الدعوى 19 لسنة 15 - دستورية - المحكمة الدستورية العليا - مرفوعة علنية رقم 19 لسنة 15 بتاريخ 08/04/1995
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
باسم الشعب
المحكمة الدستورية العليا
بالجلسة العلنية المنعقدة فى يوم السبت 8 إبريل سنة 1995 الموافق 8 ذو القعدة سنة 1415هـ .
برئاسة السيد المستشار الدكتور/ عوض محمد عوض المر رئيس المحكمة
وعضوية السادة المستشارين: الدكتور/ محمد إبراهيم أبو العينين وفاروق عبدالرحيم غنيم وعبد الرحمن نصير وسامى فرج يوسف ومحمد على سيف الدين وعدلى محمود منصور اعضاء
وحضور السيد المستشار الدكتور/ حنفى على جبالى رئيس هيئة المفوضين
وحضور السيد/ حمدى أنور صابر أمين السر
أصدرت الحكم الآتى
فى القضية المقيدة بجدول المحكمة الدستورية العليا برقم 19 لسنة 15 قضائية دستورية
المقامة من
- السيد / رئيس مجلس إدارة الهيئة المصرية العامة للبترول
- السيد / رئيس مجلس إدارة الشركة العامة للبترول
- السيد / رئيس مجلس إدارة شركة بترول خليج السويس جابكو
- السيد / رئيس مجلس إدارة شركة بترول بلاعيم بترويل
ضد
- السيد / رئيس مجلس الوزراء
- السيد / نقيب نقابة المهن العلمية
الإجراءات
بتاريخ 3 مايو 1993 أودع المدعون صحيفة هذه الدعوى قلم كتاب المحكمة طالبين الحكم بعدم دستورية الفقرة (د) من البند الرابع من المادة (79) من القانون رقم 80 لسنة 1969بشأن نقابة المهن العلمية المعدل بالقانون رقم 120 لسنة 1983.
وقدمت كل من من هيئة قضايا الدولة ونقابة المهن العلمية مذكرة بدفاعها.
وبعد تحضير الدعوى أودعت هيئة المفوضين تقريراً برأيها.
ونُظرت الدعوى على الوجه المبين بمحضر الجلسة ، وقررت المحكمة إصدار الحكم فيها بجلسة اليوم.
المحكمة
بعد الاطلاع على الأوراق، والمداولة .
حيث أن الوقائع -على مايبين من صحيفة الدعوى وسائر الأوراق- تتحصل فى أن نقابة المهن العلمية ، كانت قد أقامت الدعوى رقم 12614 لسنة 1988 أمام محكمة جنوب القاهرة الإبتدائية ضد عدد من الشركات المنتجة لكيماويات صناعة البترول، لإلزامها بأن تؤدى إليها قيمة دمغة نقابة المهن العلمية المستحقة عليها، وما يستجد من مبالغها، وقدرها قرش صاغ واحد عن كل برميل من البترول الخام. وذلك ابتناء على أنها دين تقرر فى ذمتها بمقتضى حكم الفقرة (د) من البند الرابع من المادة (79) من القانون رقم 80 لسنة 1969 بشأن نقابة المهن العلمية المعدل بالقانون رقم 120 لسنة 1983. وقد أدخلت نقابة المهن العلمية ، الهيئة المصرية العامة للبترول خصماً فى دعواها الموضوعية لتسمع الحكم بالطلبات الآنف بيانها. وبجلسة 27 أكتوبر 1991 دفعت الهيئة المصرية العامة للبترول بعدم دستورية تلك الفقرة . وإذ قدرت محكمة الموضوع جدية هذا الدفع، فقد صرحت للهيئة برفع الدعوى الدستورية ، فأقامتها.
وحيث أن هيئة قضايا الدولة دفعت بعدم قبول الدعوى الماثلة ، بمقولة أن النص المطعون فيه واضح فى أن التمغة التى فرضها لصالح نقابة المهن العلمية عن إنتاج كل برميل بترول من المواد الخام، تعتبر جزءاً من عناصرالتكلفة ، ولن تتحمل بالتالى الشركات التى تعمل فى هذا الحقل بمبالغها، ذلك أن عبئها ينقل عادة إلى من يستهلكون البترول الخام أو يقومون بشرائه. ومن ثم يقتصر دور هذه الشركات على مجرد تحصيلها. هذا بالإضافة إلى أن البترول المنتج ليس مملوكاً لها ولا للهيئة المصرية العامة للبترول، بل عائداً أصلاً إلى الدولة . وقد ألزم قانون نقابة المهن العلمية ، الخزانة العامة إذا قل ثمن بيع المنتجات البترولية عن تكلفتها، بالفرق بينها، بما مؤداه: أن تطبيق النص المطعون فيه لن يضر بمصالح المدعين وليس له من أثر يمس حقوقهم. ولا يقبل كذلك من الهيئة المصرية العامة للبترول - وهى فرع من فروع الدولة - الطعن بعدم دستورية نص تشريعى ، ذلك أن الحكومة تعد من ذوى الشأن فى الدعاوى الدستورية جميعها، عملاً بنص الفقرة الثانية من المادة (35) من قانون المحكمة الدستورية العليا الصادر بالقانون رقم 48 لسنة 1979.
