الدعوى 40 لسنة 16 - دستورية - المحكمة الدستورية العليا - مرفوعة علنية رقم 40 لسنة 16 بتاريخ 02/09/1995
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
باسم الشعب
المحكمة الدستورية العليا
بالجلسة العلنية المنعقدة فى يوم السبت 2 سبتمبر 1995 الموافق 6 ربيع الآخر 1416 هـ .
برئاسة السيد المستشار الدكتور/ عوض محمد عوض المر رئيس المحكمة
وحضور السادة المستشارين:- فاروق عبد الرحيم غنيم وعبد الرحمن نصير وسامى فرج يوسف والدكتور عبد المجيد فياض وعدلى محمود منصور ومحمد عبد القادر عبد الله اعضاء
وحضور السيد المستشار الدكتور/ عادل عمر شريف المفوض
وحضور السيد/ حمدى أنور صابر أمين السر
أصدرت الحكم الآتى
فى القضية المقيدة بجدول المحكمة الدستورية العليا برقم 40 لسنة 16 قضائية دستورية
المقامة من
السيد / .....................
ضد
1- السيد / رئيس الجمهورية
2- السيد / رئيس مجلس الوزراء
3- السيد المستشار / وزير العدل
الإجراءات
بتاريخ 7 ديسمبر سنة 1994 أودع المدعى ؛ قلم كتاب المحكمة ؛ صحيفة الدعوى الماثلة طالباً الحكم بعدم دستورية نص المادة الثالثة من القانون رقم 99 لسنة 1992 فى شأن نظام التأمين الصحى على الطلاب.
وبعد تحضير الدعوى . أودعت هيئة المفوضين تقريراً برأيها.
ونُظرت الدعوى على الوجه المبين بمحضر الجلسة ؛ وقررت المحكمة إصدار الحكم فيها بجلسة اليوم.
المحكمة
بعد الاطلاع على الأوراق؛ والمداولة .
حيث إن الوقائع -على ما يبين من صحيفة الدعوى وسائر الأوراق- تتحصل فى أن المدعى كان قد أقام أمام محكمة بندر ثان طنطا الدعوى رقم 45 لسنة 1994؛ بطلب الحكم برد المبالغ التى دفعها مقابل التأمين الصحى على أولاده الثلاثة الملحقين بإحدى المدارس الخاصة بمصروفات؛ وقال شرحاً لدعواه إنه عملا بحكم المادة الثالثة من القانون رقم 99 لسنة 1992 فى شأن التأمين الصحى على الطلاب؛ كان عليه أن يدفع مبالغ سنوية عن أولاده الملتحقين بمدارس خاصة بمصروفات؛ تمثل حصتهم فى التأمين الصحى . وهى مبالغ تزيد كثيرا عما تقتضيه الدولة من نظرائهم فى المدارس الحكومية والمعاهد الازهرية والمدارس الخاصة المعانة . وأثناء نظر دعواه الموضوعية ؛ دفع بعدم دستورية المادة الثالثة من القانون المشار إليه. وإذ قدرت محكمة الموضوع جدية دفعه؛ وصرحت بأن يقيم دعواه الدستورية ؛ فرفعها.
وحيث إن المادة الثالثة من القانون رقم 99 لسنة 1992 فى شأن التأمين الصحى على الطلاب؛ تنص على ما يأتى :
يمول نظام التأمين الصحى على الطلاب على النحو الأتى :-
( أ ) الاشتراكات السنوية التى يتحملها الطالب فى كل مرحلة من المراحل؛ والتى تسدد كل عام دراسى وفقاً للتنظيم؛ وفى المواعيد التى يصدر بتحديدها قرار من وزير الصحة بالاتفاق مع الوزير المختص بواقع :
- أربعة جنيهات عن كل طفل من رياض الأطفال؛ وكل طالب من طلاب التعليم الأساسى والثانوى بأنواعه؛ والمدارس الفنية نظام الخمس سنوات؛ والمدارس الفنية التجريبية التحضيرية .
- 10% من قيمة المصروفات التعليمية السنوية ؛ عن كل طفل من رياض الأطفال الخاصة ؛ وكل طالب من طلاب المدارس الخاصة بمصروفات بحد أقصى قدره خمسون جنيهاً.
(ب) الاشتراكات السنوية التى تتحملها الخزانة العامة ؛ بواقع اثنى عشر جنيهاً عن كل طالب فى المدارس ورياض الأطفال المملوكة للدولة ؛ والمدارس الخاصة المعانة .
