الدعوى 6 لسنة 15 - دستورية - المحكمة الدستورية العليا - مرفوعة علنية رقم 6 لسنة 15 بتاريخ 15/04/1995

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

باسم الشعب

 

المحكمة الدستورية العليا

بالجلسة العلنية المنعقدة فى يوم السبت 15إبريل 1995 الموافق 15 ذو القعدة 1415 هــ .

برئاسة السيد المستشار الدكتور/ عوض محمد عوض المر رئيس المحكمة

وحضور السادة المستشارين : الدكتور/ محمد إبراهيم أبوالعينين وفاروق عبد الرحيم غنيم وعبد الرحمن نصير وسامى فرج يوسف والدكتور/ عبد المجيد فياض وعدلى محمود منصور اعضاء

وحضور السيد المستشار الدكتور/ حنفى على جبالى رئيس هيئة المفوضين

وحضور السيد/ حمدى أنور صابر أمين السر

أصدرت الحكم الآتي :

فى القضية المقيدة بجدول المحكمة الدستورية العليا برقم 6 لسنة 15 قضائية دستورية

المقامة من

السيدة / ......................

ضد

السيد / رئيس مجلس الوزراء

السيدة / ......................

الإجراءات

بتاريخ 21 فبراير 1993 أودعت المدعية قلم كتاب المحكمة صحيفة الدعوى الماثلة طالبة الحكم بعدم دستورية المادة (38) من قانون النقابات العمالية الصادر بالقانون رقم 35 لسنة 1976.

وقدمت هيئة قضايا الدولة مذكرة طلبت فيها الحكم برفض الدعوى .

وبعد تحضير الدعوى ، أودعت هيئة المفوضين تقريراً برأيها.

ونُظرت الدعوى على الوجه المبين بمحضر الجلسة ، وبجلسة 5 نوفمبر سنة 1994 قررت المحكمة إعادتها إلى هيئة المفوضين لاستكمال التحضير. وإذ أودعت هيئة المفوضين تقريرها التكميلى ، أعادت المحكمة نظرها، وقررت إصدار الحكم فيها بجلسة اليوم.

المحكمة

بعد الاطلاع على الأوراق، والمداولة .

حيث إن الوقائع - حسبما يبين من صحيفة الدعوى وسائر الأوراق - تتحصل فى أنه عند إجراء انتخابات مجلس إدارة اللجنة النقابية للعاملين باللاسلكى ، حصلت المدعية على أصوات تفوق ما حصلت عليها المدعى عليها الثانية ، التى بادرت إلى إقامة دعواها الموضوعية رقم 767 لسنة 1991 أمام محكمة شئون العمال بالقاهرة ، مختصمة فيها وزير القوى العاملة وآخرين، طالبة الحكم بصفة مستعجله بوقف إعلان نتيجة الانتخابات، والحكم بفوزها بعضوية المجلس المشار اليه بدلاً من المدعية ، وذلك على سند من أحكام المادة (38) من قانون النقابات العمالية التى تحظر الجمع بين عضوية مجلس إدارة المنظمة النقابية والعضوية العاملة فى نقابة مهنية بما يزيد عن 20% من مجموع أعضاء هذا المجلس. وإذ دفعت المدعية - بعد تدخلها إنضماماً إلى المدعى عليهم فى النزاع الموضوعى - بعدم دستورية النص المشار اليه، وكانت محكمة الموضوع قد قدرت جدية دفعها، وصرحت لها بإقامة الدعوى الدستورية ، فقد أقامت الدعوى الماثلة .

وحيث إن المادة (38) من قانون النقابات العمالية الصادر بالقانون رقم 35 لسنة 1976 تنص على ما يأتى :

لا يجوز الجمع بين عضوية مجلس إدارة المنظمة النقابية ، والعضوية العاملة فى نقابة مهنية بما يزيد على 20% من مجموع عدد أعضاء هذا المجلس، وذلك مالم تكن أغلبية المنظمة النقابية من المنتمين إلى نقابات مهنية .

ولا يجوز فى جميع الأحوال الجمع بين عضوية مجالس إدارات النقابات المهنية ، وعضوية مجالس إدارات المنظمات النقابية الخاضعة لأحكام هذا القانون.

