الدعوى 4 لسنة 14 - تنازع - المحكمة الدستورية العليا - مرفوعة علنية رقم 4 لسنة 14 بتاريخ 21/01/1995

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

 

باسم الشعب

 

المحكمة الدستورية العليا

 

بالجلسة العلنية المنعقدة فى يوم السبت 21 يناير سنة 1995 الموافق 20 شعبان 1415 هـ .

برئاسة السيد المستشار الدكتور /عوض محمد عوض المر رئيس المحكمة

وحضور السادة المستشارين : الدكتور محمد إبراهيم أبوالعينين وفاروق عبد الرحيم غنيم وعبد الرحمن نصير وسامى فرج يوسف والدكتور عبد المجيد فياض ومحمد على سيف الدين اعضاء

وحضور السيد المستشار الدكتور عادل عمر شريف المفوض

وحضور السيد/ رأفت محمد عبد الواحد أمين السر

 

أصدرت الحكم الآتى

 

فى القضية المقيدة بجدول المحكمة الدستورية العليا برقم 4 لسنة 14قضائية تنازع

 

المقامة من

الربان رئيس مجلس إدارة الشركة المصرية للملاحة البحرية

ضد

كبير المهندسين / .....................

 

الإجراءات

بتاريخ التاسع من يونيو سنة 1992 أودع المدعى قلم كتاب المحكمة صحيفة الدعوى الماثلة طالبا الحكم بعدم اختصاص المحكمة التأديبية بالإسكندرية بالفصل فى المنازعات المتعلقة بالعاملين فى البحر ، وما يترتب على ذلك من آثار

وتقدم المدعى عليه بمذكرات دفع فيها بسقوط حق المدعى فى إقامة هذه الدعوى ، وبعدم قبولها لرفعها قبل الأو ان ، واحتياطيا الحكم برفضها .

وبعد تحضير الدعوى ، أودعت هيئة المفوضين تقريرا برأيها.

ونظرت الدعوى على الوجه المبين بمحضر الجلسة ، وقررت المحكمة إصدار الحكم فيها بجلسة اليوم .

 

المحكمة

بعد الاطلاع على الأوراق ، والمداولة .

حيث إن الوقائع على ما يبين من صحيفة الدعوى وسائر الأوراق تتحصل فى أن المدعى عليه كان يعمل بإحدى السفن التى تملكها الشركة المدعية .ثم اختلف مع ربانها اثناء رحلتها البحرية ، وتطورالأمربينهما إلى مشادة مع تبادل الاعتداء ، مما حمل الشركة المدعية على فصلهما من خدمتها ، فأقام المدعى عليه ضدها دعواه رقم 743 لسنة 1990 التى نعى فيها على قرار الفصل - وأمام محكمة الإسكندرية الابتدائية - مخالفته للقانون ، مما يستوجب إعادته إلي الخدمة ، وإلزام الشركة أن تؤدى إليه متجمد راتبه وبدلاته ومكافآته ، إلا أن محكمة الإسكندرية الابتدائية التى تأيد حكمها استئنافيا ألزمت الشركة بأن تؤدى له مبلغ ثلاثمائه وواحد وعشرين جنيها وستين قرشا ، ورفضت ماعدا ذلك من الطلبات .

ومن جهة أخرى ، كان المدعى عليه قد طعن فى القرار الصادر من الشركة بفصله من خدمتها ، وذلك بالدعوى رقم 565 سنة 32 قضائية أمام المحكمة التأديبية بالإسكندرية التى قضت برفض الدفع المبدى من الشركة بعدم اختصاصها ولائيا بالفصل فى النزاع المعروض عليها ، وباختصاصها بنظره ، وفى الموضوع بإلغاء القرار المطعون فيه فيما تضمنه من فصل المدعى من خدمة الشركة .

وإذ تراءى للشركة أن ثمة تناقضاً بين حكمين أولهما : الصادر من جهة القضاء العادى بصحة قرار الفصل من الخدمة ورفض طلب اعتباره كأن لم يكن ، وثانيهما : ذلك الصادر عن جهة القضاء الإدارى بعدم مشروعية هذا القرار ، فقد أقامت الدعوى الماثلة بطلب فض التناقض بين هذين الحكمين .