(ج) مساهمة الطالب فى ثمن الدواء خارج المستشفى بواقع الثلث؛ عدا حالات الأمراض المزمنة التى تحدد بقرار من وزير الصحة ؛ فيعطى الدواء للطلاب مجاناً؛ وكذلك الجهاز التعويضى ؛ مرة واحدة كل سنتين؛ كلما اقتضت الحاجة ذلك.
(د) حصيلة الزيارات المنزلية بما لا يقل عن ثلاثة جنيهات ولا يجاوز خمسة جنيهات؛ عن كل زيارة منزلية وفقاً لم كان إقامة الطالب؛ وطبقاً للقواعد التى يصدر بها قرار وزير الصحة .
(ه) الاعانات والتبرعات والهبات التى تقدم لأغراض هذا النظام.
(و) حصيلة رسم تأمين صحى بمقدار عشرة قروش؛ تفرض على كل عشرين سيجارة مباعة بالسوق المحلى ؛ سواء الوطنية أو الأجنبية .
........................................... .
وحيث إن المدعى ينعى على المادة الثالثة المشار إليها؛ إلزامها طلاب المدارس الخاصة بمصروفات؛ بأداء اشتراكات سنوية لمقابلة خدمات التأمين الصحى المقدمة لهم؛ تزيد فى مقدارها عن تلك التى تقتضيها الدولة من نظرائهم الذين التحقوا بالمدارس الحكومية والمدارس الخاصة المعانة أو المعاهد الازهرية ؛ والذين يتمتعون بذات الخدمات؛ مما يخل بمبدأ المساواة أمام القانون؛ باعتبار أن التمييز بين هاتين الفئتين لا يقوم على روابط منطقية ؛ بل يعد تمييزاً تحكمياً منهياً عنه بنص المادة (40) من الدستور. كذلك فإن الأصل فى خدمات التأمين الصحى ؛ أن تقدمها الدولة لمستحقيها من الطلاب؛ عند توافر موجباتها؛ سواء بسبب عجزهم أو مرضهم. ولا صلة لها بالتالى -وبوصفها حقاً تكفله الدولة للمواطنين جميعاً على ما تقضى به المادة (17) من الدستور -بما إذا كانت المدارس التى يلتحقون بها حكومية ؛ أو مشبهة بها؛ أو من المدارس الخاصة غير المعانة . ولا يسوغ القول؛ بأن تلك المغايرة فى القواعد القانونية التى تحكم هاتين الفئتين؛ مردها ضرورة تعاون القادرين مع غير القادرين فى إطار العدالة الاجتماعية . ذلك إن هذا المفهوم؛ وإن صح أن يكون أساساً للضريبة العامة ؛ إلا أن الطلاب جميعهم يتمتعون بالخدمة الصحية عينها؛ وبالوسائل ذاتها؛ ودون تمييز فيما بينهم. ويتعين بالتالى أن يكون مقابل هذه الخدمة واحداً بالنسبة إليهم. وافتراض ملاءة أولياء الأمور الذين ألحقوا أبناءهم بالمدارس الخاصة غير المعانة ؛ لا دليل عليه؛ ولا تظاهره أية مصلحة اجتماعية .
وحيث إن قضاء المحكمة الدستورية العليا؛ مستقر على أن المصلحة الشخصية المباشرة -وهى شرط لقبول الدعوى الدستورية - مناطها أن يقوم ثمة ارتباط بينها وبين المصلحة فى الدعوى الموضوعية ؛ و ذلك بأن يكون الفصل فى المسألة الدستورية لازماً للفصل فى الطلبات المرتبطة بها المطروحة على محكمة الموضوع؛ وكانت مناعى المدعى تدور جميعها حول الزيادة فى الاشتراكات السنوية المنصوص عليها فى البند (أ) من المادة الثالثة من القانون رقم 99 لسنة 1992 فى شأن التأمين الصحى على الطلاب؛ والتى مايز المشرع بها؛ بين الإلتزامات المالية للملتحقين بالمدارس الحكومية الخاصة غير المعانة ؛ ومن عداهم؛ دون غيرها من الخدمات التى ساواهم فيهابنظرائهم -كالزيارات المنزلية والمساهمة فى ثمن الأدوية - إذ تتكافأ فئتها المالية فيما بين الطلاب جميعهم؛ وكانت الاشتراكات السنوية التى نازع المدعى فيها -والتى يتصل بها النزاع الموضوعى - هى تلك التى تم تحصيلها منه إستناداً إلى البند (أ) من المادة الثالثة المشار إليها؛ فإن نطاق الطعن ينحصر فى هذا البند؛ ولا يمتد لسواه من البنود التى انتظمتها هذه المادة .
