الدعوى 164 لسنة 19 - دستورية - المحكمة الدستورية العليا - مرفوعة علنية رقم 164 لسنة 19 بتاريخ 03/07/1999

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
باسم الشعب

المحكمة الدستورية العليا
بالجلسة العلنية المنعقدة يوم السبت 3 يوليو سنة 1999 الموافق 19 ربيع الأول سنة 1420هــ .
برئاسة السيد المستشار/ محمد ولى الدين جلال رئيس المحكمة
وعضوية السادة المستشارين: ماهر البحيرى ومحمد على سيف الدين وعدلي محمود منصور ومحمد عبد القادر عبد الله وعلى عوض محمد صالح وأنور العاصى .
وحضور السيد المستشار / عبد الوهاب عبد الرازق رئيس هيئة المفوضين
وحضور السيد / حمدى أنور صابر أمين السر
أصدرت الحكم الآتى

فى القضية المقيدة بجدول المحكمة الدستورية العليا برقم 164 لسنة 19 قضائية دستورية .
المقامة من
السيد / ...............................
ضد
1- السيد / رئيس الجمهورية
2- السيد / رئيس مجلس الوزراء
3- السيد / رئيس اللجنة التشريعية بمجلس الشعب
4- السيد / وزير العدل
5- السيدة / ...............................
6- السيدة / ...............................
7- السيدة / ...............................
8- السيدة / ...............................
9- السيد / ...............................
الإجراءات 
بتاريخ التاسع عشر من أغسطس سنة 1997، أودع المدعى صحيفة هذه الدعوى قلم كتاب المحكمة ، طلباً للحكم بعدم دستورية نص الفقرتين الأولى والخامسة من المادة (20) من المرسوم بقانون رقم 25 لسنة 1929الخاص ببعض أحكام الأحوال الشخصية المعدل بالقانون رقم 100 لسنة 1985.
وقدمت هيئة قضايا الدولة مذكرة طلبت فى ختامها الحكم بعدم قبول الطعن بالنسبة إلى الفقرة الأولى من المادة (20) المشار إليها وبرفض الدعوى فيما عدا ذلك.
وبعد تحضير الدعوى ، أودعت هيئة المفوضين تقريراً برأيها.
ونُظرت الدعوى على النحو المبين بمحضر الجلسة ، وقررت المحكمة إصدار الحكم فيها بجلسة اليوم.
المحكمة 
بعد الاطلاع على الأوراق، والمداولة .
حيث إن الوقائع- على ما يبين من صحيفة الدعوى وسائر الأوراق- تتحصل فى أن المدعى عليها الخامسة كانت قد أقامت ضد كل من المدعى والمدعى عليه التاسع الدعوى رقم 1874 لسنة 1996 أحوال شخصية نفس شبرا، ابتغاء القضاء بإلزام
هما بتسليمها ابن ابنتها الصغير المشمول بحضانتهما باعتباره ابن أخيهما المتوفى . وأثناء نظر تلك الدعوى دفع المدعى بعدم دستورية نص المادة (20) من المرسوم بقانون رقم 25 لسنة 1929 الخاص ببعض أحكام الأحوال الشخصية المعدل بالقانون رقم 100 لسنة 1985 بتعديل بعض أحكام قوانين الأحوال الشخصية . وإذ قدرت محكمة الموضوع جدية الدفع؛ وأذنت للمدعى بإقامة الدعوى الدستورية ، فقد أقام الدعوى الماثلة .
وحيث إن هذه المحكمة سبق أن باشرت رقابتها القضائية على دستورية الفقرة الأولى من المادة (20) من المرسوم بقانون رقم 25 لسنة 1929- المشار إليها- فأصدرت بجلستها المعقودة فى الخامس عشر من مايو سنة 1993حكمها فى القضية رقم 7 لسنة 8 قضائية دستورية برفض الدعوى بالنسبة إلى الطعن بعدم دستورية هذا النص. وقد نشر ذلك الحكم بالجريدة الرسمية بتاريخ 5/6/1993. إذ كان ذلك، وكانت أحكام المحكمة الدستورية العليا قولاً فصلاً لايقبل تأويلاً ولا تعقيباً من أى جهة كانت، فإن الخصومة الدستورية بالنسبة لذلك النص- وهى عينية بطبيعتها- تكون قد انحسمت وتغدو الدعوى - فى هذا الشق منها- غير مقبولة .
