الدعوى 87 لسنة 20 – دستورية – المحكمة الدستورية العليا – مرفوعة علنية رقم 87 لسنة 20 بتاريخ 06/05/2000

Facebook
Twitter

الدعوى 87 لسنة 20 – دستورية – المحكمة الدستورية العليا – مرفوعة علنية رقم 87 لسنة 20 بتاريخ 06/05/2000

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
باسم الشعب

المحكمة الدستورية العليا
بالجلسة العلنية المنعقدة يوم السبت 6 مايو سنة 2000 الموافق 2 صفر سنة 1421ه
برئاسة السيد المستشار / محمد ولى الدين جلال رئيس المحكمة
وعضوية السادة المستشارين / ماهر البحيرى ومحمد على سيف الدين وعدلي محمود منصور ومحمد عبد القادر عبد الله وعلى عوض محمد صالح وأنور رشاد العاصى •
وحضور السيد المستشار / عبد الوهاب عبد الرازق رئيس هيئة المفوضين
وحضور السيد / ناصر إمام محمد حسن أمين السر
أصدرت الحكم الآتى

فى القضية المقيدة بجدول المحكمة الدستورية العليا برقم 87 لسنة 20 قضائية دستورية
المقامة من
شركة الإسكندرية الوطنية للحديد والصلب
ضد
1 – السيد / رئيس الجمهورية
2 – السيد / رئيس مجلس الوزراء
3 – السيد / وزير التعمير
4 – السيد / محافظ الإسكندرية
5 – السيد / رئيس مجلس إدارة الهيئة العامة لمرفق مياه الإسكندرية
الإجراءات
بتاريخ السادس والعشرين من إبريل سنة 1998، أودعت الشركة المدعية صحيفة هذه الدعوى قلم كتاب المحكمة ، طلباً للحكم بعدم دستورية قرار محافظ الإسكندرية رقم 274 لسنة 1991، فيما تضمنه من زيادة الفئات المحددة لسعر بيع المياه لشركات الاستثمار عما هو مقرر للشركات والمحال التجارية اعتباراً من 1/1/1991، وقراره رقم 33 لسنة 1995 فيما تضمنه من زيادة الفئات المحددة لسعر بيع المياه لشركات الاستثمار عما هو مقرر للشركات والمحلات التجارية اعتباراً من 1/7/1994؛ وكذلك قرارى وزير التعمير بتاريخ 8/5/1985، 8/3/1988 بجداول الفئات الجديدة لأسعار المياه طبقاً لما وافقت عليه اللجنة العليا للسياسات والشئون الاقتصادية والمالية وذلك فيما تضمنته من زيادة الفئات المحددة لسعر بيع المياه لشركات الاستثمار عما هو مقرر للشركات والمحلات التجارية.

وقدمت هيئة قضايا الدولة مذكرة طلبت فيها الحكم برفض الدعوى.

وبعد تحضير الدعوى ، أودعت هيئة المفوضين تقريراً برأيها.
ونُظرت الدعوى على الوجه المبين بمحضر الجلسة ، وقررت المحكمة إصدار الحكم فيها بجلسة اليوم.
المحكمة
بعد الاطلاع على الاوراق، والمداولة.

حيث إن الوقائع – على ما يبين من صحيفة الدعوى وسائر الأوراق – تتحصل فى أن المدعى عليه الخامس كان قد أقام الدعويين رقمى 900 و901 لسنة 1995 تجارى أمام محكمة الإسكندرية الإبتدائية ضد الشركة المدعية باعتبارها شركة منشأة طبقاً لنظام استثمار المال العربى والأجنبى بطلب الحكم بإلزامها بأن تدفع إليها قيمة استهلاكها للمياه طبقاً للقرارات المشار إليها مع الفوائد القانونية والتعويض. وبعد أن أصدرت المحكمة قراراً بضم الدعويين المشار إليهما لكى تصدر فيهما حكماً واحداً، أقامت الشركة المدعية دعوى فرعية ضد المدعى عليه الخامس طالبة الحكم بإلزامه برد المبالغ التى قامت بسدادها إليه بالزيادة فى الفترة من يناير سنة 1995 حتى يناير سنة 1998؛ ودفعت بعدم دستورية كل من قرارى محافظ الإسكندرية رقمى 274 لسنة 1991 و33 لسنة 1995 وقرارى وزير التعمير الصادرين فى 8/5/1985 و8/3/1988 السالف الإشارة إليها ؛ وإذ قدرت محكمة الموضوع جدية هذا الدفع، وصرحت للشركة المدعية برفع الدعوى الدستورية فقد أقامتها.