وحيث إن الدستور؛ نص فى المادة (18) على أن يكون التعليم حقاً؛ وإلزامياً فى المرحلة الإبتدائية ؛ مع جواز مد هذا الإلزام إلى مراحل أخرى تتصل حلقاتها؛ وتتضافر مكوناتها؛ ليكون قوامها جميعاً بنياناً صلباً متماسكاً؛ نفاذاً إلى آفاق العلوم واقتحاماً لدروبها؛ وارتباطاً بحقائق العصرومعطياته؛ وبوسائل التنمية وأدواتها؛ وبعوامل القوة ومظاهرها؛ وبموازين الصراع والوفاق؛ وبقيم الحق والخير والجمال؛ وبتكامل الشخصية الإنسانية لا تراجعها؛ وبنواحى التقدم ومناحى القصور؛ وبإنماء التقاليد التربوية والخلقية والثقافية وتكريسها؛ وبألوان الإبداع وأشكال الفنون إطلا لاً عليها وتزوداً بها؛ وبالمعايير التى ألتزمتها الأمم المتحضرة تأميناً لحقوق مواطنيها وحرياتهم؛ وبالعوامل الجوهرية التى تكفل للوطن والمواطن آمالاً لا ينحصر محيطها؛ بل تمتد دائرتها إلى غير حد؛ إيماناً بغد أفضل؛ قوة وبأساً؛ حقاً وعدلاً؛ واقعا ومصيراً.
وحيث إن الدستور حرص فوق هذا -وبنص المادة (18) ذاتها- على ألا تقف الدولة من التعليم موقفاً سلبياً، وإنما حَمَّلَها مسئولية الإشراف على مختلف صوره. وعزز دورها بإلزامها أن تكفل استقلال التعليم الجامعى ، ومراكز البحث العلمية على اختلافها، تطويراً لرسالتها، وبما يكفل انفتاح مجالاتها دون قيد، متوخياً بذلك أن تتكامل العملية التعليمية فى وسائلها وغاياتها، وأن تتعدد روافدها لتكون نهراً متصلاً، فلا تنعزل بعض حلقاتها عن بعض، بل تتحد أجزاؤها وتتعاون عناصرها، لتقيم بنيانها الحق، وأن يكون نبعها تلك القيم والتقاليد الغائرة فى أعماق بيئتها، وما ذلك إلا لأن قيمتها تتمثل بصفة رئيسية فى انبثاقها عن مجتمعها،وتعبيرها عن المصالح والأسس التى يقوم عليها، تثبيتاً لها،وتعميقاً لمضمونها.
وحيث إن التعليم -على ضوء ما تقدم- كان ولا زال من أكثر المهام خطراً، وأعمقها اتصالاً بآمال المواطنين وطموحاتهم، وأوثقها ارتباطاً بمصالح الجماعة ومقاييس تقدمها، وكان على الدولة بالتالى أن تهيمن على عناصره الرئيسية ، وأن توليه رعايتها، وأن توفر لدور التعليم -وبقدر طاقتها- شرايين الحياة الجوهرية التى لا تقوم إلا بها، وأن يكون إنفاقها على التعليم، تعبيراً عن اقتناعها بأن ثماره عائدة فى منتهاها إليها. وأن اجتناءها بيد مواطنيها، فليس التعليم حرثاً فى البحر، بل هو نبض الحياة وقوامها، لا تستقيم بغيره شئونها، ولا زال متطلباً كشرط مبدئى لمواجهة المواطنين لمسئولياتهم مع تنوعها وشمولها، ليكون اضطلاعهم بها منتجاً وفعالاً، وهو كذلك تعميق لمشاعر الانتماء، يتمحض إلهاماً للضمائر، وتقريراً للحقائق، واستنهاضاً للهمم، نحو ما ينبغى أن يكون نهجاً قويماً للعمل، واستثارة لتلك القيم والمثل العليا التى يكون غرسها وإيقاظها فى النشء، مشكلاً لعقولهم، محدداً مآلاً أن ماطاً لتصرفاتهم، فلا يوجهون -فى الأعم- طاقاتهم بدداً، ولا يتراجعون عن الإقدام طريقاً، و لا يتخاذلون أو يمارون، بل يوازنون بين حقوقهم وواجباتهم، مستبصرين حدودها، فلا يتفرقون أو يفرطون.
