الدعوى 84 لسنة 17 – دستورية – المحكمة الدستورية العليا – مرفوعة علنية رقم 84 لسنة 17 بتاريخ 15/03/1997

Facebook
Twitter

الدعوى 84 لسنة 17 – دستورية – المحكمة الدستورية العليا – مرفوعة علنية رقم 84 لسنة 17 بتاريخ 15/03/1997

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
باسم الشعب

المحكمة الدستورية العليا
بالجلسة العلنية المنعقدة يوم السبت 15 مارس سنة 1997 الموافق 6 ذو القعدة سنة 1417
برئاسة السيد المستشار الدكتور/ عوض محمد عوض المر رئيس المحكمة
وحضور السادة المستشارين: الدكتور محمد إبراهيم أبو العينين ومحمد ولى الدين جلال ونهاد عبد الحميد خلاف وفاروق عبد الرحيم غنيم وعبد الرحمن نصير والدكتور عبد المجيد فياض
وحضور السيد المستشار الدكتور/ حنفى على جبالى رئيس هيئة المفوضين
وحضور السيد/ حمدى أنور صابر أمين السر
أصدرت الحكم الآتى

فى القضية المقيدة بجدول المحكمة الدستورية العليا برقم 84 لسنة 17 قضائية دستورية
المقامة من
السيدة / حليمة عبد العال أحمد
ضد
1. السيد/ رئيس الجمهورية
2. السيد الاستاذ/ النائب العام
3. السيد الاستاذ/ رئيس مجلس الوزراء
4. السيد الاستاذ/ رئيس اللجنة التشريعية بمجلس الشعب
5. السيدة / ميرفت رمضان رفاعى
الإجراءات
فى الثامن عشر من شهر ديسمبر سنة 1995، أودعت المدعية قلم كتاب المحكمة صحيفة الدعوى الماثلة ، طالبة الحكم بعدم دستورية المادتين (26، 77) من القانون رقم 49 لسنة 1977 فى شأن تأجير وبيع الأماكن وتنظيم العلاقة بين المالك والمستأجر، وكذلك المادتين (6، 23) من القانون رقم 136 لسنة 1981 فى شأن بعض الأحكام الخاصة بتأجير وبيع الأماكن وتنظيم العلاقة بين المؤجر والمستأجر.
وقدمت هيئة قضايا الدولة مذكرة طلبت فيها، أصلياً: عدم قبول الدعوى ، واحتياطياً: برفضها.
وبعد تحضير الدعوى ، أودعت هيئة المفوضين تقريراً برأيها.
ونُظرت الدعوى على الوجه المبين بمحضر الجلسة ، وقررت المحكمة إصدار الحكم فيها بجلسة اليوم.
المحكمة
بعد الاطلاع على الأوراق، والمداولة.

حيث إن الوقائع -على ما يبين من صحيفة الدعوى وسائر الأوراق- تتحصل فى أن السيدة / ميرفت رمضان رفاعى -المدعى عليها الأخيرة – كانت قد استأجرت من المدعية شقة بالعقار رقم 39 شارع مكة قسم الهرم، ثم نسبت إلى المدعية تقاضيها منها مبلغ 14000 جنيه خارج نطاق عقد الإيجار (خلو رجل)، فأقيمت الدعوى رقم 6575 لسنة 1994 جنح الهرم التى قضى فيها إبتدائياً بحبس المدعية ستة أشهر وكفالة خمسين جنيهاً لوقف التنفيذ، وتغريمها مبلغ 32640 جنيه، ومثلها لصالح صندوق الإسكان الاقتصادى بمحافظة الجيزة ، ورد مبلغ 16320 جنيه للمجنى عليها، فطعنت المحكوم عليها فى هذا الحكم استئنافياً تحت رقم 5585 لسنة 1995 مستأنف الهرم حيث قضى غيابياً بتأييد الحكم المطعون فيه. وقد عارضت المحكوم ضدها فى هذا الحكم، ثم دفعت أثناء نظر معارضتها بعدم دستورية نص المادة (26) من القانون رقم 49 لسنة 1977 فى شأن تأجير وبيع الأماكن وتنظيم العلاقة بين المؤجر والمستأجر. وإذ قدرت محكمة الموضوع جدية هذا الدفع، وخولتها اللجوء إلى طريق الطعن بعدم الدستورية ، فقد أقامت دعواها الماثلة.

وحيث إن المدعية تطلب الحكم بعدم دستورية نصوص المواد الآتية :
أولاً: القانون رقم 49 لسنة 1977 فى شأن تأجير وبيع الأماكن وتنظيم العلاقة بين المؤجر والمستأجر.
