الدعوى 9 لسنة 18 – دستورية – المحكمة الدستورية العليا – مرفوعة علنية رقم 9 لسنة 18 بتاريخ 22/03/1997

Facebook
Twitter

الدعوى 9 لسنة 18 – دستورية – المحكمة الدستورية العليا – مرفوعة علنية رقم 9 لسنة 18 بتاريخ 22/03/1997

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
باسم الشعب

المحكمة الدستورية العليا
بالجلسة العلنية المنعقدة يوم السبت 22 مارس سنة 1997 الموافق 13 ذو القعدة سنة 1417ه
برئاسة السيد المستشار الدكتور/ عوض محمد عوض المر رئيس المحكمة
وعضوية السادة المستشارين : محمد ولى الدين جلال ونهاد عبد الحميد خلاف وفاروق عبد الرحيم غنيم وعبد الرحمن نصير وسامى فرج يوسف والدكتور/ عبد المجيد فياض
وحضور السيد المستشار الدكتور/ حنفى على جبالى رئيس هيئة المفوضين
وحضور السيد/ حمدى أنور صابر أمين السر
أصدرت الحكم الآتي
فى القضية المقيدة بجدول المحكمة الدستورية العليا برقم 9 لسنة 18 قضائية دستورية
المقامة من
الجمعية التعاونية الإنتاجية لنقل البضائع بالسيارات بمحافظة الغربية
ضد
1. السيد/ رئيس الجمهورية
2. السيد/ رئيس الوزراء
3. السيد/ رئيس مجلس الشعب
4. السيد/ وزير المالية
5. السيد/ وزير الاقتصاد والتعاون الدولي
6. السيد/ رئيس مجلس إدارة البنك الوطني للتنمية الرئيسي
7. السيد/ مدير البنك الوطني للتنمية فرع طنطا
8. السيد/ محافظ البنك المركزي المصري
الإجراءات
بتاريخ 12 فبراير سنة 1996، أودعت الجمعية المدعية صحيفة هذه الدعوى قلم كتاب المحكمة ، طالبة الحكم بعدم دستورية الفقرة الأخيرة من المادة (26) من القانون رقم 163 لسنة 1957 المستبدلة بالقانون رقم 37 لسنة 1992.
وقدم المدعى عليهم مذكرة طلبوا فيها الحكم برفض الدعوى.

وبعد تحضير الدعوى ، أودعت هيئة المفوضين تقريراً برأيها.
ونُظرت الدعوى على النحو المبين بمحضر الجلسة ، وقررت المحكمة إصدار الحكم فيها بجلسة اليوم.
المحكمة
بعد الاطلاع على الأوراق، والمداولة.

حيث إن الوقائع – على ما يبين من صحيفة الدعوى وسائر الأوراق – تتحصل فى أن الجمعية التعاونية الإنتاجية لنقل البضائع بمحافظة الغربية – المدعية – كانت قد اكتتبت بعدد من الأسهم فى رأس مال بنك الغربية الوطنى للتنمية – والذى أسس كشركة مساهمة مصرية يحكمها نظام استثمار المال العربى والأجنبى والمناطق الحرة الصادر بالقانون رقم 42 لسنة 1974- وإذ قررت الجمعية العمومية غير العادية لكل من هذا البنك والبنك الوطنى للتنمية ، دمج البنك الأول فى الثانى ، فقد صدر بذلك قرار وزير الاقتصاد والتجارة الخارجية رقم 72 لسنة 1992، على أن يتخذ تاريخ 31/12/1991 أساسا لاحتساب قيمة أصول البنك المدمج، بعد أن آلت حقوقه والتزاماته – اعتباراً من تاريخ الدمج – إلى البنك الوطنى للتنمية.

