الدعوى 5 لسنة 15 - دستورية - المحكمة الدستورية العليا - مرفوعة علنية رقم 5 لسنة 15 بتاريخ 20/05/1995
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
باسم الشعب
المحكمة الدستورية العليا
بالجلسة العلنية المنعقدة في يوم السبت 20 مايو سنة 1995 الموافق 20 ذو الحجة سنة 1415 هـ .
برئاسة السيد المستشار الدكتور/ عوض محمد عوض المر رئيس المحكمة
و حضور السادة المستشارين: الدكتور/ محمد إبراهيم أبو العينين وفاروق عبد الرحيم غنيم وعبد الرحمن نصير وسامى فرج يوسف والدكتور/ عبد المجيد فياض ومحمد على سيف الدين اعضاء
وحضور السيد المستشار الدكتور/ حنفى على جبالى رئيس هيئة المفوضين
وحضور السيد/ حمدى أنور صابر أمين السر
أصدرت الحكم الآتي:
في القضية المقيدة بجدول المحكمة الدستورية العليا برقم 5 لسنة 15 قضائية دستورية
المقامة من
- السيد/ .......................
ضد
- السيد/ وزير العدل
- السيد/ وزير الزراعة
- السيد/ رئيس مجلس الوزراء
الإجراءات
فى الرابع من فبراير سنة 1993 أودع المدعى قلم كتاب المحكمة صحيفة الدعوى الماثلة ، طالباً الحكم بعدم دستورية نص المادة (25) من قرار نائب رئيس الوزراء ووزير الزراعة والأمن الغذائى رقم 517 لسنة 1986 بشأن ذبح الحيوانات وتجارة اللحوم.
وقدمت هيئة قضايا الدولة مذكرة طلبت فيها الحكم برفض الدعوى .
وبعد تحضير الدعوى ، أودعت هيئة المفوضين تقريراً برأيها.
ونُظرت الدعوى على الوجه المبين بمحضر الجلسة ، وقررت المحكمة إصدار الحكم فيها بجلسة اليوم.
المحكمة
بعد الاطلاع على الأوراق، والمداولة .
حيث أن الوقائع - على ما يبين من صحيفة الدعوى وسائر الأوراق - تتحصل فى أن المدعى كان قد ضبط بتاريخ 13 يونيو سنة 1991 بدائرة قسم ثان طنطا، يعرض لحم بقر ذبح خارج المجازر العامة ، واعتبر لذلك غير صالح للإستهلاك الأدمى وفقاً للمادة (25) من القرار الوزارى رقم 517 لسنة 1986 بشأن ذبح الحيوانات وتجارة اللحوم. فأحالته النيابة العامة إلى المحاكمة الجنائية ، طالبة عقابه لارتكابه جريمتين أولاهما ذبحه حيوانات مخصص لحومها للإستهلاك الآدمى خارج المجازر العامة المخصصه للذبح، وثانيتهما عرضه للبيع شيئاً من أغذية الإنسان (لحوم) فاسداً مع علمه بذلك، فقضى غيابياً بمعاقبته -عما نسب إليه - بالحبس سته أشهر والنشر فى صحيفتين يوميتين على نفقته والمصادره، فطعن فى هذا الحكم بطريق المعارضة التى قضى بقبولها شكلاً وفى الموضوع برفضها وتأييد الحكم المعارض فيه. وقد استأنف هذا الحكم، وقضى غيابياً بسقوط الحق فى الاستئناف، فعارض فى هذا الحكم الأخير، ودفع بعدم دستورية نص المادة (25) من القرار الوزارى المشار إليه. وإذ قدرت محكمة الموضوع جدية دفعه، وصرحت له بالطعن بعدم الدستورية ، فقد أقام الدعوى الماثلة .
وحيث إن المادة (25) من قرار نائب رئيس الوزراء ووزير الزراعة والأمن الغذائى رقم 517 لسنة 1986 بشأن ذبح الحيوانات وتجارة اللحوم، تنص على أنه:
فقرة أولى :يحظر أن تعرض أو تباع لحوم أو أجزاء أو أعضاء أو أحشاء أو دهون الحيوانات المريضة أوالتالفة غيرالصالحة للإستهلاك الآدمى .
فقرة ثانية : وتعتبر أجزاء الذبائح، الغير مختومة بخاتم المجزر الرسمى ، والمعروضة للبيع، غير صالحة للإستهلاك الآدمى ، ويتعين إعدامها.
وحيث إن المدعى ينعى على الفقرة الثانية من المادة (25) المطعون عليها، افتراضها عدم صلاحية أجزاء الذبائح المعروضة للبيع - وغير المختومة بخاتم المجزر الرسمى - للإستهلاك الآدمى ، وكذلك افتراض علم عارضها للبيع بفسادها وبذلك يكون هذا النص قد مس الحرية الشخصية ، وأهدر افتراض البراءه، وأخل بحق الدفاع، وجاوز حدود ولاية المشرع، ونقض استقلال السلطة القضائية ومبدأ الفصل بين السلطات، مما يصم هذا النص بمخالفته أحكام المواد (41، 67، 69، 86، 165) من الدستور.