والتعليم فوق هذا يعدهم للحياة . ويدربهم على مواجهة صعابها، ويقيم لهم معالمها، فلا تتنافر وسائلها، أو تتعارض ملامحها. وهم أسوياء بالتعليم، يتوافقون مع بيئتهم، ويندمجون فى مجتمعاتهم، فلا يسعون لغير مظاهر التفوق إصراراً،ولا يميلون عن الحق طريقاً، ليكون التعليم دوما حقاً أصيلاً لا تابعاً، لا تُدَاخل الأهواء فرص النفاذ إليه، ولا تمليها نزوة عابرة ، بل يكون القبول بالمعاهد التعليمية على اختلافها، محدداً وفق أسس موضوعية تستقيم بها متطلبات ممارسة هذا الحق، فلا يكون التعليم على ضوئها شكلياً أو رمزياً، ولا يقيد المشرع من مداه اعتسافاً، بل يكون ملبياً -واقعاً ومضموناً- للأغراض التى يتوخاها أصلاً، وموازناً بين مستواه فى مرحلة بذاتها، وما ينبغى أن يلائمها من شروط الالتحاق بها، على ضوء نظره كلية تكفل الارتقاء بالجماعة حضارياً، وإنماء طرائق النظر والاستدلال، لتطوير العلوم فى مختلف مجالاتها، والتمكين من أسبابها.
وحيث إن الحق فى التعليم فحواه، أن يكون لمن يطلبونه الحق فى ضمان قدر منه يلتئم مع مواهبهم وقدراتهم، وكذلك اختيار نوع من التعليم يكون أكثراتفاقاً مع ملكاتهم وميولهم. ولا ينحصر الحق فى التعليم، فى مجرد النفاذ إليه وفق الشروط الموضوعية التى تتحدد على ضوئها فرص قبول الطلبة بالمعاهد التعليمية ، كتلك التى تتصل بملائمة تكوينهم علمياً واستعدادهم ذهنياً ونفسياً لنوع وخصائص المناهج الدراسية بتلك المعاهد، وعلى ضوء مستوياتها الأكاديمية ، ذلك أن الالتحاق بالمعاهد التعليمية وفق الشروط الموضوعية المحُدَدة للقبول بها، يعتبر مشتملاً بالضرورة على حق الانتفاع بمرافقها وتسهيلاتها وخدماتها، بقدر اتصالها بالعملية التعليمية فى ذاتها، وارتباطها بما يكفل تكامل عناصرها، وبلوغ غاياتها، يؤيد ذلك أن الاعتبار الأظهر فى العملية التعليمية ، وإن كان عائداً أصلاً إلى خصائص مناهجها الدراسية ومستوياتها، وكذلك إلى شروط تكوين الهيئة التى تقوم بتدريسها، وعلى الأخص من زاوية كفاءتها العلمية ، وقدرتها على الاتصال بالطلبة ، والتأثير فيهم وجذبهم إليها، وإشرابهم تلك القيم والمثل التى تمليها المصالح الحيوية فى درجاتها العليا، إلا أن ذلك لا يقلل من دور مرافق المعاهد التعليمية وخدماتها، كتلك التى هيأتها لدعم النواحى الرياضية والترويحية والصحية لطلبتها، وكذلك تلك التى أنشأتها لاستثارة مواهبهم نهوضاً برسالتها. إذ لا تستقيم أغراض التعليم لغير الأسوياء الأصحاء -القادرين بدنياً ونفسياً- على النظر فى العلوم وتدبرها وانشاء علائق اجتماعية مع زملائهم، والاندماج فى محيطهم.