وحيث أن هذا الدفع بوجهيه مردود أولاً: بأن ما نص عليه قانون المحكمة الدستورية العليا، من أن الحكومة تعتبر طرفا ذا شأن فى الدعاوى الدستورية ، قد توخى إعلانها بصحائفها، ومن ثم إعلامها بالنصوص القانونية المدعى مخالفتها للدستور، لتحدد موقفها من المطاعن المنسوبة إليها، ولا يعنى ذلك على الإطلاق أن تؤيد الحكومة دوماً دستورية تلك النصوص لتجهض المطاعن الموجهة إليها، حتى ماكان منها صحيحاً، إذ لو جاز ذلك - وهو غير صحيح - لكان إلتزامها بالتقيد بالشرعية الدستورية لغوا، ونزولها على ضوابطها تخرصاً، وإرساؤها لركائزها وهما، وإدعاؤها الحرص على إنفاذها زيفاً، ونهجها فى مجال صونها بدداً، وسعيها لتثبيتها من فصلاً عن حقائقها الموضوعية ، منصرفاً إلى أهدابها الشكلية ، فلا تقيم لسيادة الدستور وزناً.
ومردود ثانياً: بأن الخصومة الدستورية عينية بطبيعتها، ذلك أن قوامها مقابلة النصوص القانونية المدعى مخالفتها للدستور، بالقواعد التى فرضها على السلطتين التشريعية والتنفيذية لإلزامهما بالتقيد بها فى ممارستهما لاختصاصاتهما الدستورية . ومن ثم تكون هذه النصوص ذاتها هى موضوع الخصومة الدستورية أو هى بالأحرى محلها، وهى لا تبلغ غايتها إلا بإهدار تلك النصوص بقدر تعارضها مع الدستور. وقضاء المحكمة الدستورية العليا فى شأنها يحوز تلك الحجية التى تطلق آثارها فى مواجهة الدولة على امتداد تنظيماتها وتعدد مناحى نشاطها، وكذلك بالنسبة إلى الأغيار جميعهم. ومن ثم لا تنحصر آثار أحكامها فيمن يكون طرفاً فى الخصومة الدستورية ، سواء باعتباره خصماً أصيلاً أو منضماً، بل يكون سريانها على من عداهم إلتزاماً مترتباً فى حقهم بحكم الدستور.
ومردود ثالثاً: بأن شرط المصلحة الشخصية المباشرة يتغيا أن تفصل المحكمة الدستورية العليا فى الخصومة الدستورية من جوانبها العملية ، وليس من معطياتها النظرية ، أو تصوراتها المجردة . وهو كذلك يقيد تدخلها فى تلك الخصومة القضائية ، ويرسم تخوم ولايتها، فلا تمتد لغير المطاعن التى يؤثر الحكم بصحتها أو بطلانها على النزاع الموضوعى ، وبالقدر اللازم للفصل فيها. ومؤداه: ألا تقبل الخصومة الدستورية من غير الأشخاص الذين يمسهم الضرر من جراء سريان النص المطعون فيه عليهم، سواء أكان هذا الضرر وشيكاً يتهددهم، أم كان قد وقع فعلاً. ويتعين دوماً أن يكون هذا الضرر من فصلاً عن مجرد مخالفة النص المطعون عليه للدستور، مستقلاً بالعناصر التى يقوم عليها، ممكناً تحديده ومواجهته بالترضية القضائية لتسويته، عائداً فى مصدره إلى النص المطعون عليه. فإذا لم يكن هذا النص قد طبق أصلاً على من ادعى مخالفته للدستور، أو كان من غير المخاطبين بأحكامه، أو كان قد أفاد من مزاياه، أو كان الإخلال بالحقوق التى يدعيها لا يعود إليه، دل ذلك على انتفاء المصلحة الشخصية المباشرة . ذلك أن إبطال النص التشريعى فى هذه الصور جميعها، لن يحقق للمدعى أية فائدة عملية يمكن أن يتغير بها مركزه القانونى بعد الفصل فى الدعوى الدستورية ، عما كان عليه قبلها. ولا يتصور بالتالى أن تكون الدعوى الدستورية أداة يعبر المتداعون من خلالها عن آرائهم فى الشئون التى تعنيهم بوجه عام، أو أن تكون نافذة يعرضون منها ألواناً من الصراع بعيداً عن مصالحهم الشخصية المباشرة ، أو شكلاً للحوار حول حقائق علمية يطرحونها لإثباتها أو نفيها، أو طريقاً للدفاع عن مصالح بذواتها لا شأن للنص المطعون عليه بها. بل تباشر المحكمة الدستورية العليا ولايتها - التى