.

وحيث إن قضاء المحكمة الدستورية العليا قد استقر على أن الأصل فى سلطة المشرع فى مجال تنظيم الحقوق، أنها سلطة تقديرية ما لم يقيد الدستور ممارستها بضوابط تحد من إطلاقها، وتعتبر تخوماً لها لا يجوز اقتحامها أو تخطيها، وكان الدستور إذ يعهد إلى السلطة التشريعية بتنظيم موضوع معين، فإن ما تقره من القواعد القانونية فى هذا النطاق، لا يجوز أن ينال من الحقوق التى كفل الدستور أصلها، سواء بنقضها أو انتقاصها من أطرافها، ذلك أن إهدار هذه الحقوق أو تهميشها، عدوان على مجالاتها الحيوية التى لا تتنفس إلا من خلالها. ولايجوز بالتالى أن يكون تنظيم هذه الحقوق اقتحاماً لفحواها، بل يتعين أن يكون منصفاً ومبرراً.
وحيث إن ما نص عليه الدستور فى المادة (13) من اعتبار العمل حقاً، مؤداه: ألا يكون تنظيم هذا الحق مناقضاً لفحواه، وأن يكون فوق هذا اختياراً حراً، والطريق إليه محدداً وفق شروط موضوعية مناطها ما يكون لازماً لإن جازه، متوخياً دوما تطوير أن ماط الحياة وتشكيلها فى اتجاه التقدم، معززاً ببرامج رائدة تزيد من خبرة العامل وتنميها، وتكفل خلق مناخ ملائم يكون العمل فى إطاره إسهاماً وطنياً فاعلاً.
وحيث إن الحقوق جميعها -ويندرج تحتها حق العمل- لا تنشأ إلا بتوافر متطلباتها، ذلك أن الشروط التى يفرضها المشرع لقيام حق من الحقوق، تعتبر من عناصره، بها ينهض سوياً على قدميه، ولا يتصور وجوده بدونها، ولا أن يكتمل كيانه فى غيبتها. ومن ثم لا تنعزل هذه الشروط عن الحق الذى نشأ مرتبطاً بها، مكتملاً وجوداً بتحققها.
وحيث إن كل تمييز لا يتصل بالشروط الموضوعية التى ينبغى أن يمارس العمل فى نطاقها، يعتبر منهياً عنه دستورياً، سواء انعكس هذا التمييز فى شكل آثار اقتصادية ، أم كان مرهقاً لبيئة العمل ذاتها، أو ملوثاً لها من خلال صور من التعامل تحيطها، وتتباين أبعادها، إذا كان من شأنها فى مجموعها – وعلى امتداد حلقاتها – الإضرار بقيمة العمل، أو الإخلال بطبيعة الشروط التى يقتضيها. ومن ثم لايكون التمييز فى مجال العمل مقبولاً كلما كان مبناه التحامل فى شروط العمل والأوضاع التى يتصل بها، بما يحول دون قيام العمال على واجباتهم على النحو الأكمل، أو يثنيهم عن متابعتها، أو يدفعهم إلى التخلى عنها.
وحيث إن اعتبار العمل حقاً وواجباً وشرفاً وفقاً لنص المادة (13) من الدستور، مؤداه: أن يكون مكفولاً من الدولة وفق إمكاناتها، وعلى ضوء التدابير التى تتخذها. وإعلاؤها لقدر العمل وارتقاؤها بقيمته، يحملها على تقدير من يمتازون فيه، ليكون التمايز فى أداء العاملين، مدخلاً للمفاضلة بينهم. وهو ما يعنى بالضرورة أن الشروط الموضوعية وحدها، هى التى يعتد بها فى تقدير العمل وتحديد أجره، والأحق بالحصول عليه، والأوضاع التى ينبغى أن يمارس فيها، والحقوق التى يرتبها، وأشكال حمايتها ووسائل اقتضائها، فلا يكون العمل إلا كافلاً لضمانة الحق فى الحياة واحداً من أهم روافدها، محققاً للتنمية الاقتصادية والاجتماعية جوهر أسبابها.
وحيث إن الأصل أن يكون لكل وظيفة حقوقها وواجباتها، فلا تقابل مزاياها بغير مسئولياتها، ولا يكون وصفها وترتيبها من فصلاً عن متطلباتها التى تكفل للمرافق التى يديرها عمال الوحدة الاقتصادية ، حيويتها واطراد تقدمها، وقابلية تنظيماتها للتعديل وفق أسس علمية قوامها التخطيط المرن وحرية التقدير. فلا تتعثر أعمال هذه الوحدة أو تفقد اتصالها ببعض أو تدرجها فيما بينها، بل يكون اتساقها وتقسيمها وتخصصها لازماً لضمان إن جازها بصورة ملائمة مع خفض نفقاتها. وشرط ذلك إعداد عمال كل وحدة اقتصادية علمياً وفنياً، فلا يلى شئونها غير القادرين حقا على تصريفها، سواء أكان عملهم ذهنياً أم مهنياً أم يدوياً.