وحيث إن المصلحة الشخصية المباشرة -وهى شرط لقبول الدعوى الدستورية - مناطها ارتباطها بالمصلحة القائمة فى الدعوى الموضوعية ، وذلك بأن يكون الفصل فى المسألة الدستورية لازماً للفصل فى الطلبات المرتبطة بها، والمطروحة أمام محكمة الموضوع. متى كان ذلك، وكان الثابت من الأوراق أن التهمة الثانية التى نسبتها النيابة العامة إلى المتهم، ترتكز فى أساسها على الفقرة الثانية من المادة (25) من قرار وزير الزراعة والأمن الغذائى رقم 517 لسنة 1986 آنف البيان، وذلك فيما تقوم عليه من افتراض عدم صلاحية أجزاء الذبائح التى ضبط المدعى يعرضها للبيع دون ختمها بخاتم المجزر الرسمى ، للإستهلاك الآدمى ، فإن هذه الفقرة وحدها هى التى ينحصر فيها نطاق الطعن.
وحيث إن مراقبة الأغذية وتنظيم تداولها من أولى المهام التى تقوم عليها الدولة تنفيذاً لخدماتها الصحية التى ألزمها الدستور بالوفاء بها وفقاً لنص المادتين (16، 17) ويندرج تحت ذلك ضمان خلوها من الأمراض، والتحقق من توافر مواصفاتها الصحية التى تنفى عنها تلوثها أو فسادها، وكذلك مراقبة المشتغلين بها سواء فى وسائل تصنيعها، أو نقلها أو عرضها وطرحها للبيع. ومن ثم فصل القانون رقم 10 لسنة 1966 بشأن مراقبة الأغذية وتنظيم تداولها - فى مادتيه الثانية والثالثة - الأحوال التى تعتبر فيها الأغذية غير صالحه للإستهلاك الآدمى ، سواء لإضرارها بالصحة أو فسادها أو تلفها.
وعملاً بالمادة (4) من هذا القانون، تعتبر الأغذية ضارة بالصحة فى الأحوال الآتية :
(1) إذا كانت ملوثه بميكروبات أو طفيليات من شأنها إحداث المرض بالإنسان.
(2) إذا كانت تحتوى على مواد سامة تحدث ضرراً لصحة الإنسان إلا فى الحدود المقرره بالمادة (11).
(3) إ ذا تداولها شخص، مريض بأحد الأمراض المعدية التى تنتقل عدواها إلى الإنسان عن طريق الغذاء أو الشراب أو حامل لميكروباتها، وكانت هذه الأغذية معرضة للتلوث.
(4) إذا كانت ناتجة من حيوان مريض بأحد الأمراض التى تنتقل إلى الإنسان أو من حيوان نافق.
(5) إذا امتزجت بالأتربة أو بالشوائب بنسبة تزيد على النسب المقررة ، أو كان يستحيل تنقيتها منها.
(6) إذا احتوت على مواد ملوثه أو مواد حافظة أو أية مواد أخرى محظور استعمالها.
(7) إذا كانت عبواتها أو لفائفها، تحتوى على مواد ضارة بالصحة .
وتنص المادة (5) من هذا القانون على أن تعتبر الأغذية فاسدة أو تالفة إذا تغير تركيبها أو خواصها الطبيعية من حيث طعمها أو رائحتها أو مظهرها نتيجه تحليلها كيماوياً أو ميكروبياً. وكذلك إذا انتهى التاريخ المحدد لاستعمالها، أو احتوت على يرقات أو ديدان أو حشرات أو فضلات أو مخلفات حيوانية .
وحيث إن البين كذلك من القانون رقم 53 لسنة 1966بإصدار قانون الزراعة ، أنه نظم الثروة الزراعية ومكافحة آفاتها، ثم عرج للثروة الحيوانية لضمان تنميتها وحمايتها، وتناول فى الباب الثانى من الكتاب الثانى الصحه الحيوانية ، وعرض فى الفصل الأول منه لمكافحه أمراض الحيوان، وفى الفصل الثانى للحجر البيطرى ، وفى الفصل الثالث لذبح الحيوانات وسلخها وحفظ جلودها، وصَدَّره بالماده (136) التى تنص على أنه لايجوز فى المدن والقرى التى يوجد بها أماكن مخصصة رسمياً للذبح أو مجازر عامة ، ذبح أو سلخ الحيوانات المخصصة لحومها للإستهلاك العام خارج تلك الاماكن أو المجازر المعدة لذلك. وتحدد هذه الأماكن بقرار من وزير الزراعة ثم أتبعها بالمادة (137) التى تخول وزير الزراعة أن يصدر القرارات المنفذة لأحكام هذا الفصل، وبوجه خاص:
(أ) ما تعلق منها بتحديد شرط ذبح الحيوانات ونقل لحومها ومخلفاتها وعرضها للبيع والرسوم التى تفرض على الذبح.
وتنص المادة (139) من هذا القانون على أن لمأمور الضبط القضائى ضبط لحوم الحيوانات التى تذبح بالمخالفة للمادة (136) أو البند (أ) من المادة (137) ... فإذا تبين عدم صلاحيتها للاستهلاك، وجب إعدامها.
