الدعوى 17 لسنة 14 - دستورية - المحكمة الدستورية العليا - مرفوعة علنية رقم 17 لسنة 14 بتاريخ 14/01/1995

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

باسم الشعب

 

المحكمة الدستورية العليا

بالجلسة العلنية المنعقدة فى يوم السبت 14 يناير سنة 1995 الموافق 13 شعبان 1415هـ .

برئاسة السيد المستشار الدكتور/ عوض محمد عوض المر رئيس المحكمة

وحضور السادة المستشارين: الدكتور/ محمد إبراهيم أبو العينين وفاروق عبد الرحيم غنيم وعبد الرحمن نصير وسامى فرج يوسف والدكتور/ عبد المجيد فياض ومحمد على سيف الدين اعضاء

وحضور السيد المستشار الدكتور/ حنفى على جبالى رئيس هيئة المفوضين

وحضور السيد/ رأفت محمد عبد الواحد أمين السر

أصدرت الحكم الآتى

 

فى القضية المقيدة بجدول المحكمة الدستورية العليا برقم 17 لسنة 14 قضائية دستورية

المقامة من

السيد / ....................

ضد

- السيد / رئيس مجلس إدارة شركة توزيع كهرباء البحيرة

- السيد / وزير القوى العاملة

- السيد / مدير عام القوى العاملة بدمنهور

- السيد / رئيس الجمهورية

- السيد / رئيس مجلس الوزراء

الإجراءات

بتاريخ 8 يونيو سنة 1992 أودع المدعى قلم كتاب المحكمة صحيفة الدعوى الماثلة ، طالباً الحكم بعدم دستورية نصى المادة (21) من قانون شركات قطاع الأعمال العام الصادر بالقانون رقم 203 لسنة 1991، والبند السادس من المادة الثانية من القانون رقم 73 لسنة 1973بشأن تحديد شروط وإجراءات انتخاب ممثلى العمال فى مجالس إدارة وحدات القطاع العام والشركات المساهمة والجمعيات والمؤسسات الخاصة .

وقدمت هيئة قضايا الدولة مذكرة طلبت فيها الحكم برفض الدعوى .

وبعد تحضير الدعوى ، أودعت هيئة المفوضين تقريراً برأيها.

ونُظرت الدعوى على الوجه المبين بمحضر الجلسة ، وقررت المحكمة إصدار الحكم فيها بجلسة اليوم.

المحكمة

بعد الاطلاع على الأوراق، والمداولة .

حيث إن الوقائع - على مايبين من صحيفة الدعوى وسائر الأوراق- تتحصل فى أن المدعى - ويعمل مديراً عاماً للمشتريات بالشركة المدعى عليها - كان قد تقدم للترشيح لعضوية مجلس إدارتها كممثل للعاملين بها، إلا أن المدعى عليه الثالث رفض ذلك بمقولة أن هذا الترشيح محظور على شاغلى وظائف الإدارة العليا، مما حمل المدعى على أن يقيم أمام محكمة دمنهور الإبتدائية الدعوى رقم 14930 لسنة 1991 مدنى كلى ، بطلب الحكم بأحقيته فى ذلك الترشيح. وأثناء نظر هذا النزاع، دفع بعدم دستورية نص البند (ج) من المادة (21) من قانون شركات قطاع الأعمال العام الصادر بالقانون رقم 203 لسنة 1991، والبند السادس من المادة الثانية من القانون رقم 73 لسنة 1973، وإذ قدرت محكمة الموضوع جدية هذا الدفع، فقد أجلت نظر الدعوى ، وصرحت للمدعى برفع الدعوى الدستورية ، فأقامها.

وحيث إن المادة (21) من قانون شركات قطاع الأعمال العام تنص على ما يأتى مع مراعاة أحكام المادة (4) من هذا القانون، يتولى إدارة الشركة التى يملك رأس ما لها بأكمله شركة قابضة بمفردها أو بالاشتراك مع شركات قابضة أخرى أو أشخاص عامه أو بنوك القطاع العام، مجلس إداره يعين لمدة ثلاث سنوات قابلة للتجديد، ..... ويتكون مجلس الإدارة من عدد فردى من الأعضاء لا يقل عن خمسة ولا يزيد على تسعة بمن فيهم رئيس المجلس، على النحو التالى ....... (ج) عدد من الأعضاء مماثل لعدد الأعضاء ذوى الخبرة ، يتم انتخابهم من العاملين بالشركة طبقاً لأحكام القانون المنظم لذلك.

وتنص المادة الثانية من القانون رقم 73 لسنة 1973 بشأن تحديد شروط وإجراءات انتخاب ممثلى العمال فى مجالس إدارة وحدات القطاع العام، والشركات المساهمة والجمعيات والمؤسسات الخاصة ، على أنه يشترط فيمن يرشح لعضوية مجلس الإدارة أن تتوافر فيه عند الترشيح الشروط الآتية ........................................................................

( 6) ألا يكون من شاغلى وظائف الإدارة العليا، .......................

