الدعوى 4 لسنة 14 - دستورية - المحكمة الدستورية العليا - مرفوعة علنية رقم 4 لسنة 14 بتاريخ 19/06/1993

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

باسم الشعب

 

المحكمة الدستورية العليا

بالجلسة العلنية المنعقدة في يوم السبت 19 يونية سنة 1993 الموافق 29 ذو الحجه 1413 هــ .

برئاسة السيد المستشار الدكتور/ عوض محمد عوض المر رئيس المحكمة

وعضوية السادة المستشارين : الدكتور/ محمد إبراهيم أبوالعينين وفاروق عبد الرحيم غنيم وعبد الرحمن نصير والدكتور/ عبد المجيد فياض ومحمد على سيف الدين وعدلى محمود منصور اعضاء

وحضور السيد المستشار/ محمد خيرى طه عبد المطلب النجار رئيس هيئة المفوضين

وحضور السيد/ رأفت محمد عبد الواحد أمين السر

أصدرت الحكم الآتى

 

فى القضية المقيدة بجدول المحكمة الدستورية العليا برقم 4 لسنة 14 قضائية دستورية .

المرفوعة من

1- السيد / .....................

2 - السيد / .....................

3 - شركة مساهمه البحيرة و يمثلها رئيس مجلس ادارتها

ضد

1 - السيد / رئيس جمهوررية

2 - السيد /رئيس مجلس الشعب

3 - السيد /رئيس مجلس الوزراء

4 -السيد المستشار / وزير العدل

الإجراءات

بتاريخ 19 فبراير سنة 1992 أودع المدعون قلم كتاب المحكمة صحيفة الدعوى الماثلة طالبين الحكم بعدم دستورية المادة (8) من قانون المحاماة الصادر بالقانون رقم 17 لسنة 1983.

وقدمت هيئة قضايا الدولة مذكرة ، طلبت فى ختامها الحكم برفض الدعوى .

وبعد تحضير الدعوى ، أودعت هيئة المفوضين تقريراً برأيها.

ونُظرت الدعوى على الوجه المبين بمحضر الجلسة ، وقررت المحكمة إصدار الحكم فيها بجلسة اليوم.

المحكمة

بعد الاطلاع على الأوراق، والمداولة .

حيث إن الوقائع- على ما يبين من صحيفة الدعوى وسائر الأوراق- فى أن المدعيين كانا قد طعنا أمام المحكمة التأديبية بالإسكندرية على القرار الصادر من التفتيش الفنى على الإدارات القانونية بالهيئات العامة وشركات القطاع العام التابع لوزارة العدل بتقدير كفايتهما، وذلك فيما تضمنه من توجيه ملحوظة فنية لهما لقيامهما بالمرافعة عن رئيس مجلس إدارة شركة القطاع العام التى يتبعانها - فى دعوى تأديبية مقامة ضده- بالمخالفة لنص المادة (8) من قانون المحاماة ، وكذلك القرار الصادر برفض اعتراضهما عليها، طالبين الحكم بوقف تنفيذ هذين القرارين ثم بإلغائهما. وقد قضت المحكمة المذكورة بعدم اختصاصها بنظر الطعن وإحالته إلى محكمة القضاء الإدارى بالإسكندرية ، التى قضت بدورها بعدم اختصاصها ولائياً بنظر الدعوى وبإحالتها -بحالتها- إلى المحكمة الإبتدائية بالإسكندرية - حيث قيدت بجدولها برقم 752 لسنة 1989 عمال كلى . وإذ دفعا أثناء نظر دعواهما بعدم دستورية المادة (8) من قانون المحاماة الصادر بالقانون رقم 17 لسنة 1983، كما تدخلت شركة القطاع العام التى يتبعانها خصماً منضماً إليهما فى ذات طلباتهما، فقد أقاموا الدعوى الدستورية الماثلة ، بعد أن صرحت لهم محكمة الموضوع باتخاذ إجراءات رفضها.

وحيث إن المادة (8) من قانون المحاماة الصادر بالقانون رقم 17 لسنة 1983- المطعون عليها- تنص على الآتى :

فقرة أولى : مع عدم الإخلال بأحكام قانون المرافعات المدنية والتجارية ، لا يجوز لمحامى الإدارات القانونية للهيئات العامة وشركات القطاع العام والمؤسسات الصحفية أن يزاولوا أعمال المحاماة لغير الجهة التى يعملون بها، وإلا كان العمل باطلاً.

