الدعوى 21 لسنة 20 - دستورية - المحكمة الدستورية العليا - مرفوعة علنية رقم 21 لسنة 20 بتاريخ 03/06/2000
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
باسم الشعب
المحكمة الدستورية العليا
بالجلسة العلنية المنعقدة يوم السبت 3 يونيه سنة 2000 الموافق 30 صفر سنة 1421ه
برئاسة السيد المستشار/ محمد ولى الدين جلال رئيس المحكمة
وعضوية السادة المستشارين : الدكتور/ عبد المجيد فياض وماهر البحيرى ومحمد على سيف الدين وعدلى محمود منصور ومحمد عبد القادر عبد الله وأنور رشاد العاصى
وحضور السيد المستشار/ عبد الوهاب عبد الرازق رئيس هيئة المفوضين
وحضور السيد/ ناصر إمام محمد حسن أمين السر
أصدرت الحكم الآتى
فى القضية المقيدة بجدول المحكمة الدستورية العليا برقم 21 لسنة 20 قضائية دستورية
المقامة من
السيد / ..........................
ضد
1- السيد رئيس مجلس الوزراء
2- السيد وزير التأمينات والشئون الاجتماعية بصفته الرئيس الأعلى للهيئة القومية للتأمين الاجتماعى
الإجراءات
بتاريخ السابع والعشرين من يناير سنة 1998، أودع المدعى صحيفة هذه الدعوى قلم كتاب المحكمة ، طالباً الحكم بعدم دستورية الفقرتين الأولى والثانية من المادة (130) من قانون التأمين الاجتماعى الصادر بالقانون رقم 79 لسنة 1975.
وقدمت كل من هيئة قضايا الدولة ، والهيئة القومية للتأمين الاجتماعى ، مذكرة طلبتا فيها الحكم برفض الدعوى .
وبعد تحضير الدعوى ، أودعت هيئة المفوضين تقريراً برأيها.
ونُظرت الدعوى على الوجه المبين بمحضر الجلسة ، وقررت المحكمة إصدار الحكم فيها بجلسة اليوم.
المحكمة
بعد الاطلاع على الأوراق، والمداولة .
حيث إن الوقائع - على ما يبين من صحيفة الدعوى وسائر الأوراق - تتحصل فى أن المدعى كان قد أقام الدعوى رقم 5128 لسنة 1997 أمام محكمة جنوب القاهرة الإبتدائية ضد المدعى عليه الثانى طالباً الحكم بأن يدفع إليه جملة المبالغ التى تم تحصيلها منه بالزيادة عما هو مستحق عليه بسبب نشاطه فى أعمال المقاولات.
وأثناء نظر الدعوى دفع المدعى بعدم دستورية الفقرتين الأولى والثانية من المادة (130) من قانون التأمين الاجتماعى الصادر بالقانون رقم 79 لسنة 1975 فيما تضمنه من فرض غرامة تأخير بنسبة 50% من الاشتراكات المتأخرة ، وإذ قدرت محكمة الموضوع جدية هذا الدفع وصرحت له بإقامة الدعوى الدستورية ، فقد أقام الدعوى الماثلة .
وحيث إن المادة (130) من قانون التأمين الاجتماعى الصادر بالقانون رقم 79 لسنة 1975 معدلة بالقانون رقم 47 لسنة 1984 ورقم 107 لسنة 1987 تنص على أن مع عدم الإخلال بحكم الفقرة الثانية من المادة (129) يلتزم صاحب العمل بأداء المبالغ الإضافية الآتية :
1- 50 % من الاشتراكات التى لم يؤدها نتيجة عدم اشتراكه عن كل أو بعض عما له أو أدائه الاشتراكات على أساس أجور غير حقيقية .
2- 50% من رصيد الاشتراكات التى لم يؤدها عن كل سنة مالية على حدة .
ويجوز الإعفاء من المبالغ الإضافية المنصوص عليها فى هذه المادة إذا كانت هناك أعذار مقبولة طبقاً للقواعد والشروط التى يصدر بها قرار من وزير التأمينات. ويتم الإعفاء بقرار من الوزير أو من يفوضه.