وحيث إن المدعية تنعى على ذلك النص مخالفته أحكام المواد (8، 40، 47، 56، 62) من الدستور، قولاً منها بأنه يخل بتكافؤ الفرص بين المواطنين، وكذلك بمبدأ المساواة أمام القانون. فضلاً عن إهداره لحرية التعبير، وكذلك الحق فى الحرية النقابية ، وتكوين التنظيم النقابى على أساس ديموقراطى ، وتقييده لحقى الانتخاب والترشيح.

وحيث إن المصلحة الشخصية المباشرة - وهى شرط لقبول الدعوى الدستورية - مناطها أن يكون ثمة ارتباط بينها وبين المصلحة القائمة فى الدعوى الموضوعية ، وذلك بأن يكون الحكم فى المسألة الدستورية لازماً للفصل فى النزاع الموضوعى ، وكان ما يتصل من هذا النزاع بالنص المطعون عليهه، إنما ينحصر فى ما قرره من عدم جواز الجمع بين عضوية مجلس إدارة المنظمة النقابية والعضوية العاملة فى نقابة مهنية فيما يزيد على 20% من مجموع مقاعد ذلك المجلس، وكان عدم فوز المدعية بمقعد فى مجلس إدارة النقابة العمالية إنما يعود إلى مجاوزتها تلك النسبة التى فرضها النص المطعون عليه، مما حملها على التدخل فى الدعوى الموضوعية ، وإبداء دفعها بعدم الدستورية ، فإن نطاق الطعن الماثل ينحصر فى هذه الحدود، ولا يمتد لغيرها من أجزاء النص المطعون عليه.

وحيث إن البين من تقرير اللجنة المشتركة من لجنة القوى العاملة وهيئة مكتب اللجنة التشريعية عن مشروع القانون رقم 35 لسنة 1976 بشأن النقابات العمالية ، أن الفقرة الأولى من المادة (38) المشار اليها لم تكن واردة أصلاً فى المشروع المقدم من الحكومة ، وأن خلافاً داخل اللجنة المذكورة قد ثار حول نطاق حق العمال الأعضاء فى نقابة مهنية ، فى أن يكونوا أعضاء بمجلس إدارة المنظمة النقابية العمالية ، وأن الآراء التى قيل بها فى هذا الشأن، ترددت بين تقرير هذا الحق على إطلاقه، وبين القبول ببعض الحلول التى اعتبرها أصحابها حلولاً توفيقية أو واقعية أكثر منها قانونية .

فالذين قالوا بإطلاق هذا الحق، ذهبوا إل أن كل قيد يحد من حق العمال أعضاء النقابة المهنية فى الإنضمام إلى النقابة العمالية والتمثيل فى تشكي لاتها المختلفة ، يعتبر مخالفاً للإتفاقيات الدولية ، وللدستور، لإخلاله بالحرية النقابية ، وانطوائه على التمييز أو التقييد فى مجال العضوية النقابية ، ولخروجه كذلك على مبدأ تشكيل التنظيم النقابى على أساس ديموقراطى ، ومنافاته لقوانين النقابات العمالية فى الدول العربية والغربية والشرقية .

كذلك فإن الأصل فى النقابة المهنية هى أنها تعد من أشخاص القانون العام التى تتوخى تنظيم شئون المهنة وحمايتها من الدخلاء عليها، مع ضمان حقوق أعضائها فى ممارستها على مسئوليتهم ولحسابهم الخاص. غير أن تطوراً مفجعاً أصابها، وأخرجها عن حقيقة وظائفها، وباعد بينها وبين المهام التى كانت تقوم أصلاً عليها، حين انضم إليها بقوة القانون من لا يعملون لحسابهم، ولا يمارسون –استقلالاً- مهنة حرة على مسئوليتهم. بل يتبعون رؤسائهم فى الحكومة ووحدات الحكم المحلى والقطاعين العام والخاص، ويؤدون عملهم تحت إشرافهم لقاء أجر، مما ألحق الضرر بالحركة النقابية العمالية ، وأضعفها، بخروج هؤلاء من تجمعاتها، وحصولهم من نقاباتهم المهنية على عديد من المزايا التى جذبتهم إليها. ولا بد أن يتفاقم هذا الضرر، وأن يزداد حدة ، إذا ماحال المشرع بين المهنيين والمنظمة النقابة العمالية ، سواء بمنعهم من الإنضمام إليها أو الدخول فى مختلف تشكيلاتها، وكذلك إذا قيد ذلك الحق بما يحد من محتواه.