وحيث إنه بناء على التفويض التشريعى الذى تضمنه البند (أ) من المادة (137) من قانون الزراعة ، صدر قرار وزير الزراعة والأمن الغذائى رقم 517 لسنة 1986 المشار إليه. وبعد أن نص هذا القرار فى المادة (23) منه على أن تضبط لحوم الحيوانات التى تذبح بالمخالفة لأحكام المواد (109، 136، 137/أ) من قانون الزراعة الصادر بالقانون رقم 53 لسنة 1966 ويتم إعدامها إذا كانت غير صالحة للإستهلاك الآدمى فإذا كانت صالحة وجب بيعها على أن يودع ثمن بيعها فى أقرب خزينة لحساب الهيئة العامة للخدمة البيطريه ولا يرد لصاحبها إلا بعد ثبوت براءته من التهمه الموجهة إليه، قضى فى الفقرة الثانية من المادة (25) بأن تعتبر أجزاء الذبائح غير المختومة بخاتم المجزرالرسمى ، والمعروضة للبيع، غير صالحة للإستهلاك الآدمى ، ويتعين إعدامها.
وحيث إن البين من أحكام القانون رقم 10 لسنة 1966 بشأن مراقبة الأغذية وتنظيم تداولها، أن الأغذية لا تعتبر صالحة للإستهلاك الآدمى إلا فى أحوال بذاتها حددها هذا القانون حصراً، وتناولها تفصيلاً بالبيان، فلا تكون الأغذية ضارة بالصحة أو فاسدة أو تالفة إلا وفق عناصر موضوعية تقوم بهذه الأغذية ، أو تتصل بها، ويكون ثبوتها مانعاً من تداولها، وقاطعاً بانتفاء صلاحيتها لإستهلاكها آدمياً.
إذ كان ذلك، وكان المتهم قد قدم إلى المحاكمة الجنائية لعرضه للبيع شيئاً من أغذيه الإنسان (لحوم) فاسداً مع علمه بذلك، وكان المحضرالذى حرره مأمورو الضبط القضائى عن الواقعة محل الاتهام، يتضمن عرضه للبيع لحماً ذبح خارج المجازر العامة ، واعتبر لذلك غير صالح آدمياً للتناول عملاً بالفقرة الثانية من المادة (25) من قرار وزير الزراعة رقم 517 لسنة 1986 التى تنص على أن تعتبر أجزاء الذبائح غير المختومة بالخاتم الرسمى ، والمعروضة للبيع، غير صالحة لإستهلاكها آدميا، فإن حكم هذه الفقرة يكون منسحباً إلى أمرين، أولهما: أن اللحوم المعروضة للبيع تعتبر فاسدة لمجرد عدم ختمها بالخاتم الرسمى لأحد المجازر العامة . ثانيهما: أن عارضها يعلم بفسادها، بما مؤداه: أن القرينة القانونية التى تضمنها النص المطعون فيه لا تقوم على مجرد افتراض القصد الجنائى ، بل تجاوز ذلك إلى افتراض مادية الأفعال التى تتكون الجريمة منها.
وحيث إن الدستور هو القانون الأساسى الأعلى الذى يرسى القواعد والأصول التى يقوم عليها نظام الحكم، ويقرر الحريات والحقوق العامة ، ويرتب الضمانات الأساسية لحمايتها، ويحدد لكل من السلطة التشريعية والتنفيذية والقضائية وظائفها وصلاحيتها،ويضع الحدود والقيود الضابطة لنشاطها بما يحول دون تدخل أى منها فى أعمال السلطة الأخرى ، أو مزاحمتها فى ممارسة اختصاصاتها التى ناطها الدستور بها.
وحيث إن الدستور اختص السلطة التشريعية بسن القوانين وفقاً لأحكامه، فنص فى المادة (86) على أن يتولى مجلس الشعب سلطة التشريع، ويقر السياسة العامة للدولة ، والخطة العامة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية ، والموازنة العامة للدولة ، كما يمارس الرقابة على أعمال السلطة التنفيذية ، وذلك كله على الوجه المبين فى الدستور ونصت المادة (66) من الدستور على أنه لا جريمة ولا عقوبة إلا بناء على قانون وهو ما لا يعدو أن يكون توكيداً لما جرى عليه العمل من قيام المشرع بإسناد الاختصاص إلى السلطة التنفيذية بإصدار قرارات لائحية تحدد بها بعض جوانب التجريم والعقاب،وذلك فى الحدود التى يبينها القانون ولاعتبارات يقتضيها الصالح العام. وإذ يعهد المشرع إلى السلطة التنفيذية بهذا الاختصاص، فإن عملها لا يعتبر من قبيل اللوائح التفويضية المنصوص عليها فى المادة (108) من الدستور، ولا يندرج كذلك تحت اللوائح التنفيذية التى نظمتها المادة (144) منه، وإنما يقوم هذا الاختصاص على تفويض بالتشريع إستناداً لنص المادة (66) من الدستور لتحديد بعض جوانب التجريم والعقاب.