وحيث إن ما تقدم مؤداه: أن التعليم حق، وأن العملية التعليمية تتكامل عناصرها، فلا يجوز تبعيضها بفصل بعض أجزائها عن البعض، ذلك أن تضافر مكوناتها هو الضمان لفعاليتها، لتمتد الحماية التى كفلها الدستور للحق فى التعليم، إلى كل العناصر التى يتألف منها، فلا يجوز تعطيل بعض جوانبها أو تقييدها بنصوص قانونية أو تدابير إدارية من شأنها الإخلال بركائز التعليم بما ينال من محتواه، وبوجه خاص يجب أن تتخذ السلطات العامة جميعها، التدابير التى يقتضيها إنهاء التمييز غير المشروع، سواء فى مجال شروط القبول فى المعاهد التعليمية ، أو من خلال القواعد التى تفرق بين الطلبة فى شأن مصروفاتهم، أو منحهم الدراسية ، أو فرص متابعتهم لتعليمهم فى الدول الأجنبية . وبوجه عام، لا يجوز للمعاهد التعليمية أن تمايز بين طلبتها فى شأن صور التعامل وأشكال العلائق التى ترتبط بها معهم، ما لم يكن التمييز بينهم، مستنداً إلى جدارتهم، أو متصلاً بأوضاع تلك المعاهد واحتياجاتها.
ولا يسوغ كذلك أن تتخذ السلطات العامة ، من أشكال المعونة التى تقدمها إلى المعاهد التعليمية ، -وأياً كان مقدارها- موطئا لتقييد حقوق فئة بذاتها من طلبتها، أو تقديمها وتفضيلها على نظرائهم، وليس لها أن تعطل حق أولياء أمور الطلبة فى إلحاق أبنائهم بمعاهد تعليمية غير التى أنشأتها، بشرط ألا يقل مستواها عن الحدود الدنيا التى تتطلبها الجهة ذات الاختصاص بتنظيم شئون التعليم.
وفضلاً عما تقدم، لا يجوز، أن يكون انتفاع طلبة المعاهد التعليمية ، بمرافقها أوخدماتها، مرتبطاً بقدراتهم المالية ، ذلك أن التمييز بين المواطنين -فى مجال مباشرتهم للحقوق الأساسية عينها- على ضوء ثرواتهم، كان دائماً أمراً محظوراً منهياً عنه دستورياً.
ولئن صح القول بأن الأصل فى التعليم الخاص، هو جوازه فى الحدود التى يبينها المشرع، وبما لا يناقض نصوص الدستور، وبشرط ألا يكون متوخياً استبعاد فئة بذاتها من المواطنين إنحرافاً، وأن يكون ملتزماً -من حيث مستواه فى كل مرحلة تعليمية - بالمقاييس التى تفرضها الجهة الإدارية ذات الاختصاص فى شأن المرحلة المناظرة ، فإن من الصحيح كذلك أن الحماية التى يكفلها الدستور للحق فى التعليم- بكل العناصر التى يشتمل عليه- إنما تمتد إلى المعاهد التعليمية جميعها، بغض النظر عمن يملكها أو يديرها.
وحيث إن الأسس السالف بيانها، هى التى تبنتها المواثيق الدولية . فالإعلان العالمى لحقوق الإنسان، يؤكد فى ديباجته، أن الحقوق المنصوص عليها فيه، مرجعها إيمان شعوب الأمم المتحدة بالحقوق الأساسية للإنسان، وبقيمة كل فرد وكرامته، وضرورة أن يعامل مع غيره وفقاً لمقاييس تتكافأ مضموناتها، فلا يضطر مع غيابها إلى مقاومة القهر والطغيان، وإنما يكون ضمانها كافلاً لمعايير أفضل لحياة تزدهر مقوماتها فى إطار حرية أعمق وأبعد.
وكان من بين هذه الحقوق، تلك المنصوص عليها فى المادة (26) من ذلك الإعلان فى شأن التعليم، فقد جاء حكمها صريحاً فى أن لكل إنسان حقاً فيه، ويجب أن يقدم مجاناً على الأقل فى مرحلتيه الإبتدائية والأساسية ، ويكون التعليم الابتدائى إلزامياً، فإذا كان التعليم فنياً أو مهنياً، وجب أن يكون متاحاً بوجه عام. ولايتاح التعليم العإلى إلا على أساس من الجدارة والاستحقاق، وللآباء حق أولى A prior right فى اختيار نوع بذاته من التعليم لأبنائهم.
وتؤكد المادة (13) من العهد الدولى للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية ، أن التعليم حق ينبغى أن يكون موجهاً نحو التطوير الكامل للشخصية الإنسانية ، معززاً الاحترام لحقوق الإنسان وحرياته الأساسية ، مقترناً بضمان حق الناس جميعاً فى مجال الإسهام الفعال فى بناء مجتمعاتهم الحرة ، ومؤدياً لتعميق الفهم والتسامح بين الأمم ودعم صداقتها. كذلك يبين من الاتفاقية التى أقرها المؤتمر العام لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والشئون العلمية والثقافية فى 14 ديسمبر 1960 فى شأن مناهضة التمييز فى مجال التعليم.