يؤيد ذلك أن التمييز بين العمال على أساس المؤهل، وتقييد حرياتهم بالتالى ، مما يعوق التقدم، ولا يستقيم سياسياً أو تشريعياً أو قانونياً. ذلك أن تأهيل العمال غدا ضرورة لازمة إزاء تطور العلوم وتباين مناهجها. ومن غير المتصور أن يحرم غالبية عمال المنشأة من التمثيل فى المنظمة النقابية المتعلقة بها، لمجرد حصولهم على مؤهل، أو ممارستهم لمهنة بذاتها يكون المؤهل شرطاً للقيد فى جداولها.

وعلى نقيض هؤلاء الذين أجازوا الجمع بين عضوية مجلس إدارة المنظمة النقابية ، والعضوية العاملة فى نقابة مهنية عل إطلاق، قال آخرون من أعضاء اللجنة المشار إليها الذين أيدوا النص المطعون عليه، بأن تمثيل الأغلبية العددية من العمال بالمعنى السياسى للعامل، يتحقق إذا ماكفل المشرع تمثيل المهنيين فى مجلس إدارة المنظمة النقابية بما لا يزيد على 20% من مجموع أعضاء المجلس باعتبار أن هذه النسبة هى التى تنسجم مع التوزيع العددى لهذين الفريقين فى المنشآت العمالية ، ولا تشكل بالتالى قيداً على الحرية النقابية . ولا تقيم كذلك تمييزاً بين العمال، ولا حجرا على إرادتهم فى اختيار من يقدرون جدارته لتمثيلهم. بل أن تقريرها يدعم الحركة العمالية ، ذلك أن تجمعاتها لن تكون إلا لهؤلاء الذين يدينون بالولاء لها.

وحيث إن البين من دستور منظمة العمل الدولية ، أن مبدأ الحرية النقابية يعتبر لازماً لتحسين أوضاع العمال وضمان الاستقرار والسلام الاجتماعى . كذلك تعامل حرية التعبير والحرية النقابية باعتباره ما مفترضين لازمين لاطراد التقدم. وفى هذا الإطار اعتمد المؤتمر العام لمنظمة العمل الدولية فى دورته الحادية والثلاثين، الاتفاقية رقم 87 فى شأن الحرية النقابية ، النافذة أحكامها إعتباراً من 4 يوليو سنة 1950، والتى تخول العمال -دون تمييز من أى نوع- الحق فى تكوين منظماتهم التى يختارونها بغير إذن سابق، ودون تقيد بغير القواعد المنصوص عليها فى دساتيرها وأنظمتها. وهى قواعد تصوغها بإرادتها الحرة وتنظم بها - عليه الأخص - طرق إدارتها وبرامجها ومناحى نشاطها، وبما يحول بين السلطة العامة والتدخل فى شؤنها، أو الحد من ممارستها لتلك الحقوق أو تعطيلها (المواد 1، 2، 3 منها)، بل أن مادتها الرابعة تنص على أن منظماتهم تلك، لا يجوز حلها أو تعليق نشاطها عن طريق الجهة الإدارية .

وحيث إن المؤتمر العام لمنظمة العمل الدولية ، أقر كذلك فى دورته الثانية والثلاثين، الاتفاقية رقم 98 فى شأن التنظيم النقابى ، النافذة أحكامها إعتباراً من 8 يوليو سنة 1951، والتى كفل بمادتها الأولى لكل عامل الحماية الكافية من أية أعمال يقصد بها التمييز بين العمال فى مجال استخدامهم، إخلالاً بحريتهم النقابية . ويكون ضمان هذه الحماية لازماً بوجه خاص إزاء الأعمال التى يقصد بها تعليق استخدام العامل على شرط عدم الإنضمام إلى منظمة نقابية ، أو حمله على التخلى عن عضويته فيها، أو معاملته إجحافاً لإنضمامه إليها أو لإسهامه فى نشاطها بعد انتهاء عمله.

وحيث إن دستور جمهورية مصر العربية كفل بنص المادة (56) منه جوهر الأحكام التى انتظمتها هاتان الاتفاقيتان الدوليتان، والتى تعتبر مصر طرفاً فيهما بتصديقها عليهما، ذلك أن المادة (56) من الدستور تنص على ما يأتى إنشاء النقابات والاتحادات على أساس ديموقراطى حق يكفله القانون، وتكون لها الشخصية الاعتبارية . وينظم القانون مساهمتها فى تنفيذ الخطط والبرامج الاجتماعية ، وفى رفع مستوى الكفاية ، ودعم السلوك الاشتراكى بين أعضائها، وحماية أموالها. وهى ملزمة بمساءلة أعضائها عن سلوكهم فى ممارسة نشاطهم..... وبالدفاع عن الحقوق والحريات المقررة قانوناً لأعضائها.