وإذ لم يقم البنك الأخير بتوزيع أرباح عن سنة 1993 على مساهمى البنك المدمج – إستناداً إلى قرار صادر من البنك المركزى المصرى – فقد أقامت الجمعية المدعية الدعوى رقم 2935 لسنة 1994 مدنى كلى أمام محكمة طنطا الإبتدائية – بطلب الحكم بصرف نصيبها من الأرباح التى حققها البنك فى تلك السنة ، بما يتفق وعدد أسهمها فيه، ودفعت المدعية – أثناء نظر دعواها الموضوعية – بعدم دستورية الفقرة الأخيرة من المادة (26) من القانون رقم 163 لسنة 1957 بإصدار قانون البنوك والائتمان المعدل بالقانون رقم 37 لسنة 1992، وقد قدرت محكمة الموضوع جدية الدفع، وصرحت للمدعية بإقامة دعواها الدستورية ، فأقامت الدعوى الماثلة.

وحيث إن المادة (26) من قانون البنوك والائتمان الصادر بالقانون رقم 163 لسنة 1957 – المعدل بالقانون رقم 37 لسنة 1992- تنص على ما يأتى :
فقرة أولى : على مراقب الحسابات أن يخطر البنك كتابة بأى نقص أو خطأ أو أية مخالفة تستوجب الاعتراض عليها مع إلتزام المراقب فى ذات الوقت بإخطار البنك المركزى المصرى بذلك.
فقرة ثانية : ويجب أن يتضمن التقرير السنوى الذى يعده المراقب بياناً بالوسائل التى توصل إليها للتحقق من وجود الأصول وطرق تقويمها وكيفية تقديرالتعهدات القائمة وتحقيق إلتزامات البنك.
فقرة ثالثة : وعلى المراقب أن يوضح أيضا ما إذا كانت العمليات التى قام بمراجعتها تخالف أى حكم من أحكام هذا القانون أو اللوائح والقرارات الصادرة تنفيذاً له، أو الأصول المصرفية المستقرة ، وعليه أن يرسل إلى البنك المركزى المصرى قبل انعقاد الجمعية العامة بشهرين على الأقل، صورة من هذا التقرير مصحوبة بنسخة من القوائم المالية مع إبداء رأيه فيما يلى :-
أ- مدى كفاية نظام المراقبة الداخلية فى البنك
ب- مدى كفاية المخصصات لمقابلة أى نقص فى قيم الأصول وكذا أية إلتزامات قد تقع على عاتق البنك، مع تحديد قدر العجز فى المخصصات إن وجد.
فقرة أخيرة : ولمجلس إدارة البنك المركزى المصرى أن يصدر خلال شهر من تاريخ استلامه صورة من التقرير المشار إليه، قراراً بعدم توزيع أرباح على المساهمين إذا ما تبين وجود نقص فى المخصصات واجبة التكوين.
وحيث إن المدعية تنعى على الفقرة الأخيرة من المادة (26) المطعون عليها
أولاً: مخالفتها لنص المادة (89) من القانون المدنى التى تقضى بأن يتم العقد بمجرد أن يتبادل الطرفان التعبير عن إرادتين متطابقتين، فلا يجوز نقض العقد – وباعتباره شريعة المتعاقدين -أو تعديله- إلا باتفاق الطرفين. وإذ كانت العلاقة بينهما وبين المدعى عليهم من السادس حتى الأخير علاقة تعاقدية تخولها الحصول على الأرباح التى حجبها هؤلاء عنها، فإن هدمها بقرار منفرد يصدر عن أحد أطرافها، لايكون جائزاً.
ثانياً: تخفيها وراء ألفاظ مرسلة لا ضابط لها، ذلك أن المادة (4) من الدستور تحول دون الاستغلال، وتكفل فى الوقت ذاته لكل شخص أن يحصل على عائد للأموال التى يستثمرها بوصفها كسباً مشروعا. ولا يجوز بالتإلى -وبقرار منفرد – حرمانها من حق الحصول على الأرباح التى ولدتها الأموال التى استثمرتها فى تأسيس بنك الغربية الوطنى للتنمية فرع طنطا ومقدارها 7500 سهماً قيمتها 57000 جنيهاً.
ثالثاً: تخويلها البنك المركزى أن يصدر قرارا تعسفيا – محصنا من الرقابة القضائية – بعدم توزيع أرباح على المساهمين، إخلالا بمبدأ خضوع الدولة للقانون، وبحق كل شخص فى اللجوء إلى قاضيه الطبيعى انتصافا بما ينطوى عليه ذلك من إهدار لنصوص المواد (64، 65، 68) من الدستور.
رابعاً: مخالفتها مبدأ مساواة المواطنين أمام القانون، المنصوص عليه فى المادة (40) من الدستور، ذلك أن المودعين يتقاضون عائداً عن ودائعهم. أما المساهمون فى رأس المال، فإن للبنك المركزى وفقاً للنص المطعون فيه، أن يحرمهم من أرباح أسهمهم رغم تحققها.
وحيث إن الفقرة الأخيرة من المادة (26) المطعون عليها، أصبحت تقضى – بعد تعديلها بالقانون رقم 97 لسنة 1996 بتعديل بعض أحكام قانون البنوك والائتمان الصادر بالقانون رقم 163 لسنة 1957، والقانون رقم 120 لسنة 1975، فى شأن البنك المركزى والجهاز المصرفى – بما يأتى :