وحيث إن نطاق الدعوى - بهذه المثابة - أصبح من حصراً فى الفقرة الخامسة من المادة (20) التى تنص على أن :
يثبت الحق فى الحضانة للأم، ثم للمحارم من النساء؛ مقدماً فيه من يدلى بالأم على من يدلى بالأب، ومعتبراً فيه الأقرب من الجهتين على الترتيب التالى :
الأم، فأم الأم وإن علت، فأم الأب وإن علت.... فعمات الأب بالترتيب المذكور.
وحيث إن المدعى ينعى على هذا النص، مخالفته لمبادئ الشريعة الإسلامية ؛ التى تعتبر الحضانة حقاً للمحضون لا للحاضنة ؛ وأنه ينبغى فى كل حال الاعتداد بمصلحته دون توقف عند ترتيب مجرد للحاضنات أو الحاضنين؛ وإنما بمراعاة أمانتهم وكفاءتهم؛ حتى لاتؤول الحضانة إلى مضيعة للصغير.
وحيث إن قضاء هذه المحكمة ، قد اطرد على أن حكم المادة الثانية من الدستور- بعد تعديلها فى 22 مايو سنة 1980- يقيد السلطة التشريعية اعتباراً من تاريخ العمل بهذا التعديل؛ وأن مؤداه: ألا تناقض تشريعاتها- ومن بينها القانون رقم 100 لسنة 1985- مبادئ الشريعة الإسلامية التى لا يجوز الاجتهاد فيها؛ والتى تمثل ثوابتها- مصدراً وتأويلاً- إذ هى عصية على التأويل فلا يجوز تحريفها، بل يتعين رد النصوص القانونية إليها للفصل فى تقرير اتفاقها أو مخالفتها للدستور. ولا كذلك الأحكام الظنية غير المقطوع بثبوتها أو بدلالتها، أو بهما معاً؛ إذ هى بطبيعتها متطورة تتغير بتغير الزمان والم كان، لضمان مرونتها وحيويتها، ولمواجهة النوازل على اختلافها، تنظيماً لشئون العباد بما يكفل مصالحهم المعتبرة شرعاً؛ ولا يعطل بالتالى حركتهم فى الحياة ، ومن ثم تنحصر دائرة الاجتهاد فيها على أن يكون هذا الاجتهاد واقعاً دوماً فى إطار الأصول الكلية للشريعة بما لا يجاوزها، ملتزماً ضوابطها الثابتة ، متحرياً مناهج الاستدلال على الأحكام العملية ، والقواعد الضابطة لفروعها، كافلاً صون المقاصد الكلية للشريعة بما تقوم عليه من حفاظ على الدين والنفس والعقل والعرض والمال.
وحيث إن البيّن من المذكرة الإيضاحية للقانون رقم 100 لسنة 1985 المشار إليه أن وجود الولد ذكراً كان أم أنثى فى يد الحاضنة - سواء قبل بلوغهما سن العاشرة أو الثانية عشرة أو بعدها- لا يغل يد والدهما عنه ما ولا يحد من ولايته الشرعية عليهما؛ فإن عليه مراعاة أحوالهما، وتدبير أمورهما، وولايته عليهما كاملة ؛ وإنما يد الحاضنة للحفظ والتربية ولها القيام بالضروريات التى لا تحتمل التأخير كالعلاج والإلحاق بالمدارس بمراعاة إمكانات الأب. وأن ترتيب الحاضنات والحاضنين من العصبة وذوى الأرحام مأخوذ من فقه المذهب الحنفى ، بما مؤداه: أن أحكام الأهلية للحضانة - بوجه عام- يرجع فى شأنها إلى الأرجح من فقه ذلك المذهب.