مادة (26): لا يجوز للمؤجر، مالكاً كان أو مستأجراً بالذات أو بالوساطة ، اقتضاء أى مقابل أو أتعاب بسبب تحرير العقد أو أى مبلغ إضافى خارج نطاق عقد الإيجار زيادة على التأمين والأجرة المنصوص عليها فى العقد.
كما لا يجوز بأية صورة من الصور للمؤجر أن يتقاضى أى مقدم إيجار.
مادة (77): يعاقب كل من يخالف حكم المادة (26) من هذا القانون، سواء كان مؤجراً أو مستأجراً أو وسيطاً بالحبس مدة لا تقل عن ثلاثة أشهر وبغرامة تعادل مثلى المبلغ الذى تقاضاه بالمخالفة لأحكام هذه المادة.
ويعفى من العقوبة كل من المستأجر والوسيط إذا أبلغ أو بادر بالإعتراف بالجريمة.

وفى جميع الأحوال يجب الحكم على المخالف بأن يرد إلى صاحب الشأن ما تقاضاه على خلاف أحكام المادة المشار إليها.
ثانياً: القانون رقم 136 لسنة 1981 فى شأن بعض الأحكام الخاصة بتأجير وبيع الأماكن وتنظيم العلاقة بين المؤجر والمستأجر.
مادة (6): يجوز لمالك المبنى المنشأ اعتباراً من تاريخ العمل بهذا القانون، أن يتقاضى من المستأجر مقدم إيجار لا يجاوز أجرة سنتين، وذلك بالشروط الآتية : 1 – أن تكون الأعمال الأساسية للبناء قد تمت ولم يتبق إلا مرحلة التشطيب. 2 – أن يتم الاتفاق كتابة على مقدار مقدم الإيجار وكيفية خصمه من الأجرة المستحقة فى مدة لا تجاوز ضعف المدة المدفوع عنها المقدم وموعد إتمام البناء وتسليم الوحدة صالحة للإستعمال.
ويصدر قرار من الوزير المختص بالإسكان بتنظيم تقاضى مقدم الإيجار، والحد الأقصى لمقدار المقدم بالنسبة لكل مستوى من مستويات البناء.
ولا يسرى حكم الفقرة الأخيرة من المادة (26) من القانون رقم 49 لسنة 1977 على مقدم الإيجار الذى يتقاضاه المالك وفقاً لأحكام هذه المادة.

مادة (23): يعاقب بعقوبة جريمة النصب المنصوص عليها فى قانون العقوبات، المالك الذى يتقاضى بأية صورة من الصور، بذاته أو بالوساطة أكثر من مقدم عن ذات الوحدة أو يؤجرها لأكثر من مستأجر، أو يبيعها لغير من تعاقد معه على شرائها، ويبطل كل تصرف بالبيع لا حق لهذا التاريخ، ولو كان مسجلاً.
ويعاقب بذات العقوبة المالك الذى يتخلف دون مقتض عن تسليم الوحدة فى الموعد المحدد، فضلاً عن إلزامه بأن يؤدى إلى الطرف الآخر مثلى مقدار المقدم، وذلك دون إخلال بالتعاقد، وبحق المستأجر فى استكمال الأعمال الناقصة وفقاً لحكم الفقرة الأخيرة من المادة (13) من القانون رقم 49 لسنة 1977. ويكون ممثل الشخص الاعتبارى مسئولاً عما يقع منه من مخالفات لأحكام هذه المادة.

وحيث إن من المقرر أن شرط المصلحة الشخصية المباشرة يتغيا أن تفصل المحكمة الدستورية العليا فى الخصومة الدستورية من جوانبها العملية وليس من معطياتها النظرية.
وهو كذلك يقيد تدخلها فى هذه الخصومة ، فلا تفصل فى غير المسائل الدستورية التى يؤثر الحكم فيها على النزاع الموضوعى.
ويتحدد مفهوم هذا الشرط باجتماع عنصرين:
أولهما: أن يقيم المدعى -وفى حدود الصفة التى اختصم بها النص المطعون فيه- الدليل على أن ضرراً واقعياً -اقتصادياً أو غيره- قد لحق به، سواء أكان مهدداً بهذا الضرر، أم كان قد وقع فعلاً. ويتعين دوماً أن يكون الضرر المدعى به مباشراً، من فصلاً عن مجرد مخالفة النص المطعون فيه للدستور، مستقلاً بالعناصر التى يقوم عليها، ممكناً تصوره ومواجهته بالترضية القضائية ، تسوية لآثاره.