فقرة ثانية : كما لا يجوز للمحامى فى هذه الإدارات القانونية الحضور أمام المحاكم الجنائية إلا فى الادعاء بالحق المدنى فى الدعاوى التى تكون الهيئة أو الشركة أو المؤسسة طرفاً فيها، وكذلك الدعاوى التى ترفع على مديريها أو العاملين بها بسبب أعمال وظائفهم.

فقرة ثالثة : ولا يسرى هذا الحظر بالنسبة للقضايا الخاصة بهم وبأزواجهم وبأقاربهم حتى الدرجة الثالثة ، وذلك فى غير القضايا المتعلقة بالجهات التى يعملون بها.

وحيث إن قضاء هذه المحكمة - قد جرى على أن المصلحة الشخصية المباشرة - وهى شرط لقبول الدعوى الدستورية - مناطها أن يكون ثمة ارتباط بينها وبين المصلحة القائمة فى الدعوى الموضوعية ، وذلك بأن يكون الحكم فى المسألة الدستورية لازماً للفصل فى الطلبات المرتبطة بها المطروحة أمام محكمة الموضوع؛ بما مؤداه: أن شرط المصلحة الشخصية المباشرة يعتبر متصلاً بالحق فى الدعوى ، ومرتبطاً بالخصم الذى أثار المسألة الدستورية ، وليس بهذه المسألة فى ذاتها منظوراً إليها بصفة مجردة . وبذلك يكون شرط المصلحة الشخصية المباشرة مبلوراً فكرة الخصومة فى الدعوى الدستورية ، محدداً نطاق المسألة الدستورية التى تدعى هذه المحكمة للفصل فيها، ومن فصلاً دوماً عن مطابقة النص التشريعى المطعون عليه لأحكام الدستور أو مخالفته لضوابطه، ومستلزماً أبداً أن يكون الحكم الصادر فى المسألة الدستورية موطئا للفصل فى مسألة كلية أو فرعية تدور حولها الخصومة فى الدعوى الموضوعية ، فإذا لم يكن له بها من صلة ، كانت الدعوى الدستورية غير مقبولة . إذ كان ذلك، وكان المدعيان الأول والثانى من محامى الإدارة القانونية لدى المدعية الثالثة - وهى من شركات القطاع العام التى يسرى عليها النص التشريعى المطعون فيه- وكانت هيئات القطاع العام وشركاته الصادر فى شأنها القانون رقم 97 لسنة 1983، وإن استعيض عنها بالشركات القابضة والشركات التابعة لها بحسب الأحوال بمقتضى نص المادة الثانية من قانون شركات قطاع الأعمال العام الصادر بالقانون رقم 203 لسنة 1991- والمعمول به إعتباراً من 20 يوليو سنة 1991- إلا أن المادة الرابعة من قانون الإصدار المشار إليه صريحة فى نصها على استمرار معاملة العاملين فى هيئات القطاع العام وشركاته المنقولين إلى الشركات الجديدة بنوعيها- والموجودين بالخدمة فى تاريخ العمل بهذا القانون- وفقاً لجميع الأنظمة والقواعد التى تنظم شئونهم الوظيفية ، وذلك إلى أن تصدر لوائح أنظمة العاملين بالشركات المنقولين إليها طبقاً لأحكام القانون المرافق. كما نصت المادة (42) من قانون شركات قطاع الأعمال العام على أن تتولى الشركة بالاشتراك مع النقابة العامة للمحامين وضع لائحة النظام الخاص بأعضاء الإدارة القانونية بها وفق الأسس المبينة فيها، وأنه إلى أن تصدر هذه اللائحة تسرى فى شأنهم أحكام قانون الإدارات القانونية بالهيئات العامة والمؤسسات العامة والوحدات التابعة لها. إذ كان ذلك، وكانت لائحة النظام الخاص بأعضاء الإدارة القانونية بالشركة التى يتبعها المدعيان لم تصدر بعد، وكان نص الفقرة الأولى من المادة (8) من القانون رقم 17 لسنة 1983 بشأن إصدار قانون المحاماة هو ماجرى تطبيقه عليهما، وترتبت بمقتضاه آثار قانونية فى حقهما ممثلة فيما وجه إليهما من ملاحظة فنية لقيامهما بالدفاع عن رئيس مجلس إدارة شركة القطاع التابعين لها فى دعوى تأديبية مقامة ضدة - لا عن خطأ مرفقى - بل عن أحد أخطائه الشخصية التى يسأل عنها فى ذمته المالية ، وكان النزاع فى الدعوى الموضوعية يدور حول صحة أو بطلان هذه الملاحظة ، فإن المسألة الدستورية المرتبطة بنزاعهم الموضوعى والمؤثرة فيه، والتى تدعى هذه المحكمة للفصل فيها- فى الدعوى الماثلة - إنما يتحدد إطارها ونطاقها فى نص الفقرة الأولى من المادة سالفة البيان، وذلك فيما قررته من عدم جواز مزاولة محامى الإدارات القانونية بشركات القطاع العام أعمال المحاماة لغير الجهة التى يعملون بها وإلا كان العمل باطلاً. وإنحصار المسألة الدستورية فى هذا النطاق، مؤداه: عدم قبول الدعوى فيما جاوز هذا الشق منها، وهو ما يتعين الحكم به.