وحيث إن الصغير تثبت عليه منذ مولده ثلاث ولايات، أولاها: ولاية التربية ؛ ثانيتها: الولاية على النفس؛ وثالثتها: الولاية على ما له. وتثبت الولايتان الأخيرتان- كأصل عام- للعصبة من الرجال. أما ولاية التربية ، وهى الحضانة ، فغايتها- وعلى ماجرى به قضاء هذه المحكمة - الاهتمام بالصغير وضمان رعايته والقيام على شئونه فى الفترة الأولى من حياته التى لايستغنى فيها عن النساء ممن لهن الحق فى تربيته شرعاً. والأصل فيها هو مصلحة الصغير؛ وهى تتحقق بأن تضمه الحاضنة إلى جناحها باعتبارها أحفظ عليه وأحرص على توجيهه، وأقدر على صيانته؛ ولأن انتزاعه منها- وهى أشفق عليه وأوفر صبراً- مضرة به إبان هذه الفترة الدقيقة التى لا يستقل فيها بأموره. وقد وردت الآثار الصحاح بأن النساء أحق بالحضانة فى هذا الدور من حياة الصغير؛ فقد روى أن امرأة احتكمت إلى النبى صلى الله عليه وسلم فى شأن حضانة صغيرها وقد أراد أبوه- مطلقها- أن ينزعه منها فقال لها الرسول الكريم: أنت أحق به؛ فلزم من ذلك أن تكون الحضانة للمحارم من النساء أولاً؛ وأن تقدم قرابة الأم منهن على قرابة الأب؛ وهو ما توخاه النص المطعون فيه.
وحيث إنه ليس ثمة نص قطعى يقرر حكماً فاصلاً فى شأن ترتيب الحاضنات- بعد الأم- فيما بينهن؛ ومن ثم يكون باب الاجتهاد فى هذا النطاق- عن طريق الأدلة الشرعية النقلية والعقلية - مفتوحاً، فلا يصد اجتهاد اجتهاداً أو يكتسب عصمة من دونه؛ ولايقابل اجتهاد على صعيد المسائل التى تنظم الأسرة بغيره إلا على ضوء أوضاعها وأعرافها، بما لا يناقض شريعة الله ومنهاجه. وقد جاء بالأثر أن عمر بن الخطاب رضى الله عنه، وجدة ابنه عاصم - أم أمه- تنازعا بين يدى الخليفه أبى بكر الصديق رضى الله عنه على حضانته فأعطاه إياها، وقال للفاروق: ريحها ومسها ومسحها وريقها خير له من الشهد عندك . ولم ينكر عليه أحد من الصحابة ذلك. أما الفقهاء أصحاب المذاهب فقد اتفقوا على أن أم الأم- التى تدلى إليها مباشرة - تلى الأم فى ترتيب الحاضنات. فقد قال الحنابلة بثبوت الحضانة للأم ثم أمها ثم أم أمها وهكذا ثم الأب ثم أمهاته. والشافعية على أنه إذا اجتمع الذكور مع الأناث فتقدم الأم على الأب ثم أم الأم وإن علت بشرط أن تكون وارثة ثم بعدهن الأب ثم أمه ثم أم أمه وإن علت إذا كانت وارثة . ويرى الحنفية - ومعهم المالكية - أن أحق الناس بحضانة الصغير بعد أمه أمها وإن علت. وإذ كان هذا هو ما نحاه النص الطعين؛ بما ارتآه محققا مصلحة الصغير- وعليها مدار الحضانة - مستلهماً بذلك مقاصد الشريعة الكلية ، دائراً فى فلك الأصول العامة لها؛ فإن النعى عليه بمخالفته للمادة الثانية من الدستور يكون حرياً بالرفض.
فلهذه الأسباب
حكمت المحكمة برفض الدعوى ، وبمصادرة الكفالة ، وألزمت المدعى المصروفات، ومبلغ مائة جنيه مقابل أتعاب المحاماة .