وحيث إن من المقرر أن مناط المصلحة الشخصية المباشرة فى الدعوى الدستورية -وهى شرط لقبولها- أن يكون ثمة ارتباط بينها وبين المصلحة فى الدعوى الموضوعية ، وذلك بأن يكون الفصل فى المسألة الدستورية مؤثراً فى الطلبات المرتبطة بها والمطروحة على محكمة الموضوع، وكانت الفقرة الأولى من المادة (130) المطعون عليها تلزم صاحب العمل بأداء مبالغ إضافية تقدر بخمسين فى المائة من الاشتراكات التى لم يؤدها نتيجة عدم اشتراكه عن كل أو بعض عما له أو أدائه الاشتراكات على أساس أجور غير حقيقية ، بالإضافة إلى 50 % من رصيد الاشتراكات التى لم يؤدها عن كل سنة مالية ، وكانت طلبات المدعى فى الدعوى الموضوعية تتحدد بإلزام المدعى عليه الثانى برد المبالغ التى تم تحصيلها بالزيادة بالتطبيق لهذه الفقرة ، وكانت هذه الغاية تتحقق للمدعى إذا ما قضى بعدم دستورية النص الطعين، فإن نطاق الخصومة الدستورية الماثلة يتحدد بنص الفقرة الأولى من المادة (130) المشار إليها.
وحيث إن المدعى ينعى على النص الطعين أمرين، أولهما: أن قانون التأمينات الاجتماعية وإن توخى حماية المصالح التأمينية باعتبار أن الحصول على الموارد اللازمة لكفالتها هدفاً مقصوداً منه ابتداء، إلا أن هذه المصالح ينبغى موازنتها بالعدالة الاجتماعية بوصفها إطاراً مقيداً لنصوص هذا القانون، فلايكون الإلتزام بأداء هذه الموارد متمحضاً عقاباً بما يخرجها عن بواعثها ويفقدها مقوماتها، وثانيهما: أن الأصل فى كل جزاء أن يكون متناسباً مع الأفعال التى نهى عنها المشرع وإلا كان مشوباً بالغلو، كذلك فإن مؤدى مبدأ مساواة المواطنين فى الأعباء والتكاليف العامة ، ألا يعامل المتراخون فى توريد اشتراكات التأمين الاجتماعى وفق الأسس ذاتها التى يعامل بها الممتنعون عن سدادها أصلاً.
وحيث إن الدستور حرص فى المادة (17) منه على دعم التأمين الاجتماعى حين ناط بالدولة مد خدماتها فى هذا المجال إلى المواطنين فى الحدود التى يبينها القانون، وذلك من خلال تقرير ما يعينهم على مواجهة بطالتهم أو عجزهم عن العمل أو شيخوختهم، باعتبار أن مظلة التأمين الاجتماعى -التى يحدد المشرع نطاقها- هى التى تكفل بمداها واقعا أفضل يؤمن المواطن فى غده، وينهض بموجبات التضامن الاجتماعى التى يقوم عليها المجتمع وفقاً لنص المادة (7) من الدستور، بما مؤداه: أن المزايا التأمينية ضرورة اجتماعية بقدر ما هى ضرورة اقتصادية ، وأن غايتها أن تؤمن المشمولين بها فى مستقبل أيامهم عند تقاعدهم، أو عجزهم، أو مرضهم، وأن تكفل الحقوق المتفرعة عنها لأسرهم بعد وفاتهم.
وحيث إن ضمان الرعاية التأمينية ، إنما يكون أصلاً من خلال الدولة إلتزاماً من جانبها بأن توفر لهذه الرعاية بيئتها وأسبابها وفقاً لنص المادة (17) من الدستور، بيد أن إلتزامها بأن تكفل لمواطنيها ظروفاً أفضل تتهيأ بها لخدماتهم التأمينية ما يقيمها - فى نوعها ونطاقها - على أسس ترعى احتياجاتهم منها وتطورها، لا يعنى أن تنفرد وحدها بمتطلباتها، ولا أن تتحمل دون غيرها بأعبائها، وإلا كان ذلك تقويضاً لركائز التضامن الاجتماعى التى يقوم مجتمعها عليها، ومن ثم كان منطقياً أن يتضافر معها القادرون من مواطنيها فى مجال النهوض بها، وذلك من خلال إسهامهم فى تمويل تكاليف هذه الرعاية عن طريق الاشتراكات التى يؤدونها، على النحو المبين بالقانون، ومن ثم فإن إسهام المواطنين فى تكاليف الرعاية التأمينية هى واسطة الدولة لايفاء الحقوق التأمينية المقررة للعاملين، سواء كان ذلك أثناء خدمتهم كالتعويض عن إصابتهم ورعايتهم طبياً، أو كان بعد انتهائها كتعويض الدفعة الواحدة أو المعاش، ومن ثم تمثل هذه الإسهامات جانباً من الوعاء الذى توجهه الدولة - التى تقوم فى التأمين الاجتماعى بدور المؤمن- إلى المشمولين بأحكامه لضمان انتفاعهم بالحقوق التأمينية فى الحدود التى يبينها القانون.