ثانيهما: أن يكون هذا الضرر عائداً إلى النص المطعون فيه، وليس ضرراً متوهماً أو منتحلاً أو مجهلاً، فإذا لم يكن هذا النص قد طبق أصلاً على من ادعى مخالفته للدستور، أو كان من غير المخاطبين بأحكامه، أو كان الإخلال بالحقوق التى يدعيها لا يعود إليه، دل ذلك على انتفاء المصلحة الشخصية المباشرة ، ذلك أن إبطال النص التشريعى فى هذه الصور جميعها لن يحقق للمدعى أية فائدة عملية يمكن أن يتغير بها مركزه القانونى بعد الفصل فى الدعوى الدستورية ، عما كان عليه قبلها.
وحيث إن نطاق الدعوى الدستورية -وعلى ما جرى به قضاء هذه المحكمة – وإن تحدد أصلاً بالنصوص القانونية التى تعلق بها الدفع بعدم الدستورية المثار أمام محكمة الموضوع، إلا أن هذا النطاق يتسع كذلك لتلك النصوص التى أضير المدعى من جراء تطبيقها عليه – ولو لم يتضمنها هذا الدفع – إذا كان فصلها عن النصوص التى اشتمل الدفع عليها متعذراً، وكان ضمها إليها كافلاً الأغراض التى توخاها المدعى بدعواه الدستورية ، فلا تحمل إلا على مقاصده، ولا تتحقق مصلحته الشخصية والمباشرة بعيداً عنها.
وحيث إن المدعية كانت متهمة جنائياً فى جريمة تقاضى مبالغ خارج نطاق عقد الإيجار (خلو رجل)؛ وكانت المادتان (26، 77) من القانون رقم 49 لسنة 1977 فى شأن تأجير وبيع الأماكن وتنظيم العلاقة بين المؤجر والمستأجر، قد نظمتا هذه الجريمة ذاتها، أولاهما بحظرها تقاضى هذا الخلو، وثانيتهما بتقريرها لجزاء جنائى على مخالفة هذا الحظر، فإن التنظيم التشريعى لهذه الجريمة -وباعتبارها تمثل مبالغ تقاضاها المؤجر خارج نطاق عقد الإيجار- يشتمل على هذين الأمرين معاً. لا ينال من ذلك أن يكون الدفع المثار من المدعية أمام محكمة الموضوع، قد اقتصر على نص المادة (26) من هذا القانون، ذلك أن الاتهام تعلق باقتضائها لخلو الرجل، وغايتها من الطعن بعدم دستورية مواده، ألا تلا حقها سلطة الاتهام بعقوبة هذه الجريمة المنصوص عليها فى المادة (77) من هذا القانون، ومن ثم تعتبر مادتاه (26، 77)، محددتين لنطاق دعواها الدستورية ، ومرتبطتين بالنزاع الموضوعى.

ولا شأن لدعواها هذه -وبالتالى – بجريمة تقاضى المؤجر مقدم إيجار لأكثر من سنتين المنصوص عليها فى المادتين (6، 23) من القانون رقم 136 لسنة 1981 فى شأن بعض الأحكام الخاصة بتأجير وبيع الأماكن وتنظيم العلاقة بين المؤجر والمستأجر.
وحيث إن المدعية تنعى على النصوص المطعون عليها، مخالفتها لمبدأ أن العقد شريعة المتعاقدين، وخروجها على الأحكام المنصوص عليها فى المواد (34، 35، 36) من الدستور التى كفل بها صون الملكية الخاصة.

وحيث إن اقتضاء المؤجر لخلو رجل، ظل معاقباً عليه بمقتضى المادة (77) من القانون رقم 49 لسنة 1977 والمادة (24) من القانون رقم 136 لسنة 1981 المشار إليهما، أولاهما بالعقوبة التى فرضتها على اقتضاء مبالغ خارج نطاق عقد الإيجار زيادة على التأمين والأجرة المنصوص عليها فى العقد، وثانيتهما بما نصت عليه من أنه فيما عدا العقوبة المقررة لجريمة خلو الرجل، تلغى جميع العقوبات المقيدة للحرية المنصوص عليها فى القوانين المنظمة لتأجير الأماكن وتنظيم العلاقة بين المؤجر والمستأجر،وذلك دون إخلال بأحكام المادة السابقة.

