الدعوى 27 لسنة 15 - دستورية - المحكمة الدستورية العليا - مرفوعة علنية رقم 27 لسنة 15 بتاريخ 04/02/1995

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

باسم الشعب

 

المحكمة الدستورية العليا

بالجلسة العلنية المنعقدة فى يوم السبت 4 فبراير سنة 1995 الموافق 4 رمضان 1415ه

برئاسة السيد المستشار الدكتور عوض محمد عوض المر رئيس المحكمة

وحضور السادة المستشارين: الدكتور محمد إبراهيم أبوالعينين وفاروق عبد الرحيم غنيم وعبد الرحمن نصير والدكتور عبد المجيد فياض ومحمد علي سيف الدين وعدلي محمود منصور أعضاء

وحضور السيد المستشار الدكتور حنفى على جبالى رئيس هيئة المفوضين

وحضور السيد/ رأفت محمد عبد الواحد أمين السر

أصدرت الحكم الآتى

:

فى القضية المقيدة بجدول المحكمة الدستورية العليا برقم 27 لسنة 15 قضائية دستورية ·

المقامة من

- السيد/ .........................

ضد

- السيد/ رئيس الجمهورية

- السيد/ رئيس مجلس الوزراء

- السيد المستشار/ وزير العدل

- السيدة / .........................

الإجراءات

بتاريخ 17 يولية 1993 أودع المدعي قلم كتاب المحكمة صحيفة هذه الدعوي طالباً الحكم بعدم دستورية المادتين 280 و 347 من لائحة ترتيب المحاكم الشرعية الصادرة بالمرسوم بقانون رقم 78 لسنة 1931 ·

وقدمت هيئة قضايا الدولة مذكرة طلبت فيها الحكم بعدم قبول الدعوي ·

وبعد تحضير الدعوي ، أودعت هيئة المفوضين تقريراً برأيها ·

ونظرت الدعوي علي الوجة المبين بمحضر الجلسة ، وقررت المحكمة إصدار الحكم فيها بجلسة اليوم ·

المحكمة

بعد الاطلاع علي الأوراق ، والمداولة ·

حيث إن الوقائع - علي ما يبين من صحيفة الدعوي وسائر الأوراق - تتحصل في أن المدعي عليها الأخيرة كانت قد أقامت ضد مطلقها - المدعي في الدعوي الماثلة - الدعوي رقم 255 لسنة 1992 أمام محكمة الزيتون الجزئية للأحوال الشخصية طالبة الحكم عليه بدفع متجمد نفقة أولاده عن المدة من 1/2/1991 حتي 1/12/1992 ومقدارها 3450 جنيها ، وحبسه عند الامتناع عملا بالمادة 347 من لائحة ترتيب المحاكم الشرعية · وبجلسة 19 مايو سنة 1993 دفع المدعي عليه بعدم دستورية المادتين 280 و 347 من اللائحة المشار إليها، فقررت المحكمة تأجيل نظر الدعوي إلي جلسة 21 يولية سنة 1993 ليقدم المدعي عليه ما يفيد إقامته الدعوي الدستورية ، فأقام الدعوي الماثلة غير أن محكمة الموضوع قررت حجز الدعوي للحكم، ثم صدر حكمها فيها قاضيا أولاً برفض الدفع بعدم الدستورية · ثانياً بحبس المدعي عليه ثلاثين يوماً نظير امتناعه عن سداد مبلغ ثلاثة آلاف جنيه قيمة باقي المستحق للمدعية كنفقة للصغيرين ............ ............ عن المدة من 1/2/1991 حتي 1/12/1992 ·