وحيث إن حرية العمال فى تكوين تنظيمهم النقابى ، وكذلك حرية النقابة ذاتها فى إدارة شئونها، بما فى ذلك إقرار القواعد التى تنظم من خلالها اجتماعاتها، وطرائق عملها وتشكيل أجهزتها الداخلية ، وأحوال إندماجها فى غيرها، ومساءلتها لأعضائها عما يقع منهم بالمخالفة لنظمها، لا ينفصلان عن انتهاجها الديموقراطية أسلوباً وحيداً يهيمن على نشاطها ويكفل الموازنة بين حقوقها وواجباتها. وكذلك بناء تشكيلاتها وفق الإرادة الحرة للعمال المنضمين اليها -المؤهلين منهم وغير المؤهلين - ودون قيد يتعلق بعدد الأولين منسوباً إلى عدد العمال غير المهنيين. ذلك أن مبدأ الحرية النقابية يعنى حق العمال -وأياً كان قطاع عملهم ودون ما تمييز فيما بينهم- فى تكوين منظماتهم النقابية بغض النظر عن معتقداتهم أو آرائهم السياسية أو توجهاتهم أو إنتماءاتهم، ودون إخلال بحق النقابة ذاتها فى أن تقرر بنفسها أهدافها ووسائل تحقيقها وطرق تمويلها، وإعداد القواعد التى تنظم بها شئونها.

ولا يجوز -بوجه خاص- إرهاقها بقيود تعطل مباشرتها لتلك الحقوق، أو تعلق تمتعها بالشخصية الاعتبارية على قبولها الحد منها، ولا أن يكون تأسيسها رهناً بإذن من الجهة الإدارية ، ولا أن تتدخل هذه الجهة فى عملها بما يعوق إدارتها لشئونها، ولا أن تقرر حلها أو وقف نشاطها عقاباً لها، ولا أن تحل نفسها محل المنظمة النقابية فيما تراه أكفل لتأمين مصالح أعضائها والنضال من أجلها.

وحيث إن ماتقدم مؤداه: أن تكوين التنظيم النقابى لا بد أن يكون تصرفاً إرادياً حراً، لا تتداخل فيه السلطة العامة ، بل يستقل عنها ليظل بعيداً عن سيطرتها. ومن ثم تتمحض الحرية النقابية عن قاعدة أولية فى التنظيم النقابى ، تمنحها بعض الدول قيمة دستورية فى ذاتها، لتكفل بمقتضاها حق كل عامل فى الإنضمام الى المنظمة النقابية التى يطمئن إليها، وفى إنتقاء واحدة أو أكثر من بينها - عند تعددها - ليكون عضواً فيها، وفى أن ينعزل عنها جميعاً فلا يلج أبوابها. وكذلك فى أن يعْدِل عن البقاء فيها منهياً عضويته بها.

وهذه الحقوق التى تتفرع عن الحرية النقابية ، تعد من ركائزها، ويتعين ضمانها لمواجهة كل إخلال بها، وبوجه خاص لرد خطرين عنها لا يتعادلان فى آثارهما، ويتأتيان من مصدرين مختلفين. ذلك أن المنظمة النقابية ذاتها قد تباشر ضغوطها فى مواجهة العمال غير المنضمين اليها لجذبهم لدائرة نشاطها توصلاً لإحكام قبضتها على تجمعاتهم، وقد يتدخل رجال الصناعة والتجارة فى أوضاع الاستخدام فى منشآتهم، أو بالتهديد بفصل عما لهم، أو بمساءلتهم تأديبياً، أو بإرجاء ترقياتهم، لضمان إنصرافهم عن التنظيم النقابى ، أو لحملهم على التخلى عن عضويتهم فيه.