ومن جهة أخرى فقد عهد الدستور إلى السلطة القضائية بالفصل فى المنازعات والخصومات على النحو المبين فى الدستور، فنص فى المادة (165) على أن السلطة القضائية مستقلة ، وتتولاها المحاكم على إختلاف أنواعها ودرجاتها، وتصدر أحكامها وفق القانون.
وحيث إن الدستور - فى اتجاهه إلى ترسم النظم المعاصرة ، ومتابعة خطاها، والتقيد بمناهجها التقدمية -نص فى المادة (66) منه على أنه لا جريمة ولا عقوبة إلا بناء على قانون، ولا عقاب إلا على الأفعال اللاحقة لصدور القانون الذى ينص عليها، وكان الدستور قد دل بهذه المادة على أن لكل جريمة ركناً مادياً لا قوام لها بغيره يتمثل أساساً فى فعل أو امتناع وقع بالمخالفة لنص عقابى ، مفصحاً بذلك عن أن ما يركن إليه القانون الجنائى ابتداء -فى زواجره ونواهيه - هو مادية الفعل المؤاخذ على إرتكابه، إيجابياً كان هذا الفعل أم سلبياً، ذلك أن العلائق التى ينظمها هذا القانون فى مجال تطبيقه على المخاطبين بأحكامه، محورها الأفعال ذاتها، فى علاماتها الخارجيه، ومظاهرها الواقعية ، وخصائصها المادية ، إذ هى مناط التأثيم وعلته، وهى التى يتصور إثباتها ونفيها، وهى التى يتم التمييز على ضوئها بين الجرائم بعضها البعض، وهى التى تديرها محكمة الموضوع على حكم العقل لتقييمها، وتقدير العقوبة المناسبة لها. بل أنه فى مجال تقدير توافر القصد الجنائى ، فإن محكمة الموضوع لا تعزل نفسها عن الواقعة محل الاتهام التى قام الدليل عليها قاطعاً واضحاً، ولكنها تجيل بصرها فيها، منقبة من خلال عناصرها عما قصد إليه الجانى حقيقة من وراء إرتكابها. ومن ثم تعكس هذه العناصر تعبيراً خارجياً ومادياً عن إرادة واعية . ولا يتصور بالتالى وفقاً لأحكام الدستور أن توجد جريمة فى غيبة ركنها المادى ، ولا إقامة الدليل على توافر علاقة السببية بين مادية الفعل المؤثم، والنتائج التى أحدثها بعيداً عن حقيقة هذا الفعل ومحتواه. ولازم ذلك أن كل مظاهر التعبير عن الإرادة البشرية - وليس النوايا التى يضمرها الإنسان فى أعماق ذاته - تعتبر واقعة فى منطقة التجريم كلما كانت تعكس سلوكاً خارجياً مؤاخذاً عليه قانوناً. فإذا كان الأمر غير متعلق بأفعال أحدثتها إرادة مرتكبها، وتم التعبير عنها خارجياً فى صورة مادية لا تخطئها العين، فليس ثمة جريمة .
وحيث إن اختصاص السلطة التشريعية بإقرار القواعد القانونية ابتداء، أو تفويض السلطة التنفيذية فى إصدارها فى الحدود التى بينها الدستور، لا يخول أيتهما التدخل فى أعمال أسندها الدستور إلى السلطة القضائية وقصرها عليها، وإلا كان هذا افتئاتاً على ولايتها، وإخلا لاً بمبدأ الفصل بين السلطات.
وحيث إن الدستور كفل فى مادته السابعة والستين الحق فى المحاكمة المنصفة بما تنص عليه من أن المتهم برئ حتى تثبت إدانته فى محاكمة قانونية تكفل له فيها ضمانات الدفاع عن نفسه. وهو حق نص عليه الإعلان العالمى لحقوق الإنسان فى مادتيه العاشرة والحادية عشرة التى تقرر أولاهما أن لكل شخص حقاً مكتملاً ومتكافئاً مع غيره فى محاكمة علنية ومن صفة ، تقوم عليها محكمة مستقلة محايدة ، تتولى الفصل فى حقوقه وإلتزاماته المدنية ، أو فى التهمة الجنائية الموجهة إليه. وتردد ثانيتهما فى فقرتها الأولى حق كل شخص وجهت إليه تهمة جنائية ، فى أن تفترض براءته إلى أن تثبت إدانته فى محاكمة علنية توفر له فيها الضمانات الضرورية لدفاعه.
