الدعوى 172 لسنة 20 - دستورية - المحكمة الدستورية العليا - مرفوعة علنية رقم 172 لسنة 20 بتاريخ 04/03/2000
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
باسم الشعب
المحكمة الدستورية العليا
بالجلسة العلنية المنعقدة يوم السبت 4 مارس سنة 2000 الموافق 28 ذو القعدة سنة 1420هـ .
برئاسة السيد المستشار / محمد ولى الدين جلال رئيس المحكمة
وعضوية السادة المستشارين / فاروق عبد الرحيم غنيم و حمدى محمد على والدكتور عبد المجيد فياض وماهر البحيرى ومحمد على سيف الدين وعدلى محمود منصور •
وحضور السيد المستشار / عبد الوهاب عبد الرازق رئيس هيئة المفوضين
وحضور السيد / ناصر إمام محمد حسن أمين السر
أصدرت الحكم الآتى
فى القضية المقيدة بجدول المحكمة الدستورية العليا برقم 172 لسنة 20 قضائية دستورية .
المقامة من
السيد / .....................
ضد
1 - السيد / رئيس مجلس الوزراء
2 - السيد / نائب رئيس مجلس الوزراء ووزير الزراعة
3 - السيد / رئيس مجلس إدارة البنك الرئيسى للتنمية والائتمان الزراعى
4 - السيد / رئيس مجلس إدارة بنك التنمية والائتمان الزراعى بالبحيرة
الإجراءات
بتاريخ التاسع من سبتمبر سنة 1998، أودع المدعى صحيفة هذه الدعوى قلم كتاب المحكمة ، طالباً الحكم بعدم دستورية الفقرة الأولى من المادة (19) من القانون رقم 117 لسنة 1976 فى شأن البنك الرئيسى للتنمية والائتمان الزراعى .
وقدمت هيئة قضايا الدولة مذكرة طلبت فى ختامها الحكم، أصلياً: بعدم قبول الدعوى واحتياطياً: برفضها.
وبعد تحضير الدعوى ، أودعت هيئة المفوضين تقريراً برأيها.
ونُظرت الدعوى على النحو المبين بمحضر الجلسة ، وقررت المحكمة إصدار الحكم فيها بجلسة اليوم.
المحكمة
بعد الاطلاع على الأوراق، والمداولة •
حيث إن الوقائع - على ما يبين من صحيفة الدعوى وسائر الأوراق - تتحصل فى أن المدعى كان قد أقام الدعوى رقم 2210 لسنة 1992 - أمام محكمة تنفيذ الإسكندرية - بطلب بطلان الحجز الإدارى الذى أوقعه بنك التنمية والائتمان الزراعى بالبحيرة على العقار المملوك له وآخرين والمبين الحدود والمعالم بصحيفة تلك الدعوى ، وفاء لدين مستحق للبنك قبله، وإذ قضت تلك المحكمة بوقف إجراءات بيع العقار المحجوز عليه مؤقتاً إلى أن يقضى نهائياً فى المنازعة فى أصل الدين المنفذ به، فقد طعن المدعى عليهما الثالث والرابع على ذلك الحكم بالاستئناف رقم 122 لسنة 1998 أمام محكمة الإسكندرية الإبتدائية التى قضت بإلغاء الحكم المستأنف والاستمرار فى إجراءات بيع العقار المحجوز عليه، فطعن المدعى على الحكم الأخير بالتماس إعادة النظر، وأثناء نظره دفع بعدم دستورية نص الفقرة الأولى من المادة (19) من القانون رقم 117 لسنة 1976المشار إليه، وإذ قدرت محكمة الموضوع جدية الدفع وصرحت له بإقامة دعواه الدستورية ، فقد أقام الدعوى الماثلة .
وحيث إن الفقرة الأولى من المادة (19) من القانون رقم 117 لسنة 1976 فى شأن البنك الرئيسى للتنمية والائتمان الزراعى تنص على أنه يكون لمستحقات البنك الرئيسى والبنوك التابعة له لدى الغير امتياز عام على جميع أموال المدين من منقول وعقار وتستوفى مباشرة بعد المصروفات القضائية ، ولها حق تحصيلها بطريق الحجز الإدارى عن طريق مندوبيها.