وحيث إن قرار محافظ الإسكندرية رقم 274 لسنة 1991 قد تضمن فى مادته الأولى محاسبة شركات الاستثمار على مسحوباتها من المياه بأسعار تزيد على الأسعارالمقررة لمحاسبة الشركات والمحال التجارية اعتباراً من 1/1/1991. كما تضمن قرار المحافظ رقم 33 لسنة 1995 فى مادته الأولى القواعد التى يتم على أساسها محاسبة شركات الاستثمار عن مسحوباتها من المياه بما يزيد على الأسعار المحددة لغيرها من الشركات والمحال التجارية اعتباراً من 1/7/1994.
وحيث إن قضاء هذه المحكمة قد جرى على أن تقرير اختصاصها ولائياً بنظر دعوى بذاتها، سابق بالضرورة على تثبتها من توافر شروط اتصال الخصومة القضائية بها وفقاً للأوضاع المنصوص عليها فى قانونها، كذلك فإن حكمها باختصاصها بنظر خصومة بذاتها، لا يمنعها من الفصل فى توافر الشرائط التى يتطلبها القانون لقبولها، باعتبارها مدخلها للخوض فى موضوعها.
وحيث إن الدستور قد عهد – بنص المادة (175) – إلى المحكمة الدستورية العليا دون غيرها بتولى الرقابة القضائية على دستورية القوانين واللوائح على الوجه المبين فى القانون، وبناءً على هذا التفويض أصدر المشرع قانون هذه المحكمة مبيناً اختصاصاتها، محدداً ما يدخل فى ولايتها حصرا، فخولها اختصاصاً منفرداً بالرقابة على دستورية القوانين واللوائح؛ مانعاً أى جهة من مزاحمتها فيه، مفصلاً طرائق هذه الرقابة وكيفيتها، وذلك ضماناً منه لمركزية الرقابة على الشرعية الدستورية ، وتأميناً لاتساق ضوابطها وتناغم معاييرها، وصولاً من بعد لبناء الوحدة العضوية لأحكام الدستور، بما يكفل تكاملها وتجانسها، مؤكداً أن اختصاص هذه المحكمة – فى مجال مباشرتها الرقابة القضائية على الدستورية – ينحصر فى النصوص التشريعية أياً كان موضوعها أو نطاق تطبيقها أو الجهة التى أقرتها أو أصدرتها؛ بما مؤداه: ألا تنبسط ولايتها فى شأن الرقابة القضائية على الدستورية ، إلا على القانون بمعناه الموضوعى باعتباره منصرفاً إلى النصوص القانونية التى تتولد عنها مراكز عامة مجردة ؛ سواء وردت هذه النصوص بالتشريعات الأصلية التى أقرتها السلطة التشريعية ، أم تضمنتها التشريعات الفرعية التى تصدرها السلطة التنفيذية فى حدود صلاحياتها التى ناطها الدستور بها؛ وأن تنقبض تلك الرقابة – بالتالى – عما سواها.