وهذه الفقرة هى التى تستمد منها المادة (67) من الدستور أصلها، وهى تردد قاعدة استقر العمل على تطبيقها فى الدول الديموقراطية ، وتقع فى إطارها مجموعة من الضمانات الأساسية تكفل بتكاملها مفهوماً للعدالة يتفق بوجه عام مع المقاييس المعاصرة المعمول بها فى الدول المتحضرة . وهى بذلك تتصل بتشكيل المحكمة وقواعد تنظيمها وطبيعة القواعد الإجرائية المعمول بها أمامها وكيفية تطبيقها من الناحية العملية . كما إنها تعتبر فى نطاق الاتهام الجنائى وثيقة الصلة بالحرية الشخصية التى قضى الدستور فى المادة (41) بأنها من الحقوق الطبيعية التى لا يجوز الإخلال بها أو تقييدها بالمخالفة لأحكامه. ولا يجوز بالتالى تفسير هذه القاعدة تفسيراً ضيقاً، إذ هى ضمان مبدئى لرد العدوان عن حقوق المواطن وحرياته الأساسية ، وهى التى تكفل تمتعه بها فى إطار من الفرص المتكافئة ، ولأن نطاقها وإن كان لا يقتصر على الاتهام الجنائى ، وإنما يمتد إلى كل دعوى ولو كانت الحقوق المثارة فيها من طبيعة مدنية ، إلا أن المحاكمة المنصفة تعتبر أكثر لزوماً فى الدعوى الجنائية ، وذلك أياً كانت طبيعة الجريمة ، وبغض النظر عن درجة خطورتها.
وعلة ذلك أن إدانة المتهم بالجريمة إنما تعرضه لأخطر القيود على حريته الشخصية وأكثرها تهديداً لحقه فى الحياة ، وهى مخاطر لا سبيل إلى توقيها إلا على ضوء ضمانات فعلية توازن بين حق الفرد فى الحرية من ناحية ، وحق الجماعة فى الدفاع عن مصالحها الأساسية من ناحية أخرى . ويتحقق ذلك كلما كان الاتهام الجنائى معرفاً بالتهمة ، مبيناً طبيعتها، مفصلاً أدلتها وكافة العناصر المرتبطة بها، وبمراعاة أن يكون الفصل فى هذا الاتهام عن طريق محكمة مستقلة ومحايدة ينشئها القانون، وأن تجرى المحاكمة علانية ، وخلال مدة معقولة ، وأن تستند المحكمة فى قرارها بالإدانة - إذا خلصت إليها- إلى موضوعية التحقيق الذى تجريه، وإلى عرض متجرد للحقائق، وإلى تقدير سائغ للمصالح المتنازعة . وتلك جميعها من الضمانات الجوهرية التى لا تقوم المحاكمة المنصفة بدونها. ومن ثم كفلها الدستور فى المادة (67)، وقرنها بضمانتين تعتبران من مقوماتها، وتندرجان تحت مفهومها، هما افتراض البراءة من ناحية ، وحق الدفاع لدحض الاتهام الجنائى من ناحية أخرى . وهو حق عززته المادة (69) من الدستور بنصها على أن حق الدفاع بالأصالة أو بالوكالة مكفول.
وحيث إن الدستور يكفل للحقوق التى نص عليها فى صلبه الحماية من جوانبها العملية وليس من معطياتها النظرية ، وكان استيثاق المحكمة من مراعاة القواعد المنصفة آنفة البيان عند فصلها فى الاتهام الجنائى ، تحقيقاً لمفاهيم العدالة حتى فى أكثر الجرائم خطورة ، لا يعدو أن يكون ضمانة أولية لعدم المساس بالحرية الشخصية - التى كفلها الدستور لكل مواطن -بغير الوسائل القانونية التى لا يترخص أحد فى التقيد بها، والنزول عليها. وكان افتراض براءة المتهم يمثل أصلاً ثابتاً يتعلق بالتهمة الجنائية من ناحية إثباتها، وليس بنوع العقوبة المقررة لها، وينسحب إلى الدعوى الجنائية فى جميع مراحلها، وعلى امتداد إجراءاتها، فقد غدا من الحتم أن يرتب الدستور على افتراض البراءة عدم جواز نقضها بغير الأدلة الجازمة التى تخلص إليها المحكمة ، وتتكون من جماعها عقيدتها.
ولازم ذلك أن تطرح هذه الأدلة عليها، وأن تقول هى وحدها كلمتها فيها، وألا تفرض عليها أى جهة أخرى مفهوماً محدداً لدليل بعينه، وأن يكون مرد الأمر دائماً إلى ما استخلصته هى من وقائع الدعوى ، وحصلته من أوراقها، غير مقيدة بوجهة نظر النيابة العامة أو الدفاع بشأنها.
وحيث إنه على ضوء ما تقدم، تتمثل ضوابط المحاكمة المنصفة فى مجموعة من القواعد المبدئية التى تعكس مضامينها نظاماً متكامل الملامح،يتوخى بالأسس التى يقوم عليها، صون كرامة الإنسان وحماية حقوقه الأساسية ،ويحول بضماناته دون إساءة استخدام العقوبة بما يخرجها عن أهدافها. وذلك إنطلاقاً من إيمان الآمم المتحضرة بحرمة الحياة الخاصة ، وبوطأة القيود التى تنال من الحرية الشخصية . ولضمان أن تتقيد الدولة عند مباشرتها لسلطاتها فى مجال فرض العقوبة صوناً للنظام الاجتماعى ، بالأغراض النهائية للقوانين العقابية التى ينافيها أن تكون إدانة المتهم هدفاً مقصوداً لذاته، أو أن تكون القواعد التى تتم محاكمته على ضوئها، مصادمة للمفهوم الصحيح لإدارة العدالة الجنائية إدارة فعالة . بل يتعين أن تلتزم هذه القواعد مجموعة من القيم التى تكفل لحقوق المتهم الحد الأدنى من الحماية التى لا يجوز النزول عنها أو الانتقاص منها. وهذه القواعد -وإن كانت إجرائية فى الأصل- إلا أن تطبيقها فى مجال الدعوى الجنائية -وعلى امتداد مراحلها- يؤثر بالضرورة على محصلتها النهائية ، ويندرج تحتها أصل البراءة كقاعدة أولية تفرضها الفطرة ، وتوجبها حقائق الأشياء، وهى بعد قاعدة حرص الدستور على إبرازها فى المادة (67) مؤكداً بمضمونها ما قررته المادة (11) من الإعلان العالمى لحقوق الإنسان على ما سلف بيانه، والمادة السادسة من الإتفاقية الأوربية لحماية حقوق الإنسان.
