الدعوى 133 لسنة 19 - دستورية - المحكمة الدستورية العليا - مرفوعة علنية رقم 133 لسنة 19 بتاريخ 03/04/1999

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
باسم الشعب

المحكمة الدستورية العليا
بالجلسة العلنية المنعقدة يوم السبت 3 ابريل سنة 1999 الموافق 17 ذو الحجة سنة 1419ه.
برئاسة السيد المستشار/ محمد ولى الدين جلال رئيس المحكمة
وعضوية السادة المستشارين: فاروق عبد الرحيم غنيم و حمدى محمد على وسامى فرج يوسف والدكتور عبد المجيد فياض وماهر البحيرى ومحمد على سيف الدين.
وحضور السيد المستشار/ عبد الوهاب عبد الرازق رئيس هيئة المفوضين
وحضور السيد/ حمدى أنور صابر أمين السر
أصدرت الحكم الآتى

فى القضية المقيدة بجدول المحكمة الدستورية العليا برقم 133 لسنة 19 قضائية دستورية .
المقامة من
السيد / .........................
ضد
1- السيد / رئيس الجمهورية بصفته
2- السيد / رئيس مجلس الوزراء بصفته
3- السيد / رئيس مجلس الشعب بصفته
4- السيد / وزير العدل بصفته
5- السيد / رئيس محكمة شمال القاهرة الابتدائية بصفته
الإجراءات 
بتاريخ الرابع والعشرين من يونيو سنة 1997، أودع المدعى صحيفة هذه الدعوى قلم كتاب المحكمة ، طالباً الحكم بعدم دستورية المواد (166، 167، 168، 169) من قانون السلطة القضائية الصادر بقرار رئيس الجمهورية بالقانون رقم 46 لسنة 1972.
وقدمت هيئة قضايا الدولة مذكرة طلبت فى ختامها الحكم، أصلياً: بعدم قبول الدعوى واحتياطياً: برفضها.
وبعد تحضير الدعوى ، أودعت هيئة المفوضين تقريراً برأيها.
ونُظرت الدعوى على النحو المبين بمحضر الجلسة ، وقررت المحكمة إصدار الحكم فيها بجلسة اليوم.
المحكمة 
بعد الاطلاع على الأوراق، والمداولة .
حيث إن الوقائع- على ما يبين من صحيفة الدعوى وسائر الأوراق- تتحصل فى أن المستشار رئيس محكمة شمال القاهرة الإبتدائية كان قد أصدر قراراً بإحالة المدعى - ويعمل بوظيفة محضر بمحكمة المطرية الجزئية - إلى مجلس التأديب المشكل بالمحكمة وقيدت الدعوى التأديبية برقم 26 لسنة 1996 لمحاكمته تأديبياً عما هو منسوب إليه من مخالفات مبينة فى قرار الإحالة . وإذ دفع المدعى - أثناء نظر الدعوى التأديبية - بعدم دستورية المواد أرقام (166، 167، 168، 169) من قانون السلطة القضائية ، وقدر مجلس التأديب جدية هذا الدفع، فقد صرح له برفع دعواه الدستورية فأقام الدعوى الماثلة .
وحيث إن المواد الطعينة تنص على ما يأتى : 
مادة (166) لا توقع العقوبات إلا بحكم من مجلس التأديب، ومع ذلك فالإنذار أو الخصم من المرتب يجوز أن يكون بقرار من رؤساء المحاكم بالنسبة إلى الكتاب والمحضرين والمترجمين ومن النائب العام ومن رؤساء النيابات بالنسبة إلى كتاب النيابات، ولا يجوز أن يزيد الخصم فى المرة الواحدة على مرتب خمسة عشر يوماً ولا يزيد على ثلاثين يوماً فى السنة الواحدة .
مادة (167) يشكل مجلس التأديب فى محكمة النقض وفى كل محكمة من محاكم الاستئناف من مستشار تنتخبه الجمعية العامة ومن المحامى العام وكبير كتاب المحكمة .