وحيث إن المدعين ينعون على النص التشريعى المطعون فيه إخلاله بمبدأى تكافؤ الفرص لجميع المواطنين ومساواتهم لدى القانون، وذلك بما أقامه من التمييز بين محامى الإدارات القانونية بشركات القطاع العام من ناحية ونظرائهم فى بنوك القطاع العام المتماثلين معهم فى المركز القانونى من ناحية أخرى ، وبمقولة أنه خول الفئة الثانية من دونهم- وعلى ما تقضى به المادة (9) من القانون رقم 17 لسنة 1983- حق ممارسة مهنة المحاماة لغير الجهة التى يعملون بها. هذا بالإضافة إلى انطوائه على حرمانهم من المزية التى كفلتها المادة (60) من هذا القانون لزملائهم المحامين ذوى المكاتب الخاصة وذلك فيما قررته من تعيين مستشارين قانونيين من بينهم للشركات الخاصة المشار إليها فيها، مفرقاً فى ذلك بين المنتمين لمهنة واحدة هى مهنة المحاماة ، ومخالفاً كذلك مبدأ تطور التشريع إلى الأحسن، إذ قدر النص التشريعى المطعون فيه، البطلان كجزاء على مخالفة الحظر المنصوص عليه فى فقرته الاولى ، وهو جزاء لم يكن وارداً فى قانون المحاماة الملغى ، وينافيه الحق الأصيل لكل محام- على ما تنص عليه المادة (4) من ذات القانون- فى ممارسة مهنته عن أية جهة دون قيد.

