الدعوى 35 لسنة 20 - دستورية - المحكمة الدستورية العليا - مرفوعة علنية رقم 35 لسنة 20 بتاريخ 06/05/2000


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

باسم الشعب


المحكمة الدستورية العليا
بالجلسة العلنية المنعقدة يوم السبت 6 مايو سنة 2000 الموافق 2 صفر سنة 1421ه
برئاسة السيد المستشار / محمد ولى الدين جلال رئيس المحكمة
وعضوية السادة المستشارين / حمدى محمد على والدكتور عبد المجيد فياض وماهر البحيرى ومحمد على سيف الدين وعدلي محمود منصور ومحمد عبد القادر عبد الله
وحضور السيد المستشار / عبد الوهاب عبد الرازق رئيس هيئة المفوضين
وحضور السيد / ناصر إمام محمد حسن أمين السر

أصدرت الحكم الآتى


فى القضية المقيدة بجدول المحكمة الدستورية العليا برقم 35 لسنة 20 قضائية دستورية
المقامة من
السيد / ............................ - المحامى
ضد
1 - السيد / رئيس الجمهورية
2 - السيد / رئيس مجلس الوزراء
3 - السيد / وزير العدل
4 - السيدة / ........................
5 - السيد / .........................
الإجراءات
بتاريخ الخامس عشر من فبراير سنة 1998، أودع المدعى صحيفة هذه الدعوى قلم كتاب المحكمة ، طالباً الحكم بعدم دستورية نص المادة التاسعة من قانون المحاماة الصادر بالقانون رقم 17 لسنة 1983.
وقدمت هيئة قضايا الدولة مذكرة طلبت فيها الحكم بعدم قبول الدعوى .
وبعد تحضير الدعوى ، أودعت هيئة المفوضين تقريراً برأيها.
ونُظرت الدعوى على الوجه المبين بمحضر الجلسة ، وقررت المحكمة إصدار الحكم فيها بجلسة اليوم.
المحكمة
بعد الاطلاع على الأوراق، والمداولة .
حيث إن الوقائع -على ما يبين من صحيفة الدعوى وسائر الأوراق- تتحصل فى أن المدعى عليها الرابعة كانت قد أقامت ضد المدعى الدعوى رقم 3005 لسنة 1996 أمام محكمة الزيتون الجزئية للأحوال الشخصية طالبة الحكم لها بنفقة عدة لمدة سنة إعتباراً من تاريخ طلاقها، وأثناء نظر تلك الدعوى دفع المدعى ببطلان صحيفتها لتوقيعها من محام يعمل بالبنك المصرى الأمريكى ، كما دفع بعدم دستورية المادة التاسعة من قانون المحاماة التى أجازت لمحامى البنوك مزاولة أعمال المحاماة لغير تلك البنوك. وإذ قدرت المحكمة جدية الدفع وصرحت للمدعى بإقامة الدعوى الدستورية فقد أقامها.
وحيث إن المادة التاسعة من قانون المحاماة الصادر بالقانون رقم 117 لسنة 1983 تنص على أن يجوز للمحامى مزاولة أعمال المحاماة فى البنوك وشركات المساهمة الخاصة والجمعيات التعاونية . وتكون علاقة المحامى بهذه الجهات وكالة ولو اقتصر عمله عليها.
وحيث إن المدعى ينعى على ذلك النص، تعارضه مع المادة الثامنة من ذات القانون والتى تحظر على محامى الإدارات القانونية بشركات القطاع العام ممارسة أعمال المحاماة لغير الجهات التى يعملون بها، وإخلاله كذلك بمبدأ المساواة أمام القانون إذ مايز بين طائفتين من المحامين: الأولى وتشمل محامى البنوك وشركات المساهمة الخاصة والجمعيات التعاونية ، الذين أجاز لهم ممارسة المحاماة بالوكالة عن غير تلك الجهات؛ بينما يُحظَر ذلك على أفراد الطائفة الثانية وهم محامو الإدارات القانونية بشركات القطاع العام، فضلاً عن مخالفة النص الطعين لأحكام المواد (2، 4، 8، 64، 65، 68) من الدستور.
وحيث إن المسائل الدستورية التى يستنهض الفصل فيها ولاية هذه المحكمة هى تلك التى تثير تعارضاً بين القواعد العليا التى يشتمل عليها الدستور وما دونها من القواعد القانونية ، ولا كذلك التضارب بين قاعدتين قانونيتين تتحدان فى مرتبتهما؛ وبالتالى فإن ما ينعاه المدعى على النص التشريعى الطعين من تعارضه مع المادة الثامنة من قانون المحاماة - أياً كان وجه الرأى فى هذا الشأن - لا يشكل مخالفة لأحكام الدستور مما تختص هذه المحكمة بنظره.