وحيث إن التناقض الذى يستنهض ولاية المحكمة الدستورية العليا للفصل فيه وفقا لنص البند ثالثا من المادة 25 من قانونها ، هو ذلك الذى يقوم بين حكمين نهائيين صادرين من جهتين قضائيتين مختلفتين إذا كانا متعامدين علي محل واحد ، وتعذر تنفيذهما معا ، فإذا كانا غير متحدين محلا أو مختلفين نطاقا ، فلا تناقض .

وحيث إن وحدة الموضوع التى تعلق بها الحكمان النهائيان المدعى تناقضهما ، تتحصل فى انصبابهما علي محل واحد ممثلا فيما تضمنه القرار الصادر عن المدعية من إنهاء خدمة المدعى عليه بها ، ذلك أن الحكم الصادر من المحكمة الابتدائية - المؤيد استئنافيا - اعتد بالقرار الصادر عن المدعية والم تضمن مجازاة المدعي عليه بإنهاء خدمته بها ، قولا منها بأن هذا القرار لا يتصل بمباشرة العامل لنشاط نقابى ، ولا يعدو بالتالى أن يكون إنهاء فوريا لعقد العمل المبرم بينهما . فضلا عن أن حقوق العامل فى شأن هذا القرار إذا ما كان تعسفيا لا تزيد على مقابل مهلة الإخطار والحق فى التعويض عن الأضرار التى أحدثها ، إن كان لذلك مقتض . وعلى خلاف ذلك ، خلص قضاء المحكمة التأديبية فى ذات النزاع إلى رفض الدفع بعدم اختصاصها ولائيا بنظره ، وباختصاصها بالفصل فيه ، وإلغاء القرار المطعون فيه

وحيث إنه متى كان ذلك ، وكان الحكم الصادر من المحكمة التأديبية يعتبر نهائيا عملا بالمادة 22 من قانون مجلس الدولة الصادر بالقرار بقانون رقم 47 لسنة 1972 ، وكان الحكمان المدعى تناقضهما ، يتعذر تنفيذهما معا ، باعتبار أن أولهما اعتد بقرار إنهاء خدمة المدعى عليه ، بينما قضى ثانيهما بعدم مشروعية هذا القرار ، فإن مناط الفصل فى النزاع القائم حول تناقضهما يكون متحققا.

وحيث إن المدعي عليه دفع بسقوط حق الشركة المدعية فى إقامة دعوى التناقض تأسيسا على تفويتها الميعاد المقرر بقانون المرافعات للطعن بالنقض ومقداره ستون يوما ، ذلك أن قانون المحكمة الدستورية العليا ، يحيل إلى قانون المرافعات فيما لم يرد بشأنه نص خاص فيه.ومن ثم يكون لازما إعمال مواعيد الطعن بالنقض التى نص عليها هذا القانون ·

وحيث إن اختصاص المحكمة الدستورية العليا بالفصل فى التناقض بين حكمين نهائيين وفقا للبند ثالثا من المادة 25 من قانونها ، ليس مقررا لها بوصفها جهة طعن تفصل فيما يعرض عليها من الطعون خلال ميعاد محدد بقاعدة آمرة لا تجوز مخالفتها ، ذلك أن النزاع الموضوعى لا ينتقل إليها لتجيل بصرها فى العناصر التى قام عليها واقعية كانت أم قانونية ولكنها وأيا كانت الأخطاء التى تكون قد نسبت إلى الحكمين المدعى تناقضهما لا تفصل فى شأن التناقض بينهما إلا على ضوء قواعد الاختصاص الولائى التى ضبطها المشرع ليحدد بها لكل هيئة قضائية قسطها أو نصيبها من المنازعات التى اختصها بالفصل فيها ، وهى قواعد أرساها المشرع إعمالا للتفويض المقرر بمقتضى المادة 167 ن الدستور التى تنص على أن << يحدد القانون الهيئات القضائية ويبين اختصاصاتها وطريقة تشكيلها >> .