وفى المحاكم الإبتدائية والنيابات من رئيس المحكمة ، ورئيس النيابة أو من يقوم مقامهما وكبير الكتاب، ويستبدل كبير المحضرين عند محاكمة أحد المحضرين ورئيس القلم الجنائى عند محاكمة أحد كتاب النيابات.
وفى حالة محاكمة كبير الكتاب وكبير المحضرين أو رئيس القلم الجنائى يندب وزير العدل من يحل محله فى مجلس التأديب ممن يكونون فى درجته على الأقل.
مادة (168) يجوز أن تقام الدعوى التأديبية ضد موظفى المحاكم والنيابات بناء على طلب رئيس المحكمة بالنسبة لموظفى المحاكم، وبناء على طلب النائب العام أو رئيس النيابة بالنسبة لموظفى النيابات.
مادة (169) تتضمن ورقة الاتهام التى تعلن بأمر رئيس مجلس التأديب التهمة أو التهم المنسوبة إلى المتهم وبياناً موجزاً بالأدلة واليوم المحدد للمحاكمة ، ويحضر المتهم بشخصه أمام المجلس، وله أن يقدم دفاعه كتابة وأن يوكل عنه محامياً وتجرى المحاكمة فى جلسة سرية .
وحيث إن المدعى ينعى على نصوص المواد المشار إليها أنها أخضعت العاملين بالمحاكم لنظام تأديبى استلبت بمقتضاه ولاية قضاء التأديب من مجلس الدولة بحسبانه قاضيهم الطبيعى فى أنزعتهم التأديبية الذى اختصه الدستور بها وفقاً للمادة (172)، واستعاضت عنه بمجالس تأديب، تنقص أعضاءها الخبرة بالقواعد القانونية التى تحكم الخصومات التأديبية ولا تعدو بهذه المثابة أن تكون لجاناً إدارية ذات اختصاص قضائى ولا تتوافر فيها ضمانات التقاضى التى يكفلها النظام القضائى بمجلس الدولة لأقرانهم من العاملين المدنيين، الأمر الذى يخل بمبدأى تكافؤ الفرص ومساواة المواطنين فى الحقوق والواجبات، اللذين قرر الدستور أولهما فى المادة (8) وثانيهما فى المادة (40)، ذلك فضلاً عن أن المادتين (167، 168) الطعينتين إذ أجازتا لرئيس المحكمة الإبتدائية الجمع بين سلطتى الاتهام والمحاكمة فإنهما تكونان قد أخلتا بمبدأ حياد القاضى ، فلا يستقيم للعدالة ولا لحق التقاضى من ثم ضماناتهما.
وحيث إن المصلحة الشخصية المباشرة - وهى شرط يلزم تحققه لقبول الدعوى الدستورية - يحدد للخصومة الدستورية نطاقها، فلا تندرج تحتها إلا النصوص التشريعية التى يؤثر الحكم بصحتها أو بطلانها بصفة مباشرة على النزاع الموضوعى دون ما سواها؛ إذ كان ذلك، وكان المدعى يعمل بوظيفة محضر تابع لمحكمة شمال القاهرة الإبتدائية ، وتمثلت المنازعة الموضوعية - التى أقيمت الدعوى الماثلة بمناسبتها- فى محاكمته تأديبياً أمام مجلس تأديب بها لمعاقبته عما أسند إليه من مخالفات مخلة بواجبات وظيفته، فإن مصلحته الشخصية المباشرة إنما تقتصر على ما تعلق من نصوص المواد المطعون عليها بمحضرى المحاكم الإبتدائية دون غيرهم من المخاطبين بأحكامها، وفى حدود ما يتصل منها بمحاكمتهم التأديبية ، ومن ثم يتحدد نطاق الخصومة الدستورية الراهنة فيما أوجبته المادة (166) من أن العقوبات التأديبية لا توقع إلا بحكم من مجلس التأديب، وما قضت به المادة (167) من أن يشكل مجلس التأديب فى المحاكم الإبتدائية من رئيس المحكمة ورئيس النيابة أو من يقوم مقامهما وكبير المحضرين عند محاكمة أحد المحضرين، وفيما أجازته المادة (168) لرئيس المحكمة من طلب إقامة الدعوى التأديبية ضد المحضرين فى المحاكم، ولا يغير من ذلك ما ذهبت إليه هيئة قضايا الدولة من عدم قبول الدعوى