وحيث إن بعض أرباب الأعمال قد يمارون فى شأن حقيقة الأجور التى يتقاضاها عما لهم باعتبار أن مصلحتهم ينافيها أن يقدموا للهيئة التى تقوم على شئون التأمين الاجتماعى ، بياناً دقيقاً بتكلفة العمل، ذلك أن أعباءهم التأمينية تتحدد على ضوء حصتهم التى يدفعونها إليها بعد خفضها إلى أدنى حد ممكن، بل والتحايل على التخلص منها كلية ، مما يحملهم على الإخلال بوعائها سواء من خلال التقرير بأجور أقل من تلك التى يدفعونها فعلاً للعمال الذين تعاقدوا معهم، أو من خلال التقاعس عن الإدلاء بالبيانات الحقيقية عن عدد المؤمن عليهم، أو التأخر فى إيفاء الاشتراكات - أو غيرها من الإلتزامات المالية - للهيئة التى تقوم على شئون التأمين الاجتماعى ، ليكون إلباس الحقيقة غير ثوبها محوراً لبياناتهم، مما يناقض مصالح العمال، ويحول دون انتفاعهم بالخدمات التأمينية التى كان يجب تقديمها إليهم سواء فى أصلها أو نطاقها إزاء قصور موارد الدولة اللازمة لإيفاء هذه الحقوق. ومن ثم فقد بات منطقياً أن يقابل المشرع هذا التقاعس من جانب أرباب الأعمال بجزاء يضمن الوفاء بحقيقة إلتزاماتهم المالية ، ويتعين - لضمان اتفاق هذا الجزاء مع الدستور - أن تتوافر علاقة منطقية بين الأغراض المشروعة التى اعتنقها المشرع وفاء للمصلحة العامة ، والوسائل التى اتخذها طريقاً لبلوغها، فلا تنفصل نصوصه القانونية عن أهدافها.
وحيث إن الدستور قرن العدل بكثير من النصوص التى تضمنها، ليكون قيداً على السلطة التشريعية فى المسائل التى تناولتها هذه النصوص، وأنه وإن خلا من تحديد لمعنى العدالة فى تلك النصوص إلا أن المقصود بها ينبغى أن يتمثل فيما يكون حقاً وواجباً سواء فى علائق الأفراد فيما بينهم، أو فى نطاق صلاتهم بمجتمعهم، بحيث يتم دوماً تحديدها من منظور اجتماعى ، ذلك أن العدالة تتوخى - بمضمونها- التعبير عن القيم الاجتماعية السائدة فى مجتمع معين خلال فترة زمنية محددة . ومن ثم فإن مفهومها قد يكون مطلقاً، ولكنها عملاً -ومن زاوية نتائجها الواقعية - لا تعنى شيئاً ثابتا باطراد، بل تتباين معانيها، وتتموج توجهاتها، تبعاً لمعايير الضمير الاجتماعى ومستوياتها. ويتعين بالتالى أن توازن علائق الأفراد فيما بين بعضهم البعض، بأوضاع مجتمعهم والمصالح التى يتوخاها من أجل التوصل إلى وسائل علمية تكفل إسهام أكبر عدد من بينهم لضمان أكثر المصالح والقيم الاجتماعية تعبيراً عن النبض الاجتماعى لإرادتهم، ليكون القانون طريقاً لتوجههم الجمعى .
وحيث إن ماتقدم مؤداه: أن العدالة - فى غاياتها - لا تنفصل علاقاتها بالقانون باعتباره أداة تحقيقها، فلا يكون القانون منصفاً إلا إذا كان كافلاً لأهدافها. فإذا ما زاغ المشرع ببصره عنها، وأهدر القيم الأصيلة التى تحتضنها، كان مُنهِيَاً للتوافق فى مجال تنفيذه، ومسقطاً كل قيمه لوجوده، ومستوجباً تغييره أو إلغاءه. ومن ثم فقد جرى قضاء هذه المحكمة على أن شرعية الجزاء - جنائياً كان أم تأديبياً أم مدنياً - لا يمكن ضمانها إلا إذا كان متناسباً مع الأفعال التى أثمها المشرع أو منعها فى غير ماغلوّ ٍ أو إفراط.