وحيث إنه فضلا عما تقدم ، فإن الأصل فى المواعيد التى يضربها المشرع لرفع الدعوى أو الطعن ، إنها لاتفترض. ذلك أن قوامها قواعد آمرة لايجوز التحلل منها ، وهى بطبيعتها وبالنظر إلى خصائصها ، مواعيد سقوط يزول بفواتها الحق فى الخصومة أيا كانت المرحلة التى قطعتها. كذلك فإن إعمال المحكمة الدستورية العليا للقواعد المنصوص عليها فى قانون المرافعات المدنية والتجارية فى شأن ما يعرض عليها من الدعاوى والطلبات ، مشروط بألا يكون قانونها متضمنا لنص خاص يحكمها ، وأن يكون تطبيقها فى شأنها غير مناقض لطبيعة المسائل التى تدخل فى ولايتها ، والأوضاع المقررة أمامها.

وحيث إنه متى كان ماتقدم ، وكان الأصل فى النزاع القائم حول التناقض ، هو أن مداره حكمان نهائيان صادران عن جهتين قضائيتين مختلفتين ، ويتعذر تنفيذهما معا ، فإن هذا النزاع يثير بالضرورة صعوبة قانونية لا دخل لأطراف الخصومة فيها ، ولا يزيلها إلا إعمال القواعد التي ينبغى أن تُدارالعدالة فى نطاقها إدارة فعالة ، صونا لمراميها وتتحصل هذه القواعد إذا كان التنازع على الاختصاص سلبيا فى أن يكون لكل خصومة قضائية قاض يكون هومرجعها وإليه يعود أمر الفصل فيها . فإذا كان التنازع إيجابيا، تعين ألا تتزاحم جهتان قضائيتان على الفصل فى عين الخصومة المرددة أمامهما توقيا لاحتمال تناقض الحكمين الصادرين عنه ما . فإن وقع هذا التناقض بينهما ، وكان تنفيذهما معا متعذرا ، فإن هذين الحكمين يكونان متصادمين في مفهوم أحكام قانون المحكمة الدستورية العليا . وليس أمامها إذا مارفع الأمر إليها إلا أن تتدخل لفض هذه الصعوبة التي أثارها تنازع جهتين قضائيتين على الفصل فى موضوع واحد، وهى صعوبة مردها إلى عدوان إحداهما على الولاية التى أثبتها المشرع للأخرى، بما يناقض مبدأ خضوع الدولة للقانون، وينتقص من مهابة الأحكام القضائية واحترامها ، ويعرض الحقوق التى تناولتها للضياع .

 

وحيث إنه متى كان ذلك ، وكانت المادة 32 من قانون المحكمة الدستورية العليا تخول كل ذى شأن أن يطلب منها فض النزاع القائم حول التناقض فى الحدود التي بينتها المادة 25 من قانونها ، وكانت الشروط التي تحكم قبول هذا الطلب ، لاتُقيد رفعه إليها بميعاد محدد ، فإن إعمال مواعيد الطعن بالنقض فى شأن هذا الطلب ، لايكون محمولا على سند، وينافى طبيعة النزاع القائم حول التناقض، وكذلك عموم العبارة التى أفرغ المشرع فيها نص المادة 32 السالف بيانها ، والتى لا يجوز تخصيصها بغير دليل .

وحيث إن المدعى عليه ، دفع الدعوى الماثلة بعدم قبولها لرفعها قبل الأو ان، بمقولة إن حكم المحكمة التأديبية مطعون فيه أمام المحكمة الإدارية العليا بالطعن رقم 1432 لسنة 38 قضائية ، وإذ كان هذا الطعن لا زال منظوراً أمامها، فإن الدعوى الماثلة تكون قد أقيمت قبل الأوان . كذلك طلب المدعى عليه أن تأمر المحكمة الدستورية العليا بوقف الفصل فى النزاع حول التناقض عملا بالمادة 129 ن قانون المرافعات .