وحيث إن البين من كل من قانون شركات قطاع الأعمال العام الصادر بالقانون رقم 203 لسنة 1991، والقانون رقم 73 لسنة 1973 المشار إليهما، أن أولهما أحال إلى ثانيهما فى شأن تحديد الشروط التى يتعين توافرها فيمن ينتخب ممثلاً عن العاملين فى مجلس إدارة الوحدة الاقتصادية التى تتبع الشركة القابضة ، ومن بينها ألا يكون أحد من هؤلاء شاغلاً لوظيفة بالإدارة العليا. متى كان ذلك، وكان القانون رقم 73 لسنة 1973 معمولاً به عند نفاذ قانون شركات قطاع الأعمال العام، وكانت اللائحة التنفيذية لهذا القانون الصادرة بقرار رئيس مجلس الوزراء رقم 1590 لسنة 1991 قد نصت ترديداً من جانبها للأحكام ذاتها التى تضمنها ذلك القانون على أن ينتخب العاملون فى الشركة من بينهم أعضاء غير متفرغين بمجلس الإدارة طبقاً للقانون رقم 73 لسنة 1973 المشار إليه، فإن الأحكام المحال إليها تندمج فى قانون شركات قطاع الأعمال العام، وتشكل- بقدر اتصالها بالنزاع الموضوعى - النص التشريعى المطعون عليه بعدم الدستورية . متى كان ذلك، وكان المدعى -باعتباره شاغلاً لوظيفة بالإدارة العليا- قد حرم من الترشيح لعضوية مجلس إدارة الشركة التى يعمل بها إعمالاً للبند السادس من القانون رقم 73 لسنة 1973المحال إليه بمقتضى نص المادة (21) من قانون شركات قطاع الأعمال العام، فإن الطعن بعدم الدستورية ينحصر فيما تضمنه هذا البند - مندمجاً فى قانون شركات قطاع الأعمال العام - من حظر ترشيح شاغلى وظائف الإدارة العليا لعضوية مجلس إدارة شركة قطاع الأعمال العام.

وحيث إن الرقابة على الشرعية الدستورية تفترض دستوراً مدوناً جامداً تتصدر أحكامه القواعد القانونية الأدنى مرتبة منها وتعلوها، ذلك أن الدستور - إذا كان تقدمياً- يمثل ضمانة رئيسية لإنفاذ الإرادة الشعبية فى توجهها نحو مثلها الأعلى ، وبوجه خاص فى مجال إرسائها نظاماً للحكم لا يقوم على التسلط على مقاليد الأمور إنفراداً بها واحتكاراً لها بل يعمل على توزيع السلطة فى إطار ديموقراطى بين الأفرع المختلفة التى تباشرها بما يكفل توازنها وتبادل الرقابة فيما بينها، وكان الأصل فى الدستور - بالنصوص التى يتضمنها- أن يكون ملتزماً إرادة الجماهير، معبراً عن طموحاتها، مقرراً مسئولية القائمين بالعمل العام أمامها، مبلوراً لطاقاتها وملكاتها، كاشفاً عن الضوابط والقيود التى تحول دون اقتحام الحدود التى تؤمن فعالية حقوقها وحرياتها، رادعاً بالجزاء كل إخلال بها أو نكول عنها، وكان الدستور فوق هذا يرعى مصالح الجماعة بما يصون مقوماتها، ويكفل إنماء القيم التى ارتضتها، بالغاً من خلال ضمانها ما يكون محققاً للتضامن بين أفرادها، نابذاً إنغلاقها، مقيماً حرية الإبداع على دعائمها، فقد غدا من الحتم أن تعامل الوثيقة الدستورية بوصفها تعبيراً عن آمال متجددة ينبض واقعها بالحياة ، لتعمل من أجل تطوير مظاهرها فى بيئة بذاتها، متخذة من الخضوع للقانون إطاراً لها، ولا مناص من الرجوع إليها تغليباً لأحكامها، ولأن الشرعية الدستورية فى نطاقها هى التى تكفل ارتكازالسلطة على الإرادة العامة ، وتقوم إعوجاجها بما يعزز الأسس التى تنهض بها الجماعة ، ويمهد الطريق لتقدمها.

وحيث إن الدستور حرص على أن يفرض على السلطتين التشريعية والتنفيذية من القيود ما ارتآه كفيلاً بصون الحقوق والحريات العامة على اختلافها، ليحول دون اقتحام إحداهما المنطقة التى يحميها الحق أو الحرية بما يعطل فعالية ممارستها. ولقد كان تطوير هذه الحقوق وتلك الحريات، وإنماوئها، من خلال الجهود المتواصلة الساعية لإرساء مفاهيمها الدولية بين الأمم المتحضرة ، مطلباً أساسياً توكيداً لقيمتها الاجتماعية ، وتقديراً لدورها فى مجال إشباع المصالح الحيوية المرتبطة بها، ولردع كل محاولة للعدوان عليها.