وحيث إن قرار رئيس الجمهورية رقم 1639 لسنة 1968 بإنشاء الهيئة العامة لمرفق مياه الإسكندرية ، قد نص فى مادته الأولى على تبعية هذه الهيئة لوزير الإسكان والمرافق، كما نص فى مادته الرابعة على اختصاصها باقتراح تعريفة بيع المياه، وفى المادة السادسة على سريان هذه التعريفة بعد اعتمادها من الوزير المختص، ثم عُدلت تبعية هذه الهيئة إلى محافظ الإسكندرية بقرار رئيس الجمهورية رقم 2420 لسنة 1971، ومن ثم غدا محافظ الإسكندرية – دون غيره – هو المختص بإصدار القرارات التنفيذية الم تضمنة تعريفة بيع المياه بالإسكندرية ، متى كان ماتقدم، وكان قرارا محافظ الإسكندرية المطعون فيهما يتعلقان بالقواعد التى يتم على ضوئها محاسبة مشروعات الاستثمار عن استهلاكها من المياه من خلال قاعدة قانونية مجردة ، فينحل كلاهما بذلك إلى لائحة تنبسط عليها الرقابة التى تباشرها هذه المحكمة فى شأن الشرعية الدستورية ، بيد أن هذه الرقابة لا تمتد إلى توجيهات اللجنة العليا للسياسات والشئون الاقتصادية والمالية المشار إليها آنفاً والصادر بشأنها القراران المنسوب صدوره ما لوزير التعمير بتاريخ 8/5/1985 و 8/3/1988؛ إذ أن تلك التوجيهات – مالم تستند إلى قانون يعهد إلى هذه اللجنة باختصاص محدد فى هذا الشأن – لا تعدو أن تكون مجرد توصيات غير ملزمة لا سند لها من أحكام القانون، ولا تعد تشريعاً بالمعنى الموضوعى مما تنبسط عليه رقابة هذه المحكمة.

وحيث إن من المقرر – وعلى ماجرى به قضاء هذه المحكمة – أن المصلحة فى الدعوى الدستورية – وهى شرط لقبولها – مناطها ارتباطها بصلة منطقية بالمصلحة التى يقوم بها النزاع الموضوعى ، وذلك بأن يكون الحكم الصادر فى المسألة الدستورية لازماً للفصل فى الطلبات الموضوعية المرتبطة بها والمطروحة أمام محكمة الموضوع، وكان النزاع الموضوعى يدور حول محاسبة الشركة المدعية – باعتبارها شركة استثمار – عن قيمة استهلاكها من المياه بأسعار تزيد على ما هو محدد لمحاسبة الشركات والمحال التجارية الأخرى ، فإن نطاق الدعوى الماثلة ينحصر فيما تضمنه قرارا محافظ الإسكندرية الرقيمان 274 لسنة 1991، 33 لسنة 1995 فى هذا الشأن، ولا يمتد إلى غير ذلك من أحكامهما.
وحيث إن الشركة المدعية تنعى على القرارين المطعون فيهما – محددين إطاراً على النحو المتقدم – مخالفتهما لأحكام المواد (4، 8، 40) من الدستور قولاً منها بأن القرارين المطعون عليهما يزيدان من أعباء الشركات الاستثمارية بالمقارنة بنظيراتها العاملة فى نفس النشاط، مما يهدر فرص التنافس المشروع بينها، ويؤديان – بالأعباء التى فرضاها – إلى انتقاص عائد استثمار الأموال العربية والأجنبية ، كما يعتبران عدواناً على الملكية بالمخالفة لنص المادتين (32، 34) من الدستور.
وحيث إن المشرع أصدر نظام استثمار المال العربى والأجنبى بالقانون رقم 43 لسنة 1974 متوخياً -وعلى ما جاء بالمذكرة الإيضاحية لهذا القانون- إيجاد مناخ ملائم لتسهيل انتقال رؤوس الأموال العربية والأجنبية للعمل فى مصر مع تقديم حوافز مناسبة للاستثمار -عربياً كان أم أجنبياً- وذلك فى إطار من الضمانات الكافية ضد المخاطر غير التجارية ، مراعياً تخطى العوائق الإدارية والإجرائية التى تؤثر على نمو حجم الاستثمار، وذلك تقديراً من المشرع بأن استثمار رؤوس الأموال العربية والأجنبية فى مصر – وعلى ما تنص عليه المادة الثانية من هذا القانون – يعتبر فى المجالات التى حددتها – ومن بينها التصنيع والتعدين والنقل والسياحة – لازماً لتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية فى إطار السياسة العامة للدولة وخطتها القومية.