وحيث إن قضاء هذه المحكمة قد جرى على أن ما نصت عليه المادة الثانية من الدستور-بعد تعديلها فى سنة 1980- إنما يتمحض عن قيد يجب على السلطة التشريعية إلتزامه فى التشريعات الصادرة بعد العمل بالتعديل الدستورى المشار إليه -ومن بينها المادة الثامنة من قانون المحاماة بعد استبدالها بالقانون رقم 227 لسنة 1984 - فلا يجوز لهذه النصوص أن تناقض الأحكام الشرعية القطعية فى ثبوتها ودلالتها باعتبار أن هذه الأحكام وحدها هى التى يكون الاجتهاد فيها ممتنعاً، لأنها تمثل من الشريعة الإسلامية مبادئها الكلية وأصولها الثابته التى لا تحتمل تأويلاً أو تبديلاً. ولا كذلك الأحكام الظنية غير المقطوع بثبوتها أو بدلالتها أو هما معاً، ذلك أن دائرة الاجتهاد تنحصر فيها ولا تمتد لسواها، وهى بطبيعتها متطورة تتغير بتغير الزمان والم كان لضمان مرونتها وحيويتها، ولمواجهة النوازل على اختلافها تنظيماً لشئون العباد بما يكفل مصالحهم المعتبرة شرعاً ولا يعطل بالتالى حركتهم فى الحياة . ومن ثم فإن الاجتهاد يكون سائغاً فى المسائل الاختلافية التى لايجوز أن تكون أحكامها جامدة مما ينقض كمال الشريعة ومرونتها، طالما كان واقعاً فى إطار الأصول الكلية للشريعة لا يجاوزها، مُستَخْلَصاً عن طريق الأدلة الشرعية النقلية منها والعقلية ، كافلاً صون المقاصد العامة للشريعة . متى كان ذلك وكان النص الطعين لا يخالف حكماً شرعياً قطعى الثبوت والدلالة وإنما يعالج مسائل يجوز الاجتهاد فيها لولى الأمر فى إطار القواعد الكلية للشريعة ، ويدخل -بالتالى - فى نطاق السلطة التقديرية المقررة للمشرع، فإن النعى عليه بمخالفة المادة الثانية من الدستور يكون مفتقداً لسنده.
وحيث إن النص الطعين، وقد أجاز للمحامى مزاولة أعمال المحاماة بالجهات التى عينّها -ومن بينها البنوك- لا يمس الأساس الأقتصادى للدولة ولايكّرس الفوارق بين الطبقات، فإن قالة مخالفة هذا النص للمادة الرابعة من الدستور تكون لغواً.
وحيث إن ما ينعاه المدعى من إخلال النص المشار إليه بمبدأ تكافؤ الفرص الذى تكفله الدولة للمواطنين كافة وفقاً لنص المادة الثامنة من الدستور، مردود بأن مضمون هذا المبدأ يتصل بالفرص التى تتعهد الدولة بتقديمها وأن إعما له يقع عند التزاحم عليها، وأن الحماية الدستورية لتلك الفرص غايتها تقرير أولوية فى مجال الانتفاع بها لبعض المتزاحمين على بعض، وهى أولوية تتحدد وفقاً لأسس موضوعية يقتضيها الصالح العام؛ إذ كان ذلك، فإن مجال أعمال مبدأ تكافؤ الفرص فى نطاق تطبيق النص المطعون عليه يكون منتفياً إذ لا صلة له بفرص قائمة يجرى التزاحم عليها، بما لا مخالفة فيه -من هذه الناحية - لأحكام الدستور.
وحيث إن قول المدعى بإخلال النص الطعين بالمادة (40) من الدستور، مردود بأن مبدأ مساواة المواطنين أمام القانون المنصوص عليه فى هذه المادة لا يعنى - وفقاً لما استقر عليه قضاء هذه المحكمة - أن تعامل فئاتهم على ما بينها من تفاوت فى مراكزها القانونية معاملة قانونية متكافئة ، ولا يقوم كذلك على معارضة جميع أشكال التمييز أياً كانت مبرراتها الموضوعية ؛ ذلك أن صور التمييز المجافية للدستور - وأن تعذر حصرها - هى وحدها التى يكون قوامها كل تفرقة أو تقييد أو تفضيل أو استبعاد ينال بصورة تحكمية من الحقوق أو الحريات التى كفلها الدستور أو القانون.