وحيث إن الدستور قد نص فى المادة (26) منه على أن يكون للعاملين فى المشروعات حق الاشتراك فى إدارتها ونصيباً فى أرباحها، وكان المشرع قد استعاض بقانون شركات قطاع الأعمال العام الصادر بالقانون رقم 203 لسنة 1991، عن قانون هيئات القطاع العام وشركاته الصادر بالقانون رقم 97 لسنة 1983، لتحل الشركات القابضة محل هيئات القطاع العام، والشركات التابعة محل الشركات التى كانت هذه الهيئات تباشر إشرافها عليها، وكان القانون الأول قد خول مجلس إدارة الشركة التابعة -وفيما خلا ما يدخل من المسائل فى اختصاص جمعيتها العمومية - السلطة العليا التى تهيمن بها على شئونها، باعتبارها جهة الاختصاص بتصريفها، وكذلك تقرير سياستها العامة ، وتحديد الوسائل اللازمة لتحقيقها، وإدارة محفظة أوراقها المالية ، والقيام بكافة الأعمال اللازمة لتصحيح هياكلها التمويلية إلى غير ذلك مما يتصل بأغراضها، وكان الدستور من خلال ضمان حق العاملين فى الإسهام فى إدارة الوحدة الاقتصادية التى ينتمون إليها، قد كفل حقهم فى الاجتماع داخل مجلس إدارتها، باعتباره تنظيماً يتبادلون فيه الآراء مع غيرهم من أعضاء المجلس حول مختلف شئونها، بما فى ذلك تقييم ممارساتها، وانتقاد رؤسائهم وقياداتهم، إرساء للديموقراطية ، وتثبيتاً لأسسها التى لا تكتمل دعائمها بغير حق الاقتراع تُباشره القاعدة الأعرض من العاملين، التى تمنح ثقتها لعدد من بينهم تراه أكثر تعبيراً عن مصالحها، وأصلب عوداً فى الدفاع عنها. إذ كان ماتقدم، فإن الفصل فى دستورية النص المطعون عليه، يتحدد على ضوء أحكام المواد (26، 40، 47، 54، 55، 62) من الدستور، ذلك أن الإخلال بأيها عدوان عليها، واقتحام لمجالاتها الحيويه التى لا تقوم إلا بها.

وحيث إن الفقرة الأولى من المادة (26) من الدستور تنص على أن للعاملين نصيباً فى إدارة المشروعات وفى أرباحها، ويلتزمون بتنمية الإنتاج و تنفيذ الخطة فى وحداتهم الإنتاجية وفقاً للقانون... كما تنص فقرتها الثانية على أن يكون تمثيل العمال فى مجالس إدارة وحدات القطاع العام فى حدود خمسين فى المائة من عدد أعضاء هذه المجالس......

وحيث إن هيئة قضايا الدولة ذهبت إلى القول بأن الفقرة الثانية من المادة (26) المشار إليها تُخصص بحكمها نص فقرتها الأولى ، وتُورد قيداً عليها، مؤداه: أن العاملين فى الوحدة الاقتصادية لا يملكون جميعهم حق التمثيل فى مجلس إدارتها، وإنما يقتصر هذا الحق على فئة من بينهم هم الذين يصدق عليهم مصطلح العمال وهو أضيق نطاقاً من مصطلحالعاملين، ويقابل فى الوحدة الاقتصادية الإنتاجية موظفيها الإداريين.

وحيث إن هذا الدفاع مردود أولاً: بما استقر عليه قضاء المحكمة الدستورية العليا من أن الأصل فى عبارة النص هو أن تحمل على عمومها مالم يقم دليل على تخصيصها، فإذا خصص العام بغير دليل، كان ذلك تأويلاً غير مقبول، وكان عموم عبارة النص يفيد استغراقها لكل أفرادها، واشتما لها بالتالى على المخاطبين بها، فلا تختص فئة من بينهم بحكمها، وكان عموم العبارة التى أفرغ الدستور فيها نص الفقرة الأولى من المادة (26) منه، مؤداه: إنصرافها إلى كل مشروع اقتصادى عام أياً كانت الأغراض التى يتوخاها، وإنسحابها إلى من يعملون فيه دون تخصيص أياً كان موقعهم أو درجتهم الوظيفية ، فإن هذه الفقرة تدل بخطابها على اتساعها لكل العاملين فى هذا المشروع. يؤيد ذلك أن الدستور قابل الحقوق التى كفلها لهؤلاء العاملين، بواجباتهم فى مجال الإسهام فى تنفيذ الخطة الاقتصادية والاجتماعية داخل وحداتهم الإنتاجية ، وتنمية الإنتاج فيها. وجميعها واجبات لا تنحصر مسئولية الاضطلاع بها فى فئة من العاملين دون أخرى .

ومردود ثانياً: بأن الأصل فى النصوص القانونية هو ألا تحمل على غير مقاصدها، وألا تفسر عباراتها بما يخرجها عن معناها أو يفصلها عن سياقها أو يعتبر تشويها لها. ولو صح القول بأن الفقرة الأولى من المادة (26) من الدستور مقصورحكمها على فئة من العاملين، هم العمال الذين لا يشغلون فى وحداتهم وظيفة من وظائف الإدارة العليا، لحُِرم من يتولون هذه الوظائف من نصيبهم فى الأرباح، وهو مالم يقل به أحد. ولا يتصور أن يكون الدستور قد قصد إليه. يؤيد ذلك أن استقراءالقوانين المتعاقبة التى نظم بها المشرع شئون العاملين بالقطاع العام، يدل على تعلقها بمن يعملون فى وحداته الاقتصادية دون تمييز بين أوضاعهم الوظيفية .