 

وحيث إن الحرية النقابية - محدداً إطارها على النحو المتقدم - لا تعارض ديموقراطية العمل النقابى ، بل هى المدخل إليه، ذلك أن الديموقراطية النقابية هى التى تطرح -بوسائلها وتوجهاتها -نطاقاً للحماية يكفل للقوة العاملة مصالحها الرئيسية ، ويبلور إرادتها وينفض عن تجمعاتها عوامل الجمود. وهى كذلك مفترض أولى لوجود حركة نقابية تستقل بذاتيتها ومناحى نشاطها. ولازمها أمران، أولهما: أن يكون الفوز داخل النقابة بمناصبها المختلفة - عليه تباين مستوياتها وأياً كان موقعها - مرتبطاً بالإرادة الحرة لأعضائها، وبشرط أن يكون لكل عضو انضم اليها -الفرص ذاتها - التى يؤثر بها - متكافئاً فى ذلك مع غيره- فى تشكيل سياستها العامة وبناء مختلف تنظيماتها وفاء بأهدافها وضماناً لنهوضها بالشئون التى تقوم عليها. ثانيهما: أن الحرية النقابية لا تعتبر مطلباً لفئة بذاتها داخل النقابة الواحدة ، ولا هى من امتيازاتها. بل يتعين أن يكون العمل النقابى إسهاماً جماعياً لا يتمحض عن إنتقاء حلول بذواتها تستقل الأقلية بتقديرها وتفرضها عنوة . ذلك أن تعدد الآراء داخل النقابة الواحدة وتفاعلها، إثراء لحرية النقاش فيها، لتعكس قرارتها ما تتصوره القاعدة الأعرض من الناخبين فيها مبلوراً لأفكارهم، ومحدداً لمطالبهم، إنفاذاً لإرادتهم من خلال أصواتهم التى لا يجوز تقييد فرص الإدلاء بها دون مقتض، ولا فرض الوصاية عليها.

وحيث إن ما نص عليه الدستور فى المادة (56) من قيام النقابات واتحاداتها على أساس ديموقراطى ، يدل على أن حكمها جاء عاماً مطلقاً، منصرفاً إلى كل تنظيم نقابى -مهنياً كان أو عمالياً- ممتداً الى تشكي لاتها جميعاً- عليه تباين مستوياتها ودرجاتها - كاشفاً عن أن العمل النقابى لا يؤمن مصالح جانبية محدودة أهميتها، بل يوفر للمنضمين إليه، الحقائق الكاملة التى يحددون من خلالها أولوياتهم، ويفاضلون على ضوئها بين من يتزاحمون من بينهم على الظفر بعضوية مجلس إدارة المنظمة النقابية التى ينتمون اليها.

وحيث إن ضمان الدستور - بنص المادة (47) منه - لحرية التعبير عن الآراء، والتمكين من عرضها ونشرها سواء بالقول أو بالتصوير أو بطباعتها أو بتدوينها وغير ذلك من وسائل التعبير، قد تقرر بوصفها الحرية الأصل التى لا يتم الحوار المفتوح إلا فى نطاقها. وبدونها تفقد حرية الاجتماع مغزاها، ولا تكون لها من فائدة . وبها يكون الأفراد أحراراً لا يتهيبون موقفاً، ولا يترددون وجلاً، ولا ينتصفون لغير الحق طريقاً.

وحيث إن ما توخاه الدستور من خلال ضمان حرية التعبير، هو أن يكون التماس الآراء والأفكار وتلقيها عن الغير ونقلها إليه، غير مقيد بالحدود الإقليمية على إختلافها، ولا من حصر فى مصادرة بذواتها تعد من قنواتها، بل قصد أن تترامى آفاتها، وأن تتعدد مواردها وأدواتها، وأن تنفتح مسالكها، وتفيض منابعها [Marketplace of ideas] [Free trade in ideas] لا يحول دون ذلك قيد يكون عاصفاً بها، مقتحماً دروبها، ذلك أن لحرية التعبير أهدافاً لا تريم عنها، ولا يتصور أن تسعى لسواها، هى أن يظهر من خلالها ضوء الحقيقة جلياً، فلا يداخل الباطل بعض عناصرها، ولايعتريها بهتان ينال من محتواها. ولا يتصور أن يتم ذلك إلا من خلال اتصال الأراء وتفاعلها ومقابلتها ببعض، وقوفاً عليه ما يكون منها زائفاً أو صائباً، منطوياً على مخاطر واضحة ، أو محققاً لمصلحة مبتغاة . ذلك أن الدستور لايرمى من وراء ضمان حرية التعبير، أن تكون مدخلاً إلى توافق عام، بل تغيا بصونها أن يكون كافلاً لتعدد الآراء Plurality of opinions وإرسائها على قاعدة من حيدة المعلومات neutrality of information ليكون ضوء الحقيقة مناراً لكل عمل، ومحدداً لكل اتجاه.