لانتفاء المصلحة تأسيساً على أن الفصل بين سلطتى رئيس المحكمة فى الاتهام والمحاكمة ، قد تحقق بالفعل- بالنسبة إلى المدعى - بتخلى رئيس المحكمة الإبتدائية عن المشاركة فى مجلس التأديب الذى قرر إحالته إليه مما تنتفى معه مصلحته فى الطعن بعدم دستورية المادة (167) المشار إليها؛ ذلك أن الأصل فى تعيين مجال تطبيق النصوص التشريعية هو أن تتحدد مضامينها على ضوء موضوعها وبمراعاة مقاصدها، وبما لا يخرج ألفاظ النص وعباراته عن سياقها، مما يلزم معه أن تؤخذ هذه النصوص على ضوء كل الصور التى يتحقق فيها معناها، إذ كان ذلك، وكان نص المادة (167) المطعون فيه قد أو كل إلى رئيس المحكمة - أو من يقوم مقامه- المشاركة فى مجلس التأديب، بما مؤداه: أن إنابة غيره وجلوسه محله لا يمنع رئيس المحكمة الإبتدائية وهو الأصيل من أن يقرر المشاركة فى المجلس حين يشاء، فإن تطبيق نص هذه المادة فى شأن المدعى يقيم له مصلحة شخصية مباشرة فى طلب القضاء بعدم دستوريته، إذ ببطلانها- إذا ما قضى بذلك- يغدو رئيس المحكمة غير صالح للفصل فى الدعوى التأديبية التى طلب إقامتها ضد المدعى .
وحيث إنه بالنسبة لما ينعاه المدعى من أن النصوص التشريعية المطعون فيها قد انتزعت ولاية قضاء التأديب من مجلس الدولة وعهدت بها إلى مجالس تأديب لا تتوافر أمامها مقومات التقاضى وضماناته الرئيسية ، فإنه وإن كان مجلس الدولة قد غدا وفقاً لنص المادة (172) من الدستور قاضى القانون العام فى المنازعات الإدارية والدعاوى التأديبية ، وكان قانون مجلس الدولة الصادر بالقرار بقانون رقم 47 لسنة 1972 قد ردد هذا الأصل بنص مادته العاشرة ؛ إلا أن قضاء هذه المحكمة قد جرى على أن عموم هذه الولاية وانبساطها على المنازعات الإدارية والدعاوى التأديبية بمختلف أشكالها وتعدد صورها لا يعنى غل يد المشرع عن إسناد الفصل فى بعضها إلى جهات قضائية أخرى ، على أن يكون ذلك استثناء من الأصل العام وبالقدر وفى الحدود التى يقتضيها الصالح العام، وفى إطار التفويض المخول للمشرع بنص المادة (167) من الدستور فى شأن تحديد الهيئات القضائية واختصاصاتها وتنظيم طريقة تشكيلها.
وحيث إن قضاء هذه المحكمة قد جرى على أن التمييز بين الأعمال القضائية وبين غيرها من الأعمال التى قد تلتبس بها، إنما يقوم على مجموعة من العناصر لا تتحدد بها ضوابط هذا التمييز على وجه قطعى ، ولكنها تعين على إبراز الخصائص الرئيسية للعمل القضائى ، ومن بينها أن إسباغ الصفة القضائية على أعمال أية جهة عهد إليها المشرع بالفصل فى نزاع معين، يفترض أن يكون تشكيلها واستقلالها كاشفين عن حيدتها عند الفصل فى النزاع ومؤديين إلى غيريتها فى مواجهة أطرافه، وأنه فى كل حال يتعين أن يثير النزاع المطروح عليها ادعاءً قانونياً يبلور الحق فى الدعوى كرابطة قانونية تنعقد الخصومة القضائية من خلالها وبوصفها الوسيلة التى عينها المشرع لاقتضاء الحقوق المدعى بها، وبمراعاة أن يكون إطار الفصل فيها محدداً بما لا يخل بالضمانات القضائية الرئيسية التى لايجوز النزول عنها، وعلى ضوء قاعدة قانونية نص عليها المشرع سلفاً ليكون القرار الصادر فى النزاع مؤكداً للحقيقة القانونية ، مبلوراً لمضمونها، لتفرض نفسها على كل من ألزمه المشرع بها، بافتراض تطابقها مع الحقيقة الواقعة .
