الدعوى 16 لسنة 15 - دستورية - المحكمة الدستورية العليا - محالة علنية رقم 16 لسنة 15 بتاريخ 14/01/1995
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
باسم الشعب
المحكمة الدستورية العليا
بالجلسة العلنية المنعقدة فى يوم السبت 14 يناير سنة 1995 الموافق 13 شعبان 1415 هـ .
برئاسة السيد المستشار الدكتور/ عوض محمد عوض المر رئيس المحكمة
وعضوية السادة المستشارين : الدكتور/ محمد ابراهيم أبو العينين وفاروق عبد الرحيم غنيم وسامى فرج يوسف والدكتور/ عبد المجيد فياض ومحمد على سيف الدين وعدلى محمود منصور اعضاء
وحضور السيد المستشار الدكتور/ حنفى على جبالى رئيس هيئة المفوضين
وحضور السيد/ رأفت محمد عبد الواحد أمين السر
أصدرت الحكم الآتى
فى القضية المقيدة بجدول المحكمة الدستورية العليا برقم 16 لسنة 15 قضائية دستورية .
بعد ان أحالت محكمة الإسكندرية الابتدائية إليها ملف الدعوى رقم 544 لسنة 1992 عمال
المقامة من
1- .....................
2- .....................
3- .....................
4- .....................
5- .....................
6- .....................
7- .....................
8- .....................
9- .....................
10- .....................
11- .....................
ضد
1- السيدة الدكتورة / وزيرة الشئون والتأمينات الاجتماعية بصفتها
2- السيد / رئيس مجلس إدارة الهيئة القومية للتأمينات الاجتماعية
3- السيد / رئيس مجلس إدارة شركة الاتحاد العربى للنقل البحرى
4- السيد / رئيس مجلس إدارة صندوق التأمين الخاص
للعاملين بشركة الاتحاد العربى للنقل البحرى
الإجراءات
بتاريخ 14 إبريل 1993 ورد إلى قلم كتاب المحكمة الدستورية العليا ملف الدعوى رقم 544 لسنة 1992 عمال محكمة الإسكندرية الابتدائية . بعد أن قضت تلك المحكمة بجلسة 31 يناير 1993 بإحالتها إلى المحكمة الدستورية العليا للفصل فى دستورية المادة (40) من القانون رقم 79 لسنة 1975.
وقدمت كل من هيئة قضايا الدولة والهيئة القومية للتأمين الاجتماعى مذكرة بدفاعها.
وبعد تحضير الدعوى أودعت هيئة المفوضين تقريراً برأيها.
ونُظرت الدعوى على النحو المبين بمحضر الجلسة ، وقررت المحكمة إصدار الحكم فيها بجلسة اليوم.
المحكمة
بعد الاطلاع على الأوراق، والمداولة .
حيث إن الوقائع - على مايبين من حكم الإحالة وسائر الأوراق - تتحصل فى أن المدعين بعد أن تركوا الخدمة بالجهات التى كانوا يعملون بها واستحقوا المعاش المبكر وفقاً للقانون، عينوا بشركة الاتحاد العربى للنقل البحرى فامكو، واستمروا يجمعون بين معاشاتهم هذه، وأجورهم عن عملهم الجديد بالشركة ، إلى ان تقرر حرمانهم من معاشاتهم وذلك بوقف صرفها ومطالبتهم برد ما سبق أن دُفع لهم منها، ثم اتخاذ إجراءات الحجز الإدارى قبلهم لاستردادها، وذلك إعمالاً لنص المادة (40) من قانون التأمين الاجتماعى الصادر بالقانون رقم 79 لسنة 1975 بعد تعديلها بالقانونين رقمى 93 لسنة 1980، 107 لسنة 1987. وإذ ترتب على إعمال حكمها فى حقهم حرمانهم من الحق فى الجمع بين معاشاتهم عن مدة خدمتهم السابقة . وأجورهم عن عملهم بالشركة التى عينوا فيها، فقد أقاموا - لاقتضاء هذا الحق - الدعوى رقم 544 لسنة 1992 عمال أمام محكمة الإسكندرية الإبتدائية التى تراءى لها بحكمها الصادر فى 31 يناير 1993، أن المادة (40) من قانون التأمين الاجتماعى بمنعها الجمع بين المعاش والأجر فى الحدود التى بينتها،إنما تقيم تمييزاً يناقض مبدأ المساواة أمام القانون بين المخاطبين بها من ناحية ، والمعاملين بأحكام قانون التقاعد والتأمين والمعاشات للقوات المسلحة الصادر بالقانون رقم 90 لسنة 1975 من ناحية أخرى ، مما يقتضى أن تحيل ملف الدعوى إلى المحكمة الدستورية العليا، وذلك للفصل فى دستورية المادة (40) المشار إليها.