ومردود ثالثاً: بأن الدستور قرر بالفقرة الأولى من المادة (26) منه، مبدأ عاماً كفل به للعاملين فى تلك المشروعات حقاً فى إدارتها وفى أرباحها. ولا يتصور- وقد جرى هذا المبدأ على اطلاق لا تقييد فيه -أن تكون فقرتها الثانية قيداً عليه.

ومردود رابعاً: بأن الدستور، إذ نص فى المواد (86، 162، 196) منه على أن يكون النصف على الأقل من الأعضاء المنتخبين فى مجلس الشعب، أو فى المجالس الشعبية المحلية ، أو فى مجلس الشورى من العمال والفلاحين، فقد قصد بذلك أن يكفل لفئتين - قَدَّرضعفهما فى البنيان الاجتماعى - الحد الأدنى من الحقوق التى تصورضرورتها لتأمين مصالحها فى المجالس ذات الصفة التمثيلية . ومن ثم كان منطقياً أن يفوض الدستور المشرع فى بيان الشروط التى يحدد بها من يعتبر وفقاً لأحكامها عاملاً أو فلاحاً. ولا كذلك نص المادة (26) من الدستور التى خلت من تفويض المشرع فى شأن بيان نطاق تطبيقها، بما مؤداه: أن المقصود بالعاملين المشار إليهم فيها، هم هؤلاء الذين يباشرون عملاً دائماً فى مشروع عام من خلال الوظيفة التى يشغلونها فيه، وذلك أياً كانت طبيعة عملهم أو الأهمية التى بلغها. يؤيد ذلك أن ما قصد إليه الدستور بنص المادة (26) منه، هو أن يكفل للعاملين فى وحداتهم الإنتاجية دوراً ملحوظاً فى إدارتها، مع الحصول على حصة فى أرباحها، متوخياً بذلك حفزهم على تنمية إنتاجها. ولا يتصور أن يكون استبعاد من يشغلون وظيفة بإدارتها العليا من مجال إعمال هذين الحقين أو أحدهما، لازماً لاستيفاء التنمية لمتطلباتها.

ومردود خامساً: بأن العاملين فى وحداتهم الإنتاجية يملكون جميعهم وفقاً للدستور حق الاقتراع لاختيار من يمثلونهم ويدافعون عن مصالحهم فى مجالس إدارتها، ومن غير المفهوم أن يقف الدستور من حقهم فى الترشيح لهذه المجالس موقفاً مختلفاً بأن يمنعهم منه إذا كانوا شاغلين لوظيفة بعينها فى وحدتهم الإنتاجية ، حال أن المركز الأعلى لوظيفة بعينها منبت الصلة بالشروط الموضوعية التى يتطلبها التمثيل فى مجلس إدارتها.

ومردود سادساً: بأن كلمة العمال التى تضمنتها الفقرة الثانية من المادة (26) من الدستور، قد وردت دون تحديد لمضمونها. ولو كان الدستور قد قصد أن يكون معناها منصرفاً لغير العاملين المشار إليهم بفقرتها الأولى ، لأحال تعريفاً بها وتجلية لمحتواها إلى أداة أدنى .

ومردود سابعاً: بأن ما نصت عليه الفقرة الثانية من المادة (26) من الدستور من أن يكون تمثيل العمال فى مجالس إدارة وحدات القطاع العام فى حدود 50% من عدد أعضاء هذه المجالس، يفيد بالضرورة انصرافها إلى من يعملون فى شركات تملك الدولة رأس ما لها بأكمله أو غالبية أسهمها. وإذ كانت القوانين التى نظم بها المشرع أوضاع العاملين فيها، لا تقيم -فى مجال علاقة العمل التى تربطهم بها- تمييزاً بين فئاتهم، بل كان خطابها قاطعاً فى أن كل من يقوم بعمل دائم فيها لقاء أجر، يعد عاملاً بها ولو تدرج فى مناصبها إلى أعلاها، فإن الفقرة الثانية من المادة (26) من الدستور يتعين حملها على فقرتها الأولى -فى مجال كفالتها لحق العاملين فى الإسهام فى إدارة الوحدة الاقتصادية - باعتباره ما مترابطتين.

وحيث إن ضمان الدستور بنص المادة (47) منه لحرية التعبير عن الآراء والتمكين من عرضها ونشرها سواء بالقول أو بالتصوير أو بطباعتها أو بتدوينها وغير ذلك من وسائل التعبير، قد تقرر بوصفها الحرية الأصل التى لا يتم الحوار المفتوح إلا فى نطاقها، وبدونها تفقد حرية الاجتماع مغزاها، ولا تكون لها من فائدة ، وبها يكون الأفراد أحراراً لا يتهيبون موقفاً، ولا يترددون وجلاً، ولا ينتصفون لغير الحق طريقاً.