وحيث إن ما ينعاه المدعون على النص التشريعى المطعون فيه- فيما فرضه من حظر على محامى الإدارات القانونية بشركات القطاع العام من مزاولة أعمال المحاماة لغير الشركة العاملين بها- من إخلال بمبدأ المساواة فى الحقوق بين المواطنين المنصوص عليه فى المادة (40) من الدستور، مردود ذلك أن القانون رقم 47 لسنة 1973 بشأن الإدارات القانونية بالمؤسسات والهيئات العامة والوحدات التابعة لها - والذى ما زال سارياً فى شأن المدعيين - لم يخرجهم من عداد العاملين بها. وآية ذلك ما نصت عليه المادة (12) من قانون هذه الإدارات من أنه يشترط فيمن يعين فى إحدى الوظائف الفنية بالإدارات القانونية أن تتوافر فيه الشروط المقررة فى نظام العاملين المدنيين بالدولة أو بالقطاع العام حسب الأحوال، وما قررته كذلك المادة (24) منه من أن يعمل فيما لم يرد فيه نص فى هذا القانون بأحكام التشريعات السارية بشأن العاملين المدنيين بالدولة أو بالقطاع العام على حسب الأحوال، وكذلك باللوائح والنظم المعمول بها فى الجهات المنشأة بها الإدارات القانونية ، مما مؤداه: اعتبار أعضاء الإدارات القانونية بشركات القطاع العام من الخاضعين لنظام العاملين فى القطاع العام الصادر بالقانون رقم 48 لسنة 1978- والذى ما زال سارياً بدوره فى شأن المدعيين على الوجه السابق بيانه - وكان هذا النظام قد حظر على العامل بالذات أو بالوساطة الجمع بين عمله وأى عمل آخر إذا كان من شأنه الإخلال بواجبات وظيفته أو مقتضياتها أو الحط من كرامتها. أو القيام بأعمال للغير- إلا بموافقة من الجهة المختصة - أو مزاولة أية أعمال تجارية أو الاشتراك فى أوجه نشاط المشروعات أو المنشآت التى تمارس نشاطاً مماثلاً أو مرتبطاً بالنشاط الذى تمارسه الشركة العامل بها، وكانت هذه القيود مردها إلى أصل واحد يتمثل فى إيجاب أن يكرس العامل بشركات القطاع العام- وهو من أشخاص القانون الخاص - وقته وجهده لأعمال الشركة التابع لها، وهو إلتزام لا ينفك عنه، ويعتبر جزءاً من علاقة العمل بالجهة التى قبل الالتحاق بها طواعية واختياراً، متكاملاً مع عناصر أخرى مناطها خضوعه وتبعيته لجهة عمله وإشرافها وتوجيهها ورقابتها عليه بالتالى ، لتقيم هذه العناصر فى مجموعها بنيان مركزه القانونى . إذ كان ذلك، وكان قانون المحاماة لم يغير من الطبيعة القانونية لعلاقة العمل التى تربط شركات القطاع العام بمحامى إدارتها القانونية ، بل أنه حمل هذه الشركات- بنص المادة (173) منه - برسوم القيد والاشتراكات الخاصة بالمحامين العاملين فى إداراتها القانونية ، وكان ما قرره النص المطعون فيه من عدم جواز مزاولتهم أعمال المحاماة لغير الجهة التى يعملون بها وإلا كان العمل باطلاً، يندرج فى إطار الضوابط التى حدد بها المشرع واجباتهم تحديداً قاطعاً، وكان الحظر الذى آتى به النص التشريعى المطعون فيه مستهدفاً بتقريره تنظيم أوضاع العمل بالإدارات القانونية بشركات القطاع العام بما لا يخل بمصالح أعضائها التى لا تتعارض مع طبيعة شركات القطاع العام وبنيانها وما يقتضيه توجيه نشاطها بأكمله نحو تحقيق أهدافها، إنما يندرج فى إطار سلطة المشرع فى مجال تنظيم الحقوق، والأصل فيها أنها سلطة تقديرية ما لم يقيدها الدستور بضوابط معينة ، وكان جوهر السلطة التقديرية يتمثل فى المفاضلة التى يجريها المشرع بين البدائل المختلفة لاختيار ما يقدر أنه أنسبها لمصلحة الجماعة وأكثرها ملاءمة للوفاء بمتطلباتها فى خصوص الموضوع الذى يتناوله بالتنظيم، فإن النعى على النص التشريعى المطعون فيه مخالفته للدستور، يكون مفتقراً إلى دعامته.