وحيث إن هيئة قضايا الدولة ذهبت إلى أن النزاع الموضوعى ينحصر فى أحقية المدعين فى الجمع بين معاشاتهم عن مدد خدمتهم السابقة ، وأجورهم التى يتقاضونها من شركة الاتحاد العربى للنقل البحرى ، وهى إحدى الجهات التى خرجت من مجال تطبيق قانون التأمين الاجتماعى ، لوجود نظام بديل مقرر وفقاً للقانون. وفيما يجاوز هذا النطاق من أحكام الفقرة الأولى من المادة (40) من قانون التأمين الاجتماعى ، تكون الدعوى الدستورية الراهنة غير مقبولة .
وحيث إن البين من الفقرة الأولى من المادة (40) من قانون التأمين الاجتماعى أنها تقضى بما يأتى إذا عاد صاحب المعاش إلى عمل يٌخضعه لأحكام هذا التأمين أو لإحدى الجهات التى خرجت من مجال تطبيق هذا القانون لوجود نظام بديل مقرر وفقاً لقانون، يوقف صرف معاشه اعتباراً من أول الشهر التالى ، وذلك حتى تاريخ انتهاء خدمته بالجهات المشار إليها، أو بلوغه السن المنصوص عليها بالبند (1) من المادة (18) أيهما أسبق.
كما تنص فقرتها الثانية على أنه إذا كان الأجر الذى سوى عليه المعاش أو مجموع ما كان يتقاضاه من أجر فى نهاية مدة خدمته السابقة أيهما أكبر، يجاوز الأجر المستحق له عن العمل المعاد إليه، يؤدى إليه من المعاش الفرق بينهما، على أن يخفض الجزء الذى يصرف من المعاش المقرر بمقدار ما يحصل عليه من زيادات فى أجره.
وحيث إنه متى كان ذلك، وكان قضاء المحكمة الدستورية العليا قد جرى على أن المصلحة الشخصية المباشرة تعد شرطاً لقبول الدعوى الدستورية ، وأن مناطها أن يكون ثمة ارتباط بينها وبين المصلحة القائمة فى الدعوى الموضوعية ، وذلك بأن يكون الحكم الصادر فى المسألة الدستورية لازماً للفصل فى الطلبات الموضوعية المرتبطة بها والمطروحة أمام قاضى الموضوع، فإذا لم يكن له بها من صلة ، كانت الدعوى الدستورية غير مقبولة ، بما مؤداه: أنه لا يكفى لقبولها أن يكون النص التشريعى المطعون عليه مخالفاً فى ذاته للدستور، بل يتعين أن يكون هذا النص- بتطبيقه على المدعى - قد أخل بأحد الحقوق التى كفلها الدستور على نحو ألحق به ضرراً مباشراً، وكان النزاع الموضوعى -فى الخصومة الماثلة - يقوم على حق المدعين فى الجمع بين معاشاتهم عن مدة خدمتهم السابقة ، وما يحصلون عليه من أجر من شركة الاتحاد العربى للنقل البحرى التى لا تعتبر من الخاضعين لأحكام قانون التأمين الاجتماعى لوجود نظام تأمين بديل مقرر لها يخرجها من دائرة هذا القانون، فإن مصلحتهم الشخصية والمباشرة لا تمتد إلى الفقرة الأولى من المادة (40) من قانون التأمين الاجتماعى بتمامها، بل تنحصر فيما يتعلق من أجزائها بنزاعهم الموضوعى ، وكذلك بما يكون مرتبطاً بنطاق الطعن من أجزاء فقرتها الثانية ارتباطاً لا يقبل التجزئة .