وحيث إن البين من أحكام قانون السلطة القضائية الصادر بالقرار بقانون رقم 46 لسنة 1972 أنه اعتبر المحضرين- بنص المادة (131)- من أعوان القضاء، ونظم فى الباب الخامس منه شئون العاملين بالمحاكم. ومنهم المحضرون، ونص فى المادة (136) على أنه فيما عدا ما نص عليه فيه تسرى على العاملين بالمحاكم الأحكام العامة للعاملين المدنيين فى الدولة ، كما فرض على أولئك العاملين واجبات بعينها ترتد إلى الطبيعة الخاصة للعمل المنوط بهم، كما نظم فى الفصل السادس من هذا الباب- الذى وردت فيه النصوص المطعون فيها- تأديب هؤلاء العاملين على النحو السابق بيانه فى المواد من (166 إلى 169) من ذلك القانون.
وحيث إن مؤدى النصوص المشار إليها أن مجلس تأديب محضرى المحاكم الإبتدائية يغلب على تشكيله العنصر القضائى ، وأنه يفصل- باعتباره سلطة تأديبية - فيما يدخل فى اختصاصه بعد إعلان المتهم بما هو منسوب إليه، وباليوم المحدد للمحاكمة ، وأن له أن يمثل بشخصه أمامه وأن المشرع قد كفل له كذلك حق الدفاع، إذ أتاح له الفرصة الكاملة لإبداء أقواله وتقديم دفاعه كتابة ، سواء بنفسه أو بمحام موكل عنه، بما يمكنه من مجابهة التهم المسندة إليه، ودحض ما قدم ضده من أدلة عليها، كما أن مجلس التأديب إذ يستنفد ولايته بإصدار حكمه فإن الجهة الإدارية ينغلق عليها المساس بذلك الحكم. وكان ما أوجبه المشرع من سرية المحاكمة لا مأخذ عليه، لما هو مقرر- وعلى ما جرى به قضاء هذه المحكمة - من أن المادة (169) من الدستور- فيما قررته من علنية جلسات المحاكم إلا إذا قررت جعلها سرية مراعاة للنظام العام أو الآداب، وأوجبته من النطق بالحكم فى جلسة علنية - إنما يقتصر حكمها على الأحكام التى تصدر من المحاكم بالمعنى الضيق دون سواها من الهيئات القضائية ، وكانت تلك النصوص قد انطوت- بذلك- على ضمانات قضائية تحقيقاً لمحاكمة من صفة وانتهاجاً لضوابطها، إذ كان ذلك، وكان مجلس التأديب يفصل فى الخصومة التأديبية المطروحة عليه فى ضوء قواعد إجرائية وموضوعية محددة على النحو السالف الإشارة إليه، فإن المشرع يكون قد أقام من هذا المجلس هيئة ذات اختصاص قضائى تختص بالنظر فيما أو كله إليها من دعاوى تأديبية . والفصل فيها.