كثيراً ما تؤثر فى حياة الأفراد وحرماتهم وحرياتهم وأموالهم - بما يكفل فعاليتها. وشرط ذلك إعمالها عن بصر وبصيرة ، فلا تقبل عليها اندفاعا، ولا تعرض عنها تراخيا. ولا تقتحم بممارستها حدوداً تقع فى دائرة عمل السلطتين التشريعية والتنفيذية . بل يتعين أن تكون رقابتها ملاذاً أخيراً ونهائياً، وأن تدور وجوداً وعدماً مع تلك الأضرار التى تستقل بعناصرها، ويكون ممكناً إدراكها، لتكون لها ذاتيتها. ومن ثم يخرج من نطاقها ما يكون من الضرر متوهماً أو منتحلاً أو مجرداً in abstracto أو يقوم على الإفتراض أو التخمين Conjectural ولازم ذلك، أن يقوم الدليل جليا على اتصال الأضرار المدعى وقوعها بالنص المطعون عليه، وأن يسعى المضرور لدفعها عنه، لا ليؤمن بدعواه الدستورية - وكأصل عام - حقوق الآخرين ومصالحهم، بل ليكفل إنفاذ تلك الحقوق التى تعود فائدة صونها عليه in Concreto. وإلتزاماً بهذا الإطار، جرى قضاء المحكمة الدستورية العليا على أن المصلحة الشخصية المباشرة شرط لقبول الدعوى الدستورية ، وأن مناطها أن يكون ثمة ارتباط بينها وبين المصلحة القائمة فى الدعوى الموضوعية ، وذلك بأن يكون الحكم فى المطاعن الدستورية لازماً للفصل فى النزاع الموضوعى . متى كان ذلك، وكان الحكم بعدم دستورية النص المطعون فيه، يعنى امتناع تحصيل الضريبة التى فرضها، وإنهدام الأساس الذى تقيم عليه نقابة المهن العلمية دعواها الموضوعية لطلبها، فإن مصلحة المدعين فى الدعوى الدستورية تكون متوافرة . ولا ينال منها قالة أن الضريبة المطعون عليها يعتبر مبلغها -وبصريح قانون إنشائها- جزءاً من عناصر تكلفة البترول الخام، وأن الملتزم بالضريبة لن يتحمل بالتالى بعبئها، ذلك أن كل زيادة فى تكلفة الإنتاج بقدر قيمة الضريبة التى أضافها المشرع إليها، تؤثر بالضرورة فى فرص تسويق ذلك البترول التى تتحكم فيها قوانين عرض هذه السلعة فى الأسواق الدولية وطلبها.
وحيث إنه فضلاً عما تقدم، فإن البين من الأوراق أن نقابة المهن العلمية هى التى أدخلت الهيئة المصرية العامة للبترول خصماً فى دعواها الموضوعية رقم 12614 لسنة 1988 مدنى جنوب القاهرة ليحكم عليها - بالتضامن مع شركة السويس للزيت - بدفع قيمة دمغة النقابة التى تقول بوقوعها فى ذمتهما المالية ومقدارها 1568610 جنيهاً. وإذ كان من المقرر أن للدائن - وكلما تعدد المدينون، وكانوا متضامنين فيما بينهم بناء على اتفاق أو نص فى القانون - الرجوع ابتداء على أيهم فلا يكون للدائن مدين واحد، بل أكثر من مدين، يُلزم كلا منهم نحوه بكامل الدين، ذلك أن التضامن بين المدينين، وإن دل على تعدد روابطهم مع الدائن، إلا أن الإلتزام يظل موحد المحل، ولكل مدين بالتالى الوفاء بكل الدين للدائن، ويعتبر هذا الوفاء مبرئاً لذمة المدينين الآخرين قبل دائنهم. متى كان ذلك، وكان الحكم بعدم دستورية النص المطعون فيه، مؤداه: سقوط إلتزام المدينين المتضامنين جميعهم بالدين المدعى به قبلهم، وامتناع الرجوع على أحدهم بمقداره، فإن قالة انتفاء مصلحة الهيئة المصرية العامة للبترول فى الطعن الماثل لا يكون لها من سند.
وحيث أن انضمام بعض الشركات المنتجة للبترول إلى الهيئة المصرية العامة للبترول، فى دفعها بعدم الدستورية ، وبقاء طلبها التدخل إنضماماً إليها مطروح على محكمة الموضوع دون أن تقضى برفضه، يعنى قبولها ضمناً لتدخلها، لا سيما وأن المتدخلين إنضماماً يدافعون عن عين المصالح التى تسعى الهيئة المصرية العامة للبترول لتأمينها وحمايتها.
