الدعوى 55 لسنة 20 - دستورية - المحكمة الدستورية العليا - مرفوعة علنية رقم 55 لسنة 20 بتاريخ 04/03/2000
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
باسم الشعب
المحكمة الدستورية العليا
بالجلسة العلنية المنعقدة يوم السبت 4 مارس سنة 2000 الموافق 28 ذو القعدة سنة 1420ه
برئاسة السيد المستشار / محمد ولى الدين جلال رئيس المحكمة
وعضوية السادة المستشارين / الدكتور عبد المجيد فياض وماهر البحيرى ومحمد على سيف الدين وعدلى محمود منصور ومحمد عبد القادر عبد الله وعلى عوض محمد صالح
وحضور السيد المستشار / عبد الوهاب عبد الرازق رئيس هيئة المفوضين
وحضور السيد / ناصر إمام محمد حسن أمين السر
أصدرت الحكم الآتى
فى القضية المقيدة بجدول المحكمة الدستورية العليا برقم 55 لسنة 20 قضائية دستورية
المقامة من
السيد / .................................. المحامى
ضد
1- السيد / الممثل القانونى للجمعية التعاونية للإسكان لأعضاء نقابة التجاريين
2- السيد / رئيس مجلس الوزراء
الإجراءات
بتاريخ العاشر من مارس سنة 1998، أودع المدعى صحيفة هذه الدعوى قلم كتاب المحكمة ، طلباً للحكم بعدم دستورية نص المادة (4) من قانون التعاون الإسكانى الصادر بالقانون رقم 14 لسنة 1981 فيما تضمنه من تمتع أموال الجمعيات التعاونية للإسكان بكافة الضمانات المدنية والجنائية المقررة للأموال العامة ومن بينها ضمانة عدم جواز الحجز عليها.
وقدمت هيئة قضايا الدولة مذكرة طلبت فى ختامها الحكم، أصلياً: بعدم قبول الدعوى واحتياطياً: برفضها.
وبعد تحضير الدعوى ، أودعت هيئة المفوضين تقريراً برأيها.
ونُظرت الدعوى على النحو المبين بمحضر الجلسة ، وقررت المحكمة إصدار الحكم فيها بجلسة اليوم .
المحكمة
بعد الاطلاع على الأوراق، والمداولة .
حيث إن الوقائع -على ما يبين من صحيفة الدعوى وسائر الأوراق- تتحصل فى أن المدعى كان قد استصدر بتاريخ 26/7/1994 حكماً من محكمة استئناف القاهرة فى الاستئنافين الرقيمين 2409، 3043 لسنة 111 قضائية ، بإلزام الجمعية المدعى عليها بأن تدفع له تعويضاً مقداره سبعة آلاف وستمائة جنيه، وتنفيذاً له أوقع المدعى بتاريخ 17/12/1995 حجزاً تنفيذياً على أموالها لدى بنك القاهرة فرع الأوقاف، بيد أنها استصدرت بتاريخ 24/12/1996 حكماً فى الدعوى رقم 148 لسنة 1996 تنفيذ الدقى قضى برفع ذلك الحجز واعتباره كأن لم يكن، فطعن عليه المدعى بالاستئناف رقم 996 لسنة 114 قضائية أمام محكمة استئناف القاهرة ، مضمناً صحيفته دفعاً بعدم دستورية المادة (4) من قانون التعاون الإسكانى الصادر بالقانون رقم 14 لسنة 1981؛ وإذ قدرت محكمة الموضوع جدية الدفع، وكلفت المدعى بإقامة الدعوى الدستورية ، فقد أقامها.
وحيث إن المدعى ينعى على النص الطعين إهداره حق التقاضى ، بإعاقته تنفيذ الأحكام الصادرة ضد الجمعيات التعاونية للإسكان جبراً على أموالها، وإخلاله بمبدأ المساواة بين الدائنين المتماثلة مراكزهم القانونية ؛ فوقع بذلك مخالفاً لأحكام المادتين (40، 68) من الدستور.