وحيث إن الدستور نظم بالفصل الخامس من بابه الرابع الأحكام الرئيسية التى يقوم عليها بنيان المحكمة الدستورية العليا، فأفرغها فى صورة هيئة قضائية مستقلة قائمة بذاتها، واختصها دون غيرها بمباشرة الرقابة القضائية على دستورية القوانين واللوائح، وعهد إلى المشرع بتفصيل ما ورد إجما لاً من قواعد هذه الرقابة ، وعلى الأخص ما يتعلق منها بوسائلها وإجراءاتها، وكان الأصل أن تتوخى المحكمة الدستورية العليا من خلال رقابتها هذه تقرير قيام المخالفة الدستورية أو نفيها على ضوء الوحدة العضوية للنصوص الدستورية ، بما يكفل اتساقها وتكاملها فيما بينها، وكان بحثها هذا يقتضيها ألا تقف عند النصوص الدستورية التى قال المدعى أو محكمة الموضوع بمخالفتها، بل عليها أن تستوثق من اتفاق أو تعارض النصوص المطعون عليها مع الدستور منظوراً إليه فى مجموع أحكامه، فلا تتقيد بنص منها دون غيره، بل ُتجيل بصرها فيها جميعاً، وعليها بالتالى أن تقيم المخالفة الدستورية - إذا ثبت لها صحتها - على ما يتصل بها من أحكام الدستور، ولو كانت غير التى حددها حكم الإحالة الصادر عن محكمة الموضوع.
وحيث إنه متى كان ذلك، وكان الأصل فى سلطة المشرع فى مجال تنظيم الحقوق، أنها سلطة تقديرية مالم يٌقيد الدستور ممارستها بضوابط تحد من إطلاقها، وتكون تخوماً لها لايجوز اقتحامها أو تخطيها، وكان الدستور إذ يعهد بتنظيم موضوع معين إلى السلطة التشريعية ، فإن ما تقره من القواعد القانونية بصدده، لا يجوز أن ينال من الحق محل الحماية الدستورية سواء بالنقض أو الانتقاص، ذلك أن إهدار الحقوق التى كفلها الدستور أو تهميشها، عدوان على مجالاتها الحيوية التى لا تتنفس إلا من خلالها The breathing space، بما مؤداه: أن تُباشر السلطة التشريعية اختصاصاتها التقديرية - وفيما خلا القيود التى يفرضها الدستور عليها - بعيداً عن الرقابة القضائية التى تمارسها المحكمة الدستورية العليا، فلا يجوز لها أن تزن بمعاييرها الذاتية - السياسة التى انتهجها المشرع فى موضوع معين، ولا أن تناقشها، أو تخوض فى ملائمة تطبيقها عملاً، ولا أن تنحل للنص المطعون فيه أهدافاً غير التى رمى المشرع إلى بلوغها، ولا أن تُقيم خياراتها محل عمل السلطة التشريعية ، بل يكفيها أن تمارس السلطة التشريعية اختصاصاتها تلك مستلهمه فى ذلك أغراضاً يقتضيها الصالح العام فى شأن الموضوع محل التنظيم التشريعى ، وأن تكون وسائلها إلى تحقيق الأغراض التى حددتها، مرتبطة عقلاً بها.