وحيث أن المدعين ينعون على النص التشريعى المطعون فيه، مخالفته للمواد (8، 25، 38، 40، 56، 119) من الدستور، قولاً بأن الدستور حرص فى بيان المقومات الأساسية للمجتمع، على أن ينص فى المادة الثامنة منه على أن تكفل الدولة تكافؤ الفرص لجميع المواطنين، ونص كذلك فى المادة (25) على أن لكل مواطن نصيباً فى الناتج القومى يحدده القانون، بمراعاة عمله وملكيته غير المستغلة . وقد إنزلق النص المطعون فيه إلى مخالفة الدستور، بأن منح نقابة المهن العلمية دون غيرها، نصيباً من هذا الناتج مقطوع الصلة بعملها أو ملكيتها. هذا فضلاً عن أن الأصل فى النظام الضريبى وفقاً لنص المادة (38) من الدستور، هو أن يقوم على العدالة الاجتماعية . وقد اختل فى النص المطعون فيه اعتبار العدالة حين أفرد نقابة المهن العلمية بميزة مالية حرم منها مثيلاتها بغير مبرر مفهوم، وناقض بذلك -ومن جهة ثانية - مبدأ المساواة أمام القانون، وهو مبدأ يفترض وجود علاقة منطقية بين أساس التمييز، والنتيجة التى رتبها المشرع عليه. وليس ثمة دليل على وجود هذه العلاقة فى النص المطعون فيه، ذلك أن العلميين لايسهمون وحدهم فى عمليات إنتاج البترول، بل لعل إسهامهم - فى ضوء تحديد قانون نقابة المهن العلمية لأهدافها - أن يكون أقل بكثير من غيرهم ممن حرمهم النص المطعون فيه من هذه الميزة التى اختص بها أعضاء نقابة المهن العلمية . كذلك فإن الأصل فى الضريبة أن يكون تشريعها متوخياً أساساً فرضها لضمان التقيد بالعوامل التى تحكم السياسة الضريبية ، ولا كذلك النص المطعون فيه، إذ فرض الضريبة المطعون عليها بمناسبة تنظيم نقابة بذاتها، هى نقابة المهن العلمية واختص أعضاءها بالإفادة من عائدها لرعاية مصالحهم. وهو بذلك يفرض تكليفاً مالياً نحو غير المخاطبين بقانون نقابة المهن العلمية ، ويوجهه كله لصالح أعضائها. وإلتجاء المشرع إلى فرض الضريبة بطريقة عرضية من خلال قانون غيرضرائبى ينظم مهنة أو نقابة معينة ، هو الذى يثير شكاً فى دستوريته لخروجه على مقتضى نص المادة (119) من الدستور.
وحيث أن الهيئة المصرية العامة للبترول قدمت خلال فترة حجز الدعوى للحكم -مذكرة أوضحت فيها أن الفرائض المالية جميعها- ومن بينها ضريبة الدمغة المتنازع على استحقاقها-لا بد أن يتم تقريرها فى إطار الضوابط الشكلية والموضوعية التى حددها الدستور، وعلى رأسها احترام الملكية الخاصة ، ومبدأ المساواة أمام القانون، ذلك أن استحقاق العلميين لتلك الضريبة لا يقترن بعمل من جانبهم، ولا يقابلها تحقيق النقابة لأهدافها. واعتبار العدالة الاجتماعية - وهى قوام النظام الضريبى - متخلف فيها. وإفراد نقابة العلميين بتلك الضريبة -التى لا يصححها عموم تطبيقها- لا يعدو أن يكون تمييزاً جائراً بينها وبين غيرهم ممن يسهمون بجهدهم فى إنتاج البترول، ذلك أن التمييز لا يعتبر تصنيفاً جائزاً إلا بشرط معين، هو أن توجد علاقة مفهومة بين أساس التمييز والنتائج التى رتبها المشرع عليه. ولئن صح القول بأن حكم القانون لا يجوز أن يكون تحكيماً لأهواء الرجال لا يأمن الناس فيه على حقوقهم وأموالهم وحرياتهم وأعراضهم، فإن من الصحيح كذلك أن ضريبة الدمغة التى فرضها النص المطعون فيه، تؤخذ من الشركات المنتجة للبترول -التى لا يجوز تكليفها بدفعها- كى تختص بها نقابة المهن العلمية التى لا تستحقها دستورياً، وهو ما يعدم أساس فرضها.
وحيث أن الحاضر عن نقابة المهن العلمية ، قدم كذلك مذكرة أبان فيها عن أن نقابة المهن العلمية تعد من أشخاص القانون العام التى يجوز تخويلها نصيباً من السلطة العامة تستعين بها على أداء رسالتها. وقد درج المشرع على أن يعاون النقابات المهنية على أداء رسالتها من خلال فرائض مالية تقتضيها لصالحها، وأن هذا الذى سار عليه العمل يمثل عند البعض عرفاً دستورياً، وإن كانت المادتان (61، 119) من الدستور تسمحان للمشرع بفرض هذه الفرائض المالية ، ذلك أن ما نص عليه الدستور -فى المادة (61)- من أن أداء الضرائب والتكاليف العامة واجب وفقاً للقانون، يعنى أنها لا تنحل إلى مجرد حقوق للمنتفعين بها. بل تعد كذلك واجباً على المكلفين بها لا يمكن أن يتنصل منه أحد. كذلك فإن البين من نص المادة (119) من الدستور، أن الضريبة غير العامة هى التى لا يكون المواطنين جميعهم مكلفون بها، أو لا يتم تطبيقها على امتداد النطاق الإقليمى للدولة كالضرائب المحلية والضرائب المرفقية . ومثل هذه الضرائب يجوز فرضها فى حدود القانون، فإذا فرضها القانون، فإن اقتضاءها يكون مشروعاً وسليماً من باب أولى . ولا يخل فرض ضريبة الدمغة التى كفلها النص المطعون فيه، بمبدأ المساواة أمام القانون. ذلك أن المركز القانونى لنقابة المهن العلمية مغاير لغيرها، ووعاء هذه الضريبة هو برميل البترول الخام، وقد حدد المشرع مقدارها فى صورة مبلغ من النقود منسوباً إلى هذا الوعاء، وجاء فرضها متسماً بالعمومية والمساواة ، باعتبار أن المكلفين بها يتحملون بعبئها دون تمييز. ومن ثم تتوافر لهذه الضريبة - التى يتم تخصيص حصيلتها لصالح نقابة بذاتها كضريبة مرفقية ، ضوابطها الشكلية والموضوعية .