وحيث إن ما توخاه الدستور من خلال ضمان حرية التعبير، هو أن يكون إلتماس الآراء والأفكار، وتلقيها عن الغير ونقلها إليه، غير مقيد بالحدود الإقليمية على اختلافها ولا من حصراً فى مصادر بذواتها تعد من قنواتها، بل قصد أن تترامى آفاقها، وأن تتعدد مواردها وأدواتها، وان تنفتح مسالكها، وتفيض منابعهاfree trade in ideas))( Marketplace of ideas)، لا يحول دون ذلك قيد يكون عاصفاً بها، مقتحماً دروبها، ذلك أن لحرية التعبير أهدافا لا تريم عنها، ولا يتصور أن تسعى لسواها، هى أن يظهر من خلالها ضوء الحقيقة جلياً، فلا يُداخل الباطل بعض عناصرها، ولا يعتريها بهتان ينال من مُحتواها. ولا يتصور أن يتم ذلك إلا من خلال اتصال الآراء وتفاعلها ومقابلتها ببعض، وقوفاً على ما يكون منها زائفاً أو صائباً، منطوياً على مخاطرواضحة ، أومحققاً لمصلحة مبتغاه. ولازم ذلك أن الدستور لا يرمى من وراء ضمان حرية التعبير، أن تكون مدخلاً إلى توافق عام، بل تغيا بضمانها، أن يكون كافلاً لتعدد الآراء plurality of opinions وإرسائها على قاعدة من حيدة المعلومات neutrality of information ليكون ضوء الحقيقة مناراً لكل عمل، ومحدداً لكل اتجاه.

وحيث إن الدستور بعد أن أرسى القاعدة العامة التى تقوم عليها حرية التعبير بنص المادة (47)، حرص على أن يزاوجها ويكملها بإحدى صورها الأكثر أهمية والأبلغ أثراً، فكفل للصحافة حريتها كأصل عام ليحول دون التدخل فى شئونها من خلال القيود التى ترهق رسالتها، أو تعطل خدماتها فى بناء مجتمعاتها وتطويرها، وليؤمن من خلالها أفضل الفرص التى تكفل تدفق الأنباء والآراء والأفكار ونقلها إلى القطاع الأعرض من الجماهير، وبوجه خاص بنشر كل مطبوع يكون من أدواتها a vehicle of information and opinion، ولئن كان الدستور قد أجاز فرض رقابة محدودة عليها، فذلك فى الأحوال الاستثنائية ، ولمواجهة تلك المخاطر الداهمة التى حددتها المادة (48) من الدستور.

وقد عزز الدستور حرية التعبير، بتلك التى يقتضيها إجراء البحوث العلمية وإنماؤها على تباين مناهجها وأن ماطها، باعتبار أن هذه البحوث وإن كان أصلها جهداً فردياً، إلا أن قيمتها لا تكمن فى إطرائها، ولكن فيما يمكن أن يكون انتقاداً لنتائجها، وتصويباً لأخطائها. ثم قرن الدستور هاتين الحريتين بالإبداع فنياً وأدبياً وثقافياً، توكيداً لقيم الحق والخير والجمال ودون إخلال بوسائل تشجيعها، وأكمل حلقاتها حين خول كل فرد -بنص المادة (63) -أن يتقدم بظلاماته إلى السلطات العامة التى يكون بيدها رد ما وقع عليه من الأعمال الجائرة ، والتعويض عن آثارها، على أساس من الحق والعدل.

وحيث إن حريه التعبير التى تؤمنها المادة (47) من الدستور، أبلغ ما تكون أثراً فى مجال اتصالها بالشئون العامة ، وعرض أوضاعها تبياناً لنواحى التقصير فيها، وتقويماً لإعوجاجها، وكان حق الفرد فى التعبير عن الآراء التى يريد إعلانها، ليس معلقاً على صحتها، ولا مرتبطاً بتمشيها مع الاتجاه العام فى بيئة بذاتها، ولا بالفائدة العملية التى يمكن أن تنتجها. وإنما أراد الدستور بضمان حرية التعبير أن تهيمن مفاهيمها على مظاهر الحياه فى أعماق منابتها، بما يحول بين السلطة العامة وفرض وصايتها على العقل العام Public mind، فلا تكون معاييرها مرجعاً لتقييم الآراء التى تتصل بتكوينه، ولا عائقاً دون تدفقها.

وحيث إن من المقرر كذلك أن حرية التعبير، وتفاعل الآراء التى تتولد عنها، لايجوز تقييدها بأغلال تعوق ممارستها سواء من ناحية فرض قيود مسبقه على نشرها، أو من ناحية العقوبة اللا حقة التى تتوخى قمعها. بل يتعين أن ينقل المواطنون من خلالها –وعلانية - تلك الأفكار التى تجول فى عقولهم، فلا يتهامسون بها نجياً، بل يطرحونها عزماً -ولو عارضتها السلطة العامة - إحداثاً من جانبهم وبالوسائل السلمية لتغيير قد يكون مطلوباً. فالحقائق لا يجوز إخفاؤها، ومن غيرالمتصور أن يكون النفاذ إليها ممكناً فى غيبة حرية التعبير. كذلك فإن الذين يعتصمون بنص المادة (47) من الدستور، لا يملكون مجرد الدفاع عن القضايا التى يؤمنون بها، بل كذلك اختيار الوسائل التى يقدرون مناسبتها وفعاليتها سواء فى مجال عرضها أو نشرها، ولو كان بوسعهم إحلال غيرها من البدائل لترويجها. ولعل أكثر مايهدد حرية التعبير أن يكون الإيمان بها شكلياً أو سلبياً، بل يتعين أن يكون الإصرار عليها قبولاً بتبعاتها، وألا يفرض أحد على غيره صمتاً ولو بقوة القانون.enforced silence ذلك أن عدوان الدولة عليها بما يعطلها أو يقلصها، يولد الفزع منها، ولن يثير بطشها إلا الإعراض عنها. واقتحامها لها يباعد بينها وبين مواطنيها وقد يُغريهم بعصيانها، ولا يعدو أن يكون إهداراً لسلطان العقل، وتغييباً ليقظة الضمير.