وحيث إن البين من أحكام الدستور- بما يحقق تكاملها ويكفل عدم إنعزال بعضها عن بعض فى إطار الوحدة العضوية التى تجمعها، وتصون ترابطها- أنه فى مجال حق العمل والتأمين الاجتماعى ، كفل الدستور -بنص مادته الثالثة عشر- أمرين:
أولهما: أن العمل ليس ترفاً يمكن النزول عنه. ولا هو منحة من الدولة تبسطها أو تقبضها وفق مشيئتها لتحدد على ضوئها من يتمتعون بها أو يمنعون منها. ولا هو إكراه للعامل على عمل لايقبل عليه باختياره، أو يقع التمييز فيه بينه وبين غيره من المواطنين لاعتبار لا يتعلق بقيمة العمل وغير ذلك من شروطه الموضوعية . ذلك أن الفقرة الأولى من المادة (13) من الدستور تنظم العمل بوصفه حقاً لكل مواطن لا يجوز إهداره أو تقييده بما يعطل جوهره، وواجباً يلتزم بمسئوليته والنهوض بتبعاته، وشرفاً يرنو إليه. وهو باعتباره كذلك، ولأهميته فى تقدم الجماعة وإشباع احتياجاتها، ولصلته الوثيقة بالحق فى التنمية بمختلف جوانبها، ولضمان تحقيق الإنسان لذاته، ولحرياته الأساسية ، وكذلك لإعمال ما يتكامل معها من الحقوق، توليه الدولة اهتمامها، وتزيل العوائق من طريقه وفقاً لإمكاناتها، وبوجه خاص إذا امتاز العامل فى أدائه وقام بتطويره.
ولا يجوز بالتالى أن يتدخل المشرع ليعطل حق العمل، ولا أن يتذرع اعتسافاً بضرورة صون أخلاق العامل أو سلامته أو صحته، للتعديل فى شروط العمل، بل يتعين أن يكون تنظيم هذا الحق غير مناقض لجوهره، وفى الحدود التى يكون فيها هذا التنظيم منصفاً ومبرراً. ثانيهما: أن الأصل فى العمل أن يكون إرادياً قائماً على الاختيار الحر، ذلك أن علائق العمل قوامها شراء الجهة التى تقوم باستخدام العامل لقوة العمل بعد عرضها عليها. فلا يحمل المواطن على العمل حملاً بأن يدفع إليه قسراً، أو يفرض عليه عنوة ، إلا أن يكون ذلك وفقاً للقانون -وبوصفه تدبيراً استثنائياً لإشباع غرض عام -وبمقابل عادل. وهى شروط تطلبها الدستور فى العمل الإلزامى ، وقيد المشرع بمراعاتها فى مجال تنظيمه كى لا يتخذ شكلاً من أشكال السخرة المنافية فى جوهرها للحق فى العمل باعتباره شرفاً، والمجافية للمادة (13) من الدستور بفقرتيها.
وحيث إنه متى كان ذلك، وكان اقتضاء الأجر العادل مشروطاً بالفقرة الثانية من المادة (13) من الدستور كمقابل لعمل تحمل الدولة مواطنيها عليه قسراً استيفاءً من جانبها لدواعى الخدمة العامة ونزولاً على مقتضياتها، فإن الوفاء بهذا الأجر توكيداً للعدل الاجتماعى ، وإعلاءً لقدر الإنسان وقيمته، وإعترافاً بشخصيته المتنامية وما يتصل بها من الحقوق الاجتماعية والاقتصادية ، يكون بالضرورة إلتزاماً أحق بالحماية الدستورية وأكفل لموجباتها كلما كان مقابلاً لعمل تم أداؤه فى نطاق رابطة عقدية أو علاقة تنظيمية ارتبط طرفاها بها، وتحدد الأجر من خلالها، وذلك إنطلاقاً من ضرورة التمكين للقيم الأصيلة الخلقية والاجتماعية التى يلتزم المجتمع بالتحلى بها، والتماس الطرق إليها، والعمل على إرسائها على ما تقضى به المادة (12) من الدستور، ونزولاً على حقيقة أن الأجر وفرص العمل وربطهما معا بالإنتاجية ، تمثل جميعها ملامح أساسية لخطة التنمية الشاملة التى تنظم اقتصاد الدولة ، وتتوخى زيادة الدخل القومى ، وتضمن عدالة توزيعه وفقاً لحكم المادة (23) من الدستور، ولأن الأجر -مٌحدداً وفق شروط مرضية - ضمانة جوهرية لإسهام المواطن فى الحياة العامة بمختلف صورها، وهو إسهام غدا واجباً وطنياً طبقاً لنص المادة (62) من الدستور.