وحيث إن المادة (2) من قانون التعاون الإسكانى الصادر بالقانون رقم 14 لسنة 1981، تنص على أن :
أموال الجمعيات التعاونية للبناء والإسكان العقارية والمنقولة مملوكة لها ملكية تعاونية بصفتها الاعتبارية وغير قابلة للتوزيع......
وتنص المادة (4) من ذلك القانون - فى فقرتها الأولى - على أن:
تتمتع الملكية التعاونية بكافة الضمانات المدنية والجنائية المقررة للملكية العامة ولا يجوز تملك أموال الجمعيات التعاونية أو كسب أى حق عينى عليها بالتقادم ويجوز بعد موافقة الجهة الإدارية المختصة دفع التعدى الذى يقع على أموال هذه الجمعيات بالطريق الإدارى .
ومفاد هذين النصين مجتمعين، أن أموال الجمعيات التعاونية للبناء والإسكان، وإن كانت منخرطة فى نطاق الملكية التعاونية ، وليست من جنس الأموال العامة ؛ إلا أن المشرع -وعلى ما دلت عليه المذكرة الإيضاحية للقانون- قَدَّر أن تأمين الملكية التعاونية وحمايتها، يقتضيان تمتع أموال تلك الجمعيات بكافة الضمانات المدنية المقررة للأموال العامة ، وهى تلك المنصوص عليها فى المادة (87) من القانون المدنى ؛ ومن بينها ضمانة حظر الحجز عليها؛ والتى وإن لم يخصها بالذكر نص المادة الرابعة المشار إليها، إلا أن فى عموم عبارته محمولاً على أعماله التحضيرية ، مايعنى استغراق حكمه لكل أنواع الضمانات المدنية ؛ دون ما حاجة إلى تعدادها. وعلى ذلك، يتحدد نطاق الدعوى الماثلة - فى إطار ارتباط مصلحة رافعها بطلباته فى النزاع الموضوعى - بما انطوى عليه نص المادة الرابعة من قانون التعاون الإسكانى - المطعون فيه - من حظر الحجز على أموال الجمعيات التعاونية للبناء والإسكان؛ ولا يتعداه إلى ما خلا ذلك من أحكام هذا النص.
وحيث إن الحقوق جميعها - وكذلك النظم القانونية التى تضمنها - إنما تستمد أوصافها من مكوناتها؛ التى خصها بها الدستور؛ أو تلك التى تفرضها طبيعتها؛ فلا يجوز أن يخلع عليها المشرع أوصافاً، تجاوز الدور الذى رسمه الدستورلها؛ أو يسبغ عليها خصائص تنأى بها عن طبيعتها؛ أو تتعارض وخصائصها الذاتية .
وحيث إن الدستور ينص فى المادة (29) على أن تخضع الملكية لرقابة الشعب؛ وتحميها الدولة ، وهى ثلاثة أنواع: الملكية العامة ، والملكية التعاونية ، والملكية الخاصة وفى المادة (30) على أن الملكية العامة هى ملكية الشعب. كما قضى فى المادة (31) منه على أن الملكية التعاونية هى ملكية الجمعيات التعاونية . وفى المادة (34) على أن الملكية الخاصة مصونة دالاً بذلك، على احتفائه بحق الملكية ، بالنظر إلى دقة المصالح التى يمثلها، وانعكاسها على القيم الاقتصادية والاجتماعية التى تؤمن بها الجماعة فى مرحلة من مراحل تطورها؛ ومن ثم فقد أخضعها لرقابة الشعب،وعهد إلى الدولة بحمايتها - أياً كان صاحبها - وأعقب الدستور ذلك، بأن نظم صور الحماية ، ومداها، بحسب دور كل نوع منها، ففى حين نصت المادة (33) على أن للملكية العامة حرمة ، وحمايتها ودعمها واجب على كل مواطن وفقاً للقانون اكتفت المادة (31) بالنص فى عجزها على أن يكفل القانون رعاية الملكية التعاونية ويضمن لها الإدارة الذاتية . وقد جرى قضاء هذه المحكمة على أن الحماية التى يضفيها الدستور على حق الملكية لا تنحصر فيها كحق عينى أصلى ، ولكنها تمتد إلى الأموال جميعها، باعتبار أن المال هو الحق ذو القيمة المالية ، سواء كان هذا الحق شخصياً أو عينياً.