وحيث إنه متى كان ما تقدم، وكان المحضرون إنما يعاونون بعملهم فى قيام السلطة القضائية بمهامها، وتبدو خطورة العمل المنوط بهم من أن إعلان صحف الدعاوى - الذى يتولونه- إنما يتوافر به للخصومة القضائية أحد أركان انعقادها، بل إن هذه الخصومة لن تؤتى ثمرتها إلا بتحصيل المتقاضين لحقوقهم المقضى بها، والتى يتم إنفاذها- بوساطة المحضرين- جبراً على المحكوم عليهم بها، ومن ثم فإن إخلالهم بواجبات وظائفهم إنما ينعكس على أداء الوظيفة القضائية ، فيعوق سيرها على الوجه المرجو ويعرقل انضباطها، ويعطل اقتضاء الحقوق المقضى بها، وبهذه المثابة تكون مجالس التأديب المشكلة بالمحاكم- وعلى الأخص بالنسبة إلى تشكيلها- أكثر إدراكاً من غيرها بأوجه القصور التى قد تعترى عمل المحضرين لديها، وأقدر بالتالى على مؤاخذتهم تأديبياً عنها، إذ كان ذلك، فإن المشرع- وفى حدود ما يملكه من إسناد الفصل فى بعض المنازعات الإدارية والدعاوى التأديبية إلى جهة قضائية أخرى غير مجلس الدولة تحقيقاً للصالح العام- لا يكون بالنصوص التشريعية المطعون فيها قد خالف المادة (172) من الدستور. وإذ اختص المشرع تلك المجالس بولاية الفصل فى الدعاوى التأديبية المقامة ضد المحضرين بالمحاكم الإبتدائية فصلاً قضائياً، فقد أضحت هى قاضيهم الطبيعى فى شأنها، الأمر الذى لا ينطوى على أية مخالفة - من هذه الناحية - لحكم المادة (68) من الدستور.
وحيث إن ما ينعاه المدعى من إخلال النصوص المطعون عليها بمبدأ تكافؤ الفرص الذى تكفله الدولة للمواطنين وفقاً لنص المادة (8) من الدستور مردود بأن مضمون هذا المبدأ إنما يتصل بالفرص التى تتعهد الدولة بتقديمها، وأن إعما له يقع عند التزاحم عليها، وأن الحماية الدستورية لتلك الفرص غايتها تقرير أولوية - فى مجال الانتفاع بها- لبعض المتزاحمين على بعض، وهى أولوية تتحدد وفق أسس موضوعية يقتضيها الصالح العام، إذ كان ذلك، فإن النعى بمخالفة النصوص الطعينة لمبدأ تكافؤ الفرص لا يكون له محل، إذ لا صلة لها بفرص قائمة يجرى التزاحم عليها.
وحيث إن المدعى ينعى على النصوص الطعينة إخلالها بمبدأ المساواة أمام القانون، وإذ كان إعمال هذا المبدأ- وما يقتضيه من الحماية القانونية المتكافئة - يفترض تماثل المراكز القانونية فى نطاق الموضوع محل التنظيم التشريعى ، ومعاملتها بالتالى على ضوء قاعدة موحدة لا تفرق بين أصحابها بما ينال من مضمون الحقوق التى يتمتعون بها، وكانت النصوص التشريعية المطعون عليها قد نظمت تأديب المحضرين العاملين فى المحاكم الإبتدائية ، وقد تقرر هذا التنظيم لأغراض مشروعة ووفق أسس موضوعية لا تقيم فى مجال تطبيقها تمييزاً منهيا عنه بين المخاطبين بها، فإن قالة إخلال النصوص الطعينة بمبدأ المساواة أمام القانون المنصوص عليه فى المادة (40) من الدستور، تكون لغواً.
وحيث إن النعى على المادتين (167، 168) إخلالهما بمبدأ حياد القاضى ، سديد فى جوهره، ذلك أن ضمانة الحيدة - فى نطاق النزاع الماثل- إنما تتصل أساساً بما إذا كان يجوز لرئيس المحكمة الإبتدائية أن يفصل فى منازعة تأديبية من طبيعة قضائية سبق أن أبدى رأياً فيها أو اتخذ موقفاً منها. إذ على ضوء ذلك، يرتبط الفصل فى دستورية تشكيل مجلس التأديب، بما إذا كان الإخلال بضمانة حيدة رئيسه أو أعضائه يعتبر إهداراً لأحد الحقوق التى كفلها الدستور، فلا يتم الفصل إنصافاً فى الخصومة القضائية مع غيابها، أم أن هذه الضمانة لا ترقى بوزنها إلى مرتبة الحقوق التى تستمد من الدستور أصلها، فلا ينافيها إلغاؤها أو تقييدها بقانون تقره السلطة التشريعية فى حدود سلطتها التقديرية .