وحيث إن أصل البراءة يمتد إلى كل فرد سواء أكان مشتبهاً فيه، أو متهماً، باعتباره قاعدة أساسية فى النظام الاتهامى أقرتها الشرائع جميعها - لا لتكفل بموجبها حماية المذنبين- وإنما لتدرأ بمقتضاها العقوبة عن الفرد إذا كانت التهمة الموجهة إليه قد أحاطتها الشبهات بما يحول دون التيقن من مقارفة المتهم للواقعة محل الاتهام، ذلك أن الاتهام الجنائى فى ذاته لا يزحزح أصل البراءة الذى يلازم الفرد دوماً ولايزايله، سواء فى مرحلة ما قبل المحاكمة ، أو أثنائها وعلى امتداد حلقاتها، وأيا كان الزمن الذى تستغرقه إجراءاتها. ولا سبيل بالتالى لدحض أصل البراءة بغير الأدلة التى تبلغ قوتها الإقناعية مبلغ الجزم واليقين،بما لا يدع مجالاً معقولاً لشبهة انتفاء التهمة ، وبشرط أن تكون دلالتها قد استقرت حقيقتها بحكم قضائى استنفد طرق الطعن فيه، وصار باتاً.
وحيث إن افتراض البراءة لا يتمحض عن قرينة قانونية ، ولا هو من صورها، ذلك أن القرينة القانونية تقوم على تحويل للإثبات من محله الأصلى ممثلاً فى الواقعة مصدر الحق المدعى به، إلى واقعة أخرى قريبة منها متصلة بها. وهذه الواقعة البديلة هى التى يعتبر إثباتها إثباتاً للواقعة الأولى بحكم القانون. وليس الأمر كذلك بالنسبة إلى البراءة التى افترضها الدستور. فليس ثمة واقعة أحلها الدستور محل واقعة أخرى وأقامها بديلاً عنها innocence is more properly called an assumption as opposed to a presumption it does not rest on any other proved facts , it is assumed وإنما يؤسس افتراض البراءة على الفطرة التى جبل الإنسان عليها، فقد ولد حراً مبرءاً من الخطيئة أو المعصية . ويفترض على امتداد مراحل حياته أن أصل البراءة لا زال كامناً فيه، مصاحباً له فيما يأتيه من أفعال، إلى أن تنقض محكمة الموضوع بقضاء جازم لا رجعة فيه، هذا الافتراض، على ضوء الأدلة التى تقدمها النيابة العامة مثبتة بها الجريمة التى نسبتها إليه فى كل ركن من أركانها، وبالنسبة إلى كل واقعة ضرورية لقيامها، بما فى ذلك القصد الجنائى بنوعيه إذا كان متطلباً فيها. وبغير ذلك لا ينهدم أصل البراءة ،إذ هو من الركائز التى يستند إليها مفهوم المحاكمة المنصفة التى كفلها الدستور، ويعكس قاعدة مبدئية تعتبر فى ذاتها مستعصية على الجدل، واضحة وضوح الحقيقة ذاتها، تقتضيها الشرعية الإجرائية ، ويعتبر إنفاذها مفترضاً أولياً لإدارة العدالة الجنائية ويتطلبها الدستور لصون الحرية الشخصية فى مجالاتها الحيوية ،وليوفر من خلالها لكل فرد الأمن فى مواجهة التحكم والتسلط والتحامل، بما يحول دون اعتبار واقعة تقوم بها الجريمة ثابتة بغير دليل، وبما يرد المشرع عن افتراض ثبوتها بقرينة قانونية ينشؤها.