وحيث إن قضاء هذه المحكمة قد جرى على أن القيود الاستثنائية التى نظم بها المشرع العلائق الإيجارية ، لا يجوز اعتبارها حلاً دائماً ونهائياً لمشكلاتها، فلا يتحول المشرع عنها، بل عليه أن يعيد النظر فيها على ضوء ما ينبغى أن يقوم فى شأنها من توازن بين حقوق كل من المؤجر والمستأجر، فلا يختل التضامن بينهما اجتماعياً، ولا يكون صراعهما بديلاً عن التعاون بينهما، بل تتوافق مصالحهما اقتصادياً، وعلى تقدير أن الأصل فى عقود القانون الخاص هو انبناؤها على علائق تتكافأ بشأنها مصالح أطرافها، فلا يميل ميزانها فى اتجاه مناقض لطبيعتها، إلا بقدر الضرورة التى يتعين أن تخلى مكانها -عند فواتها- لحرية التعاقد.
وحيث إنه استصحاباً لحرية التعاقد التى تعتبر أصلاً يهيمن على عقود القانون الخاص، وضماناً لئلا يظل شاغل العين المؤجرة باقياً فيها بعد انتهاء مدة إجارتها، وإلا كان غاصباً لها، أصدر المشرع القانون رقم 4 لسنة 1996 ليعيد العلائق الإيجارية -فى الأماكن التى يشملها- إلى الأصل فيها، وذلك بما نصت عليه مادته الأولى من عدم سريان أحكام القانونين رقمى 49 لسنة 1977، 136 لسنة 1981 المشار إليهما، وكذلك القوانين الخاصة بإيجار الأماكن الصادرة قبلهما، فى شأن الأماكن التى لم يسبق تأجيرها، ولا الأماكن التى انتهت عقود إيجارها قبل العمل بهذا القانون، أو انتهت بعده دون أن يكون لأحد حق البقاء فيها قانوناً؛ وكان هذا القانون قد ألغى كذلك بمادته الثانية كل النصوص القانونية المعمول بها قبل نفاذه، بقدر تعارضها مع أحكامه؛ فإنه بذلك يكون ناسخاً لجريمة خلو الرجل التى قررتها القوانين السابقة عليه، وهى جريمة ظل وجودها مرتبطاً بالقوانين الاستثنائية التى أحاط بها المشرع العلائق الايجارية ، مخالفاً فى ذلك قواعد القانون المدنى التى لا مكان فيها لجريمة اقتضاء مبالغ خارج نطاق عقد الإيجار.
وحيث إن استقرار مبدأ شرعية الجرائم والعقوبات فى مفاهيم الدول المتحضرة ، دعا إلى توكيده بينها. ومن ثم وجد صداه فى عديد من المواثيق الدولية ، من بينها الفقرة الأخيرة من المادة (11) من الإعلان العالمى لحقوق الإنسان، والفقرة الأولى من المادة (15) من العهد الدولى للحقوق المدنية والسياسية ، والمادة (7) من الإتفاقية الأوروبية لحماية حقوق الإنسان. وتردد هذا المبدأ كذلك فى دساتير عديدة ، يندرج تحتها ما تنص عليه المادة (66) من دستور جمهورية مصر العربية من أنه لا عقاب إلا على الأفعال اللا حقة لنفاذ القانون الذى ينص عليها، وما تقرره كذلك المادة (187) من هذا الدستور التى تقضى بأن الأصل فى أحكام القوانين هو سريانها اعتباراً من تاريخ العمل بها، ولا أثر لها فيما وقع قبلها إلا بنص خاص تقره أغلبية أعضاء السلطة التشريعية فى مجموعهم.
وحيث إن مبدأ شرعية الجرائم والعقوبات، وإن اتخذ من ضمان الحرية الشخصية بنياناً لإقراره وتوكيده، إلا أن هذه الحرية ذاتها هى التى تقيد من محتواه، فلا يكون إنفاذ هذا المبدأ لازماً إلا بالقدر وفى الحدود التى تكفل صونها In Favorem.
ولايجوز بالتالى إعمال نصوص عقابية يسئ تطبيقها إلى مركز قائم لمتهم، ولا تفسيرها بما يخرجها عن معناها أو مقاصدها، ولامد نطاق التجريم -وبطريق القياس- إلى أفعال لم يؤثمها المشرع، بل يتعين دوماً -وكلما كان مضمونها يحتمل أكثر من تفسير- أن يرجح القاضى من بينها ما يكون أكثر ضماناً للحرية الشخصية فى إطار علاقة منطقية La ratio Legis يقيمها بين هذه النصوص وإرادة المشرع، سواء فى ذلك تلك التى أعلنها، أو التى يمكن افتراضها عقلاً.