وحيث أن الفقرة (د) من البند الرابع من المادة (79) من القانون رقم 80 لسنة 1969 بشأن نقابة المهن العلمية -وهى النص المطعون فيه- تقضى بأن تشمل إيرادات النقابة ما يلى :-
بند (4) ما تحصله النقابة من فئات دمغات المهن العلمية التى تتحملها الشركات المنتجة للكيماويات الصناعية ، وتعتبر جزءاً من عناصرالتكلفة ، وذلك على النحو الآتى :-
أ-........ ب- ........... ج-........ د- برميل من البترول الخام وأى من المنتجات البترولية المصنعة (1) قرش.
وجاء بالمذكرة الإيضاحية لهذا القانون أن من بين موارد النقابة ما تحصله من طوابع الدمغة ، وأن بعض فئاتها لم تعد تتلاءم مع الأوضاع الماليه للنقابة بالنظر إلى ضآلتها، وأن التطبيق العملى لحكم الفقرة الرابعة من المادة (79) من قانونها، قد أسفر عن صعوبات متعددة فى مجال تحصيل تلك الضريبة . ومن ثم رؤى أن يكون فرضها مقصوراً على صناعة الأسمنت والسماد والصودا الكاوية والبترول الخام... .
وحيث أن من المقرر فى قضاء المحكمة الدستورية العليا، أن الضريبة العامة هى التى لا يقتصر نطاق تطبيقها على رقعة إقليمية معينة تنبسط عليها دون سواها، ويتحدد المخاطبون بها فى إطار هذه الدائرة وحدها. بل يعتبر تحقق الواقعة المنشئة لها على امتدا النطاق الإقليمى للدولة -وبغض النظر عن تقسيماتها الإدارية - مرتباً لدينها فى ذمة الممول، بما مؤداه: تكافؤ الممولين المخاطبين بها فى الخضوع لها دون تمييز، وسريانها بالتالى -بالقوة ذاتها- كلما توافر مناطها فى أية جهة داخل الحدود الإقليمية للدولة . ولا يعنى ذلك أن يتماثل الممولون فى مقدار الضريبة التى يؤدونها، بل يقوم التماثل على وحدة تطبيقها من الناحية الجغرافية ، فالتكافؤ أو التعادل بينهم ليس فعلياً Intrihsic، بل جغرافياً Geographic.
وحيث أن الدستور أعلى شأن الضريبة العامة ، وقدر أهميتها بالنظر إلى خطورة الآثار التى ترتبها، وبوجه خاص من ناحية جذبها لعوامل الإنتاج أو طردها أو تقييد تدفقها، وما يتصل بها من مظاهر الانكماش أو الانتعاش، وتأثيرها بالتالى على فرص الاستثمار والادخار والعمل وتكلفة النقل وحجم الإنفاق، وكان الدستور - نزولاً على هذه الحقائق واعترافاً بها - قد مايز بين الضريبة العامة وغيرها من الفرائض المالية ، فنص على أن أولاًهما: لايجوز فرضها أو تعديلها أو إلغاؤها إلا بقانون، وأن ثانيتهما: يجوز إنشاؤها فى الحدود التى يبينها القانون. ولازم ذلك أن السلطة التشريعية هى التى تملك بيدها زمام الضريبة العامة ، إذ تتولى بنفسها -من دون السلطة التنفيذية - تنظيم أوضاعها بقانون يصدر عنها، متضمناً تحديد الأموال المحملة بها، وأسس تقدير وعائها، ومبلغها، والمكلفين بأدائها، والجزاء على مخالفة أحكامها، وغير ذلك مما يتصل ببنيانها عدا الإعفاء منها، إذ يجوز أن يتقرر فى الأحوال التى يبينها القانون.
متى كان ذلك، فإن نص القانون يعتبر مصدراً مباشراً للضريبة العامة ، إذ يحيط بها وينظم رابطتها فى إطار من قواعد القانون العام، متوخياً تقديراً موضوعيا ومتوازناً لموجباتها، وبما يكفل الانتفاع بحصيلتها فيما يعود بالنفع العام على الجماعة منظوراً فى ذلك إلى ما يحقق رخاءها.
وحيث أن الأصل أن يتوخى المشرع بالضريبة التى يفرضها أمرين يكون أحدهما أصلاً مقصوداً منها ابتداءprimary motive ويتمثل فى الحصول على غلتها لتعود إلى الدولة وحدها، تصبها فى خزانتها العامة لتعينها على مواجهة نفقاتها. ويكون ثانيهما مطلوباً منها بصفة عرضية أو جانبية أو غير مباشرة incidential motive كاشفاً عن طبيعتها التنظيمية regulatory nature دالاً على التدخل بها لتغيير بعض الأوضاع القائمة ، وبوجه خاص من زاوية تقييد مباشرة الأعمال التى تتناولها، أو حمل المكلفين بها -من خلال عبئها- على التخلى عن نشاطهم، وعلى الأخص إذا كان مؤثماً جنائياً كالتعامل فى المواد المخدرة . وهذه الآثار العرضية للضريبة كثيراً ماتلازمها، وتظل للضريبة مقوماتها من الناحية الدستورية ، ولا تزايلها طبيعتها هذه، لمجرد أنها تولد آثاراً عرضية بمناسبة إنشائها.