وحيث إنه متى كان ماتقدم، تعين القول بأن حرية التعبير التى كفلها الدستور هى القاعدة فى كل تنظيم ديموقراطى ، لا يقوم إلا بها، ذلك أن أهم ما يميز الوثيقة الدستورية ويحدد ملامحها الرئيسية ، هو أن الحكومة خاضعة لمواطنيها ولا يفرضها إلا الناخبون. وكلما أعاق القائمون بالعمل العام أبعاد هذه الحريه، كان ذلك من جانبهم هدماً للديموقراطيه فى محتواها المقرر دستورياً، وإنكاراً لحقيقة أن حرية التعبير لا يجوز فصلها عن أدواتها، وأن وسائل مباشرتها يجب ان ترتبط بغاياتها، فلا يعطل مضمونها أحد، ولا يناقض الأغراض المقصوده من إرسائها.

وما الحق فى الرقابة الشعبية النابعة من يقظة المواطنين المعنيين بالشئون العامة ، الحريصين على متابعة جوانبها، وتقرير موقفهم من سلبياتها، إلا فرعاً من حرية التعبير، ونتاجاً لها.

وحيث إن الحق فى التجمع بما يقوم عليه من انضمام عدد من الأشخاص إلى بعضهم لتبادل وجهات النظر فى شأن المسائل التى تعنيهم من الحقوق التى كفلتها المادتان (54، 55) من الدستور، وذلك سواء نظرنا إليه باعتباره حقاً مستقلاً عن غيره من الحقوق، أم على تقدير أن حرية التعبير تشتمل عليه باعتباره كافلاً لأهم قنواتها، محققاً من خلالها أهدافها.

وحيث إن هذا الحق وسواء أكان حقاً أصيلاً أم تابعاً أكثر ما يكون اتصالاً بحرية عرض الآراء وتداولها كلما أقام أشخاص يؤيدون موقفاً أواتجاهاً معيناً، تجمعاً منظماً ordereda ssemblage يحتويهم، يوظفون فيه خبراتهم ويطرحون آما لهم، ويعرضون فيه كذلك لمصاعبهم ويتناولون بالحوار ما يؤرقهم، ليكون هذا التجمع نافذه يطلون منها على ما يعتمل فى نفوسهم، وصورة حية لشكل من أشكال التفكير الجماعى collective thinking، وكان تكوين بنيان كل تجمع- وسواء أكان الغرض منه سياسياً أو نقابياً أم مهنياً- لا يعدو أن يكون عملاً اختيارياً لا يساق الداخلون فيه سوقاً، ولا يمنعون من الخروج منه قهراً. وهو فى محتواه لا يتمحض عن مجرد الاجتماع بين أشخاص متباعدين ينعزلون عن بعضهم البعض، بل يرمى بالوسائل السلمية إلى أن يكون إطاراً يضمهم، ويعبرون فيه عن مواقفهم وتوجهاتهم. ومن ثم كان هذا الحق متداخلاً مع حرية التعبير؛ ومكوناً لأحد عناصر الحرية الشخصية التى لا يجوز تقييدها بغير اتباع الوسائل الموضوعية والإجرائية التى يتطلبها الدستور أو يكفلها القانون؛ واقعاً عند البعض فى نطاق الحدود التى يفرضها صون خواص حياتهم وأعماق حرمتها بما يحول دون اقتحام أغوارها أو تعقبها لغير مصلحة جوهرية لها معينها؛ لازماً اقتضاء ولو لم يرد بشأنه نص فى الدستور؛ كافلاً للحقوق التى أحصاها ضماناتها، محققاً فعالياتها؛ سابقاً على وجود الدساتير ذاتها؛ مرتبطاً بالمدنية فى مختلف مراحل تطورها؛ كامناً فى النفس البشرية تدعو إليه فطرتها؛ وهو فوق هذا من الحقوق التى لا يجوز النزول عنها.

بل إن حرية التعبير ذاتها تفقد قيمتها إذا جحد المشرع حق من يلوذون بها فى الاجتماع المنظم، وحجب بذلك تبادل الآراء فى دائرة أعرض، بما يحول دون تفاعلها وتصحيح بعضها البعض، ويعطل تدفق الحقائق التى تتصل بإتخاذ القرار، ويعوق إنسياب روافد تشكيل الشخصية الإنسانية التى لا يمكن تنميتها إلا فى شكل من أشكال الاجتماع، ذلك أن الإنعزال عن الأخرين، يؤول إلى إستعلاء وجهة النظر الفردية وتسلطها، ولو كان أفقها ضيقاً narrowness أو كان عقمها أو تحزبها one - sidedness بادياً.