وحيث إن الدستور - إعلاء من جهته لدور الملكية الخاصة التى كفل حمايتها فى المادتين (32، 34) وتوكيداً لإسهامها فى صون الأمن الاجتماعى - كفل حمايتها لكل فرد - وطنياً كان أم أجنبياً - ولم يجز المساس بها إلا على سبيل الاستثناء، وفى الحدود التى يقتضيها تنظيمها، باعتبارها عائدة - فى الأعم من الأحوال - إلى جهد صاحبها، بذل من أجلها الوقت والعرق والمال، وحرص بالعمل المتواصل على إنمائها، وأحاطها بما قدره ضرورياً لصونها، معبداً بها الطريق إلى التقدم، كافلاً للتنمية أهم أدواتها، محققاً من خلالها إرادة الإقدام، هاجعاً إليها لتوفر ظروفاً أفضل لحرية الاختيار والتقرير، مطمئناً فى كنفها إلى يومه وغده، مهيمناً عليها ليختص دون غيره بثمارها ومنتجاتها وملحقاتها، فلا يرده عنها معتد، ولا يناجز سلطته فى شأنها خصيم ليس بيده سند ناقل لها، وليعتصم بها من دون الآخرين، وليلتمس من الدستور وسائل حمايتها التى تعينها على أداء دورها، وتقيها تعرض الأغيار لها سواء بنقضها أو بانتقاصها من أطرافها. ولم يعد جائزاً بالتالى أن ينال المشرع من عناصرها، ولا أن يغير من طبيعتها،أو يجردها من لوازمها، ولا أن يفصلها عن أجزائها أو يدمر أصلها، أو يقيد من مباشرة الحقوق التى تتفرع عنها فى غير ضرورة تقتضيها وظيفتها الاجتماعية . ودون ذلك تفقد الملكية ضماناتها الجوهرية ، ويكون العدوان عليها غصباً، وافتئاتاً على كيانها أدخل إلى مصادرتها. وبقدر اتساع قاعدة الملكية تتعدد روافدها، وتتنوع استخداماتها، لتشكل نهراً يتدفق بمصادر الثروة القومية التى لا يجوز إهدارها، أو التفريط فيها أو بعثرتها تبديداً لقيمتها، ولا تنظيمها بما يخل بالتوازن بين نطاق حقوق الملكية المقررة عليها، وضرورة تقييدها نأياً بها عن الانتهاز، أو الإضرار بحقوق الآخرين. ذلك أن الملكية - فى إطار النظم الوضعية التى تزاوج بين الفردية وتدخل الدولة - لم تعد حقاً مطلقاً، ولا هى عصية على التنظيم التشريعى . وليس لها من الحماية ما يجاوز الانتفاع المشروع بعناصرها.
ومن ثم ساغ تحميلها بالقيود التى تتطلبها وظيفتها الاجتماعية . وهى وظيفة لا يتحدد نطاقها من فراغ، ولا تفرض نفسها تحكماً، بل تمليها طبيعة الأموال محل الملكية ، والأغراض التى ينبغى رصدها عليها، محددة على ضوء واقع اجتماعى معين فى بيئة بذاتها لها توجهاتها ومقوماتها، وبمراعاة أن القيود التى يفرضها الدستور على حق الملكية للحد من إطلاقها، لا تعتبر مقصودة لذاتها، بل غايتها خير الفرد والجماعة .
وحيث إن الفقرة الثانية من المادة (25) من القرار الوزارى رقم 517 لسنة 1986 - بنصها على أن تعتبر أجزاء الذبائح غير المختومة بخاتم المجزر الرسمى ، والمعروضة للبيع، غير صالحة للإستهلاك الآدمى ، ويتعين إعدامها، قد قطعت بأن اللحوم التى يتم عرضها على هذا النحو، يفترض فيها - ولمجرد عدم ختمها بذلك الخاتم - إضرارها بالصحة ، أوفسادها، أو تلفها، وذلك بالمخالفة لنص فقرتها الأولى التى لا تجيز عرض اللحوم أو بيعها إذا كانت لا تصلح فى ذاتها لاستهلاكها آدميا، ولنص المادة (23) من هذا القرار التى لا تجيز إعدام لحوم الحيوانات التى تذبح بالمخالفه لأحكام المواد (109، 136، 137/أ) من قانون الزراعة الصادر بالقانون رقم 53 لسنة 1966 إلا إذا كانت غير صالحة للإستهلاك الآدمى ، فإن كانت صالحة لذلك، وجب بيعها ورد ثمنها إلى صاحبها إذا حكم نهائياً ببراءته، وكذلك لنص المادة (136) من هذا القانون التى يبين منها أن المجازر الرسمية لا توجد فى كل مدن مصر وقراها، بل فى عدد منها.
وحيث إن الفقرة الثانية المطعون عليها،تناقض كذلك ما قرره القانون رقم 10 لسنة 1961 بشأن مراقبة الأغذية وتنظيم تداولها، من قواعد قانونية حدد بها حصراً الأحوال التى تعتبر فيها الأغذية ضارة بالصحة أو تالفة أو فاسدة ، إذ يبين منها أن اللحوم لا تعتبر كذلك إلا لعوار كامن فيها،أو اتصل بها، بما يئول إلى تلوثها أو يغير من تركيبها أو قوامها أو يخرجها بوجه عام من طبيعتها، لتتمحض إضراراً بمن يتناولها، بما مؤداه: أن هذا العواريلحق الأغذية ذاتها، ولا يقوم مستقلاً عن كوامن إصابتها، بل يعتبر متصلاً بها اتصال قرار، ليكون ثبوتها أو انتفاؤها دليل عدم صلاحيتها آدميا لإستهلاكها، أو مدار برئها من أمراضها.