وحيث إن حرية التعبير التى تؤمنها المادة (47) من الدستور، أبلغ ما تكون أثراً فى مجال اتصالها بالشئون العامة ، وعرض أوضاعها تبياناً لنواحى التقصير فيها، وتقويماً لإعوجاجها، وكان حق الفرد فى التعبير عن الآراء التى يريد إعلانها، ليس معلقاً على صحتها، ولامرتبطاً بتمشيها مع الاتجاه العام فى بيئة بذاتها، ولا بالفائدة العملية التى يمكن أن تنتجها. وإنما أراد الدستور بضمان حرية التعبير أن تهيمن مفاهيمها على مظاهر الحياة فى أعماق منابتها، بما يحول بين السلطة العامة وفرض وصايتها على العقل العام Public mind، فلا تكون معاييرها مرجعاً لتقييم الآراء التى تتصل بتكوينه، ولا عائقاً دون تدفقها.

وحيث إن من المقرر كذلك إن حرية التعبير، وتفاعل الآراء التى تتولد عنها، لايجوز تقييدها بأغلال تعوق ممارستها، سواء من ناحية فرض قيود مسبقة على نشرها، أو من ناحية العقوبة اللا حقة التى تتوخى قمعها. بل يتعين أن ينقل المواطنون من خلالها -وعلانية - تلك الأفكار التى تجول فى عقولهم، فلا يتهامسون بها نجياً، بل يطرحونها عزماً ولو عارضتها السلطة العامة - إحداثاً من جانبهم - وبالوسائل السلمية - لتغيير قد يكون مطلوباً. فالحقائق لايجوز إخفاؤها، ومن غير المتصور أن يكون النفاذ إليها ممكناً فى غيبة حرية التعبير. كذلك فإن الذين يعتصمون بنص المادة (47) من الدستور، لا يملكون مجرد الدفاع عن القضايا التى يؤمنون بها، بل كذلك اختيار الرسائل التى يقدرون مناسبتها وفعاليتها سواء فى مجال عرضها أو نشرها، ولو كان بوسعهم إحلال غيرها من البدائل لترويجها. ولعل أكثر مايهدد حرية التعبير، أن يكون الإيمان بها شكلياً أو سلبياً. بل يتعين أن يكون الإصرار عليها قبولاً بتبعاتها، وألا يفرض أحد على غيره صمتاً ولو بقوة القانون Enforced silence.

وحيث إنه متى كان ماتقدم، تعين القول بأن حرية التعبير التى كفلها الدستور، هى القاعدة فى كل تنظيم ديموقراطى ، لا يقوم إلا بها. ولا يعدو الإخلال بها أن يكون إنكاراً لحقيقة أن حرية التعبير لا يجوز فصلها عن أدواتها، وإن وسائل مباشرتها يجب أن ترتبط بغاياتها، فلا يعطل مضمونها أحد، ولا يناقض الأغراض المقصودة من إرسائها.

وحيث إن الحق فى التجمع، بما يقوم عليه من إنضمام عدد من الأشخاص الى بعضهم لتبادل وجهات النظر فى شأن المسائل التى تعنيهم. من الحقوق التى كفلتها المادتان (54، 55) من الدستور، وذلك سواء نظرنا إليه باعتباره حقاً مستقلاً عن غيره من الحقوق، أم عليه تقدير أن حرية التعبير تشتمل عليه باعتباره كافلاً لأهم قنواتها، محققاً من خلالها أهدافها.