وحيث إن الأصل - علي ما جري عليه قضاء المحكمة الدستورية العليا - أنه متي أقيمت الدعوي الدستورية أمامها ، دخلت هذه الدعوي في حوزتها لتهيمن عليها وحدها، ولايجوز بالتالي لمحكمة الموضوع أن تنقض قرارها الصادر بإحالة مسألة دستورية إليها ، أو تنحي الدفع الفرعي المثار أمامها بعد تقديرها لجديته ، بل يجب عليها أن تتربص قضاء المحكمة الدستورية العليا في المخالفة الدستورية المدعي بها باعتباره فاصلا فيها ، كاشفا عن صحتها أو بطلانها ، ملزما محكمة الموضوع بإعمال أثره في النزاع المعروض عليها · ولا استثناء من هذه القاعدة إلا في الأحوال التي تقرر فيها المحكمة الدستورية العليا انتفاء مصلحة المدعي في الدعوي الدستورية المطروحة عليها ، أو التي يقيم خصم أمامها الدليل علي تخليه عن دعواه الموضوعية وفقا لقواعد ترك الخصومة المنصوص عليها في قانون المرافعات المدنية والتجارية ، أو التي يُثبت فيها أمامها نزوله عن دفع بعدم الدستورية كان قد أبداه ، أو التي تنحي فيها محكمة الموضوع دفعا فرعيا بعدم دستورية نص تشريعي بعد تقديرها لجديته إعمالا من جانبها لقضاء صادر عن المحكمة الدستورية العليا بصحة أو بطلان هذا النص ذاته ·

وحيث إن المدعي ينعي علي المادتين 280 و 347 من المرسوم بقانون رقم 78 لسنة 1931 المشتمل علي لائحة ترتيب المحاكم الشرعية والإجراءات المتعلقة بها ، أن ما أوجبته أولاهما من صدور الأحكام طبقاً لأرجح الأقوال في مذهب أبي حنيفة دون سواه ، وما نصت عليه ثانيتهما من جواز حبس الأب لعدم وفائه بنفقة أولاده ، إنما يقع مخالفا لنص المادة الثانية من الدستور التي تلزم السلطة التشريعية بالتقيد بمباديء الشريعة الإسلامية فيما تقره من القواعد القانونية ، ويخل كذلك بنص المادة التاسعة من الدستور التي تقضي بأن الأسرة أساس المجتمع قوامها الدين والأخلاق والوطنية ·

وحيث إن المادة 280 من اللائحة المشار إليها تنص علي أن تصدر الأحكام طبقاً للمدون في هذه اللائحة ولأرجح الأقوال من مذهب أبي حنيفة ، ما عدا الأحوال التي ينص فيها قانون المحاكم الشرعية علي قواعد خاصة ، فيجب فيها أن تصدر تلك الأحكام طبقاً لتلك القواعد· كما تنص المادة 347 علي أنه إذا امتنع المحكوم عليه عن تنفيذ الحكم الصادر في النفقات أو في أجرة الحضانة أو الرضاعة أو المسكن ، يرفع ذلك إلي المحكمة الجزئية التي أصدرت الحكم أو التي بدائرتها محل التنفيذ· ومتي ثبت لديها أن المحكوم عليه قادر علي القيام بما حكم به وأمرته ولم يمتثل ، حكمت بحبسه· ولا يجوز أن تزيد مدة الحبس عن ثلاثين يوماً ·

وحيث إن موضوع هذا الطعن برمته سبق أن عرض علي المحكمة العليا التي أصدرت فيه حكمين أولهما برفض الدعوي رقم 1 لسنة 5 قضائية عليا دستورية وثانيهما برفض الدعوي رقم 10 لسنة 5 قضائية عليا دستورية وقد نشر هذان الحكمان في الجريدة الرسمية أولهما في 29 يوليو سنة 1974 وثانيهما في 29 يوليو 1976 ·

 