وحيث إن قضاء هذه المحكمة قد جرى على أن استقلال السلطة القضائية ، وإن كان لازماً لضمان موضوعية الخضوع للقانون، ولحصول من يلوذون بها على الترضية القضائية التى يطلبونها عند وقوع عدوان على حقوقهم وحرياتهم، إلا أن حيدتها عنصر فاعل فى صون رسالتها لا تقل شأناً عن استقلالها بما يؤكد تكاملهما، ذلك أن استقلال السلطة القضائية ، يعنى أن تعمل بعيداً عن أشكال التأثير التى توهن عزائم رجالها، فيميلون معها عن الحق إغواءً وإرغاماً، ترغيباً أو ترهيباً، فإذا كان انصرافهم عن إنفاذ الحق تحاملاً من جانبهم على أحد الخصوم، وانحيازاً لغيره، كان ذلك منافياً لضمانة التحرر عند الفصل فى الخصومة القضائية ، ولحقيقة أن العمل القضائى لا يجوز أن يثير ظلالاً قاتمة حول حيدته، فلا يطمئن إليه متقاضون داخلهم الريب فيه بعد أن صار نائياً عن القيم الرفيعة للوظيفة القضائية ، يؤيد ذلك:-
أولاً: إن إعلان المبادئ الأساسية فى شأن استقلال القضاء التى تبنتها الجمعية العامة للأمم المتحدة بقراريها الصادرين فى 29/1/1985، 13/12/1985 يؤكد بوضوح أن المنازعات التى تدخل فى اختصاص السلطة القضائية ، ينبغى الفصل فيها بطريقة محايدة ، وعلى ضوء وقائعها ووفقاً لحكم القانون بشأنها، مع تجرد قضاتها من عوامل التأثر أو التحريض، وكذلك من كل صور الضغوط أو التهديد أو التدخل غير المشروع- مباشراً كان أم غير مباشر- وأياً كان مصدرها أو سببها.
ثانياً: أن استقلال السلطة القضائية وحيدتها ضمانتان تنصبان معاً على إدارة العدالة بما يكفل فعاليتها، وهما بذلك متلازمتان. وإذا جاز القول- وهو صحيح- بأن الخصومة القضائية لا يستقيم الفصل فيها حقاً وعدلاً إذا خالطتها عوامل تؤثر فى موضوعية القرار الصادر بشأنها، فقد صار أمراً مقضياً أن تتعادل ضمانتا استقلال السلطة القضائية وحيدتها فى مجال اتصالهما بالفصل فى الحقوق انتصافاً، لتكون لهما معاً القيمة الدستورية ذاتها فلا تعلو إحداهما على أخراهما أو تجبها بل تتضاممان تكاملاً وتتكافآن قدراً.
ثالثاً: أن ضمانة الفصل إنصافاً فى المنازعات على اختلافها وفق نص المادة (67) من الدستور، تمتد بالضرورة إلى كل خصومة قضائية ، أياً كانت طبيعة موضوعها جنائياً كان أم مدنياً أو تأديبياً إذ أن التحقيق فى هذه الخصومات وحسمها إنما يتعين إسناده إلى جهة قضاء أو هيئة قضائية منحها القانون اختصاص الفصل فيها بعد أن كفل استقلالها وحيدتها وأحاط الحكم الصادر فيها بضمانات التقاضى التى يندرج تحتها حق كل خصم فى عرض دعواه وطرح أدلتها، والرد على ما يعارضها على ضوء فرص يتكافؤ أطرافها، ليكون تشكيلها وقواعد تنظيمها وطبيعة النظم المعمول بها أمامها، وكيفية تطبيقها عملاً، محدداً للعدالة مفهوماً تقدمياً يلتئم مع المقاييس المعاصرة للدول المتحضرة .