ولمجلس إدارة البنك المركزى المصرى أن يصدر خلال شهر من تاريخ استلامه صورة من التقرير المشار إليه، قراراً بعدم الاعتداد بتحقيق أرباح قابلة للتوزيع على المساهمين وغيرهم من أصحاب النصيب فى الأرباح إذا ما تبين وجود نقص فى المخصصات واجبة التكوين.
وحيث إن الفقرة الأخيرة من المادة (26) المطعون عليها – سواء قبل تعديلها أو بعده – غايتها تخويل البنك المركزى أن يأمر بحجب الأرباح التى يجوز توزيعها على المساهمين إذا قام السبب المنصوص عليه فيها.
وحيث إن البنك المركزى فى مصر يحتل من نظامها المصرفى ذراه، إذ يعتبر بنكاً لبنوكها جميعا، يمد إليها يد العون، مواجهاً اضطراباتها الاقتصادية ؛ موفراً لها ما يلزمها من الأرصدة النقدية الحاضرة مع وضعها تحت تصرفها، سواء أكان ذلك من خلال تقديم القروض مباشرة إليها، أم بإعادة خصم الأوراق المالية المقبولة التى تقدمها إليه ؛ مباشرا سلطانا فعليا على أرصدتها وقدرتها على خلق الائتمان، وعلى عمليات المقاصة فيما بينها ؛ كافلا لأوضاع الائتمان حيويتها وثباتها؛ مراقباً لها، سواء أكانت هذه الرقابة كيفية أو كمية أو مباشرة ؛ ملبياً للسوق المالية احتياجاتها؛ مخففاً عنها حدة ضائقتها ابتغاء الحفاظ على سيولة النظام الائتمانى ومرونته، التى يدعمها إيداع البنوك التجارية عنده ما يفيض عن حاجتها من احتياطاتها النقدية ، ليتم تجميعها فى يده- بدلاً من تفرقها فيما بينها – وهو بذلك يضعها فى متناولها جميعا، لتحصل كل منها – عند الضرورة – على الأرصدة النقدية التى تحتاجها، فلا يتعثر نشاطها.
وحيث إن ماتقدم مؤداه: أن البنك المركزى ، يسيطر – بالوسائل التى يملكها – على الجهاز المصرفى بكل صوره، ضماناً لاستقراره وتطويره بما يحقق للتنمية الاقتصادية والاجتماعية أهدافها، ويكفل إنفاذ السياسة النقدية والاقتصادية التى يتبناها.
وحيث إنه اتساقاً مع الملامح الرئيسية للبنوك المركزية ، صدر القانون رقم 120 لسنة 1975 فى شأن البنك المركزى المصرى والجهاز المصرفى ، كافلاً بمادته الأولى شخصيته الاعتبارية المستقلة ؛ ومقرراً أن عمله الأساسى يتمثل فى تنظيم السياسة النقدية والائتمانية والمصرفية والإشراف على تنفيذها وفقاً للخطة العامة بما يساعد على تنمية الاقتصاد القومى ودعمه واستقرار النقد فى مصر. ويباشر السلطات والاختصاصات المخولة له بالقانون رقم 163 لسنة 1957 بإصدار قانون البنوك والائتمان وفقاً للأحكام المنصوص عليها فيه، وبما لا يتعارض مع أحكام هذا القانون.
وتنص مادته الثانية على أن مجلس إدارة البنك المركزى هو السلطة المختصة بتصريف شئونه والمهيمنة على تنظيم السياسة النقدية والائتمانية والمصرفية وإصدار النظم التى يراها كفيلة بتحقيق الأغراض التى يقوم على تنفيذها وفقاً لأحكام القانون رقم 163 لسنة 1957 المشار إليه، فى إطار الخطة العامة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية وطبقاً للسياسة العامة للدولة.
وللمجلس فى سبيل ذلك اتخاذ الوسائل الآتية :-
(أ) التأثير فى توجيه الائتمان من حيث كميته ونوعه وسعره، بما يكفل مقابلة الحاجات الحقيقة لمختلف نواحى النشاط الاقتصادى.