وحيث إن النطاق الحقيقى لمبدأ شرعية الجرائم والعقوبات، إنما يتحدد على ضوء ضمانتين تكفلان الأغراض التى توخاها:
أولاهما: أن تصاغ النصوص العقابية بطريقة واضحة محددة لا خفاء فيها أو غموض، فلا تكون هذه النصوص شباكاً أو شراكاً يلقيها المشرع متصيداً باتساعها أو بخفائها من يقعون تحتها أو يخطئون مواقعها. وهى بعد ضمانة غايتها أن يكون المخاطبون بالنصوص العقابية على بينة من حقيقتها، فلايكون سلوكهم مجافياً لها، بل اتساقاً معها ونزولاً عليها.
ثانيتهما: ومفترضها أن المرحلة الزمنية التى تقع بين دخول القانون الجنائى حيز التنفيذ وإلغاء هذا القانون، إنما تمثل الفترة التى كان يحيا خلالها، فلا يطبق على أفعال أتاها جناتها قبل نفاذه، بل يتعين أن يكون هذا القانون سابقاً عليها La loi préalable.
فلا يكون رجعياً، على أن يكون مفهوماً أن القوانين الجنائية وإن كان سريانها على وقائع اكتمل تكوينها قبل نفاذها، غير جائز أصلاً، إلا أن إطلاق هذه القاعدة يُفقدها معناها، ذلك أن الحرية الشخصية وإن كان يهددها القانون الجنائى الأسوأ، إلا أن هذا القانون يرعاها ويحميها إذا كان أكثر رفقاً بالمتهم، سواء من خلال إنهاء تجريم أفعال أثمها قانون جنائى سابق، أو عن طريق تعديل تكييفها أو بنيان بعض العناصر التى تقوم عليها، بما يمحو عقوباتها كلية أو يجعلها أقل بأساً، وبمراعاة أن غلو العقوبة أو هوانها إنما يتحدد على ضوء مركز المتهم فى مجال تطبيقها بالنسبة إليه.
وحيث إن ماتقدم مؤداه: أن إنكار الأثر الرجعى للقوانين الجزائية ، يفترض أن يكون تطبيقها فى شأن المتهم مسيئاً إليه، فإن كانت أكثر فائدة لمركزه القانونى فى مواجهة سلطة الاتهام، فإن رجعيتها تكون أمراً محتوماً. ومن ثم نكون أمام قاعدتين تجريان معاً وتتكاملان: أولاهما: أن مجال سريان القانون الجنائى ينحصر أصلاً فى الأفعال اللا حقة لنفاذه، فلا يكون رجعياً كلما كان أشد وقعاً على المتهم. وثانيتهما: سريان القانون اللا حق على وقائع كان يؤثمها قانون سابق، كلما كان القانون الجديد أكثر يسراً. وتكامل هاتين القاعدتين مؤداه: أن ثانيتهما لا تعتبر استثناء من أولاهما، ولا هى قيد عليها، بل فرع منها ونتيجة حتمية لها. وكلتاهما معاً تعتبران امتداداً لازماً لقاعدة شرعية الجرائم والعقوبات Le prolongement nécessaire، ولهما معا القيمة الدستورية ذاتها.
وحيث إن قضاء هذه المحكمة قد جرى على أن القانون الجنائى ، وإن اتفق مع غيره من القوانين فى تنظيم علائق الأفراد بمجتمعهم وفيما بين بعضهم البعض، إلا أن هذا القانون يفارقها فى اتخاذه العقوبة أداة لتقويم الأفعال التى يأتونها أو يدعونها بما يناقض أوامره أو نواهيه. وهو بذلك يتغيا أن يحدد -ومن منظور اجتماعى – ما لايجوز التسامح فيه من مظاهر سلوكهم، وأن يسيطر عليها بوسائل يكون قبولها اجتماعياً ممكناً، بما مؤداه: أن الجزاء على أفعالهم لا يكون مبرراً، إلا إذا كان مفيداً من وجهة اجتماعية ، فإذا كان مجاوزاً تلك الحدود التى لا يكون معها ضرورياً، غدا مخالفاً للدستور.
وحيث إن هذا القضاء -وباعتباره معياراً للشرعية الدستورية للنصوص العقابية – مردد كذلك فيما بين الأمم المتحضرة ، ومن بينها فرنسا التى أقر مجلسها الدستورى مبدأين فى هذا الشأن.
أولهما: أنه كلما نص القانون الجديد على عقوبة أقل قسوة من تلك التى قررها القديم، تعين أن تعامل النصوص القانونية التى تتغيا الحد من أثار تطبيق القانون الجديد فى شأن الجرائم التى تم إرتكابها قبل نفاذه، والتى لم يصدر فيها بعد حكم حائز لقوة الأمر المقضى ، باعتبارها متضمنة إخلا لاً بالقاعدة التى صاغتها المادة (8) من إعلان 1789 فى شأن حقوق الإنسان والمواطن، والتى لايجوز للمشرع على ضوئها أن يقرر للأفعال التى يؤثمها، غير عقوباتها التى تضبطها الضرورة بوضوح، فلا تجاوز متطلباتها.