وحيث إن هذا الدفع مردود بما استقر عليه قضاء المحكمة الدستورية العليا من أن الأمر المعول عليه بشأن دعاوى تنازع الاختصاص أو تناقض الأحكام ، هو بوقت رفعها إلي المحكمة الدستورية العليا، ودون ما اعتداد بأى إجراء لا حق تتخذه الجهتان القضائيتان أو إحداهما فى شأن النزاع الموضوعى محل التنازع أو التناقض. كذلك ليس ثمة محل لطلب وقف الفصل فى النزاع الراهن تربصا بقضاء المحكمة الإدارية العليا فى شأن الطعن المنظور أمامها . ذلك أن وقف الدعوى عملا بالمادة 129 ن قانون المرافعات ، يفترض أن يكون الفصل فى النزاع حول التناقض، متوقفا على مسألة أولية يدخل الفصل فيها فى اختصاص هيئة قضائية غير المحكمة الدستورية العليا. ولا كذلك الأمر فى شأن النزاع حول التناقض ، إذ لا يثيرالفصل فيه مسائل أولية ، أو يتصل بها.

وحيث إن الشركة المدعية وأثناء تحضير دعواها الماثلة أمام هيئة المفوضين تقدمت بمذكرة إلى هذه الهيئة صدرتها بطلبها وقف تنفيذ الحكم الصادر من المحكمة التأديبية ، وذلك ارتكانا منها علي نص الفقرة الثالثة من المادة 32 من قانون المحكمة الدستورية العليا التى تخول رئيسها وبناء على طلب ذوى الشأن أن يأمر بوقف تنفيذ أحد الحكمين المدعى تناقضهما أو كليهما حتى الفصل فى النزاع.

وحيث إن سلطة وقف التنفيذ التى يملكها رئيس المحكمة الدستورية العليا وفقا لنص الفقرة الثالثة من المادة 32 السالف بيانها ، مناطها ألا ينفذ أحد الحكمين جبراً فى مواجهة من يعترض عليه إذا لم يكن من وجهة مبدئية أولى بالتنفيذ ، وكان من شأن تنفيذه أن يلحق بالمصالح التى يدعيها المضرور مخاطر جسيمة يتعذر تداركها .ولا يعدو الأمر الصادر من رئيس المحكمة فى هذا الشأن - وهو أمرلايجوز الطعن فيه أن يكون إجراء وقتيا Intcrom measure فلا يجوز النظر إليه باعتباره محددا أو مرشحا لقضاء المحكمة الدستورية العليا الفاصل فى النزاع حول التناقض ، وإن ظل هذا الأمر وطوال فترة نفاذه مانعا من القيام بأى عمل يناقض فحواه ، أو يقيد مداه .