(ب) المساهمة فى تدبير الائتمان الخارجى للوفاء بمتطلبات خطط التنمية ودعم الاقتصاد القومى.

(ج) اتخاذ التدابير المناسبة لمكافحة الاضطرابات الاقتصادية أو المالية العامة والمحلية.

(د) تحديد أسعار الخصم ومعدلات العائد على العمليات المصرفية وفق طبيعتها وآجالها ومقدار الحاجة إليها وفقاً لسياسة النقد والائتمان دون التقيد بالحدود المنصوص عليها فى أى تشريع، وللمجلس تخويل البنوك حرية تحديد العائد على العمليات المصرفية التى تقوم بها.
(ه) مراقبة البنوك بما يكفل سلامة مركزها المالى سواء أكانت مملوكة للدولة أو مشتركة أو فروعاً لبنوك أجنبية.

(و) إدارة احتياطيات الدولة من الذهب والنقد الأجنبى ، وتنظيم حركة النقد الأجنبى بين البنك المركزى والبنوك الآخرى.

وحيث إن قانون البنوك والائتمان الصادر بالقانون رقم 163 لسنة 1957، قد نص فى مادته الأولى على أن يتخذ البنك المركزى فى سبيل تحقيق أغراضه، الوسائل التى حددتها هذه المادة ، ويندرج تحتها مراقبة الهيئات المصرفية بما يكفل سلامة مركزها المالى.