Every tax is in some measure regulatory. To some extent it interposes an economic impediment to the activity taxed as compared with others not taxed. But a tax is not any the less a tax because it has a regulatory effect tending to restrict or suppress the thing taxed.
بيد أن الضريبة تتجرد من خصائصها إذا كان من شأنها تدمير وعائها، أو كان لها وطأة الجزاء بما يباعد بينها وبين الأغراض المالية التى ينبغى أن تتوخاها أصلاً، وكذلك كلما قام الدليل على انتفاء المصلحة المشروعة التى تسوغها. وهو ما يقع بوجه خاص إذا كان معدل الضريبة أو أحوال فرضها، مناقضا للأسس الموضوعية التى لا تقوم الضريبة إلا بها.
وحيث إن اختيار المشرع للمال محل الضريبة ، وإن كان مما يخضع لسلطته التقديرية ، وكان من المقرر كذلك أن دستورية الضريبة لا ينال منها أن تكون حصيلتها متناهية فى ضآلتها negligible أو أن يكون باعثها غير مرض بوجه عام، أو أن يكون هدفها الحصول أصلاً من المكلفين بها على مبلغها مع تنظيم نشاطهم عرضا بما يجعل استمراراهم فيه مرهقا onerous كفرض ضريبة على محال القمار، إلا أن الضريبة العامة يحكمها أمران لا ينفصلان عنها، بل تتحدد دستوريتها على ضوئهما معا: أولهما: أن الأموال التى تجبيها الدولة من ضرائبها العامة وثيقة الاتصال بوظائفها الحيوية ، وبوجه خاص ما تعلق منها بتأمين مجتمعها، والعمل على تطويره. من الناحيتين الاجتماعية والاقتصادية . ذلك أن فعالية قيامها على وظائفها هذه، يقتضيها أن توفر بنفسها -ومن خلال الضريبة وغيرها من الموارد- المصادر اللازمة لتمويل خططها وبرامجها. وسبيلها إلى ذلك –وكلما عن لها إيقاع ضريبة ما على مال معين- هو أن تلجأ إلى السلطة التشريعية لإقناعها بفرضها باعتبار أن تقرير الضريبة مما يدخل فى اختصاصها، بل هو من أكثر المهام إتصالاً بوجودها، وإن كان اختصاصها بتنظيم أوضاع الضريبة ، لا يجوز أن يحول بينها وبين تقرير ضوابط تهيمن بها على إنفاق الأموال التى جمعتها الدولة من ضرائبها ومكوسها وإتاواتها وغراماتها ودومينها الخاص، وغير ذلك من الموارد التى تصبها فى خزانتها العامة ، لتفقد كل منها- بإندماجها مع بعضها البعض- ذاتيتها، ولتشكل جميعها نهراً واحداً لإيراداتها الكلية consolidated Funds . ومن خلال رقابتها عليها وضبطها لمصارفها، تعمل السلطة التشريعية على إنفاذ سياستها المالية التى لا يجنح الاقتصاد معها نحو أعاصير لا تؤمن عواقبها، وبوجه خاص فى نطاق العمالة ، وضمان استقرار الأسعار، وصون معدل معقول للتنمية ، وكذلك حد أدنى لمواجهة أعباء الحياة . ولازم ذلك أن تتقيد السلطة التنفيذية بالقواعد والضوابط التى رصدتها السلطة التشريعية ليتم بموجبها الإنفاق العام، فلايكون إسرافاً أو تبديداً أو إرشاءً أو إغواءً، بل من ضبطاً وأميناً، مقتصدا ًو رشيداً. وهى بعد قواعد لا يجوز على ضوئها جر مبالغ من الخزانة العامة قبل تخصيصها وفقاً للقانون، بما يكفل رصدها على الأغراض التى حددها، والتى لا يجوز أن تتحول عنها السلطة التنفيذية ، أو أن تعدل فيها بإرادتها المنفردة ، ولو واجهتها ضرورة تقتضيها إنفاق أموال غير مدرجة بالموازنة العامة أو زائدة على تقديراتها. وتؤكد هذه المعانى بعض الدساتير الأجنبية كالدستور الأمريكى ، ذلك أن الفقرة (7) من الفصل (9) من مادته الأولى صريحة فى حظرها إخراج أموال من الخزانة العامة إلا بعد تخصيصها وفقاً للقانون No money Shall be drawn from the Treasury , but in consequence of appropriations made by law. وهى عين القاعدة التى كفلتها الفقرة الثالثة من المادة (114) من دستور الهند، وتدل عليها كذلك أحكام المواد (115، 116، 120) من دستور جمهورية مصر العربية التى تقضى أولاًها: بأنه يجب عرض مشروع الموازنة العامة على مجلس الشعب قبل شهرين على الأقل من بدء السنة المالية ، ولا تكون نافذة إلا بموافقته عليها. وتقرر ثانيتها: أن نقل أى مبلغ من باب إلى آخر من أبواب الموازنة العامة لا يجوز إلا بموافقة مجلس الشعب. كما تجب هذه الموافقة فى شأن كل مصروف غير وارد بها، أو زائد على تقديراتها، ويكون ذلك بقانون. وتنص ثالثتها: على أن ينظم القانون القواعد الأساسية لجباية الأموال العامة ، وإجراءات صرفها.