ولئن كان المشرع قد أقر بعدئذ قانون الاستثمار الصادر بالقانون رقم 230 لسنة 1989 ملغياً بمقتضاه القانون السابق عليه، إلا أن استثمار الأموال العربية والأجنبية ظل لازماً لتحقيق خطة التنمية – سواء فى مجال أولوياتها أو على ضوء أهدافها – وعلى الأخص كلما كان الاستثمار متطلباً فى المجالات التى حددها هذا القانون، ويندرج تحتها ما يكون مرتبطاً منها بالتقدم الصناعى ، أوالتطور السياحى أو باستصلاح واستزراع الأراضى والإسكان والتعمير. بل إن هذا القانون، تضمن حكمين متكاملين، هما المنصوص عليهما فى المادتين (6، 9) التى تكفل أولاهما للمشروعات الخاضعة لأحكام هذا القانون -وأياً كانت جنسية مالكيها أو محال إقامتهم – تمتعها بالضمانات والمزايا والإعفاءات التى حددها هذا القانون، مع جواز إضافة مزايا أخرى غيرها بقرار من مجلس الوزراء وفى الحدود التى يقتضيها الصالح العام. كما تحظر ثانيتهما فرض أية أعباء أو إلتزامات مالية أو غيرها على هذه المشروعات تخل بمبدأ المساواة بينها وبين مشروعات القطاع الخاص التى تعمل فى النشاط ذاته، والتى تنشأ خارج نطاق هذا القانون، وعلى أن يتم تحقيق هذه المساواة بصورة تدريجية على النحو الذى تنظمه اللائحة التنفيذية ؛ وتُفَصّل المادة (9) من اللائحة التنفيذية المشار إليها، هذه القاعدة ذاتها بقولها لايجوز عند تحديد الأسعار الجديدة أو تعديل الأسعار القائمة للخامات والمواد الأولية والمواد البترولية والطاقة الكهربائية وغيرها من مستلزمات التشغيل للمشروعات، الإخلال بالمساواة بينها وبين مشروعات القطاع الخاص التى تنشأ خارج نطاق هذا القانون وتباشر ذات النشاط؛ كما لايجوز فرض أية أعباء أو إلتزامات مالية إضافية أو غيرها على المشروعات بالزيادة عن المقرر منها بالنسبة لمشروعات القطاع الخاص المشار إليها ؛ وتتم تدريجياً المساواة فى الأسعار والأعباء، والإلتزامات المالية المبينة فى الفقرتين السابقتين بين المشروعات ومشروعات القطاع الخاص المذكورة ، وذلك بقرارات من رئيس مجلس الوزراء بناء على عرض الوزير وبعد موافقة مجلس الإدارة.

وحيث إنه ولئن كان المشرع قد أصدر بعد ذلك قانون ضمانات وحوافز الاستثمار بالقانون رقم 8 لسنة 1997 ملغياً بنص مادته الرابعة القانون رقم 230 لسنة 1989 المشار إليه، إلا أنه قد تضمن فى مادته الثانية – التى عمل بها اعتباراً من اليوم التالى لتاريخ نشره فى 11/5/1997 – النص على ألا تخل أحكامه بالمزايا والإعفاءات الضريبية وغيرها من الضمانات والحوافز المقررة للشركات والمنشآت القائمة وقت العمل به، وتظل هذه الشركات والمنشآت محتفظة بتلك المزايا والإعفاءات والضمانات والحوافز إلى أن تنتهى المدد الخاصة بها، وذلك طبقاً للتشريعات والاتفاقيات المستمدة منها فدل بذلك على حرصه على استمرار شركات الاستثمار فى الاحتفاظ بكافة المزايا التى سبق تقريرها لها فى التشريعات السابقة على القانون رقم 8 لسنة 1997 المشار إليه.
وحيث إن البينّ من كل ماتقدم، أن المزايا التفضيلية التى كفلها المشرع لاستثمار رؤوس الأموال العربية والأجنبية ، غايتها استثارة اهتمام أصحابها بأوضاع الاستثمار فى مصر، لضمان تدفقها اليها، ودون ما قيود قد ينوء بها نشاطها، فلا يكون بقاء هذه الأموال فى مصر مجدياً، مما يؤدى إلى إعادة تصديرها منها.