وحيث إنه متى كان ذلك، وكانت التهمة الثانية التى نسبتها النيابة العامة إلى المتهم، تقوم على عرضه للبيع شيئاً فاسداً من أغذية الإنسان مع علمه بذلك، وكان الافتراض المقرر بالفقرة الثانية المطعون عليها، مبناه قرينه قانونية أحل بها المشرع واقعة عدم ختم الذبائح المعروضه للبيع بالخاتم الرسمى ، محل مادية الأفعال محل الاتهام وإرادة إرتكابها مع العلم بالوقائع التى تعطيها دلالتها الإجرامية ، ليكون ثبوت الواقعة البديله دالاً على وقوع الجريمة فى ماديتها، واقترانها بالقصد الجنائى ، فإن النص المطعون فيه يكون معفياً للنيابة العامة من إلتزامها الأصيل بالتدليل على قيام كل ركن يتصل ببيان الجريمة ، ويكون من عناصرها.
وحيث إنه فضلاً عما تقدم، فإن الجريمة محل الاتهام من الجرائم العمدية ،التى يتعين أن يكون الدليل على توافر عناصرها جميعها يقينياً لا ظنياً أو إفتراضياً، وكان الاختصاص المقرر دستورياً للسلطة التشريعية فى مجال إنشاء الجرائم وتقدير عقوباتها، لا يخولها التدخل بالقرائن التى تنشئها لغل يد محكمة الموضوع عن القيام بمهمتها الأصيلة فى مجال التحقق من قيام أركان الجريمة التى عينها المشرع إعمالاً لمبدأ الفصل بين السلطتين التشريعية والتنفيذية ، وكان الأصل فى القرائن القانونية - قاطعة كانت أم غير قاطعة - هو أنها من عمل المشرع، إذ يحدد مضمونها على ضوء ما يكون فى تقديره معبراً عما يقع غالباً فى الحياة العملية I`idee de probabilite وكانت القرينه القانونية التى أنشأها النص المطعون فيه - حتى بافتراض جواز الاحتجاج بالقرائن القانونية فى المجال الجنائى - لا تعتبر كذلك، ذلك أن الأصل فى الذبائح هو خلوها من أمراضها أو مما يخرجها بوجه عام عن طبيعتها. والأمر العارض هو انتفاء سلامتها وتعييبها ولا يكون ذلك إلا بالوسائل العلميه وحدها يباشرها أهل الخبرة والمتخصصون. وما ذلك إلا حملاً على قاعدة أصوليه ثابتة مفادها أن الأصل فى الصفات العارضة العدم. وقد نقض المشرع بالقرينة التى أحدثها ما يفترض أصلاً فى الذبائح، وهو صلاحية استهلاكها آدمياً. وكان يجب على النيابة العامة - وهى تدعى خلاف الأصل - أن تقيم الدليل على ادعائها، إلا أن النص المطعون فيه أعفاها من إلتزامها هذا، وأحلها كذلك من التدليل على توافر القصد الجنائى فى الجريمة محل الاتهام، منحياً بذلك محكمة الموضوع عن تحقيق أركانها، وهو ما يعد انتحالاً تشريعاً لاختصاص مخول للسلطة القضائية ، وإهداراً لافتراض البراءه من التهمة التى نسبتها النيابة العامة إلى المتهم فى كل وقائعها وعناصرها. وإخلالاً بالحرية الشخصية التى اعتبرها الدستور حقاً طبيعياً لكل إنسان.
وحيث إن من المقرر كذلك أن افتراض البراءه يقترن دائماً من الناحيه الدستورية - ولضمان فعاليته- بوسائل إجرائية إلزامية ، تعتبر من زاويه دستورية وثيقة الصلة بالحق فى الدفاع، من بينها حق المتهم فى مواجهة الأدلة التى قدمتها النيابة العامة إثباتاً للجريمة ، وكذلك الحق فى نفيها بأدلة النفى التى يقدمها، وكان النص المطعون فيه قد أخل بهذه الوسائل الإجرائية ، وذلك بأن جعل المتهم مواجهاً بواقعة أثبتتها القرينة فى حقه دون دليل يظاهرها، ومكلفاً بنفيها خلافاً للأصل فى الأشياء، وبما يناقض افتراض البراءه ويجرده من محتواه عملاً، ويخل بضمانه الدفاع التى لا يجوز فى غيابها تحقيق الواقعة محل الاتهام الجنائى ، أو إدانة المتهم عنها، وكان النص المطعون فيه فوق هذا قد حتم إعدام الذبائح التى اعتبرها حُكْماً فاسدة أو تالفة أو مضرة بالصحة ، وهو ما يعد عدواناً منه على حق الملكية الخاصة التى كفل الدستور صونها، فإن هذا النص يكون مخالفاً لأحكام المواد (32، 34، 41، 66، 67، 69، 165) من الدستور.
فلهذه الأسباب
حكمت المحكمة بعدم دستورية نص الفقرة الثانية من المادة (25) من قرار نائب رئيس الوزراء ووزير الزراعة والأمن الغذائى رقم 517 لسنة 1986 بشأن ذبح الحيوانات وتجارة اللحوم، وألزمت الحكومة المصروفات، ومبلغ مائة جنيه مقابل أتعاب المحاماة .