وحيث إن الاعتبار الملحوظ فى ذلك الأمر ، هو أن الشروط التى يرتبط بها إصداره ، أقل صرامة من تلك التى يتطلبها قانون المحكمة الدستورية العليا فى مجال فصلها فى النزاع حول التناقض، بل هى تغايرها بوجه خاص من زوايا خمس : أولها : أن السلطة التى يملكها رئيس المحكمة الدستورية العليا عند إصدار الأمر لا تحكمها ضوابط جامدة نص عليها المشرع وحددها تفصيلا ، بل مناط إعمالها ما يتوافر من الدلائل لديه على ملاءمة المضى فى تنفيذ أحد الحكمين المدعى تناقضهما أو كليهما . ومن ثم يكون معيار تطبيقها مرنا لا متزمتا . ثانيها : أن الأمر الصادر عنه وباعتباره إجراء وقتيا يتوخى صون الحقوق المتنازع عليها على ضوء ظاهر الأمر فيها لا يتصور أن يكون متراخيا ، كى لا تتعرض للضياع الحقوق التى يمكن أن تهددها مخاطرالتنفيذ فيما لواكتملت بعض جوانبه ، أو كان الأمر قد صدر بعد تمامها. ثالثها : أن صدور الأمر لا يقتضى ممن يطلبه أن يبرهن على أن الاختصاص الولائى لأحد الحكمين المقول بتناقضهما منتحل بما لا شبهة فيه ، وأن انتفاءه بالتالى مقطوع به . بل يكفيه أن يبين من وجهة أولية prima facie ، أن شكوكا تحوم حول هذا الاختصاص لايُحتمل معها ثبوته . رابعها : أن طلب وقف تنفيذ أحد الحكمين ، فرع من أصل النزاع حول فض التناقض بينهما ، ذلك أن أولهما يتوخى إرجاء اعمال آثار أحدهما بصفة مؤقتة ، حال أن ثانيهما يتغيا تنحية إنفاذه بصفة باتة لا رجوع فيها . خامسها : إذ يقرر رئيس المحكمة الدستورية العليا إصدار الأمر وفقا لنص الفقرة الثالثة من المادة 32 من قانونها ، فإن تقديره تتداخل فيه مع العناصر القانونية ، عوامل واقعية لها شأنها من بينها تلك الآثار التى يمكن أن تنجم عن تنفيذ أحد الحكمين المدعى تعارضهما او كليهما. وعلى خلاف ذلك قضاء المحكمة الدستورية العليا فى شأن تعيين أولاهما بالتنفيذ ، إذ لا يتصور أن يُحمل قضاؤها فى هذا الشأن إلا على عناصر قانونية بحتة ، قوامها أن الحكم الأحق بالتنفيذ ، هو ذلك الذى يصدر عن جهة قضاء اختصها المشرع دون غيرها بالفصل فى النزاع الموضوعى ·

وحيث إنه متى كان ذلك ، وكان طلب وقف تنفيذ أحد الحكمين المتناقضين أو كليهما - على ماتقدم - فرع من أصل النزاع حول فض التناقض بينهما ، فإن الفصل فى هذا التناقض ، يتناول طلب وقف التنفيذ المتفرع عنه ، دون أن يعتبر إبداء هذا الطلب مباشرة أمام هيئة المفوضين بالمحكمة الدستورية العليا ، طلبا جديدا مخالفا للأوضاع التى نص عليها قانونها ، وذلك سواء أفرغ هذا الطلب فى صحيفة دعوى التناقض ذاتها ، أم كان مستقلا عنها غير مندرج فيها .

وحيث إن النزاع الأصلى الذى يتفرع عنه طلب وقف التنفيذ قد تهيأ للفصل فى ه ، فإن مباشرة رئيس المحكمة الدستورية العليا اختصاص البت فى هذا الطلب الفرعى ، يكون قد صار غير ذى موضوع .

وحيث إن رجال البحر أو البحارة ، إنما يقومون لقاء أجر بعمل يتصل بإدارة السفن التى يعملون عليها وملاحتها ، وهم يمثلون طاقمها . ولا تتكافأ المهام التى يتولونها مع غيرهم من العمال البريين ، وذلك بالنظر إلى دقتها وخطورتها وتكاملها تبعا لاتصالها بالرحلة البحرية ، وارتباطها بضمان سلامتها من المخاطر التى تهددها ، وهى مخاطر لا تؤمن عواقبها ، وغالبا ما تؤول إلى حوادث بحرية يكون تحمل تبعاتها أمراً مرهقا . وقد يكون من شأنها غرق السفن ذاتها ، أو تعييبها ، أو تأخر وصول حمولاتها ، أو إتلافها أو إعدامها ·

فكان على المشرع بالتالى أن يتدخل لتنظيم أوضاع العاملين فيها وأن يعدل فيها بما يلائم روح العصر ، ويكون كافلا لانضباطهم ، وضمان طاعتهم لأوامر رؤسائهم ، وعدم الإعراض عنها ، أو التراخى فى الا نصياع لها · ولم يعد مبدأ الحرية التعاقدية فى إطار هذا التنظيم مهيمنا على الآثار القانونية التى ترتبها عقود عملهم ، ولامحيطا بها ، بل صار تنظيم الحقوق التى يتمتعون بها وما يقابلها من القيود المحددة لواجباتهم ، أمرا ضروريا ولازما .وآل أمر الرحلة البحرية كذلك إلى إعلاء متطلباتها ، والنزول على الحقائق الاقتصادية والعلمية التى تتصل بتسييرها ، وضرورة ضبطها بمقاييس صارمة لاترخص فيها ، لتكون إدارتها عملا مهنيا يقتضى من القائمين عليها تلك الخبرة العريضة التى تشهد بالتمرس فى فنونها ، والتعمق فى مهاراتها.