وحيث إن البنك الوطنى للتنمية ، قد دفع بعدم اختصاص هذه المحكمة بنظر الدعوى الماثلة ، تأسيساً على أن الرقابة القضائية على الشرعية الدستورية التى تباشرها هذه المحكمة ، تنحصر فى مخالفة النصوص القانونية المطعون عليها لأحكام الدستور، ولاتتسع لأحوال التعارض بين النصوص القانونية فيما بينها، سواء جمعها المشرع فى قانون واحد، أو وزعها بين أكثر من قانون.
وحيث إن هذا النعى مردود، بأن الحقوق التى طلبتها الجمعية المدعية ، تتعلق بأرباح تدعى استحقاقها عن أسهم تمتلكها فى البنك المدعى عليه، وأن حرمانها من الحصول عليها يخل بالملكية الخاصة التى كفل الدستور صونها وفقاً لنص المادة (34)، وقد جرى قضاء هذه المحكمة على أن الحماية التى كفلها الدستور لهذه الملكية ، إنما تمتد إلى الأموال جميعها، باعتبار أن المال هو الحق ذو القيمة المالية ، سواء أكان هذا الحق شخصياً أم عينياً أم كان من حقوق الملكية الأدبية والفنية أو الصناعية ، ولا ينال التمييز بين الحقوق الشخصية والعينية من حقيقتها كأموال، ذلك أن الحقوق العينية التى تقع على عقار – بما فى ذلك حق الملكية – تعتبر ما لاً عقارياً. أما الحقوق العينية التى تقع على منقول، وكذلك الحقوق الشخصية – أياً كان محلها – فإنها تعد ما لاً منقولاً. ويتعين بالتالى أن يفسر نص المادة (34) من الدستور، باعتباره منصرفاً إلى الحقوق الشخصية والعينية على سواء، اتساقا ومقاصد الدستور فى سعيها لتأمين الأموال جميعها من العدوان عليها، وبما يردع مغتصبيها.
ولئن كانت المدعية تدعى مخالفة النص المطعون فيه، لنص المادة (89) من القانون المدنى ، إلا أن مناعيها اشتملت كذلك على قالة إهدار النص المطعون فيه لأحكام المواد (4، 40، 65، 66، 68) من الدستور. وذلك وحده منها يعتبر كافياً لاتصال دعواها الدستورية بهذه المحكمة واختصاصها بالتالى بالفصل فيها.
وحيث إن المادة (30) مكرراً من قانون البنوك والائتمان الصادر بالقانون رقم 163 لسنة 1957، تخول مجلس إدارة البنك المركزى – وكلما تعرض أحد البنوك لمشاكل مالية تؤثر على مركزه المإلى – أن يواجهها بالتدابير المنصوص عليها فيها. ويعتبر البنك متعرضاً لمشاكل مالية فى حكم هذه المادة ، إذا كانت الأصول التى يملكها عاجزة عن تغطية إلتزاماته بما يضر بحقوق المودعين؛ أو كان ثمة تبديد ملموس لهذه الأصول ناجماً عن مخالفة البنك للقوانين أو القواعد المقررة ؛ أو ناشئاً عن القيام بممارسات خطرة لا تتفق وأسس العمل المصرفى ؛ وكذلك إذا توافرت دلائل قوية على أن البنك لن يتمكن من مواجهة طلبات المودعين أو الوفاء بإلتزاماته فى الظروف العادية.