وحيث إن هذا الحق - وسواء كان حقاً أصيلاً أم تابعاً- أكثر ما يكون اتصالاً بحرية عرض الآراء وتداولها كلما أقام أشخاص يؤيدون موقفاً أو اتجاهاً معيناً، تجمعاً منظماً ordered assemblage يحتويهم، يوظفون فيه خبراتهم، ويطرحون آما لهم، ويعرضون فيه كذلك لمصاعبهم، ويتناولون بالحوار ما يؤرقهم، ليكون هذا التجمع نافذة يطلون منها على ما يعتمل فى نفوسهم، وصورة حية لشكل من أشكال التفكير الجماعى collective thinking وكان تكوين بنيان كل تجمع وسواء كان الغرض منه سياسياً أو نقابياً أو مهنياً لا يعدو أن يكون عملاً اختيارياً لا يساق الداخلون فيه سوقاً، ولا يمنعون من الخروج منه قهراً. وهو فى محتواه لا يتمحض عن مجرد الاجتماع بين أشخاص متباعدين ينعزلون عن بعضهم البعض. بل يرمى بالوسائل السلمية إلى أن يكون إطاراً يضمهم، ويعبرون فيه عن مواقفهم وتوجهاتهم. ومن ثم كان هذا الحق متداخلاً مع حرية التعبير، ومكوناً لأحد عناصر الحرية الشخصية التى لايجوز تقييدها بغير إتباع الوسائل الموضوعية والإجرائية التى يتطلبها الدستور أو يكفلها القانون، واقعاً عند البعض فى نطاق الحدود التى يفرضها صون خواص حياتهم وأعماق حرمتها، بما يحول دون اقتحام أغوارها أو تعقبها، لغير مصلحة جوهرية لها معينها، لازماً اقتضاءً ولو لم يرد بشأنه نص فى الدستور، كافلاً للحقوق التى أحصاها ضماناتها، محققاً فعالياتها، سابقاً عليه وجود الدساتير ذاتها، مرتبطاً بالمدنية فى مختلف مراحل تطورها، كامناً فى النفس البشرية ، تدعو إليه فطرتها. وهو فوق هذا من الحقوق التى لا يجوز النزول عنها.

بل إن حرية التعبير ذاتها تفقد قيمتها إذا جحد المشرع حق من يلوذون بها فى الاجتماع المنظم. وحجب بذلك تبادل الآراء فى دائرة أعرض، بما يحول دون تفاعلها وتصحيح بعضها البعض، ويعطل تدفق الحقائق التى تتصل باتخاذ القرار، ويعوق إنسياب روافد تشكيل الشخصية الإنسانية التى لا يمكن تنميتها إلا فى شكل من أشكال الاجتماع.

ذلك إن الإنعزال عن الآخرين يؤول الى إستعلاء وجهة النظر الفردية وتسلطها، ولو كان أفقها ضيقاً Narrowness أو كان عقمها أو تحزبها One - Sidedness بادياً.

كذلك فإن هدم حرية الاجتماع، إنما يقوض الأسس التى لا يقوم بدونها نظام الحكم يكون مستنداً إلى الإرادة الشعبية . ولا تكون الديموقراطية فيه بديلاً مؤقتاً، أو إجماعاً زائفاً، أو تصالحاً مرحلياً لتهدئة الخواطر. بل شكلاً مثالياً لتنظيم العمل الحكومى وإرساء قواعده. ولازم ذلك امتناع تقييد حرية الاجتماع إلا وفق القانون، وفى الحدود التى تتسامح فيها النظم الديموقراطية ، وترتضيها القيم التى تدعو اليها.

وحيث إن من المقرر كذلك أن حق المرشحين فى الفوز بعضوية المجالس التى كفل الدستور أو المشرع صفتها التمثيلية ، لا ينفصل عن حق الناخبين فى الإدلاء بأصواتهم لاختيار من يثقون فيه من بينهم. ذلك أن هذين الحقين مرتبطان، ويتبادلان التأثير فيما بينهما. ولايجوز بالتالى أن تفرض عليه مباشرة أيهما تلك القيود التى لا تتصل بتكامل العملية الانتخابية وضمان مصداقيتهاIntegrity and reliability of the electoral Process أو بما يكون كافلاً إنصافها، وتدفق الحقائق الموضوعية المتعلقة بها، بل يجب أن تتوافر لها بوجه عام أسس ضبطها، بما يصون حيدتها، ويحقق الفرص المتكافئة بين المتزاحمين فيها. ومن ثم تقع هذه القيود فى حمأة المخالفة الدستورية إذا كان مضمونها وهدفها مجرد حرمان فئة من عمال المنظمة النقابية - ودون أسس موضوعية - من فرص الفوز بعضوية مجلس إدارتها. ذلك أن آثرها هو إبعاد هؤلاء عن العملية الانتخابية بأكملها، وحجبهم بالتالى عن الإسهام فيها. بما مؤداه: إحتكار غرمائهم لها وسيطرتهم عليها دون منازع، وإنهاء حق المبعدين فى إدارة الحوار حول برامجهم وتوجهاتهم، وهو مايقلص من دائرة الاختيار التى يتيحها المشرع للناخبين، وبوجه خاص، كلما كان المبعدون أدنى الى ثقتهم، وأجدر بالدفاع عن حقوقهم.