وحيث إن المصلحة الشخصية المباشرة -وهى شرط لقبول الدعوى الدستورية - تحدد للخصومة الدستورية نطاقها، فلا تندرج تحتها إلا النصوص التشريعية التى يؤثر الحكم بصحتها أو بطلانها على النزاع الموضوعى دون ما سواها. إذ كان ذلك، وكان الطلب المطروح فى المنازعة الموضوعية هو بطلان الحجز الإدارى الذى أوقعه المدعى عليه الأخير على عقار المدعى ، بوصفه مديناً له بالمبلغ المنفذ به، فإن مصلحة المدعى الشخصية تقتصر على مايُحتكم إليه من النص الطعين للفصل فى هذا الطلب؛ ومن ثم فإن نطاق الخصومة الدستورية الراهنة يتحدد بما خوله نص الفقرة الأولى من المادة (19) المطعون عليها، بنوك التنمية والائتمان الزراعى التابعة - ومنها البنك الحاجز - من حق تحصيل مستحقاتها لدى الغير بطريق الحجز الإدارى عن طريق مندوبيها، دون ماعدا ذلك من أحكامه الأخرى .
وحيث إن المدعى ينعى على النص المطعون فيه - محدداً إطاراً على النحو المتقدم مخالفته مبدأ مساواة المواطنين فى الحقوق والواجبات الذى قرره الدستور بنص المادة (40) تأسيساً على أنه آثر بنوك التنمية والائتمان الزراعى - دون مثيلاتها من البنوك القائمة بذات نشاطها المصرفى والتجارى - بميزة تحصيل مستحقاتها بطريق الحجز الإدارى ، وإخلاله كذلك بمبدأ سيادة القانون وبمبدأ خضوع الدولة للقانون تأسيساً على أن الحجز الإدارى يعتبر ميزة استثنائية يقتصر الحق فى استعمالها على جهة الإدارة ولايجوز مدها إلى غيرها، وإهداره كذلك أحكام المادة (68) من الدستور، على سند من أن مؤدى حق التقاضى الذى قررته هذه المادة أن يكون اقتضاء الحقوق من خلال المحاكم التى ُتعمل نظرتها المحايدة فصلاً فيما يثور من نزاع فى شأنها، وذلك خلافاً للحجز الإدارى الذى يقيم الدائن خصماً وحكماً فى آن واحد.
وحيث إن المادة الأولى من القانون رقم 117 لسنة 1976 المشار إليه تنص على أن تُحَّول المؤسسة المصرية العامة للائتمان الزراعى والتعاونى إلى هيئة عامة قابضة يكون لها شخصية اعتبارية مستقلة تسمى البنك الرئيسى للتنمية والائتمان الزراعى ، وتتبعه بنوك التسليف الزراعى والتعاونى المنشأة طبقاً لأحكام القانون رقم 105 لسنة 1964 بالمحافظات، وتسمى بنوك التنمية الزراعية ، وتتولى تحقيق أغراض البنك الرئيسى فى النطاق الذى يحدده لها؛ كما نصت المادة (3) على أن يتولى البنك الرئيسى التخطيط المركزى للائتمان الزراعى والتمويل التعاونى على مستوى الجمهورية ومتابعة برامجه ورقابة تنفيذه فى إطار السياسة العامة للدولة ، والعمل على تمويل هذا الائتمان وتوفير كافة مستلزمات الإنتاج سواء بالاستيراد أو من الإنتاج المحلى ، ووضع سياسة توزيعها بالنقد أو الأجل، كما يتولى وضع سياسة دعم المنشآت التى تعمل لمنفعة الزراعة والتعاون وتقديم التمويل والخدمات المصرفية للوحدات المحلية ومشروعات الجمعيات التعاونية على اختلاف أغراضها، والقيام بجميع الأعمال المصرفية لخدمة أغراض الاستيراد والتصدير فى مجالات نشاط البنك، وقضت المادة (4) بأن تقوم بنوك التنمية والائتمان الزراعى بالمحافظات بإقراض الجمعيات التعاونية الزراعية لمباشرة جميع الأغراض الإنتاجية التى تقوم عليها، وكذلك إقراض المنشآت التى تعمل فى التنمية الزراعية وتأسيسها أو المشاركة فيها، وإقراض الزراع بما فيهم أعضاء هذه الجمعيات، والقيام بالعمليات المصرفية التى تخدم أغراض الجمعيات التعاونية وأعضائها، وقبول الودائع والمدخرات من المتعاملين ومن الجمعيات التعاونية