وحيث أن ماتقدم مؤداه: أن أموال الدولة بكل مكوناتها، وكذلك ضوابط إنفاقها يهيئان معاً الظروف الضرورية التى تفى السلطة التنفيذية من خلالها بواجباتها. ولئن ذهب البعض إلى أن تحصيل هذه الأموال وإنفاقها وجهان لعملة واحدة ، إلا أن من الصحيح أن هاتين العمليتين من فصلتان، ولكل منهما أسسها وبواعثها، وإن كان إنفاق المال العام وفق ضوابط صارمة ، يعد شرطاً لازماً لضمان عدم تبديده أو توجيهه لغير الأغراض التى رصد عليها. بما مؤداه: أن ربط الموارد فى جملتها، بمصارفها تفصيلاً، وإحكام الرقابة عليها، يعد إلتزاماً دستورياً يقيد السلطة التشريعية ، فلا يجوز لها أن تتنصل منه، أو تناقض فحواه بعمل من جانبها، إذ هو جوهر اختصاصها فى مجال ضبطها لمالية الدولة ، وإرساء قواعدها وفقاً للدستور.
ثانيهما: أن الضريبة العامة -وبغض النظر عن جوانبها التنظيمية التى تعتبر من آثارها العرضية غير المباشرة - لا تزال مورداً مالياً، بل هى كذلك أصلاً وابتداءً. ومن ثم تتضافر مع غيرها من الموارد التى تستخدمها الدولة لمواجهة نفقاتها الكلية سواء فى مجال الدفاع والأمن وغيرها من الشئون التلقليدية ، أو لمواجهة ماجَدّ من اختصاصاتها كتلك التى تتعلق بالصحة والتعليم والنقل لإشباع أعبائها الاجتماعية ، أو متطلباتها الاستثمارية وغير ذلك من احتياجاتها، سواء فى ذلك تلك التى يكون طابعها منتظماً أو طارئاً، وكان من المقرر أن نوع وحجم الإنفاق العام، إنما يتأثر بالسياسة التى تتبناها الدولة ، والأوضاع السائدة فيها، وبوجه خاص من النواحى الأيديولوچية التى تعكس مذهبها، وترسم كذلك حدود أولوياتها فى مجال هذا الإنفاق، فإن أو جهه المتعددة ، وضرورة إجرائها وفقاً للأوضاع التى نص عليها القانون على ضوء ضوابط الدستور، هى التى ينبغى أن تحكم سلوكها وتبين نطاق تدخلها. بما مؤداه: أن استخدامها لمواردها تلك لا ينفصل عن واجباتها الدستورية ، وكذلك مسئولياتها أن تكون مصارفها مسخرة لتحقيق النفع العام لمواطنيها.
ومن ثم يكون النفع العام - أو ما يعبر عنه احياناً بأكبر منفعة جماعية - قيداً على إنفاقها لإيراداتها، وكذلك شرطاً لفرضها ابتداءً، وهو بعد شرط كامن فى الضريبة العامة ذاتها باعتبار أن إنصرافها إلى المخاطبين بها على امتداد الحدود الإقليمية للدولة ، يفترض أن يكون إنفاقها كافلاً لخيرهم العام، ولو لم يجن كل منهم استقلا لاً فائدة مباشرة من جراء هذا الانفاق. فإذا لم يكن ثمة نفع عام يتصل بالأغراض التى يقتضيها صون مصالح مواطنيها ورعايتهم، أو كان تدخلها مجاوزاً الحدود التى يتعين أن يقع الإنفاق فى نطاقها، فإن عملها لايكون مبرراً من الناحية الدستورية .
وتؤيد هذا النهج بعض الدساتير بنصوص قاطعة من بينها ما تقرره الفقرة الأولى من الفصل الثامن من المادة الأولى من الدستور الأمريكى من أن السلطة التى يملكه الكونجرس فى مجال فرض الضريبة والمكوس بمختلف أنواعها، غايتها أن توفر الحكومة الفيدرالية من خلالها، ما يلزمها للوفاء بديونها، ولإشباع متطلباتها الدفاعية ، ولتحقيق الرخاء العام على امتداد الإقليم. وبذلك تكون أغراض التمويل قيداً على السلطة الضرائبية يقارنها ولا يفارقها، وحداً من الناحية الدستورية على ضوابط إنفاق المال العام. ولا يعنى ماتقدم أن الدولة لا تستطيع تحويل بعض مواردها إلى الجهة التى تراها لتعينها بها على النهوض بمسئولياتها وتطوير نشاطها، بل يجوز ذلك بشرطين أولهما: أن تكون الأغراض التى تقوم عليها هذه الجهة وفقاً لقانون إنشائها، وثيقة الاتصال بمصالح المواطنين فى مجموعهم، أولها آثارها على قطاع عريض من بينهم، مما يجعل دورها فى الشئون التى تعنيهم حيوياً. ثانيهما: أن يكون دعمها مالياً مطلوباً لتحقيق أهدافها، على أن يتم ذلك - لا عن طريق الضريبة التى تفرضها السلطة التشريعية ابتداء لصالحها لتعود إليها مباشرة غلتها، بل من خلال رصد ما يكفيها بقانون الموازنة العامة وفقاً للقواعد التى نص عليها الدستور، وفى إطار الأسس الموضوعية التى يتحدد مقدار هذا الدعم على ضوئها.