وحيث إن ما تنعاه المدعية من مخالفة النص المطعون فيه لأحكام المواد (4، 40، 65، 66) من الدستور، مردود:
أولاً: بأن الرقابة على الشرعية الدستورية التى تباشرها هذه المحكمة ، متوازنة بالضرورة ، فلا تميل إندفاعاً بما يؤدى لانفلاتها من كوابحها، ولا تتراخى تخاذلا بما يعطل أهدافها، بل يجب أن تظل ملاذاً نهائياً، لا إجراءاً احتياطياً، وهو مايعنى أن الحدود التى تمارس السلطتان التشريعية والتنفيذية لاختصاصاتها الدستورية فى نطاقها لايجوز اقتحامها، وأن المحكمة الدستورية العليا لاتزن بنفسها – ومن خلال مناهجها الذاتية – ما إذا كان التنظيم التشريعى المعروض عليها لازماً، وما إذا كان إقراره فى مناسبة بعينها ملائماً، إذ ليس لها إلا أن ترد النصوص التشريعية المطعون عليها لأحكام الدستور – الشكلية منها والموضوعية – لا أن تخوض فى بواعثها أو تناقش دوافعها. ويقتضى اتفاق النصوص القانونية المطعون عليها مع الدستور – وفى نطاق الموضوع محل التنظيم التشريعى – ألا تنفصل هذه النصوص عن الأغراض التى توخاها المشرع منها، بل يكون اتصال هذه الأغراض – وبافتراض مشروعيتها – بالوسائل إليها، منطقياً، لا واهياً أو مفتعلاً.
ومردود ثانياً: بأن بنك الغربية الوطنى الذى أسهمت المدعية فيه، كان قد تعرض لمشاكل مالية خطيرة تؤثر على سيره، مما حمل جمعيته العامة غير العادية ، على أن تقرر دمجه فى البنك الوطنى للتنمية على أساس مركزه المالى فى 31/12/1991. وبذلك فقد البنك المدمج ذاتيته، ولم يعد لشخصيته القانونية التى كان متمتعاً بها قبل الدمج من وجود، بل انصهر فى البنك الدامج اعتباراً من 31/12/1991، وغدا من بين الفروع التى يشتمل عليها، ولا يتصور أن يكون لأى من هذه الفروع ميزانية يستقل بها، ولا أن تُظهر أرباحاً يختص بها، أياً كان مقدارها.
ومردود ثالثاً: بأن قرار مجلس إدارة البنك المركزى بعدم الاعتداد بتحقيق البنك الدامج لأرباح قابلة للتوزيع على مساهميه، قد توخى حمل البنك الدامج على تغطية خسائر سنوات سابقة قبل النظر فى توزيع هذه الأرباح عليهم. ويتمحض بذلك عن إعمال للسلطة التى يستمدها مجلس إدارة البنك المركزى من النص المطعون فيه، ضماناً لحمل البنوك جميعها على أن تكون مراكزها المالية مطابقة لحقيقتها، توقياً لتلك المخاطر التى قدر شرورها وإضرارها بالتنمية الاقتصادية والاجتماعية التى ينبغى أن يقوم الجهاز المصرفى – بأدواته – على تحقيق معدلاتها، وهى بعد سلطة يباشرها مجلس إدارة البنك المركزى فى إطار واجبه فى مجال ضمان سلامة سوق النقد والمال،وفى حدود السياسة النقدية والمصرفية التى انتهجها.
ومردود رابعاً: بأن القرار الصادر عن مجلس إدارة البنك المركزى وفقاً للنص المطعون فيه، يتعين أن يكون موضوعياً. وهو لا يكون كذلك إلا إذا صدر على ضوء التقرير السنوى الذى يعده مراقب حسابات البنك الخاضع لرقابة البنك المركزى متضمناً رأيه فى شأن مدى كفاية نظام الرقابة الداخلية فيه، وكذلك مدى كفاية المخصصات لمقابلة النقص فى قيم أصوله ومواجهة إلتزاماته، مع تحديد قدر العجز فى المخصصات إن وجد، وهو مايعنى أن مجلس إدارة البنك المركزى – وفى نطاق تطبيق المادة (26) من قانون البنوك والائتمان – لا يتوخى غير ضبط الأجهزة التى تقوم بشئون النظام المصرفى فى مصر، توقياً لتعرضها لأزمة مالية تُفقد السياسة الائتمانية والمصرفية مصداقيتها، فلا يكون تنفيذها ممكناً، بل تعثرها ظاهراً. فإذا لم يكن القرار الصادر عن مجلس إدارة البنك المركزى مستلهماً تلك الأسس الموضوعية ، جاز الطعن عليه بإساءة استعمال السلطة مما يخرج عن نطاق الرقابة القضائية التى تباشرها هذه المحكمة.