وحيث إن القانون رقم 47 لسنة 1973 بشأن الإدارات القانونية بالمؤسسات والهيئات العامة والوحدات التابعة لها لم يُخرج العاملين بالإدارات القانونية من عداد العاملين بالجهات المشار إليها، وآية ذلك أن المادة (12) من ذلك القانون تنص على أنه يشترط فيمن يعين فى إحدى الوظائف الفنية بالإدارات القانونية أن تتوافر فيه الشروط المقررة فى نظام العاملين المدنيين بالدولة أو القطاع العام حسب الأحوال، كما تقضى المادة (24) منه بأن يُعمل فيما لم يرد فيه نص فى هذا القانون بأحكام التشريعات السارية بشأن العاملين المدنيين بالدولة أو بالقطاع العام على حسب الأحوال. وتحظر هذه التشريعات على العامل بالذات أو بالوساطة الجمع بين عمله وأى عمل آخر إذا كان من شأنه الإخلال بواجبات وظيفته أو مقتضياتها أو الحط من كرامتها، أو القيام بأعمال للغير - إلا بموافقة من الجهة المختصة - أو مزاولة أية أعمال تجارية . وهذه القيود جميعها تُرد إلى أصل واحد يتمثل فى وجوب أن يكرس العامل بتلك الجهات وقته وجهده لها وحدها إذ أنه تابع لها خاضع لإشرافها وتوجيهها ورقابتها، ومن ثم كان منطقياً أن يحظر نص المادة الثامنة من قانون المحاماة على محامى الإدارات القانونية للهيئات العامة وشركات القطاع العام والمؤسسات الصحفية أن يزاولوا أعمال المحاماة لغير الجهات التى يعملون بها وإلا كان العمل باطلاً؛ أما غير هؤلاء من المحامين الذين يزاولون أعمال المحاماة بوصفها مهنة حرة يمارسونها فى استقلال فلا يسرى فى شأنهم ذلك القيد لاختلاف المركز القانونى لكل من الطائفتين، ولذلك فقد أجاز قانون المحاماة فى المادة التاسعة منه -المطعون فيها- أن يزاول المحامى أعمال المحاماة فى الجهات التى عينتها وهى البنوك وشركات المساهمة الخاصة والجمعيات التعاونية على أن تكون علاقته بها وكالة ولو اقتصر عمله عليها. وبذلك يكون لكل من النص الطعين والمادة الثامنة من قانون المحاماة مجال عمل لا يمزج بين نطاقيهما، ولا تداخله شبهة التعارض بين أحكامهما ؛ باعتبار أن نص المادة الثامنة من قانون المحاماة ينظم علاقة عمل بين الهيئات العامة وشركات القطاع العام والمؤسسات الصحفية من ناحية والمحامين العاملين فى إداراتها القانونية من ناحية أخرى ، فى حين يتمحض مجال تطبيق نص المادة التاسعة من ذات القانون عن علاقة وكالة تقوم على حرية المحامى فى قبول التوكيل أو عدم قبوله فى دعوى معينة وفق ما يمليه عليه اقتناعه. إذ كان ذلك، وكان أعمال مبدأ المساواة يفترض التماثل فى المراكز القانونية فإن قالة التمييز بين محامى الإدارات القانونية بالهيئات العامة وشركات القطاع العام والمؤسسات الصحفية من ناحية وبين المخاطبين بنص المادة التاسعة من قانون المحاماة من ناحية أخرى - وهما فئتان لا تتحد مراكزهما القانونية - لايكون لها محل.
وحيث إن مبدأ خضوع الدولة للقانون - على ما استقر عليه قضاء هذه المحكمة - مؤداه: ألا تخل تشريعاتها بالحقوق التى يعتبر التسليم بها فى الدول الديموقراطية مفترضاً أولياً لقيام الدولة القانونية ، وضمانة أساسية لصون حقوق الإنسان وكرامته وشخصيته المتكاملة ، متى كان ذلك، وكانت مهنة المحاماة مهنة حرة تشارك السلطة القضائية فى تحقيق العدالة وتأكيد سيادة القانون وضمان الدفاع عن حقوق المواطنين وحرياتهم، بما يكفل للمحامين ممارسة مهنتهم فى استقلال بغير سلطان عليهم فى ذلك إلا لضمائرهم وحكم القانون، وكان النص الطعين - بما انطوى عليه من السماح للمحامين المشار إليهم فيه بممارسة مهنتهم الرفيعة بغير قيود- قد جاء مؤكداً لسيادة القانون، كافلاً للحق فى التقاضى ، مسانداً لضمانة الدفاع، فإنه بذلك يكون موافقاً لأحكام المواد (64، 65، 68، 69) من الدستور.
فلهذه الأسباب
حكمت المحكمة برفض الدعوى ، وبمصادرة الكفالة ، وألزمت المدعى المصروفات، ومبلغ مائة جنية مقابل أتعاب المحاماة .