وحيث إن مبدأ المساواة أمام القانون الذى أرساه الدستور بنص المادة (40) منه – بحسبانه ضمانة جوهرية لتحقيق العدل والحرية والسلام الاجتماعى – لا يقتصر نطاق تطبيقه على الحقوق والحريات التى كفلها الدستور، وإنما يتعلق كذلك بما يكون منها قد تقرر بقانون فى حدود السلطة التقديرية التى يملكها المشرع. فلا يجوز بعدئذ تقييدها بما يعطلها أو ينال من ممارستها، بل يتعين أن تنتظمها أسس موحدة لا تمييز فيها بين المؤهلين قانوناً للانتفاع بها. وكلما كفل المشرع لمشروعات بذواتها مزايا تفضيلية قدر ضرورتها لتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية من خلال رؤوس الأموال الوافدة إلى مصر، وكان أصحابها قد قدروا عائد استثمار هذه الأموال فيها على ضوء هذه المزايا، فإنها تغدو حقوقاً لايجوز تهوينها، ولاموازنتها بأعباء تحد منها.
وحيث إن الإخلال بمبدأ المساواة أمام القانون يتحقق بأى عمل يهدر الحماية القانونية المتكافئة ، تتخذه الدولة سواء من خلال سلطتها التشريعية أم عن طريق سلطتها التنفيذية ، بما مؤداه: أن أياً من هاتين السلطتين لايجوز أن تفرض تغايراً فى المعاملة مالم يكن مبرراً بفروق منطقية يمكن ربطها عقلا بالأغراض التى يتوخاها العمل التشريعى الصادر عنه ما. وليس بصحيح القول بأن كل تقسيم تشريعى يعتبر تصنيفاً منافياً لمبدأ المساواة ، بل يتعين دوماً أن ينظر إلى النصوص القانونية باعتبارها وسائل حددها المشرع لتحقيق أغراض يبتغيها، فلا يستقيم إعمال مبدأ المساواة أمام القانون إلا على ضوء مشروعيتها، واتصال هذه الوسائل منطقياً بها. ولا يتصور بالتالى أن يكون تقييم التقسيم التشريعى من فصلاً عن الأغراض التى يتغياها المشرع، بل يرتبط جواز هذا التقسيم بالقيود التى يفرضها الدستور على هذه الأغراض، وبوجود حد أدنى من التوافق بينها وبين طرائق تحقيقها، ويستحيل بالتالى أن يكون التقدير الموضوعى لمعقولية التقسيم التشريعى من فصلاً كلية عن الأغراض النهائية للتشريع.
وحيث إن تكافؤ المتماثلين فى الحماية القانونية ، مؤداه: أنها ينبغى أن تسعهم جميعا، فلا يقصر مداها عن بعضهم، ولا يمتد لغير فئاتهم، ولايجوز بالتالى أن تكون هذه الحماية تعميماً مجاوزاً نطاقها الطبيعى ، ولا أن يقلص المشرع من دائرتها بحجبها عن نفر ممن يستحقونها.
وحيث إن المشرع قد يقصد بالنصوص القانونية التى يصوغها، إجراء تمييز مناقض للدستور؛ وقد تخل الآثار التى يحدثها التمييز -من حيث مداها- بأغراض قصد الدستور إلى إرسائها. ويعتبر التمييز غير مغتفر فى هاتين الحالتين كلتيهما. بل ربما كان التمييز أكثر خطراً فى الصورة الثانية التى يبدو فيها النص التشريعى المطعون فيه محايداً فى مظهره، مخالفاً للدستور فى أثره.
وحيث إن المراكز القانونية التى يتعلق بها مبدأ المساواة أمام القانون وفقاً لنص المادة (40) من الدستور، هى التى تتحد فى العناصر التى تكون كلا منها – لا باعتبارها عناصر واقعية لم يدخلها المشرع فى اعتباره – بل بوصفها عناصر اعتد بها مرتباً عليها أثراً قانونياً محدداً، فلا يقوم هذا المركز القانونى إلابتضاممها، بعد أن غدا وجوده مرتبطاً بها، فلا ينشأ أصلاً إلا بثبوتها. ولا يتصور بعد تحققها وتولد المركز القانونى عنها، أن تكون قيداً عليه، ولا أن ينتقص المشرع من المزايا التى ربطها بوجوده، إذ هى كامنة فيه، فلا يجوز نقضها.