La loi ne doit établir que des peines strictement et évidemment necessaries.
ذلك أن عدم تطبيق القانون الجديد على الجرائم التى ارتكبها جناتها فى ظل القانون القديم، مؤداه: أن ينطق القاضى بالعقوبات التى قررها هذا القانون، والتى لم يعد لها – فى تقدير السلطة التشريعية التى أنشأتها – من ضرورة.
(DC, 19 et 20 jonvier 1981, vond. 75, Rec.
p 15 126- 80)
ثانيهما: أن تأثيم المشرع لأفعال بذواتها، لا ينفصل عن عقوباتها التى يجب أن يكون فرضها مرتبطاً بمشروعيتها، وبضرورتها، وبامتناع رجعية النصوص العقابية التى قررتها كلما كان مضمونها أكثر قسوة ، ودون ما إخلال بحقوق الدفاع التى تقارنها. ولا تتعلق هذه الضوابط جميعها بالعقوبات التى توقعها السلطة القضائية فقط، ولكنها تمتد لكل جزاء يتمحض عقاباً، ولو كان المشرع قد عهد بالنطق به إلى جهة غير قضائية.

ْUne peine ne peut etre infligée qu a la condition que soient respectés le principe de légalité des délits et des peines, le principe de nécessité des peines, le princpe de non -rétroactivité de la loi pénale dincrimination plus sévere ainsi que le respect du principe des droits de la défense.
Ces exigences concernent non seulement les peines prononcées par les juridictions répressives mais aussi toute sanction ayant le caractére dune punition meme si le législateur a Laissé Le soin de La prononcer a une autorité de nature non judiciaire. (88- 248 DC , 17 Janvier 1989, cons. 53 a 42 , p.
18(
وحيث إن قضاء هذه المحكمة فى شأن كل قانون أصلح للمتهم يصدر بعد وقوع الفعل-وقبل الفصل فيه نهائياً- مؤداه: أن سريان القانون اللا حق فى شأن الأفعال التى أثمها قانون سابق، وإن اتخذ من نص المادة (5) من قانون العقوبات موطئاً وسنداً، إلا أن صون الحرية الشخصية التى كفلها الدستور بنص المادة (41) منه، هى التى تقيم هذه القاعدة وترسيها بما يحول بين المشرع وتعديلها أو العدول عنها. ذلك أن ما يعتبر قانوناً أصلح للمتهم، وإن كان لا يندرج تحت القوانين التفسيرية التى تندمج أحكامها فى القانون المفسر، وترتد إلى تاريخ نفاذه باعتبارها جزءاً منه يبلور إرادة المشرع التى قصد إليها ابتداء عند إقراره لهذا القانون، إلا أن كل قانون جديد يمحو التجريم عن الأفعال التى أثمها القانون القديم، إنما ينشئ للمتهم مركزاً قانونياً جديداً، ويقوض -من خلال رد هذه الأفعال إلى دائرة المشروعية – مركزاً سابقاً. ومن ثم يحل القانون الجديد – وقد صار أكثر رفقاً بالمتهم وأعون على صون الحرية الشخصية التى اعتبرها الدستور حقاً طبيعياً لا يمس – محل القانون القديم، فلا يتزاحمان أو يتداخلان، بل ينحى ألحقهما أسبقهما.
وغدا لازماً بالتالى -وفى مجال إعمال القوانين الجنائية الموضوعية Les lois pénales de fond الأكثر رفقاً بالمتهم- توكيد أن صون الحرية الشخصية من جهه، وضرورة الدفاع عن مصالح الجماعة والتحوط لنظامها العام من جهة أخرى ، مصلحتان متوازيتان، فلاتتهادمان. وصار أمراً مقضياً – وكلما صدر قانون جديد يعيد الأوضاع إلى حالها قبل التجريم – أن ترد لأصحابها تلك الحرية التى كان القانون القديم ينال منها، وأن يرتد هذا القانون على عقبيه، إعلاء للقيم التى إنحاز إليها القانون الجديد، وعلى تقدير أن صونها لا يخل بالنظام العام باعتباره مفهوماً مرناً متطوراً على ضوء مقاييس العقل الجمعى التى لا ينفصل القانون الأصلح عنها، بل يوافقها ويعمل على ضوئها، فلا يكون إنفاذه منذ صدوره إلا تثبيتاً للنظام العام بما يحول دون انفراط عقده، بعد أن صار هذا القانون أكفل لحقوق المخاطبين بالقانون القديم وأصون لحرياتهم.