وأعضائها؛ واعتبرت المادة (5) أموال البنك الرئيسى أموالاً مملوكة للدولة ملكية خاصة ؛ وألزمت المادة (6) البنك الرئيسى والبنوك التابعة له بتطبيق نظم وأساليب الإدارة المعمول بها فى المنشآت المصرفية والتجارية دون التقيد بالنظم والقواعد الإدارية والمالية المعمول بها فى الحكومة والقطاع العام، ويتم إعداد موازنة خاصة لكل بنك منها - وفقاً للمادة (17) - باتباع القواعد الخاصة بموازنة الجهاز المصرفى . ونصت المادة (30) من القانون رقم 117 لسنة 1976المشار إليه على أن تسرى على البنك الرئيسى والبنوك التابعة له أحكام القانون رقم 163 لسنة 1957 بإصدار قانون البنوك والائتمان والقانون رقم 120 لسنة 1975 بشأن البنك المركزى المصرى والجهاز المصرفى ، وذلك فيما لم يرد بشأنه نص خاص فيه، كما قضت المادة (25) بأن تسرى على البنوك التابعة المشار إليها أحكام القانون رقم 105 لسنة 1964 بإنشاء المؤسسة المصرية العامة للائتمان الزراعى والتعاونى والبنوك التابعة لها فى المحافظات والذى تقضى المادة (5) منه بأن تتخذ هذه البنوك التابعة شكل الشركات المساهمة .
وحيث إن مؤدى النصوص التشريعية المتقدمة أن البنك الرئيسى للتنمية والائتمان الزراعى وإن كان من أشخاص القانون العام باعتباره هيئة عامة قابضة ، إلا أن البنوك التابعة له تعمل بوصفها شركات مساهمة ، ولها استقلالها وذاتيتها من الناحيتين المالية والإدارية فى الحدود المبينة فى القانون، كما أن أعمالها تعتبر من قبيل الأعمال المصرفية وتتم إدارتها وتصريفها وفق نظم وأساليب الإدارة المعمول بها فى المنشآت المصرفية والتجارية ، وتسعى من خلالها إلى تحقيق الربح وتباشرها طبقاً لأحكام القانون الخاص وبالوسائل التى ينتهجها، ومن ثم ينحسر عن نشاطها الطابع الإدارى .
وحيث إن الأصل فى الحقوق التى يقتضيها أصحابها جبراً من المدينين بها هو أن يكون حملهم على إيفائها من خلال وسائل التنفيذ التى رسمها قانون المرافعات المدنية والتجارية ، وقوامها أن التنفيذ قسراً لاقتضائها يلحق بالمدين بها آثاراً خطيرة لايجوز أن يتحملها، إلا إذا كان بيد دائنه - وقبل البدء فى التنفيذ - سند به، وهو مايعنى أن الحق فى التنفيذ لا يوجد بغير سند تنفيذى .
وحيث إن قانون الحجز الإدارى رقم 308 لسنة 1955 - وعلى ما تنص عليه المادة (75) منه - يعتبر استثناء من القواعد التى تضمنها قانون المرافعات المدنية والتجارية فى شأن التنفيذ الجبرى ، ذلك أن القواعد التى رسمها قانون الحجز الإدارى لإجراءاته تعتبر أصلاً يحكمها فلا ينظمها قانون المرافعات المدنية والتجارية إلا فى المسائل التى لم يرد النص عليها فى قانون الحجز الإدارى ، وبما لا يتعارض مع أحكام هذا القانون. وقد تمثل الخروج على القواعد التى حددها قانون المرافعات المدنية والتجارية للتنفيذ الجبرى ، فيما تنص عليه المادة الثانية من قانون الحجز الإدارى ، من أن إجراءات هذا الحجز يجوز اتخاذها بناء على أمر مكتوب صادر من الوزير أو رئيس المصلحة أو المحافظ أو المدير أو ممثل الشخص الاعتبارى العام حسب الأحوال، أو من ينيبه كل من هؤلاء فى ذلك كتابة ، بما مؤداه: أن تتخذ جهة الإدارة بنفسها - ومن أجل الحصول على مستحقاتها - قراراً باقتضائها يكون معادلاً لسند التنفيذ بها جبراً، ومتضمنا تحديداً من جانبها للحقوق التى تدعيها سواء تعلق الأمر بمصدرها أو بمقدارها، وهو مايعنى أن يكون تقديرها - وقد أفرغ فى شكل قرار صادر منها - سنداً تنفيذياً.