وحيث إن القول بأن المزايا التى كفلها المشرع للمشروعات الخاضعة لنظام الاستثمار؛ تعطيها مركزاً واقعياً شديد التميز يسوغ الرجوع عنها، من خلال موازنتها بأعباء جديدة يفرضها عليها؛ مردود أولا: بأن تقرير هذه المزايا يتصل بضمان تدفق رؤوس الأموال العربية والأجنبية إلى مصر لتمويل قاعدة أعرض للتنمية الاقتصادية والاجتماعية.
وعلى ضوء تنوع هذه المزايا وأبعادها، تُحدد رؤوس الأموال العربية والأجنبية موقفها من الاستثمار فيها، فإذا أتت إليها بعد اعتمادها على تلك المزايا، فإن تقليصها من خلال فرض أعباء جديدة تحد من نطاقها، لايكون جائزاً، وعلى الأخص كلما كان من شأن الأعباء التى فرضها المشرع على المشروعات الاستثمارية ، إرهاق نشاطها، فلايكون تنافسها متكافئاً مع غيرها ممن يباشرون معها – وإلى جانبها – ذات مجال نشاطها.
ومردود ثانياً: بأن معدل تدفق الاستثمار فى بلد معين، يرتبط بالتدابير التى تتخذها وتؤثر فى مداه فكل ما كان من شأنها اعتصارعائده، أو فرض أوضاع جديدة لايكون معها مجزياً، كان ذلك مؤثرا فى مجراه، أو مشككاً فى جدواه.
ومردود ثالثاً: بأن مؤدى القرارين المطعون فيهما، التمييز فى الأعباء بين الشركات التى يحكمها قانون الاستثمار، وتلك التى تخرج عن مجال تطبيق هذا القانون، وذلك فى مجال القواعد التى فُرضت لمحاسبة كل منها عن استهلاكه من المياه. فعلى نقيض أولاها التى تُحَمَّل بالسعر المرتفع، فإن ثانيتهما لا تتقيد بغير السعر المنخفض، ويعتبر هذا التمييز – بمحتواه- مقصوداً، ومخالفاً بالتالى للدستور فى أثره.
ومردود رابعاً: بأن المزايا التفضيلية التى كفلها المشرع لاستثمار الأموال العربية والأجنبية ، هى علة وجودها فى مصر، وهى التى حركتها من مواقعها فى بلدانها، فلا يجوز نقضها أو تقييدها بعد أن تعلق الاستثمار بها.
ومردود خامساً: بأن القول بأن المزايا التفضيلية التى ربطها المشرع باستثمار رؤوس الأموال العربية والأجنبية ، ينبغى مقابلتها ببعض الأعباء التى توازنها، مؤداه: أن المزايا التى قدر المشرع ضرورتها لتدفق هذه الأموال لمصر، جاوزت حدودها المنطقية ، وهو ما لا دليل عليه، بعد أن كفلتها قوانين الاستثمار على تعاقبها دون انتقاص منها، وبما لايجاوز نطاق السلطة التقديرية للمشرع.
وحيث إن الحماية التى كفلها الدستور لحق الملكية الخاصة – وعلى ماجرى به قضاء هذه المحكمة – تمتد إلى كل حق ذى قيمة مالية ، سواء أكان هذا الحق شخصياً أم عينياً أم كان من حقوق الملكية الفنية أو الأدبية أو الصناعية ؛ وهو مايعنى اتساعها للأموال بوجه عام، وكان القراران المطعون فيهما – بالأعباء التى فرضاها – قد انتقصا من عائد استثمار الأموال العربية والأجنبية عن طريق الأسعار الأعلى التى ألزماهما بأدائها عن استهلاكها من المياه، فإنهما يتمحضان عدواناً على الملكية بالمخالفة لنص المادتين (32، 34) من الدستور.
وحيث إنه متى كان ذلك، فإن القرارين المطعون فيهما يكونان مخالفين للمواد (32، 34، 40) من الدستور.
فلهذه الأسباب
حكمت المحكمة بعدم دستورية قرارى محافظ الإسكندرية رقم 274 لسنة 1991 و33 لسنة 1995، فيما تضمناه من زيادة تعريفة بيع المياه لشركات الاستثمار عما هو مقرر للشركات والمحلات التجارية ، وألزمت الحكومة المصروفات ومبلغ مائة جنيه مقابل أتعاب المحاماة.