وحيث إن القوانين الجزائية التى نقارنها ببعض تحديداً لأصلحها للمتهم، تفترض اتفاقها جميعاً مع الدستور، وتزاحمها على محل واحد، وتفاوتها فيما بينها فى عقوباتها، فلانغلب من صور الجزاء التى تتعامد على المحل الواحد، إلا تلك التى تكون فى محتواها أو شرائطها أو مبلغها Le contenu, Les modalités et Le quantum des peines أقل بأساً من غيرها، وأهون أثراً.
وحيث إن البين من النصوص التى أثم بها المشرع جريمة خلو الرجل فى نطاق العلائق الإيجارية -وبقدر اتصالها بالنزاع الراهن- أن إتيان الأفعال التى تقوم بها هذه الجريمة ، ظل مشمولاً بالجزاء الجنائى حتى بعد العمل بالقانون رفم 136 لسنة 1981 الذى صدر منظماً بعض الأحكام الخاصة بالعلائق الإيجارية ، ذلك أن هذا القانون، وإن نص على إلغاء العقوبات المقيدة للحرية التى فرضتها قوانين إيجار الأماكن السابقة على العمل بأحكامه، اتساقاً مع اتجاهه إلى الحد من القيود التى أرهق بها المشرع مصالح المؤجر، إلا أنه استثنى من ذلك جريمة خلو الرجل، والجرائم المنصوص عليها فى المادة (23) منه، مبقياً بذلك على عقوباتها.
وحيث إن القانون اللا حق -وهو القانون رقم 4 لسنة 1996- أعاد من جديد تنظيم جريمة خلو الرجل فى شأن الأماكن التى حددتها مادته الأولى ، مقرراً سريان قواعد القانون المدنى -دون غيرها- عند تأجيرها واستغلالها، وملغياً كل قاعدة على خلافها، مؤكداً بذلك استئثار أصحابها بها، لتخرج هذه الأماكن بذلك من نطاق التدابير الاستثنائية التى درج المشرع على فرضها فى مجال العلائق الإيجارية ، فلايكون تأجيرها إلا وفق الشروط التى تتطابق بشأنها إرادة مؤجريها مع من يتقدمون لطلبها، ولو كان من بينها تقاضى المؤجر لمبالغ خارج نطاق عقد الإيجار، أياً كان وصفها أو مقدارها أو سببها. وهو ما يعنى أن الضرورة الاجتماعية التى انطلق منها الجزاء المقرر بالقوانين السابقة فى شأن هذه الجريمة ، قد أسقطتها فلسفة جديدة تبنتها الجماعة فى واحد من أطوار تقدمها، قوامها حرية التعاقد، فلا يكون الجزاء الجنائى -وقد لابس القيود التى فرضتها هذه القوانين على تلك الحرية – إلا منهدماً بعد العمل بالقانون الجديد.
وحيث إن القول بأن لكل من قوانين إيجار الأماكن الصادرة قبل العمل بالقانون رقم 4 لسنة 1996، مجالاً ينحصر فيه تطبيقها، وأنها جميعاً تعتبر من قبيل التنظيم الخاص لموضوعها، فلا يقيدها هذا القانون باعتباره تشريعاً عاماً.
مردود أولاً: بأن القانون اللا حق تغيا أن يعيد العلائق الإيجارية إلى الأصل فيها، فلا تحكمها إلا حرية التعاقد التى يلازمها بالضرورة أن يكون المتعاقدان على شروطها التى يناقضها أن يكون الاتفاق على مبالغ خارج نطاق عقد الإيجار -وهو جائز قانوناً فى شأن الأماكن التى ينظمها القانون الجديد- سببا لتجريم اقتضائها. والأفعال التى أثمها القانون السابق بالشروط التى فرضها، هى ذاتها التى أطلق القانون الجديد الحق فيها، فلايكون امتداده إليها إلا ضماناً لصون الحرية الشخصية التى منحها الدستور الرعاية الأو فى والأشمل توكيداً لقيمتها. بل أن هذا القانون -وباعتباره أصلح للمتهم- يعتبر متمتعاً بالقوة ذاتها التى كفلها الدستور لهذه الحرية ، فلا يكون القانون السابق حائلاً دون جريانها، بل منجرفاً بها.
ومردود ثانياً: بأن التجريم المقرر بالقانون السابق، ارتبط بتدابير استثنائية قدر المشرع ضرورة اتخاذها خلال الفترة التى ظل فيها هذا القانون نافذاً. فإذا دل القانون اللا حق على انتفاء الضرورة الاجتماعية التى لا يكون الجزاء الجنائى مبرراً مع فواتها، فإن هذا القانون يكون أكثر ضماناً للحرية الشخصية التى كفل الدستور صونها.