وحيث إن القواعد التى تضمنها قانون الحجز الإدارى غايتها أن يكون بيد أشخاص القانون العام وسائل ميسرة تمكنها من تحصيل حقوقها وهى بحسب طبيعتها أموال عامة تمثل الطاقة المحركة لحسن سير المرافق العامة وانتظامها ؛ فلا يتقيد اقتضاؤها جبراً عن مدينيها بالقواعد التى فصلها قانون المرافعات المدنية والتجارية فى شأن التنفيذ الجبرى ، وإنما تعتبر استثناء منها، وامتيازاً مقرراً لصالحها يجعلها دائما فى مركز المدعى عليه ؛ ذلك أن قرار جهة الإدارة بإسناد ديون تدعيها إلى آخرين، يفيد أن قولها بوجودها وتحديدها لمقدارها، يعتبر سندا تنفيذياً بها، يغنيها عن اللجوء إلى القضاء لإثباتها، فلا يبقى مركزها مساويا لمركز مدينيها، بل يكون قرارها بالديون التى تطلبها منهم، سابقا على التدليل عليها من جهتها، وناقلاً إليهم مهمة نفيها. وهذه الطبيعة الاستثنائية لقواعد الحجز الإدارى تقتضى أن يكون نطاق تطبيقها - وعلى ماجرى عليه قضاء هذه المحكمة - مرتبطا بأهدافها ومتصلاً بتسيير جهة الإدارة لمرافقها، فلا يجوز نقل هذه القواعد إلى غير مجالها، ولا إلباسها ثوباً مجافياً لحقيقتها، وعلى الأخص بالنظر إلى أن الديون التى تدعيها تُعامل بافتراض ثبوتها فى حق من تراهم ملتزمين بها أو مسئولين عنها. وهو افتراض إذا جاز فى شأن ديون تطلبها جهة الإدارة لنفسها، وتقتضيها بوسائل استثنائية فى طبيعتها، تجاوز بها ما يكون مألوفاً من صور التعامل فى العلائق الناشئة عن روابط القانون الخاص، إلا أن بسطها وتقرير سريانها فى شأن ما ينشأ عن العمليات المصرفية التى تباشرها بنوك التنمية الزراعية الفرعية بالمحافظات التابعة للبنك الرئيسى للتنمية والائتمان الزراعى من ديون تدعيها قبل عملائها - والأصل فيها التحوط لأدلتها وتوثيقها، وتكافؤ أطرافها فى مجال إثباتها ونفيها - مؤداه: إلحاق نشاطها بالأعمال التى ينهض عليها النشاط الإدارى فى المرافق العامة ؛ باعتبارها من جنسها، وإخضاع تحصيل الديون التى تطلبها من عملائها -ودون مقتضى - لقواعد تنافى بصرامتها مرونة عملياتها وتجاريتها، واطمئنان عملائها إليها فيما يحصلون عليه من ائتمان منها.
وحيث إنه إذ كان ذلك، فإن النص المطعون فيه يكون مخالفاً لنص المادة (65) من الدستور، ذلك أن مبدأ الخضوع للقانون المقرر بها، يفترض تقيد أشخاص القانون الخاص فى مجال نشاطها المصرفى ، بقواعد ووسائل هذا القانون دون غيرها، فلايكون الخروج عليها إلالضرورة ، وبقدرها؛ فإذا انتفت تلك الضرورة وتجاوز النص الطعين القدر اللازم لمواجهتها فإنه يكون قد وقع فى حمأة المخالفة الدستورية .
فلهذه الأسباب
حكمت المحكمة بعدم دستورية نص الفقرة الأولى من المادة (19) من القانون رقم 117 لسنة 1976 فى شأن البنك الرئيسى للتنمية والائتمان الزراعى فيما تضمنه من حق البنوك التابعة له فى تحصيل مستحقاتها لدى الغير بطريق الحجز الإدارى عن طريق مندوبيها، وألزمت الحكومة المصروفات ومبلغ مائة جنيه مقابل أتعاب المحاماة .