ومن ثم حرص المشرع على ضمان تأهيل المسئولين عنها تأهيلا فنيا كافيا ، فأصدر القانون رقم 38 لسنة 1982 فى شأن المؤهلات وإعداد الربابنة وضباط الملاحة والمهندسين البحريين ، ليكون مفصلا للشهادات البحرية اللازمة لحسن إدارة السفينة ، والسيطرة على آلاتها وصيانتها ، آخذا فى الاعتبار نوع السفينة وحمولتها وقدرة محركاتها، وطبيعة رحلتها ومداها ·

وحيث إن قانون التجارة البحرية الصادر بالقانون رقم 8 لسنة 1990 ، قد نص فى المادة الأولى من قانون إصداره ، على أن يعمل بالأحكام التى تضمنها بما لا يخل بالقوانين الخاصة ، وكانت المادتان 3 و 9 من قانون التجارة البحرية قد عهدت إلى هذه القوانين فى مجال تطبيقها على السفن التى تحمل علم جمهورية مصرالعربية بتنظيم بعض المسائل لضمان مرونتها ، وضرورة مواكبتها للتقدم فى فنون الملاحة وإدارتها ، كتلك المتعلقة بتسجيل السفن والرقابة عليها ، وصون سلامتها وتحديد الوثائق التى يجب أن تحملها . وكذلك تلك التى يكون موضوعها كافلا لصون النظام على السفن وتأديب العاملين فيها ، مع خضوعهم فيما يقع منهم من الجرائم على ظهرها للقوانين الجزائية المصرية دون غيرها ، وكان ماتغياه قانون التجارة البحرية فى مجال السلطة التأديبية - ترتيبا لأوضاعها من خلال التنظيم الخاص لموضوعها هو أن يكون هذا التنظيم بأبعاده موائما لطبيعة الرحلة البحرية ، ورادعا كافيا يؤمن وصول السفن إلى وجهتها ويرعى سلامتها ، فإن هذا التنظيم يكون مُقيدا لكل النظم المعمول بها بوجه عام فى شأن العاملين المدنيين بالدولة أو بوحداتها الاقتصادية ·

وحيث إن السلطة التأديبية التى يملكها مجهز السفينة أو مالكها قبل الربان وغيره من البحارة ، وإن كان باعثها فرض النظام عليها لتأمين الرحلة البحرية ، ودرء المخاطر عنها ، وضمان بلوغها لأهدافها من خلال محاسبة المسئولين عن إدارتها ، إلا أن

هذه السلطة التأديبية يقابلها مسئولية من يمارسونها عما يقع من الربان أو البحارة من أفعال أثناء تأدية وظائفهم أو بسببها ( مادة 80 من قانون التجارة البحرية ) ويقتضيها كذلك طبيعة الحقوق التى كفلها المشرع لهؤلاء حين اعتبر الديون الناشئة عن عقد عمل الربان أو البحارة حقوقا ممتازة لا تخضع فى إثباتها لشرط خاص ولا فى نشوئها لشكلية أيا كان نوعها ( المادتان 29 ، 30 من قانون التجارة البحرية ) وتوجبها من ناحية ثالثة ضرورة مواجهة مخالفاتهم بالحزم والصرامة اللازمين لقمعها أو توقيها باعتبار أن التهاون فى محاسبتهم عنها يحمل أخطر النذر وأبعدها أثرا على سلامة السفن وركابها والبضائع التى تحملها. ومن ثم كان أمرا محتوما إفراد مساءلتهم تأديبيا بتنظيم خاص يستقل بذاتيته عن النظم المعمول بها فى شأن العاملين بالدولة أو بالقطاع العام ·

وحيث إن المادة الأولى من القانون رقم 167 سنة 1960 فى شأن الأمن والنظام والتأديب فى السفن قد خولت ربان السفينة فى مواجهة الاشخاص الموجودين بها السلطة التى يقتضيها ضبط نظامها وأمنها وسلامة الرحلة البحرية ، مستعينا فى ذلك بالقوة اللازمة عند الاقتضاء .