وحيث إن ما تقدم مؤداه: أن لكل وظيفة تبعاتها، فلا يشغلها إلا من يستحقها على ضوء طبيعة الأعمال التى تدخل فيها، وغاياتها، والمهارة المطلوبة فيها، والخبرة اللازمة لها. ولا يجوز بالتالى أن يكون التعيين فى وظيفة بذاتها أو الترقية منها إلى ما يعلوها، عملاً آلياً يفتقر إلى الأسس الموضوعية ، أو من فصلاً عن التقدير المتوازن لعوامل الجدارة وعناصر التمايز التى تتم على ضوئها المفاضلة بين المتزاحمين على توليها، ولا مجرد تطبيق جامد لمقاييس صماء لا تأخذ فى اعتبارها خصائص كل وظيفة ومكانتها، والحد الأدنى للتأهيل لها، وغير ذلك من مقوماتها الموضوعية المحددة تحديداً دقيقاً، وعلى تقدير أن تقييم الوظيفة إنما يرتبط بأهميتها الحقيقية.

وحيث إن الترقية بالاختيار فى مفاهيم الدول المتحضرة ، تمثل من جانبها إنحيازاً إلى الأصلح والأكثر عطاء، وهى فى نطاق النص المطعون فيه – وفى حدود الخصومة الدستورية الماثلة – اعتبرها المشرع أسلوباً ملائماً لتولى مهام أعمال بعينها تكون بالنظر إلى أهميتها ومرتبتها فى بنيان الهيكل الوظيفى للوحدة الاقتصادية ، مؤثرة إلى حد كبير فى نشاطها وتحقيق الأغراض التى تقوم عليها. ولا يجوز بالتالى أن يعهد بهذه الأعمال لغير من يؤدونها بحقها، فلا يكونون عبئاً عليها يقيدها أو يضعفها، بل يثرونها من خلال جهد خلاق يتفاعل مع مسئولياتها، ويقابل بالتحليل الموضوعى ما قد يطرأ فى العمل من مشكلاتها. ويقتضى ذلك أن تتوافر فيمن يتولاها تلك الخصائص الخلقية والنفسية والعقلية التى تواكبها. وشرط ذلك استمدادها من عناصر موضوعية لا تتوهمها سلطة التعيين، أو تنفصل عنها – وبفرض وجودها – النتائج التى رتبتها عليها، وإلا كان قرارها منطوياً على إساءة استعمال السلطة ، وهو مايعنى ضرورة أن تفاضل بين المتزاحمين على تلك الأعمال على ضوء أصلحهم للنهوض بأعبائها، فلا يكون تقدير كفايتهم موهناً لها دون حق، بل متصلاً بنزاهتهم ودأبهم على العمل وقدرتهم على اتخاذ القرار الملائم، ومرتبطاً بنطاق معاملتهم لمرؤوسيهم توجيهاً وإشرافاً، وبما توافر لديها عن ماضيهم وحاضرهم من العناصر التى تعُينها على أن تتخذ فى شأنهم قرارا سليما، يكون محدداً للجدارة التى بلغها كل منهم.
وحيث إن الاختيار -وباعتباره عملاً انتقائياً- يفترض فى الأعم من الأحوال، أن المتزاحمين على وظيفة بذاتها لا يتحدون فى كفايتهم لتوليها، وأن لبعضهم من عناصر الامتياز والتفوق ما يرجحهم على غيرهم، وأن تقدير هذه العناصر لتحديد من يكون من بينهم أجدر بها، وأحق بالتعيين أو الترقية إليها، عملية موضوعية لا تصدر فيها الجهة التى تتولاها عن أهوائها، ولا تعبر بها عن نزواتها، إذ عليها أن تقارن بين هذه العناصر على ضوء حقائقها، وأن تزن كلا منها بميزان الحق والعدل، فلا ينفصل تقييمها عن واقعها. ولا يكون لها من شأن إلا بقدر ارتباطها بخصائص هذه الوظيفة ومتطلباتها.
وكلما كان المرشحون لها على اتصال دائم برؤسائهم فى مواقعهم من الإدارة العليا، كان هؤلاء الرؤساء أقدر على سبر أغوارهم، وقوفاً على مظاهر تميزهم أو نواحى القصور فى عملهم، فلا يكون تقييمها إنحرافاً بالسلطة عن أهدافها أو تنكباً لمصلحة عامة ، بل إلتزاماً بضوابطها تقيداً منها بأصلحهم، وهو ما نحاه المشرع بالفقرة الأولى من المادة (33) المطعون عليها التى تؤكد بنصها أن تقدير الأحق بالترقية إلى الدرجة الأولى ، يقتضى الاستهداء بعنصرين موضوعيين لا يتنافران فيما بينهما، بل يتكاملان؛ هما ما قرره الرؤساء بشأن كل من المرشحين لها سلباً أو إيجاباً؛ وما ورد فى ملفات خدمتهم من عناصر الامتياز أو الانحدار، فلا يكون اختيار أفضلهم بالتالى عملاً عشوائياً، بل تصوراً واقعياً محيطاً بملكاتهم.