Convention against discrimination in education adopted on 14 th. december , 1960 , by the General Conference of The United Nations Educational, Scientifec and Cultural Organisation ) UNESCO).
إن هذا التمييز، يمثل انتهاكاً للحقوق التى نص عليها الإعلان العالمى لحقوق الإنسان، وإن منظمة اليونسكو، تؤكد أن احترامها للتنوع فى النظم التعليمية الوطنية ، لا يجوز أن يخل بإلتزامها -ليس بتحريم أشكال التمييز فى نطاق التعليم على اختلافها فحسب- بل كذلك بالعمل على إرساء التكافؤ فى الفرص والمعاملة المتساوية على صعيد التعليم، ليكون حقاً مكفولاً لكل إنسان. ذلك أن أشكال التمييز -على تباينها- تكتنفها مخاطر بعيدة آثارها. وكان لازماً بالتإلى أن يتناولها تنظيم دولى ، يكون مُنْهيِاً لصورها غير المبررة . وهو ما نصت عليه الفقرة الأولى من المادة الأولى من الاتفاقية الآنف بيانها، ذلك أن التمييز وفقاً لحكمها يعنى كل تفرقة Distinction أو تقييد Limitation أو استبعاد Exclusion أو تفضيل Preference يستند إلى لون الأشخاص أو جنسهم أو لغتهم أو عقائدهم أو آرائهم، أو أصلهم الوطنى أو الاجتماعى أو حالتهم الاقتصادية Economic Condition إذا كان هذا التمييز يتوخى ، أو من أثره، إلغاء المعاملة المتكافئة فى مجال التعليم أو الإخلال بها. ويندرج تحت ذلك بوجه خاص حرمان شخص أو مجموعة من الأشخاص من النفاذ إلى التعليم بمختلف صوره ومراحله، أو إلزامهم الالتحاق بأشكال من التعليم تنحدر مستوياتها، أو فرض أوضاع عليهم تأباها كرامة الإنسان وتنافيها، أو إنشاء نظم تعليمية أو إبقاؤها إذا كان هدفها الفصل بين الأشخاص تبعا لجنسهم، ما لم يكن حق النفاذ إليها متكافئاً من خلال دور للتعليم تتعادل مستوياتها سواء من ناحية خصائص أبنيتها أو تجهيزاتها، أو كفاءة مدرسيها وقدراتهم، أو نوع مناهجها.
وعملاً بالفقرة الثانية من المادة الأولى من تلك الاتفاقية ، يقصد بالتعليم- فى تطبيق أحكامها- صور التعليم ومختلف مراحله، وهو يشمل كذلك على حق الالتحاق بالتعليم والنفاذ إلى نوعه ومستواه، والشروط التى يمنح على ضوئها.
The conditions under which education is given
ويبين كذلك من الاتفاقية الأوربية لحماية حقوق الإنسان، أن بروتوكولاً برقم (1) أُلحق بها، ليضيف إليها بعض الحقوق التى أغفلتها، من بينها الحق فى التعليم المنصوص عليه فى المادة الثانية من هذا البروتوكول، والتى تقضى بأن حق كل شخص فى التعليم لا يجوز إنكاره، وأن على الدولة -فى ممارستها لاختصاصاتها-احترام حق الآباء فى أن يوفروا لأبنائهم نوعا من التعليم والتدريس، يكون ملبياً لعقائدهم الدينية ومفهوماتهم الفلسفية .
وتنص المادة (17) من الميثاق الإفريقى لحقوق الإنسان والشعوب
African Charter on Human and Peoples Rights
على أن لكل فرد حقاً فى التعليم، وفى الإسهام الحر فى الحياة الثقافية لبلده.