حيث إن الدستور إذ عهد بنص المادة (122) منه إلى المشرع بصوغ القواعد القانونية التى تتقرر بموجبها على خزانة الدولة ، مرتبات المواطنين ومعاشاتهم وتعويضاتهم وإعاناتهم ومكافآتهم على أن ينظم أحوال الاستثناء منها، والجهات التى تتولى تطبيقها، فذلك لتهيئة الظروف التى تفى باحتياجاتهم الضرورية ، وتكفل مقوماتها الأساسية التى يتحررون بها من العوز، وينهضون معها بمسئولية حماية أسرهم والارتقاء بمعاشها، بما مؤداه: أن التنظيم التشريعى للحقوق التى كفلها المشرع فى هذا النطاق، يكون مجانباً أحكام الدستور، منافياً لمقاصده، إذا تناول هذه الحقوق بما يهدرها أو يفرغها من مضمونها.
ولازم ذلك أن الحق فى المعاش -إذا توافر أصل استحقاقه وفقاً للقانون- إنما ينهض إلتزاماً على الجهة التى تقرر عليها. وهو ما تؤكده قوانين التأمين الاجتماعى - على تعاقبها - إذ يبين منها أن المعاش الذى تتوافر بالتطبيق لأحكامها شروط اقتضائه عند انتهاء خدمة المؤمن عليه وفقاً للنظم المعمول بها، يعتبر إلتزاماً مترتباً بنص القانون فى ذمة الجهة المدنية . وإذا كان الدستور قد خطا بمادته السابعة عشرة خطوة أبعد فى اتجاه دعم التأمين الاجتماعى ، حين ناط بالدولة ، أن تكفل لمواطنيها خدماتهم التأمينية -الاجتماعية منها والصحية - بما فى ذلك تقرير معاش لمواجهة بطالتهم أو عجزهم عن العمل أو شيخوختهم فى الحدود التى يبينها القانون، فذلك لأن مظلة التأمين الاجتماعى -التى يمتد نطاقها إلى الأشخاص المشمولين بها - هى التى تكفل لكل مواطن الحد الأدنى من المعاملة الإنسانية التى لا تمتهن فيها آدميته، والتى توفر لحريته الشخصية مناخها الملائم، ولضمانة الحق فى الحياة أهم روافدها، وللحقوق التى يمليها التضامن بين أفراد الجماعة التى يعيش فى محيطها، مقوماتها، بما يؤكد انتماءه إليها. وتلك هى الأسس الجوهرية التى لا يقوم المجتمع بدونها، والتى تعتبر المادة (7) من الدستور مدخلاً إليها.
وحيث إن البين من الأوراق أن المدعين كانوا قد عينوا -بعد انتهاء خدمتهم بجهاتهم الأصلية التى استحقوا عنها قبل بلوغهم سن التقاعد، المعاش المقرر وفقاً لنظمها- بشركة الاتحاد العربى للنقل البحرى ، واستمروا خلال عملهم بها يجمعون بين أجورهم عن هذا العمل ومعاشاتهم تلك، إلى أن تقرر حرمانهم منها إعما لاً لنص الفقرة الأولى من المادة (40) من قانون التأمين الاجتماعى السالف بيانها،باعتبار أنهم عادوا -بعد استحقاقهم المعاش- للعمل فى جهة تقرر لها نظام بديل للتأمين، وكان الحق فى معاشاتهم تلك لا يعتبر منافياً للحق فى أجورهم، ولا يحول دون اجتماعهما باعتباره ما مختلفين مصدراً وسبباً، ذلك أنه بينما يعتبر نص القانون مصدراً مباشراً للحق فى معاشاتهم، فإن أجورهم مرجعها إلى قيام رابطة العمل التعاقدية ، وترتد إليها فى مصدرها المباشر. كذلك يعتبر المعاش مستحقاً عن مدد خدمتهم الأصلية بالجهات التى كانوا يعملون بها وأدوا عنها حصصهم فى التأمين الاجتماعى وفقاً للقواعد التى تقرر المعاش بموجبها وتحدد مقداره على ضوئها، وذلك خلافاً