ولا مخالفة فى ذلك للدستور لأمرين، أولهما: أن التنظيم المطعون فيه، لا ينال من حق العمل، ولا من قدره، ولا من الشروط التى يرتبط عقلاً بها، ولا يحيط بيئة العمل بأوضاع ترهقها، بل يجردها من رتابتها وآليتها وجمودها، حفزاً لهمم العاملين، واستثارة لقدراتهم على الخلق والإبداع، فلايتولى الوظيفة – وباعتبارها شرفاً – غير الأولى بها كى لا يظلم أحد شيئا. ثانيهما: أن الدستور حرص بنص المادة (13) على أن تولى الدولة اهتمامها بمن يمتازون من عما لها فى أداء أعمالهم، وأن يكون تفوقهم وبروزهم فى النهوض بمسئوليتها، محل تقدير مجتمعهم، وهو ما يعنى أن العمل – وباعتباره حقا يؤمن لكل مواطن حياة يطئمن إليها اجتماعياً واقتصادياً – لا ينفصل عن جدارة من يتولاه، وإلا كان نهباً لكل طارق، سوياً كان أم مهيضاً؛ بصيراً متوثباً، أم منكفئاً متخاذلاً.
وحيث إن ما ينعاه المدعى من مخالفة النص المطعون فيه لمبدأ تكافؤ الفرص مردود بأن الفرص التى يستنهضها هذا المبدأ، هى تلك التى تتعهد الدولة بتقديمها، ويفترض ذلك بالضرورة أن تكون هذه الفرص محدودة عدداً، وأن من يطلبونها يتزاحمون فيما بينهم للنفاذ إليها، وأن ترتيبهم على ضوء أجدرهم بالحصول عليها، يقتضى تقرير شروطها الموضوعية وفق ضوابط يمليها التبصر والاعتدال؛ وكان النص المطعون فيه وإن اتصل بفرص الترقية إلى الدرجة الأولى ، إلا أن اختيار المتزاحمين عليها لا يتم إنحيازاً أو إلتواءاً، بل باعتبارها وظيفة رئيسية لايجوز أن يتولاها غير الأصلح لمهامها، وفق الضوابط التى صاغها النص المطعون فيه، وجميعها تعتد بالحقائق الموضوعية التى يقوم الدليل عليها من عمل المرشحين على امتداد حياتهم الوظيفية ، ومن شهادة رؤسائهم عن ملامح شخصيتهم فى نطاق اتصالها بهذا العمل.
وحيث إن النص المطعون فيه يتعلق – وفق ما تقدم – بالتطبيق المباشر لمبدأ تكافؤ الفرص المنصوص عليه فى المادة (8) من الدستور، ولا يتداخل بالتالى ومبدأ المساواة أمام القانون المقرر بمقتضى المادة (40) منه، تقديراً بأن لكل من هذين المبدأين – وعلى ما جرى به قضاء هذه المحكمة – دائرة يعمل فيها. هذا فضلاً عن أن النص المطعون فيه – وفى مجال تطبيق مبدأ تكافؤ الفرص – لا يقيم تمييزاً غير مبرر بين المتزاحمين على الترقية إلى الدرجة الأولى ، بل يردهم جميعاً إلى قواعد موحدة تقتضى أن يكون شغلها حقاً للأجدر بتوليها. وهم بذلك يتساوون فى طلبها، واقتضائها على ضوء كفايتهم.
وحيث إن من المقرر فى قضاء هذه المحكمة ، أن الناس جميعا لا يتمايزون فيما بينهم فى مجال حقهم فى النفاذ إلى قاضيهم الطبيعى ، ولا فى نطاق القواعد الإجرائية والموضوعية التى تحكم الخصومة القضائية عينها، ولا فى فعالية ضمانة الدفاع التى يكفلها الدستور والمشرع للحقوق التى يدعونها، ولا فى اقتضائها وفق مقاييس موحدة عند توافر شروط طلبها، ولا فى طرق الطعن التى تنتظمها. بل يجب أن يكون للحقوق ذاتها، قواعد موحدة سواء فى مجال التداعى بشأنها، أو الدفاع عنها، أو استئدائها، أو الطعن فى الأحكام التى تتعلق بها. متى كان ذلك، وكان النص المطعون فيه لا يحول بين المدعين واختصام قرار تخطيهم فى الترقية إلى الدرجة الأولى ، ولا يعطل حقهم فى النفاذ إلى قاضيهم الطبيعى ، فإن إدعاء مخالفته لنص المادة (68) من الدستور، يكون لغواً.
فلهذه الأسباب
حكمت المحكمة برفض الدعوى ، وبمصادرة الكفالة وألزمت المدعين بالمصروفات ومبلغ مائة جنيه مقابل أتعاب المحاماة.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
صدر هذا الحكم من الهيئة المبينه بصدره , اما السيد المستشار سامي فرج يوسف الذي سمع المرافعه و حضر المداولة و وقع مسودة الحكم فقد جلس بدله عند تلاوته السيد المستشار الدكتور عبد المجيد فياض.