وحيث إن أصحاب الأعمال المسئولين عن أداء الاشتراكات - وغيرها من الإلتزامات المالية - التى فرضها المشرع عليهم، يلتزمون عملاً بنص الفقرة الأولى من المادة (130) من القانون رقم 79 لسنة 1975بأداء خمسين فى المائة من قيمة الاشتراكات التى لم يؤدوها عن كل أو بعض عما لهم أو حال أدائهم الاشتراكات على أساس أجور غير حقيقية ، فضلاً عن إلتزامهم بأداء خمسين فى المائة من رصيد اشتراكاتهم التى لم يؤدوها عن كل سنة مالية على حدة ، وكان ما توخاه المشرع من تقرير هذا الجزاء -منظوراً فى ذلك إلى مداه- هو حمل الملتزمين بها على إيفائها للهيئة القومية للتأمين الاجتماعى لضمان تحصيلها، والتقليل من تكلفة جبايتها، فلا يتخلى عن توريدها، المسئولون عنها، وإلا كان ردعهم لازماً؛ فإن معنى العقوبة يكون ماثلاً فى ذلك الجزاء -وإن لم يكن عقاباً بحتاً- وهو ما يظهر بوضوح من خلال وحدة مقداره. ذلك أن المتخلفين عن توريد هذه الاشتراكات يلتزمون فضلاً عن مبلغها- بأداء خمسين فى المائة من قيمتها فى كل الأحوال سواء أكان الإخلال بتوريدها ناشئاً عن عمد، أم إهمال، أم عن فعل غير مقترن بأيهما؛ متصلاً بالغش أو التحايل أومجرداً منهما؛ واقعاً مرة واحدة أو متعدداً، وسواء كان التأخير فى توريد هذه المبالغ ممتداً زمناً، أم مقصوراً على يوم واحد. إذ يتعين دوماً أداء خمسين فى المائة من مبلغها، ولو كان النكول عن توريدها ناشئاً عن ظروف مفاجئة ، ومجردا من سوء القصد. وكان ينبغى على المشرع أن يُفرِّق فى هذا الجزاء، بين من يتعمدون اقتناص هذه المبالغ لحسابهم، ومن يقصرون فى توريدها، وأن يكون الجزاء على هذا التقصير متناسباً مع المدة التى امتد إليها.
وحيث إن المشرع جمع إلى جانب الجزاء المتقدم جزاء آخر نصت عليه الفقرة الثانية من المادة (129) من قانون التأمين الاجتماعى والتى تلزم صاحب العمل - فى حالة تأخره عن سداد ذات المبالغ - بأداء مبلغ إضافى بنسبة 1% شهرياً عن المدة من تاريخ وجوب الأداء حتى نهاية شهر السداد، لتتعامد هذه الجزاءات جميعها على فعل واحد يتمثل فى عدم أدائه الاشتراكات المستحقة عن عما له كلهم أو بعضهم أو أدائه إياها على أساس أجور غير حقيقية ، وكان مبدأ خضوع الدولة للقانون -محدداً على ضوء مفهوم ديموقراطى - يعنى أن مضمون القاعدة القانونية التى تسمو فى الدولة القانونية عليها، وتتقيد هى بها، إنما يتحدد على ضوء مستوياتها التى إلتزمتها الدول الديموقراطية فى مجتمعاتها، واستقر العمل باضطراد على إنتهاجها فى مظاهر سلوكها، لضمان ألا تنزل الدولة القانونية بالحماية التى توفرها لحقوق مواطنيها وحرياتهم، عن الحدود الدنيا لمتطلباتها المقبولة بوجه عام فى تلك الدول، ويندرج تحتها، ألا يكون الجزاء، على أفعالهم - جنائياً كان أم مدنياً أم تأديبياً، أم مالياً - إفراطاً، بل متناسباً معها ومتدرجاً بقدر خطورتها ووطأتها على الصالح العام، فلا يكون هذا الجزاء إعناتاً؛ وكان تعدد صور الجزاء - مثلما هو الحال فى الدعوى الراهنة - وانصبابها جميعاً على مال المدين- مع وحدة سببها- يعتبر توقيعاً لأكثر من جزاء على فعل واحد، منافياً لضوابط العدالة التى يجب أن يقوم عليها النظام التأمينى فى الدولة ، ومنتقصاً بالتالى -ودون مقتض- من العناصر الإيجابية للذمة المالية للمسئولين عن توريد المبالغ التى فرضها المشرع للاضطلاع بمسئوليته عن توفير الرعاية التأمينية ، فإن النص المطعون فيه يكون مخالفاً أحكام المواد (7، 34، 65) من الدستور.
وحيث إنه، وقد خلصت المحكمة إلى إبطال نص الفقرة الأولى من المادة (130) من قانون التأمين الاجتماعى ، فإن رخصة الإعفاء المخولة لوزير التأمينات بنص الفقرة الثانية من ذات المادة تغدو ساقطة لورودها على غير محل.
فلهذه الأسباب
حكمت المحكمة بعدم دستورية نص الفقرة الأولى من المادة (130 ) من قانون التأمين الاجتماعى الصادر بالقانون رقم 79 لسنة 1975وبسقوط فقرتها الثانية ، وألزمت الحكومة المصروفات، ومبلغ مائة جنيه مقابل أتعاب المحاماة .