وحيث إنه متى كان ما تقدم، وكان من المحقق أن الحقوق الأساسية للإنسان لا تُسْتَمد من صفته كمواطن فى بلد ما، بل مردها إلى الخصائص التى تميز الشخصية البشرية وتبرر بالتالى حمايتها وطنياً ودولياً، وكانت الدساتير المصرية جميعها بدءاً بدستور سنة 1923 وانتهاءً بالدستور القائم، ترد المواطنين جميعاً إلى قاعدة موحدة ، حاصلها مساواتهم أمام القانون، باعتبارها قواماً للعدل وجوهر الحرية والسلام الاجتماعى ، وعلى تقدير أن الأغراض التى تستهدفها، تتمثل أصلاً فى صون حقوق المواطنين وحرياتهم فى مواجهة صور التمييز التى تنال منها أو تقيد ممارستها، فقد أضحى مبدأ المساواة أمام القانون- فى أساس بنيانه- وسيلة لتقرير الحماية القانونية المتكافئة التى لا يقتصر مجال تطبيقها على الحقوق والحريات التى نص عليها الدستور، بل يمتد مجال إعمالها كذلك، إلى تلك التى كفلها المشرع للمواطنين -فى حدود سلطته التقديرية - وعلى ضوء ما يكون قد ارتآه كافلاً للصالح العام.
ولئن نص الدستور فى المادة (40)، على حظر التمييز بين المواطنين فى أحوال بعينها هى تلك التى يقوم التمييز فيها على أساس من الأصل أو الجنس أو اللغة أو الدين أو العقيدة ، إلا أن إيراد الدستور لصور بذاتها يكون التمييز فيها محظوراً، مرده أنها الأكثر شيوعاً فى الحياة العملية ، ولا يدل البته على انحصاره فيها،إذ لو صح ذلك -وهو غير صحيح- لكان التمييز فيما عداها جائزاً دستورياً، وهو ما يناهض المساواة التى كفلها الدستور، وينقض أسسها ويعطل مقاصدها. وآية ذلك أن من صور التمييز التى أغفلتها المادة (40) من الدستور ما لا تقل عن غيرها وزناً وخطراً سواء فى محتواها، أو من جهة الآثار التى تتولد عنها وترتبها، كالتمييز بين المواطنين فى نطاق حقوقهم وحرياتهم لاعتبار مرده إلى المولد أو الثروة أو المركز الاجتماعى أو انتمائهم الطبقى أو ميولهم الحزبية وآرائهم، أو عصبيتهم القبلية ، أو نزعاتهم العرقية ، أو إلى موقفهم من السلطة العامة وإعراضهم عن تنظيماتها، أو مناوئتهم لها، أو تبنيهم لأعمال بذاتها.
كذلك، فإن الأصل فى كل تنظيم تشريعى أن يكون منطوياً على تقسيم أو تصنيف Classification أو تمييز من خلال الأعباء التى يلقيها على البعض، أو المزايا أو الحقوق التى يمنحها لفئة دون غيرها، إلا أن اتفاق هذا التنظيم مع أحكام الدستور، يفترض ألا تنفصل النصوص القانونية -التى نظم بها المشرع موضوعاً محدداً- عن أهدافها، ليكون اتصال الأغراض التى توخاها بالوسائل إليها، منطقياً، وليس واهياً أو واهنا بما يخل بالأسس الموضوعية التى يقوم عليها التمييز المبرر دستورياً.
Classification is inherent in legislation in that legislators may select different persons or groups for different treatment . However, the state may not rely on a classification whose relationship to an asserted goal is so attenuated as to render the distinction arbitrary or irrational .
كذلك فإن صور التمييز التى تناقض مبدأ المساواة أمام القانون، وإن تعذر حصرها، إلا أن قوامها كل تفرقة أو تقييد أو تفضيل أو استبعاد، ينال بصورة تحكمية من الحقوق والحريات التى كفلها الدستور أو القانون، وذلك سواء بإنكار أصل وجودها، أو من خلال تقييد آثارها بما يحول دون مباشرتها على قدم من المساواة الكاملة بين المؤهلين قانوناً للانتفاع بها.
Equality before the law requires an absence of discriminatory treatment except for those in different circumstances.