ومردود ثالثاً: بأن تأثيم المشرع لأفعال بعينها، قد يكون مشروطاً بوقوعها فى مكان معين، كتجريم الأفعال التى يأتيها شخص داخل النطاق الم كانى لمحمية طبيعية إضراراً بخصائصها أو بمواردها. وقد يؤثم المشرع أفعالاً بذواتها، جاعلاً من إرتكابها فى مكان محدد، ظرفاً مشدداً لعقوبتها، كالسرقة فى مكان مسكون أو معد للسكنى أو ملحقاتهما أو فى محل للعبادة عدواناً على حرمتها. ولا كذلك جريمة تقاضى المؤجر لمبالغ خارج نطاق عقد الإيجار، ذلك أن وقوعها فى الأماكن التى أخضعها هذا القانون لحكمه، ليس شرطاً لاكتمال أركانها، ولاظرفاً لازماً لتغليظ عقوبتها، ولكنها تتحقق اتصالاً بواقعة تأجيرها وبمناسبتها، ولمجرد أن الم كان المؤجر لم يكن -عند العمل بالقانون الجديد- خالياً.
ومردود رابعاً: بأن من غير المتصور أن يظل قائماً، التجريم المقرر بالقانون السابق فى شأن تقاضى مبالغ خارج نطاق عقد الإيجار، إذا كانت الأماكن التى يشملها هذا القانون مؤجرة قبل نفاذ القانون الجديد، فإذا خلا مكان منها وقت سريان هذا القانون، تحرر المؤجر جنائياً من كل قيد يتعلق باقتضاء المؤجر لمبالغ خارج نطاق عقد الإيجار. وليس مفهوماً أن يكون للفعل الواحد معنيان مختلفان، ولا أن تحتفظ الجريمة التى أنشاها القانون القديم بذاتيتها، وبوطأة عقوبتها، بعد أن جرد القانون الجديد الفعل الذى يكونها من الآثام التى احتضنها.
ومردود خامساً: بأن القانون الجديد صرح بإلغاء كل قانون يتضمن أحكاماً تناقض تلك التى أتى بها، بما مؤداه: إطراح النصوص المخالفة للقانون الجديد – فى شأن يتعلق بالتجريم – سواء تضمنها تنظيم عام أو خاص. ذلك أن القوانين لاتتنازع إلا بقدر تعارضها، ولكنها تتوافق من خلال وسائل متعددة يتصدرها – فى المجال الجنائى – القانون الأصلح للمتهم، فلا يكون نسيجها إلا واحداً. والجريمة التى أنشأها القانون السابق هى ذاتها التى هدمها القانون الجديد. ووجودها وإنعدامها متصادمان، فلا يستقيم اجتماعهما.
ومردود سادساً: بأن إعمال الأثر الرجعى للقانون الأصلح للمتهم يعتبر إنحيازاً من القاضى لضمانة جوهرية للحرية الشخصية ، تبلورها السياسة العقابية الجديدة للسلطة التشريعية التى تتحدد على ضوء فهمها للحقائق المتغيرة للضرورة الاجتماعية.
وهى بعد ضرورة ينبغى أن يحمل عليها كل جزاء جنائى ، وإلا فقد علة وجوده.
وحيث إنه متى كان ما تقدم، وكانت الواقعة محل الاتهام الجنائى لم تعد معاقباً عليها، فقد تعين الحكم بانتفاء مصلحة المدعى فى الدعوى الماثلة ، بعد أن غض المشرع بصره عن بعض التدابير الاستثنائية للعلائق الإيجارية التى انبنى التجريم عليها، وخرج من صلبها.
وحيث إن قضاء هذه المحكمة باعتبار القانون رقم 4 لسنة 1996 أصلح للمتهم –وقد انبنى على التطبيق المباشر للقواعد الدستورية التى تناولتها على النحو المتقدم- فإن حكمها باعتبار هذا القانون كذلك، يكون متمتعاً بالحجية المطلقة التى أسبغها المشرع على أحكامها الصادرة فى المسائل الدستورية ، وملزماً بالتالى الناس كافة وكل سلطة فى الدولة ، بما فى ذلك جهات القضاء على اختلافها.
فلهذه الأسباب
حكمت المحكمة بعدم قبول الدعوى وبمصادرة الكفالة ، وألزمت المدعية المصروفات ومبلغ مائة جنيه مقابل أتعاب المحاماة.