وحيث أن ضريبة الدمغة محل النزاع الماثل - وعلى ضوء ما قرره النص المطعون فيه - يتوافر مناط استحقاقها كلما أنتج برميل من البترول الخام أياً كان موقع هذا الإنتاج، لتكون لها بالتالى خصائص الضريبة العامة التى لا ينحصر تطبيقها فى رقعة إقليمية معينة ، بل يعتبر تحقق الواقعة المنشئة لها على امتداد النطاق الإقليمى للدولة ، مرتباً لدينها فى ذمة الممول، وكان الأصل فى الضريبة - وعلى ماجرى عليه قضاء المحكمة الدستورية العليا - أنها فريضة مالية تقتضيها الدولة من الممول جبراً، إسهاماً من جهته فى أعبائها وتكاليفها العامة ، ويؤديها إليها بصفة نهائية ، ودون أن يعود عليه نفع خاص من وراء دفعها، وكان من المقرر كذلك أن الضريبة التى يكون أداؤها واجباً وفقاً للقانون - وعلى ما تدل عليه المادتان (61، 119) من الدستور - هى التى تتوافر لها قوالبها الشكلية والأسس الموضوعية التى لا تقوم إلا بها، وبشرط أن تكون العدالة الاجتماعية التى ينبنى عليها النظام الضريبى ضابطاً لها فى الحدود المنصوص عليها فى المادة (38) من الدستور، وكان الأصل فى الضريبة -وباعتبار أن حصيلتها تعد إيراداً عاماً- أن يؤول مبلغها إلى الخزانة العامة ليندمج مع غيره من الموارد التى تم تدبيرها، وكان النص المطعون فيه قد فرض الضريبة المتنازع عليها - لا لتقتضيها الدولة جبراً من الملتزمين بها لمواجهة نفقاتها العامة محددة مصارفها وفق قانون الموازنة العامة ، ولتباشر من خلالها دورها بالتدخل لإشباع مصالحها بما يكفل الخير العام لمواطنيها- بل قرر النص المطعون فيه هذه الضريبة لصالح نقابة بذاتها، واختصها بحصيلتها التى تؤول مباشرة إليها، فلا تدخل خزانة الدولة أو تقع ضمن مواردها ليمتنع استخدامها فى مجابهة نفقاتها العامة ، ولتكون فى حقيقتها معونة مالية رصدتها الدولة لتلك النقابة - لا عن طريق الضوابط التى فرضها الدستور فى شأن الإنفاق العام - ولكن من خلال قيام الضريبة المطعون عليها بدور يخرجها عن مجال وظائفها، ويفقدها مقوماتها لتنحل عدماً، وهو ما يقتضى الحكم بعدم دستوريتها لمخالفتها أحكام المواد (61، 115، 116، 119، 120) من الدستور.
وحيث إنه إذ كان ماتقدم، فلا محل للخوض فيما ساقه المدعون من مخالفة النص المطعون فيه لمبدأ المساواة بين العلميين وغيرهم ممن يسهمون معهم فى إنتاج البترول على النحو السالف بيانه، ذلك أن الحماية القانونية المتكافئة بين المراكز القانونية المتماثلة ، تفترض بداءة أن يكون بنيان هذه المراكز جميعها متوائماً مع أحكام الدستور، بما يؤكد مشروعيتها. وإذ كان تقرير الضريبة المطعون عليها مخالف للدستور مما اقتضى الحكم بإنعدامها، وكان العدم لا يقاس عليه، ولامساواة فيه، فإن مد حكمها إلى الأخرين لايكون جائزاً.
وحيث إنه متى كان ما تقدم، وكانت المادة (127) من القانون رقم 80 لسنة 1969 بشأن نقابة المهن العلمية قد نصت على أن يعاقب بغرامة لا تتجاوز مائة جنيه كل من يخالف القواعد الخاصة بدمغة النقابة المشار إليها فى البندين (3، 4) من المادة (79)، وكذلك كل من يتداول الأوراق أوالعبوات أو المنتجات المشار إليها فى البندين المذكورين دون استيفاء الدمغة المطلوبة ، وكان الحكم بعدم دستورية ضريبة الدمغة فى مجال تطبيقها بالنسبة للبند (4) فقرة (د) من المادة (79) المشار إليها، يعنى بطلانها وزوال الآثار التى رتبتها فى محيط العلاقات القانونية ، وكان ما يتصل من أحكام المادة (127) من القانون رقم 80 لسنة 1969 المشار إليه بذلك البند، مؤداه: ارتباطهما معاً ارتباطاً لا يقبل التجزئة ، فإن تلك الأحكام -وبقدر هذا الاتصال- تسقط تبعاً للحكم ببطلان الضريبة المطعون عليها.
فلهذه الأسباب
حكمت المحكمة بعدم دستورية الفقرة (د) من البند (4) من المادة (79) من القانون رقم 80 لسنة 1969 بشأن نقابة المهن العلمية المعدل بالقانون رقم 120 لسنة 1983، وألزمت الحكومة المصروفات ومبلغ مائه جنيه مقابل أتعاب المحاماة .