كذلك فإن هدم حرية الاجتماع إنما يقوض الأسس التى لا يقوم بدونها نظام للحكم يكون مستنداً إلى الإرادة الشعبية . ولا تكون الديموقراطية فيه بديلاً مؤقتاً أو إجماعاً زائفاً أو تصالحاً مرحلياً لتهدئة الخواطر، بل شكلاً مثالياً لتنظيم العمل الحكومى وإرساء قواعده. ولازم ذلك امتناع تقييد حرية الاجتماع إلا وفق القانون، وفى الحدود التى تتسامح فيها النظم الديموقراطية ، وترتضيها القيم التى تدعو إليها.

وحيث إن من المقرر كذلك، أن حق المرشحين فى الفوز بعضوية المجالس التى كفل الدستور أو المشرع صفتها التمثيلية ، لا ينفصل عن حق الناخبين فى الإدلاء بأصواتهم لاختيار من يثقون فيه من بينهم. ذلك أن هذين الحقين مرتبطان، ويتبادلان التأثير فيما بينهما، ولا يجوز بالتالى أن تفرض على مباشرة أيهما تلك القيود التى لا تتصل بتكامل العملية الانتخابية وضمان مصداقيتها integrity and reliability of the electoral process أو بما يكون كافلاً إنصافها وتدفق الحقائق الموضوعية المتعلقة بها، بل يجب أن تتوافر لها بوجه عام أسس ضبطها، بما يصون حيدتها، ويحقق الفرص المتكافئة بين المتزاحمين عليها.

ومن ثم تقع هذه القيود فى حمأة المخالفة الدستورية إذا كان مضمونها وهدفها مجرد حرمان فئه من العاملين فى الوحدة الاقتصادية -ودون أسس موضوعية - من فرص الترشيح لعضوية مجلس إدارتها. ذلك أن أثرها هو إبعاد هؤلاء عن العملية الانتخابية بأكملها، وبصورة نهائية ، وحجبهم بالتالى عن الإسهام فيها، بما مؤداه: احتكار غرمائهم لها وسيطرتهم عليها دون منازع، وإنهاء حق المبعدين عنها فى إدارة الحوار حول برامجهم وتوجهاتهم. وهو مايقلص من دائرة الاختيار التى يتيحها المشرع للناخبين، وبوجه خاص كلما كان المبعدون أدنى إلى ثقتهم، وأجدر بالدفاع عن حقوقهم.

بل أن القيم العليا لحرية التعبير - بما تقوم عليه من تنوع الآراء وتدفقها وتزاحمها - ينافيها ألا يكون الحوار المتصل بها فاعلاًٍ ومفتوحاً، بل مقصوراً على فئة بذاتها من العاملين فى الوحدة الاقتصادية ، أو من حصراً فى مسائل بذواتها لا يتعداها.كذلك فإن حق الناخبين فى الاجتماع مؤداه: ألا تكون الحملة الانتخابية التى تعتبر قاعدة لتجمعاتهم وإطاراً يحددون من خلالها أولوياتهم محدودة آفاقها بما تفضى إليه من تضاؤل فرصهم التى يفاضلون من خلالها بين عدد أكبر من المرشحين، وانتقاء من يكون من بينهم شريكا معهم فى أهدافهم like- minded قادراً على النضال من أجل تحقيقها.

وحيث إن من المقرر أن حق تنظيم العملية الانتخابية سواء من حيث زمنها أو مكان إجرائها أو كيفية مباشرتها The time , place and manner of elections لا يجوز أن ينال من الحقوق التى ربطها الدستور بها بما يعطل جوهرها.

كذلك لا يجوز التذرع بتنظيمها لتأمين مصالح جانبية محدودة أهميتها، ولا التدخل بالقيود التى يفرضها المشرع عليها للحد من حرية التعبير -وهى قاعدة التنظيم الانتخابى ومحوره- ذلك أن غايتها أن توفر لهيئة الناخبين الحقائق التى تعينها على تحديد موقفها من المرشحين الذين يريدون الظفر بثقتها، من خلال تعريفها بأحقهم فى الدفاع عن مطالبها، بمراعاة ملكاتهم وقدراتهم، لتكون مفاضلتها بينهم على أسس موضوعية لها ما يظاهرها، ووفق قناعتها بموقفهم من قضاياها، ومن المسائل التى يدور حولها الجدل.

وحيث إن النص المطعون عليه -بما حدده من شروط يتعين توافرها فيمن يرشح لعضوية مجلس إدارة الوحدة الإقتصادية -قد أعاق فئه بذاتها من العاملين- هم الشاغلون لوظيفة بإدارتها العليا - من نشر الأفكار والآراء التى يؤمنون بها والدفاع عن توجهاتهم، ونقل رسالتهم هذه إلى هيئة الناخبين التى لا يجوز فرض الوصاية عليها، ولا تعريضها لتأثير يؤول إلى تفككها أو اضطرابها أو بعثرة تكتلاتها، ولا أن تعاق قنواتها إلى الحقائق التى تريد النفاذ إليها، ولا أن يحرم أفرادها أو فئة من بينهم- لها توجهها الخاص- من أن تكون تجمعاتهم طريقاً إلى بلورة أفكارهم، وتحديد مطالبهم، إنفاذاً لإرادتهم من خلال أصواتهم التى لا يجوز تقييد فرص الإدلاء بها دون مقتض.