وحيث إنه متى كان ذلك، وكان حق التعليم يعنى ابتداء حق الالتحاق بالمعاهد التعليمية وفق الشروط الموضوعية التى تنظم القبول بها، وكان التكافؤ فى هذه الشروط فيما بين المتزاحمين على فرص النفاذ إليها، مؤداه: تساويهم فى المراكز القانونية بالنسبة إلى المرحلة التعليمية التى قبلوا بها، وتعادل حقوقهم فى مجال الانتفاع بمرافق معاهدهم وتسهيلاتها وخدماتها، التى تتكامل بها العملية التعليمية وتتصل حلقاتها، وكان التأمين الصحى يندرج تحتها، فقد تعين أن تتكافأ إلتزاماتهم المالية فى مجال هذا التأمين، إذ كان ذلك، وكان النص المطعون فيه، يفترض أن الذين يلتحقون بالتعليم الخاص غير المعان، يملكون من مصادر الثروة ما يٌعينهم على تحمل الأعباء المالية الأثقل، إسهاماً من جانبهم بنصيب أكبر فى تمويل هذا التأمين، وكان هذا الافتراض لا دليل عليه، ذلك أن هذا النوع من التعليم قد يتمحض طريقاً وحيداً متاحاً أمامهم لإكمال دراستهم، وقد يتحملون مالياً -سعياً لبلوغ هدفهم هذا- بما لا يطيقون. و قد يزداد موقفهم سوءاً من خلال الأعباء المالية الأعلى التى فرضها عليهم النص المطعون فيه، لتتضاءل خياراتهم، بما قد يؤول إلى حرمانهم من الاستمرار فى التعليم. وليس ذلك بكل المقاييس نهجاً حميداً أو مطلوباً، بل هو إخلال بالتضامن الاجتماعى ، وبالحق فى التعليم. يؤيد ذلك -بوجه خاص- أمران:-
أولهما: أن ما نص عليه الدستور فى المادة (7) من قيام المجتمع على أساس التضامن الاجتماعى ، يعنى وحدة الجماعة فى بنيانها، وتداخل مصالحها لا تصادمها، وإمكان التوفيق بينها ومزاوجتها ببعض عند تزاحمها، واتصال أفرادها ببعض ليكون بعضهم لبعض ظهيراً، فلا يتفرقون بدداً، أو يتناحرون طمعاً، أو يتنابذون بغياً، وهم بذلك شركاء فى مسؤليتهم قبلها، لا يملكون التنصل منها أو التخلى عنها، وليس لفريق من بينهم أن يتقدم على غيره انتهازاً، ولا أن ينال قدراً من الحقوق يكون بها -عدواناً- أكثر علواً، ولا أن يحرم من بعضها بهتاناً، بل يتعين أن تتضافر جهودهم، لتكون لهم الفرص ذاتها التى تقيم لمجتمعاتهم بنيانها الحق.
ثانيهما: أن افتراض ملاءة أولياء أمور الطلبة الذين يلتحقون بالتعليم الخاص غير المعان -حتى وإن صح- وإلزامهم بأعباء مالية تزيد على غيرهم من نظرائهم، لا يعدو أن يكون تمييزاً فيما بينهم على أساس من الثروة فى مجال مباشرتهم للحقوق الأساسية التى كفلها الدستور للمواطنين جميعا ًعلى سواء، لينحل، تمييزاً منهياً عنه دستورياً، ذلك أن تكافؤهم فى الشروط الموضوعية التى تم على ضوئها قبولهم فى مرحلة تعليمية بذاتها، يقتضى بالضرورة تعادلهم فى مجال الانتفاع بالمرافق والخدمات التى تتصل بالعملية التعليمية ، والتى هيأتها المعاهد التى التحقوا بها، لغيرهم من زملائهم. وآية ذلك، أن القانون رقم 99 لسنة 1992 فى شأن التأمين الصحى على الطلاب، وإن مايز بنص البند (أ) من مادته الثالثة -وهو النص المطعون فيه- فيما بين الطلبة بعضهم البعض فى شأن اشتراكاتهم السنوية التى يسهمون بها فى تمويل هذا التأمين، إلا أن البندين (ج)، (د) من هذه المادة ذاتها، يكفلان مساواتهم جميعاً فى شأن إسهامهم فى ثمن الدواء، وأجر الزيارة الطبية المنزلية .
وحيث إن مؤدى ما تقدم، أن النص المطعون فيه، قد وقع فى حمأة المخالفة الدستورية لمخالفته المواد (7، 18، 40) من الدستور.
فلهذه الأسباب
حكمت المحكمة بعدم دستورية ما تضمنه البند ( أ ) من المادة الثالثة من القانون رقم 99 لسنة 1992 فى شأن التأمين الصحى على الطلاب، من إفراد كل طفل فى رياض الأطفال الخاصة ، وكل طالب من طلاب المدارس الخاصة بمصروفات، بالتحمل باشتراكات سنوية لتمويل هذا التأمين، تزيد عن تلك التى فرضتها على غيرهم من الطلبة ، وألزمت الحكومة المصروفات، ومبلغ مائة جنيه مقابل أتعاب المحاماة .