وحيث إن حق التقاضى المنصوص عليه فى المادة (68) من الدستور مؤداه: أن لكل خصومة - فى نهاية مطافها- حلاً منصفاً يمثل الترضية القضائية التى يقتضيها رد العدوان على الحقوق المدعى بها، وتفترض هذه الترضية أن يكون مضمونها موافقاً لأحكام الدستور، وهى لا تكون كذلك إذا كان تقريرها عائداً إلى جهة أو هيئة تفتقر إلى استقلالها أو حيدتها أو هما معاً، ذلك أن هاتين الضمانتين- وقد فرضهما الدستور على ما تقدم- تعتبران قيداً على السلطة التقديرية التى يملكها المشرع فى مجال تنظيم الحقوق، ومن ثم يلحق البطلان كل تنظيم تشريعى للخصومة القضائية على خلافهما.
وحيث إن إخلال أحد محضرى المحاكم الإبتدائية بواجبات وظيفته أو خروجه على مقتضياتها يعتبر ذنباً إدارياً مؤاخذاً عليه قانوناً؛ وإسناده إليه يتعين أن يكون مسبوقاً بتحقيق متكامل لا يقتصر على بعض عناصر الاتهام بل يحيط بها جميعا، ويمحص أدلتها مع ضمان سماع أقوال المحضر المحال إلى التحقيق، فلا يكون التحقيق مبتسراً أو مجرداً من ضمان موضوعيته، بل وافياً أميناً، وكلما استكمل التحقيق عناصره، وكان واشيا بأن للتهمة معينها من الأوراق، كان عرضه لازماً على الجهة التى أولاها المشرع مسئولية الفصل فيه بشرطين، أولهما: أن تكون قضائية فى تشكيلها وضماناتها، ثانيهما: ألا يكون من بين أعضائها من اتصل بإجراء سابق على توليها لمهامها سواء كان تحقيقاً أو اتهاماً.
وحيث إن الفصل فى الدعوى التأديبية المقامة ضد أحد محضرى المحاكم الإبتدائية معقود بنص الفقرة الثانية من المادة (167) من قانون السلطة القضائية ، لمجلس التأديب- باعتباره هيئة ذات اختصاص قضائى على نحو ماتقدم- يشارك فيه رئيس المحكمة الإبتدائية الذى أجازت له المادة (168) أن تقام هذه الدعوى بناء على طلبه، وكان الأصل ألا يطلب إقامتها قبل أن يستكمل التحقيق مجراه، وأن يكون قد جال ببصره فيه بعد عرضه عليه مرجحاً- على ضوء اعتقاده- ما إذا كان بنيانه متماسكاً أو متهادماً، منتهياً من ذلك إلى المضى فى الدعوى التأديبية أو التخلى عنها، وكان ذلك لا يعدو أن يكون رأياً مؤثراً فى موضوعية تلك الخصومة وحائلاً دون تأسيسها على ضمانة الحيدة التى لايجوز إسقاطها عن أحد المتقاضين لتسعهم جميعاً على تباينهم، فإن نص الفقرة الثانية من المادة (167) والمادة (168) يكونان فى هذه الحدود مخالفين لأحكام المواد (65، 67، 68) من الدستور.
فلهذه الأسباب
حكمت المحكمة بعدم دستورية الفقرة الثانية من المادة (167)، والمادة (168) من قانون السلطة القضائية الصادر بقرار رئيس الجمهورية بالقانون رقم 46 لسنة 1972، وذلك فيما تضمنتاه من أن يشترك فى مجلس تأديب محضرى المحكمة الإبتدائية رئيس المحكمة الذى طلب إقامة الدعوى التأديبية ، وبرفض ماعدا ذلك من طلبات، وألزمت الحكومة المصروفات، ومبلغ مائة جنيه مقابل أتعاب المحاماة .