وحيث إن نكول بحارة السفن عن واجباتهم أو التقصير فيها كالتراخى فى خدمتها أوحراستها ، أو إتيانهم عملا يعّد تحديا لربانها أوعصيانا لأوامره ، أو تمردا على سلطته ، أو عَِراكهم فيما بينهم ، أو إتلافهم لأدواتها ، أو مغادرتها دون إذن من ربانها ، أو تخلى ربانها عن قيادتها قبل وصولها إلى مكان أو مرفأ مأمون ، أو إخلالهم بوجه عام بأصول الملاحة البحرية وأعرافها ، إنما يشكل ذنبا مؤاخذا عليه قانونا ، ويناقض حقيقة أن سلامة السفن بما عليها من الأنفس والأموال ، رهن بالحزم في إدارتها ، ويرتبط لزوما بحسن أداء طاقمها لالتزاماتهم بما يحول دون غرقها وتعويمها أوجنوحها أو هجرها أو الإضرار بشحنتها أو الأشياء الموجودة عليها ، إلى غير ذلك من المخاطر التى قد تنجم عن أخطائهم سواء وقعت أثناء وجودها فى عُرض البحر، أو عند اقترابها من الموانى البحرية أو مغادرتها لها أو رسوها فيها ، أو خلال اجتيازها الممرات البحرية ، أو مواجهتها عوائق ملاحية من نوع خاص ، مما يستلزم نظاما قانونيا صارما يحُملون عليه حملا يكفل حُسن استغلالها ، ولايفرق بين السفن تبعا لملكيتها ، ولا يعتد كذلك بطبيعة العلاقة القانونية التى كان البحارمرتبطا بها قبل تعلق عمله بخدمتها .

وحيث إنه متى كان ذلك ، وكان نظام العاملين بالقطاع العام الصادر بالقانون رقم 48 لسنة 1978 ، وإن حدد الأعمال التى حظرها عليهم ، وبين واجباتهم ، وأفرد بالفصل الحادى عشر منه نظاما تأديبيا قصره عليهم ، إلا أن مناط إعمال الأحكام التى تضمنها التنظيم العام أن تقع المخالفة التأديبية المدعى بها من عامل بالوحدة الاقتصادية أثناء خدمته فيها أو بسببها. فإن كان حين ارتكبها من البحارة الذين يعملون فى إحدى السفن التى تحمل جنسية جمهورية مصر العربية ، فإن الأحكام التى تضمنها التنظيم الخاص والتى بينها أصلا القرار بقانون رقم 167 سنة 1960 المشار إليه هى وحدها التى يمكن تطبيقها بالنسبة إليه. ذلك أن التنظيم الخاص يمتد نطاقا إلى المسائل التى يحكمها ، منحيا بذلك التنظيم العام ، باعتبار أن الخاص يقيد العام .

وحيث إن البين من أحكام المواد 113 لى 136 ن قانون التجارة البحرية ، أنها تنظم عقد العمل البحرى باعتباره من عقود القانون الخاص ، وكان إخلال الربان أو البحارة بواجباتهم الناشئة عن هذا العقد كتلك التى ثار بشأنها النزاع الموضوعى مما يدخل أصلا فى ولاية جهة القضاء العادى ، فإن الحكم الأولى بالتنفيذ يكون هو الحكم الصادر عن هذه الجهه دون غيرها ·

 

فلهذه الأسباب

حكمت المحكمة بالاعتداد بالحكم النهائى الصادر من جهة القضاء العادى فى النزاع الموضوعى ·