متى كان ذلك، وكان من المقرر أن اتساع قاعدة الاختيار فيما بين المرشحين، ضمانة أساسية توفر لهيئة الناخبين ظروفاً أفضل تمنح من خلالها ثقتها لعناصر من بينهم تكون عندها أجدر بالدفاع عن مصالحها، فإن قاعدة الاختيار هذه - إذا ماحّد المشرع من نطاقها وضيق من دائرتها تؤثر مآلاً فى حق الاقتراع وتنال من فاعليته.

وحيث إن الدساتير المصرية جميعها بدءاً بدستور سنة 1923، وانتهاءً بالدستور القائم، رددت جميعها مبدأ المساواة أمام القانون de Jure، وكفلت تطبيقه على المواطنين كافة بإعتباره أساس العدل والحرية والسلام الاجتماعى ، وعلى تقدير أن الغاية التى يستهدفها تتمثل أصلاً فى صون حقوق المواطنين وحرياتهم فى مواجهة صور التمييز التى تنال منها أو تقيد ممارستها، وأضحى هذا المبدأ - فى جوهره - وسيلة لتقرير الحماية القانونية المتكافئة التى لا يقتصر نطاق تطبيقها على الحقوق والحريات المنصوص عليها فى الدستور، بل يمتد مجال أعمالها كذلك، إلى تلك التى كفلها المشرع للمواطنين فى حدود سلطته التقديرية ، وعلى ضوء ما يرتئيه محققاً للمصلحة العامة .

ولئن نص الدستور فى المادة (40) منه على حظر التمييز بين المواطنين فى أحوال بعينها، هى تلك التى يقوم التمييز فيها على أساس الجنس أو الأصل أو اللغة أو الدين أو العقيدة ، إلا أن إيراد الدستور لصور بذاتها يكون التمييز محظوراً فيها، مرده أنها الأكثر شيوعاً فى الحياة العملية ، ولا يدل البتة على انحصاره فيها، إذ لو صح ذلك لكان التمييز بين المواطنين فيما عداها جائزاً دستورياً، وهو ما يناقض المساواة التى كفلها الدستور، ويحول دون إرساء أسسها، وبلوغ غاياتها.

وآية ذلك أن من صور التمييز التى أغفلتها المادة (40) من الدستور، ما لا يقل عن غيرها خطراً سواء من ناحية محتواها أو من جهة الآثار التى ترتبها، كالتمييز بين المواطنين فى نطاق الحقوق التى يتمتعون بها، أو الحريات التى يمارسونها، لاعتبار مرده إلى مولدهم، أو مركزهم الاجتماعى ، أو انتمائهم الطبقى ، أو ميولهم الحزبية ، أو نزعاتهم العرقية ، أو عصبيتهم القبلية ، أو إلى موقفهم من السلطة العامة ، أو إعراضهم عن تنظيماتها، أو تبنيهم لأعمال بذاتها، وغير ذلك من أشكال التمييز التى لاتظاهرها أسس موضوعيه تقيمها، وكان من المقرر أن صور التمييز المجافية للدستور وإن تعذر حصرها، إلا أن قوامها كل تفرقة أو تقييد أو تفضيل أو استبعاد ينال بصورة تحكمية من الحقوق أو الحريات التى كفلها الدستور أو القانون، وذلك سواء بإنكار أصل وجودها أو تعطيل أو انتقاص آثارها بما يحول دون مباشرتها على قدم المساواة الكاملة بين المؤهلين للانتفاع بها، وبوجه خاص على صعيد الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية وغير ذلك من مظاهر الحياه العامة . متى كان ذلك، وكان النص المطعون عليه قد استبعد شاغلى وظائف الإدارة العليا بالوحدات الاقتصادية من فرص الترشيح التى كفلها لغيرهم من العاملين بها رغم تماثلهم جميعاً فى مراكزهم القانونية ، ودون أن يستند هذا التمييز إلى أسس موضوعية يقتضيها التمثيل فى مجالس إداراتها، فإن هذا التمييز يكون تحكمياً ومنهياً عنه بنص المادة (40) من الدستور.

وحيث إنه متى كان ماتقدم، وكان النص المطعون عليه- بالصيغة التى أفرغها المشرع فيه - يناقض المادة (26) من الدستور، ويخل كذلك بالحقوق التى كفلها فى مجال حرية التعبير وحق الاجتماع وحق الاقتراع المنصوص عليها فى المواد (47، 54، 55، 62) منه، وينتهك فوق هذا مبدأ المساواة أمام القانون المنصوص عليه فى المادة (40)، فإن الحكم بعدم دستوريته يكون متعيناً.

فلهذه الأسباب

حكمت المحكمة بعدم دستورية نص البند السادس من المادة الثانية من القانون رقم 73 لسنة 1973 فيما تضمنه من حظر ترشيح شاغلى وظائف الإدارة العليا لعضوية مجالس إدارة شركات قطاع الأعمال العام التابعة ، وألزمت الحكومة المصروفات ومبلغ مائة جنية مقابل أتعاب المحاماة .