وحيث إن عموم القاعدة القانونية - وعلى ما جرى به قضاء هذه المحكمة - لا يعنى إنصرافها إلى جميع الموجودين على إقليم الدولة ، أو انبساطها على كل ما يصدر عنهم من أعمال، وإنما تتوافر للقاعدة القانونية مقوماتها بانتفاء التخصيص، ويتحقق ذلك إذا سنها المشرع مجردة من الاعتداد بشخص معين أو بواقعة بذاتها معينة تحديداً، وكان النص المطعون فيه- بالشروط التى حدد بها نطاق ومجال تطبيقه- يتمحض عن قاعدة عامة مجردة لتعلقه بوقائع غير محددة بذواتها وانسحابه إلى أشخاص بأوصافهم، وكان مبدأ مساواة المواطنين أمام القانون لا يعنى أن تعامل فئاتهم على ما بينها من تفاوت فى مراكزها القانونية معاملة قانونية متكافئة ، كذلك لا يقوم هذا المبدأ على معارضة صور التمييز جميعها، ذلك أن من بينها ما يستند إلى أسس موضوعية ولا ينطوى بالتالى على مخالفة لنص المادة (40) المشار إليها، بما مؤداه: أن التمييز المنهى عنه بموجبها هو ذلك الذى يكون تحكمياً، ذلك أن كل تنظيم تشريعى لا يعتبر مقصوداً لذاته، بل لتحقيق أغراض بعينها يعتبر هذا التنظيم ملبيا لها، وتعكس مشروعية هذه الأغراض إطاراً للمصلحة العامة التى يسعى المشرع لبلوغها متخذاً من القواعد القانونية التى يقوم عليها هذا التنظيم سبيلاً إليها، فإذا كان النص التشريعى المطعون فيه بما انطوى عليه من التمييز مصادماً لهذه الأغراض مجافياً لها بما يحول دون ربطه منطقياً بها أو إعتباره مدخلاً إليها، فإن ذلك النص يكون مستنداً إلى أسس غير موضوعية ومتبنيا تمييزاً تحكميا بالمخالفة لنص المادة (40) من الدستور. إذ كان ذلك، وكان ما قرره النص التشريعى المطعون فيه من عدم جواز مزاولة محامى الإدارات القانونية بشركات القطاع العام أعمال المحاماة لغير الجهة التى يعملون بها مبناه قاعدة عامة مجردة مستندة إلى أسس موضوعية لا تقيم فى مجال تطبيقها تمييزاً من أى نوع بين المخاطبين بها المتكافئة مراكزهم القانونية بالنسبة إليها، وكان النص المطعون فيه إذ ورد فى عبارة عامة لا تخصيص فيها، وأتى مطلقاً غير مقيد، بما يعنى انصرافه إلى محامى الإدارات القانونية جميعها التى نظمها القانون رقم 47 لسنة 1973 ممن يعملون فى شركات القطاع العام على اختلافها، وأياً كانت طبيعة نشاطها، وسواء فى ذلك ما يقوم منها بالأعمال المصرفية أو يباشر غيرها من الأعمال، فإن هؤلاء المحامين - وأياً كانت شركة القطاع العام التى يعملون بها - تكون قد انتظمتهم أسس موحدة فى مجال التقيد بالأحكام التى تضمنها النص التشريعى المطعون فيه، وتكون قالة التمييز بينهم فى نطاق تطبيقها، مفتقرة إلى ما يقيمها. ولا ينال نص المادتين (9، 60) من قانون المحاماة مما تقدم، ذلك أن استقراء أحكام هذا القانون يدل على أنه كلما أو رد ذلك القانون كلمة المحامى دون تخصيص، تعين حملها على المقيدين منهم بجداول المحامين التى ينظمها هذا القانون من غير العاملين بالإدارات القانونية فى الجهات المنصوص عليها فيه. كذلك فإن القاعدة فى التفسير هى التوفيق بين النصوص المختلفة بما يزيل شبهة التعارض بينها. إذ كان ذلك، فإن ما قررته المادة (9) من قانون المحاماة من جواز أن يزاول المحامى أعمال المحاماة فى الجهات التى عينتها- ومن بينها البنوك- على أن تكون علاقته بها علاقة وكالة ولو اقتصر عمله عليها، إنما ينصرف إلى من يزاول من المحامين أعمال المحاماة بوصفها مهنة حرة يمارسونها فى استقلال، ولا يرتبطون فى شأنها برابطة تبعية مع أية جهة ، وبذلك يكون لكل من النص التشريعى المطعون فيه، ونص المادة (9) من قانون المحاماة ، مجال عمل لا يمزج بين نطاقيهما، ولا تداخله شبهة التعارض بين أحكامها. وآية ذلك أن النص التشريعى المطعون فيه لا ينظم إلا علاقة عمل بين شركة القطاع العام من ناحية والمحامين العاملين فى إدارتها القانونية من ناحية أخرى . فى حين يتمحض مجال تطبيق المادة (9) من قانون المحاماة عن علاقة وكالة تقوم على حرية المحامى فى قبول التوكيل أو عدم قبوله فى دعوى معينة وفق ما يمليه اقتناعه. كذلك فإن ما قررته المادة (60) من قانون المحاماة من أن يكون النظام الأساسى للشركات المنصوص عليها فيها - وهى الشركات الخاصة التى يتطلب القانون مراقبة حساباتها- متضمناً تعيين مستشار قانونى لها من المقبولين أمام محاكم الاستئناف على الأقل وإلا امتنع قبول تسجيلها فى السجل التجارى ، إنما يتمحض عن ميزة يقتصر سريانها على المحامين من غير العاملين فى الإدارات القانونية بشركات القطاع العام، غايتها توفير فرص عمل لهم بالشركات الخاصة التى يتكون رأسما لها من مساهمات فردية . ولا كذلك شركات القطاع العام التى تملك الدولة أسهمها بالكامل أو يكون لها على الأقل أغلبية رأسمالها لضمان توجيه نشاطها وفق ما يمليه الصالح العام. إذ كان ذلك، وكان أعمال مبدأ المساواة يفترض التماثل فى المراكز القانونية ، فإن قالة التمييز بين محامى الإدارات القانونية بشركات القطاع العام من ناحية وبين المخاطبين بنص المادة (60) من قانون المحاماة من ناحية أخرى - وهما فئتان لا تتحد مراكزهما القانونية - لا يكون لها محل.