وحيث إن البين من هذين الحكمين أنهما انتهيا إلي رفض الدعوي الدستورية ·

وحيث إن الحكم الأول أقام قضاءه برفض المناعي الموجهة إلي المادة 743 من لائحة ترتيب المحاكم الشرعية علي أن المدين الموسر المماطل ، يعد ظالما يجوز ردعه وزجره كي لا يظل متماديا في ظلمه ، وأن ذلك هو ما تظاهره السنة النبوية الشريفة ، وان عقد عليه إجماع المسلمين وأئمتهم· وأقيم الحكم الثاني علي نظر حاصله أن المادة 280 من لائحة ترتيب المحاكم الشرعية لا تغلق باب الاجتهاد· بل إنها تنص علي وجوب إصدار الأحكام - فيما لا يرد فيه نص وضعي - وفقاً لأرجح الأقوال من مذهب أبي حنيفة · وليس من شأن هذه المادة منع المشرع من أن يستلهم من المذاهب الأربعة ومن غيرها ما يراه ملائما لزمانه وبيئته باعتبار أن السياسة التشريعية تقتضي من المشرع أن يفتح باب الرحمة من الشريعة نفسها ، وأن يرجع إلي آراء العلماء لمعالجة الأمراض الاجتماعية كلما استعصي مرض منها حتي يشعر الناس بأن في الشريعة مخرجا من الضيق · هذا فضلا عن أن تخير المشرع مذهبا دون مذهب أو أرجح الأقوال في مذهب من المذاهب ، وإلزام القضاء التقيد به هو من المسائل التي يترخص فيها بسلطة تقديرية وفقا لما يراه ملائما لظروف المجتمع ·

وحيث إن قضاء المحكمة الدستورية العليا قد جري علي أن الفقرة الأولي من المادة الرابعة من قانون المحكمة العليا الصادر بالقانون رقم 81 لسنة 1969 ، إذ نصت علي أن تختص المحكمة العليا دون غيرها بالفصل في دستورية القوانين ، وكانت المادة 31 من قانون الإجراءات والرسوم أمام المحكمة العليا الصادر بالقانون رقم 66 لسنة 1970 تقضي بأن ينشر في الجريدة الرسمية منطوق الأحكام الصادرة من المحكمة العليا بالفصل في دستورية القوانين ، وتكون هذه الأحكام ملزمة لجميع جهات القضاء ، فإن هاتين المادتين تكونان قد قطعتا بأن الأحكام الصادرة في الدعاوي الدستورية لا يقتصر أثرها علي من كان طرفا فيها من الخصوم ، بل ينصرف هذا الأثر كذلك إلي الناس أجمعين وإلي الدولة بمختلف تنظيماتها ، بما في ذلك جهات القضاء علي تشعبها ، وذلك سواء كانت هذه الأحكام قد انتهت إلي عدم دستورية النص المطعون عليه ومن ثم بطلانه وزوال الآثار التي أنتجها، أم إلي دستوريته وبالتالي براءته من العيوب الدستورية جميعها وبقاءه نافذاً في الصورة التي آفرغها المشرع فيه· ذلك أن الخصومة في الدعاوي الدستورية - وهي عينية بطبيعتها - تنصب علي النصوص التشريعية ذاتها تحريا لموافقتها أو مخالفتها للدستور· هذا فضلاً عن أن الرقابة القضائية علي دستورية النصوص التشريعية التي انفردت بها المحكمة العليا ، هي رقابة شاملة قوامها هذه النصوص ذاتها أيا كانت الجهة التي أقرتها أو أصدرتها ، ويمتد نطاقها إلي تجريدها من قوة نفاذها إذا ما قضي بعدم دستوريتها ، أو إلي تقرير صحتها وانتفاء موجبات إبطالها ، فلا يعرقل سريانها في مواجهة المخاطبين بها عائق·

وحيث إنه متي كان ما تقدم ، وكان قضاء المحكمة العليا قد خلص إلي دستورية نص المادتين 280 و 347 من لائحة ترتيب المحاكم الشرعية ، وكان قضاؤها هذا ملزما للكافة ولجهات القضاء جميعها ، وكانت محكمة الموضوع بعد أن قدرت - في النزاع الماثل - جدية الدفع بعدم دستورية هاتين المادتين ، عادت إلي نظر الموضوع المعروض عليها وقضي حكمها بحبس المدعي فى هذا النزاع إنفاذاً لنص المادة 347 المشار إليها ، فإن حكمها هذا لا يعدو أن يكون التزاما من جانبها بقضاء المحكمة العليا وإعمالا لأثره في النزاع الموضوعي المعروض عليها ، وهو ما يدخل في اختصاصها ، بما مؤداه انتفاء مصلحة المدعي في الطعن علي هاتين المادتين بعدم الدستورية ·

فلهذه الأسباب

حكمت المحكمة بعدم قبول الدعوي وبمصادرة الكفالة وألزمت المدعي المصروفات ومبلغ مائة جنيه مقابل أتعاب المحاماة .