وحيث إن قانون التعاون الإسكانى قد إلتزم هذا الإطار الدستورى ، حين قضى بأن أموال الجمعيات التعاونية للبناء والإسكان مملوكة لها ملكية تعاونية ، وبيّن إجراءات تأسيسها وشهرها، والتى بتمامها تكتسب الجمعية شخصيتها الاعتبارية بحسبانها منظمة جماهيرية ديموقراطية يستقل أعضاؤها بإدارتها وفقاً لنظامها الداخلى فلا تتداخل فيها جهة الإدارة ، وحدد مهمتها بتوفير المساكن لأعضائها وتعهدها بالصيانة فى إطار بنية متكاملة الخدمات؛ بيد أن كل أولئك؛ لا يسبغ على الجمعية وصف الشخصية الاعتبارية العامة فى مفهوم المادة (87) من القانون المدنى ؛ بل يسلكها فى دائرة أشخاص القانون الخاص سواء بالنظر إلى أغراضها أو على ضوء طبيعتها وكيفية تكوينها ونظم إدارتها فلا تباشر نشاطها أصلاً إلا وفقاً للقواعد المقررة فيه، حتى ولو كان المشرع قد منحها جانباً من خصائص وامتيازات السلطة العامة - كتلك التى تخولها اللجوء إلى الطريق الإدارى لرد العدوان على أموالها - فإن هذه الوسائل المقررة أصلاً للأشخاص العامة والتى يجوز أن تمارس الجمعية التعاونية بعض جوانبها، لا تحيلها إلى جهة إدارية فى جوهر مقوماتها، ولا تلحقها بها أو تجعلها من فروعها؛ بل تظل الجمعية التعاونية - حتى وإن أضفى عليها المشرع بعض مكنات السلطة العامة - محتفظة بتكوينها الخاص الذى ينافيه إضفاء كافة ضمانات الأموال العامة على ممتلكاتها دون تمييز. فإن جاوز نطاق الحماية التى يسبغها قانونها النطاق الضرورى لإحكام الرقابة عليها وزجر المتلاعبين بها، كان ذلك منافياً لخصائص الجمعيات التعاونية ومقوماتها التى تلحقها بأشخاص القانون الخاص وتخضعها لموازينه وقواعده؛ ومن ثم يكون النص الطعين، فيما تضمنه من حظر الحجز على أموال الجمعيات العاملة فى مجال التعاون الإسكانى ، قد ألبس هذه الأموال غير ثوبها؛ وباعد بينها وبين خصائصها؛ بأن عاملها وكأنها من قبيل الأموال العامة ؛ حال كونها مملوكة لها ملكية تعاونية ، مجاوزاً بذلك نطاق الحماية المكفولة لها دستورياً.
وحيث إن لحق التقاضى غاية نهائية يتوخاها، تمثلها الترضية القضائية التى يناضل المتقاضون من أجل الحصول عليها لجبر الأضرار التى أصابتهم من جراء العدوان على الحقوق التى يدعونها. وتندمج هذه الترضية - وبافتراض اتساقها مع أحكام الدستور والقانون - فى الحق فى التقاضى باعتبارها الحلقة الأخيرة فيه، ولأنها ترتبط بصلة وثقى بالأغراض النهائية التى تستهدفها الخصومة القضائية . ذلك أن هذه الخصومة غايتها اقتضاء منفعة يقرها القانون، وبها تتحقق للخصومة القضائية جوانبها العملية ، فلاتعمل فى فراغ.