وحيث إن ما ينعاه المدعون من إخلال النص التشريعى المطعون فيه بمبدأ تكافؤ الفرص الذى تكفله الدولة للمواطنين كافة وفقاً لنص المادة (8) من الدستور، مردود بأن مضمون هذا المبدأ يتصل بالفرص التى تتعهد الدولة بتقديمها، وأن إعماله يقع عند تزاحمهم عليها، وأن الحماية الدستورية لتلك الفرص غايتها تقرير أولوية - فى مجال الانتفاع بها - لبعض المتزاحمين على بعض، وهى أولوية تتحد وفقاً لأسس موضوعية يقتضيها الصالح العام، إذ كان ذلك، فإن مجال أعمال مبدأ تكافؤ الفرص فى نطاق تطبيق النص المطعون عليه يكون منتفياً، إذ لا صلة له بفرص قائمة يجرى التزاحم عليها، بما لا مخالفة فيه - من هذه الناحية - لأحكام الدستور.

وحيث إن ما ينعاه المدعون على النص التشريعى المطعون فيه من تعارضه مع المادة (4) من قانون المحاماة سالف البيان التى تنص على أن يمارس المحامى مهنة المحاماة منفرداً أو شريكاً مع غيره من المحامين أو فى صورة شركة مدنية للمحاماة ، كما يجوز له أن يمارسها فى الإدارات القانونية للهيئات العامة وشركات القطاع العام والخاص والمؤسسات الصحفية وفى البنوك والشركات الخاصة والجمعيات طبقاً لأحكام هذا القانون، مردود بأنه – أياً كان وجه الرأى فى التعارض المدعى به - فإن قضاء هذه المحكمة قد جرى على أن مناط اختصاصها بالفصل فى دستورية القوانين واللوائح هو مخالفة النص التشريعى المطعون فيه لنص فى الدستور، ولا تمتد رقابتها بالتالى إلى حالات التعارض بين القوانين واللوائح ولا بين التشريعات ذات المرتبة الواحدة ولا يعدو النعى بمخالفة النص التشريعى المطعون لنص وارد فى قانون المحاماة أن يكون نعياً بمخالفة قانون لقانون، ولا يشكل بالتالى مخالفة لأحكام الدستور مما تختص المحكمة الدستورية العليا بنظرها.

وحيث إن ما أثاره المدعون من أن النص التشريعى المطعون فيه ينتكس بمبدأ تطور التشريع إلى الأحسن، مردود بأن إعراض السلطة التشريعية عن اتجاه تقدمى – بفرض صحة ما قرره المدعون فى هذا الصدد - لا ينطوى بالضرورة على مخالفة لأحكام الدستور، ولا يصلح بذاته وجهاً لتجريح نص تشريعى . ذلك أن مناط الرقابة القضائية على الدستورية هو التقيد بالضوابط التى فرضها الدستور على السلطتين التشريعية والتنفيذية فى مجال ممارستهما لولاية إقرار القوانين أو إصدارها، فإذا ما أقر قانون أو صدر قرار بقانون ملتزماً حدودها، كان موافقاً للدستور ولايجوز تعيينه.

وحيث إن قالة مخالفة النص التشريعى المطعون فيه لمبادئ معمول بها فى بعض الدول، لا ترقى فى ذاتها إلى مرتبة المخالفة الدستورية ، ذلك أن المفاهيم التى تصوغ بعض الدول تشريعاتها على ضوئها لا تعتبر بمثابة نصوص دستورية مندمجة فى دستور جمهورية مصر العربية ، ولا تستنهض بالتالى ولاية المحكمة الدستورية العليا.

وحيث إن النص التشريعى المطعون فيه- بتحديده السالف بيانه - لا مخالفة فيه للدستور من نواح أخرى .

فلهذه الأسباب

حكمت المحكمة برفض الدعوى بالنسبة إلى ما تضمنته الفقرة الأولى من المادة الثامنة من قانون المحاماة الصادر بالقانون رقم 17 لسنة 1983 من عدم جواز مزاولة محامى الإدارات القانونية بشركات القطاع العام أعمال المحاماة لغير الجهة التى يعملون بها وإلا كان العمل باطلاً، وبمصادرة الكفالة ، وألزمت المدعين المصروفات، ومبلغ مائة جنيه مقابل أتعاب المحاماة .