ومردود خامساً: بأن النص المطعون فيه – وقد وازن بين المصالح العاجلة للمساهمين فى الحصول على أرباح أسهمهم، والضرورة الملجئة التى تقتضيها مقابلة مطلبهم بحقائق العمل فى مصرفهم، فلايكون الحصول على أرباحهم هذه مؤثراً فى سلامة بنيانه – إنما يندرج فى إطار سلطة المشرع فى مجال تنظيم الحقوق، والأصل فيها أنها سلطة تقديرية مالم يقيدها الدستور بضوابط تحد من إطلاقها، وتكون تخوماً لها لا يجوز اقتحامها أو تخطيها.
ومردود سادساً: بأن النص المطعون فيه ليس منبهماً أو متخفياً على حد قول الجمعية المدعية ، بل هو أحد الوسائل التى يملكها البنك المركزى فى مجال توجيه الائتمان ومراقبة الهيئات المصرفية بما يكفل سلامة مركزها المالى ، واتخاذ التدابير المناسبة لمكافحة الاضطرابات الاقتصادية أو المالية ، ماكان منها عاماً أو محلياً.
ومردود سابعاً: بأن الدستور وإن نص فى المادة (4) على أن الأساس الاقتصادى لجمهورية مصر العربية هو النظام الاشتراكى القائم على الكفاية والعدل بما يحول دون الاستغلال، إلا أن النص المطعون فيه لايعارض حكمها، ذلك أن النظام الاشتراكى ظل مرتبطاً بالتنمية الاقتصادية و الاجتماعية فى مجالاتها المختلفة التى يدعمها النظام المصرفى باعتباره نهجاً لتحقيقها. وكان لازماً بالتالى أن يكون البنك المركزى رقيباً على حسن سيره، ضماناً لأن يظل فاعلاً.
ومردود ثامناً: بأن السلطة التى يباشرها البنك المركزى وفقاً للنص المطعون فيه، لا تعنى استئثاره بالأرباح التى قرر عدم الاعتداد بتحقيقها، ولا ينال بممارستها حقوقاً لا يختص بها، ولا يهدر بسببها حقوقاً لغيره، وإنما ينهض اعتدالا بمسئوليته، ضمانا لأن تظل للتنمية الاقتصادية والاجتماعية روافدها، وللجهاز المصرفى وسائل رشيدة تكفل تحقيق الأغراض التى يقوم عليها.
ومردود تاسعاً: بأن المراكز القانونية التى يتعلق بها تطبيق مبدأ المساواة أمام القانون وفقاً لنص المادة (40) من الدستور، هى تلك التى تتحد فى العناصر التى تكون كلا منها – لا باعتبارها عناصر واقعية – بل بوصفها عناصر أدخلها المشرع فى اعتباره مرتباً عليها أثراً قانونياً، فلا يكون ترابطها إلا منشئا لذلك المركز القانونى الذى يضمها.
متى كان ذلك، وكان المودعون يرتبطون مع مصرفهم – وبمناسبة إيداعهم لنقودهم فيه – بعقد يستند مباشرة إلى إرادتيهما، وكان مصرفهم هذا لا يلتزم قبلهم إلا بإيفائهم مثل مبلغهم المودع عند حلول الأجل المتفق عليه، فإن مركزهم بالنسبة إلى هذه الوديعة ، يغاير حقوق المساهمين فى الأسهم التى ينقسم إليها رأس المال، ذلك أن هذه الحقوق لاتستمد مصدرها المباشر من العقد، بل من نص من القانون.
وحيث إن قضاء هذه المحكمة قد جرى على أن لكل مواطن حق اللجوء إلى قاض يكون بالنظر إلى طبيعة الخصومة القضائية ، وعلى ضوء مختلف العناصر التى لابستها، مهيأ للفصل فيها؛ وكان الناس جميعا لا يتمايزون فيما بينهم فى مجال سعيهم لرد العدوان على الحقوق التى يدعونها، بل يملكون الوسائل عينها فى شأن طلب الحقوق ذاتها واقتضائها؛ وكان النص المطعون فيه لا يتضمن افتئاتاً على حق المدعية فى اللجوء لقاضيها الطبيعى ، فإن ادعاء مخالفته لنص المادة (68) من الدستور، يكون لغواً.
وحيث إن النص المطعون فيه لا يتعارض مع أى حكم فى الدستور من أوجه أخرى.

فلهذه الأسباب
حكمت المحكمة برفض الدعوى وبمصادرة الكفالة وألزمت المدعية المصروفات ومبلغ مائة جنيه مقابل أتعاب المحاماة.