وحيث إن إنكار الحق فى الترضية القضائية - سواء بمنعها ابتداء؛ أو من خلال إرهاقها بقيود تُعَسِّر الحصول عليها؛ أو عن طريق تباطؤ ملحوظ فى تقديمها؛ مؤداه: أن من يطلبونها لايقتضونها فى وقتها الملائم، أو يُردُون أصلاً عنها؛ أو يحصلون على قدر منها بعد انتقاصها من أطرافها؛ مما يعتبر إهداراً للحماية التى كفلها الدستور أو المشرع للحقوق على اختلافها، وإنكار لحقائق العدل فى جوهر ملامحها وتوجهاتها.
وحيث إن الترضية القضائية التى لا تقترن بوسائل الحمل على تنفيذها، تفقد قيمتها عملاً. وكلما تعذر قهر المدين على أداء الحقوق التى ماطل فى إيفائها لأصحابها؛ وكان سند اقتضائها مستوفياً قوة نفاذه؛ فإن إعمال مبدأ الخضوع للقانون يكون سراباً. ويغدو عبثاً كذلك تأسيس حقائق العدل وتثبيتها من خلال مباشرة السلطة القضائية لولايتها التى حدد الدستور والمشرع تخومها؛ وغايتها ايصال الحقوق لأصحابها، وحمل من ينازعون فيها إعناتاً على ردها؛ تقديراً بأن الحماية القضائية للحق أو الحرية ، لازمها أن يكون الطريق إليها عبوراً إلى محصلتها النهائية ، وانتقالاً من مرحلة التداعى بشأن الحق أو الحرية المتنازع عليها، إلى أشكال ضمانها، ومنها إلى وسائل فرضها على من يجحدونها؛ فلايكون النزول عليها - ولو باستعمال القوة عند الضرورة - إلا أمراً كامناً فى خصائص الحق أو الحرية التى قام الدليل على الإخلال بها، وكان العدوان عليها موضوع الخصومة القضائية ، وصونها غايتها.
وحيث إن من المقرر كذلك أن أموال المدين جميعها ضامنة للوفاء بديونه، وأن الدائنين جميعهم متكافئون فى هذا الضمان، عدا من كان منهم مخولاً حق التقدم على غيره طبقاً للقانون؛ وكان الأصل جواز التنفيذ على أموال المدين بأكملها؛ وأن يتخذ الدائن بشأنها ما يراه من الطرق التحفظية والتنفيذية ؛ وكانت دستورية النصوص القانونية ، مناطها ارتباطها عقلاً بالأغراض التى تتوخاها والتى تبلور إطاراً لمصلحة مشروعة تحيط بها. فإذا كان اتصال هذه النصوص بالأغراض التى تبتغيها - وبافتراض مشروعيتها - مفتقداً أو واهياً، كان إبطال هذه النصوص لازماً؛ ولما كانت الأموال التى يملكها المدين -سواء كان شخصاً طبيعياً أو اعتبارياً- يشملها الضمان العام - لدائنيه، فإن ردهم عنها بنص تشريعى -دون مسوغ- مؤداه: أن يكون هذا النص باطلاً من زاوية دستورية باعتباره عدواناً بئيساً على حق التقاضى ؛ وتدخلاً غير مباشر فى شئون العدالة بما يناقض متطلباتها؛ وإفراداً للجمعية التعاونية للبناء والإسكان - دون مبرر - بمعاملة تفضيلية تختص بها دون غيرها من أشخاص القانون الخاص فى مجال الرجوع عليها بالديون المترتبة فى ذمتها؛ ومن ثم إخلالاً بأحكام المواد (34، 40، 65، 68، 165) من الدستور.
فلهذه الأسباب
حكمت المحكمة بعدم دستورية نص المادة (4) من قانون التعاون الإسكانى الصادر بالقانون رقم 14 لسنة 1981 فيما انطوى عليه من حظر الحجز على أموال الجمعيات التعاونية للبناء والإسكان، وألزمت الحكومة المصروفات ومبلغ مائة جنيه مقابل أتعاب المحاماة .