للأجور التى يستحقونها من الجهة التى عادوا للعمل بها، إذ تعتبر مقابلاً مشروعاً لعملهم فيها، وباعثاً دفعهم إلى التعاقد معها، ليكون القيام بهذا العمل سبباً لاستحقاقها، وكانت الفقرة الثانية من المادة (40) من قانون التأمين الاجتماعى ، تدل بعباراتها على أن المشرع عامل أجور المدعين باعتبارها بديلاً عن معاشاتهم، حال أن الإلتزام لا يكون بدلياً إلا إذا قام المحل البديل فيه مقام المحل الأصلى ، وهو بذلك يفترض مديناً واحداً تقرر البدل لمصلحته، إذ تبرأ ذمته إذا أداه بدل المحل الأصلى . ولا كذلك حق المدعين فى الجمع بين المعاش والأجر، ذلك أن الإلتزام بهما ليس مترتباً فى ذمة مدين واحد، ولا يقوم ثانيهما مقام أولهما، فضلاً عن اختلافهما مصدراً. ومن ثم ينحل العدوان على أيهما إلى إخلال بالملكية الخاصة التى كفل الدستور فى المادة (34) منه أصل الحق فيها، وأحاطها بالحماية اللازمة لصونها، والتى جرى قضاء المحكمة الدستورية العليا على إنصرافها إلى الحقوق الشخصية والعينية على سواء، واتساعها بالتالى للأموال بوجه عام.
وحيث إنه متى كان ما تقدم، فإن النص المطعون عليه -بالتحديد السالف البيان- يكون قد خالف أحكام المواد (7، 12، 13، 34، 62، 122) من الدستور، ومن ثم يتعين القضاء بعدم دستوريته.
وحيث إن الفقرة الثانية من المادة (40) المشار إليها تقضى بأنه إذا كان الأجر الذى سوى عليه المعاش، أو مجموع ما كان يتقاضاه من أجر فى نهاية مدة خدمته السابقة أيهما أكبر، يجاوز الأجر المستحق له عن العمل المعاد إليه، يؤدى إليه من المعاش الفرق بينهما، على أن يخفض الجزء الذى صرف من المعاش بمقدار ما يحصل عليه من زيادات فى أجره، وكانت هذه الفقرة تتناول بحكمها فئتين من أصحاب المعاش، أولاهما من عاد منهم إلى عمل يُخضعه لأحكام قانون التأمين الاجتماعى ، ثانيتهما من عاد منهم إلى عمل بإحدى الجهات التى تخرج من مجال تطبيق هذا القانون لوجود نظام تأمين بديل مقرر لها، وكان نطاق الطعن الماثل قد انحصر فى الفئة الثانية ، وكان ما يتصل من أحكام الفقرة الثانية من المادة (40) من قانون التأمين الاجتماعى بتلك الفئة التى اقتصر عليها مجال الطعن، يرتبط بأجزاء الفقرة الأولى من المادة (40) المشار إليها - والتى انتهت المحكمة على ما سلف إلى عدم دستوريتها- ارتباطاً لا يقبل التجزئة ولا يمكن فصلها عنها، فإنها تسقط تبعاً لإبطالها.
فلهذه الأسباب
حكمت المحكمة
أولاً: بعدم دستورية الفقرة الاولى من المادة (40) من قانون التأمين الاجتماعى الصادر بالقانون رقم 79 لسنة 1975 وذلك فيما نصت عليه من أنه إذا عاد صاحب المعاش إلى عمل بإحدى الجهات التى خرجت من مجال تطبيق قانون التأمين الاجتماعى لوجود نظام بديل مقرر وفقاً للقانون، يوقف صرف معاشه اعتباراً من أول الشهر التالى وذلك حتى تاريخ انتهاء خدمته بالجهات المشار إليها، أو بلوغه السن المنصوص عليها بالبند (1) من المادة (18) أيهما أسبق.
ثانياً: بسقوط ما يتصل بها من أحكام الفقرة الثانية من المادة (40) من قانون التأمين الاجتماعى .