بل إن القيم العليا لحرية التعبير -بما تقوم عليه من تنوع الآراء وتدفقها وتزاحمها- ينافيها ألا يكون الحوار المتصل بها فاعلاً ومفتوحاً، بل مقصوراً عليه فئة بذاتها من أعضاء المنظمة النقابية ، أو من حصراً فى مسائل بذواتها لا يتعداها.

كذلك فإن حق الناخبين فى الاجتماع مؤداه: ألا تكون الحملة الانتخابية - التى تعتبر قاعدة لتجمعاتهم وإطاراً يحددون من خلاله أولوياتهم - محدودة آفاقها، بما تفضى إليه من تضاؤل فرصهم التى يفاضلون من خلالها بين عدد أكبر من المرشحين، وإنتقاء من يكون من بينهم شريكاً معهم فى أهدافهم Like - minded Citizens قادراً عليه النضال من أجل تحقيقها.

وحيث إن المهنيين الذين انضموا الى المنظمة النقابية العمالية لا يتمكنون وفقاً للنص المطعون فيه من الظفر بعضوية مجلس إدارتها، إلا فى الحدود التى لا تزيد فيها نسبتهم إلى مجموع عدد أعضاء هذا المجلس عن 20%، وهو مايعنى انغلاق طريقهم إلى مجلس إدارة تلك المنظمة بعد أن خاضوا انتخاباتها وفازوا فيها لمجرد مجاوزتهم لتلك النسبة التى حددها النص المطعون فيه دون أسس موضوعية تظاهرها، بما مؤداه: إهدار إرادة القاعدة العمالية التى منحتهم ثقتها على ضوء اقتناعها بموقفهم من قضاياها، وحرمانها من أن تفاضل - من خلال البرامج التى طرحتها الحملة الانتخابيه - بين عدد أكبر من المرشحين يكونون أقدر على بلورة أفكارها، والنضال من أجل بناء مواقفها، وكان من المقرر أن اتساع قاعدة الاختيار فيما بين المرشحين، ضمانة أساسية تكفل لهيئة الناخبين ظروفاً أفضل تمنح من خلالها ثقتها لعناصر من بينهم تكون أجدر بالدفاع عن مصالحها، وكان النص المطعون فيه لا يطلق قاعدة الاختيار هذه، بل يحد من دائرتها ويضيق من نطاقها، مؤثراً بذلك فى حق الاقتراع بما ينال من فعاليته، فإن ذلك النص ينحل من الناحية الدستورية إلى فرض نوع من الوصاية على القاعدة العمالية ، ويؤول إلى تفككها أو اضطرابها أو بعثرة تكتلاتها من خلال إلزامها بأن تمنح ثقتها لغير من وقع عليهم اختيارها إبتداءً، وأن تكون لها موازين جديدة تقدر على ضوئها من تٌصَعِّدهم -من دونهم- إلى مجلس إدارة المنظمة العمالية ، وقد يكونون أقل منهم شأناً سواء فى صلابتهم أو قدرتهم على ابتكار الحلول الملائمة لقضاياها. وهو ما ينال كذلك من حرية القاعدة العمالية فى التعبير عن مواقفها من خلال تجمعاتها التى تعد إطاراً ومحوراً لكل تنظيم انتخابى يحدد مطالبها.

وحيث إن القول بأن النص المطعون فيه، يعكس تناسباً عددياً بين المهنيين المنضمين إلى المنظمة النقابية العمالية وغيرهم من العمال أعضائها، مردود أولاً بانتفاء الدليل على صحته، ومردود ثانياً بأن اختيار من يمثلون أعضاء النقابة بمجلس إدارتها ليس مرتبطاً بموقعهم من النقابة ذاتها، وما إذا كانوا هم الأكثر أو الأقل عدداً بين جموعها، بل بقدرتهم على تأمين مصالحها. ومردود ثالثاً بأن إبطال عضويتهم بمجلس إدارة المنظمة النقابية بعد الفوز بها، لا يعدو أن يكون تحريفاً لإرادة الناخبين، مع حملهم على إبدال من منحوه ثقتهم بغيره، وليس ذلك إلا تشويها لحق الاقتراع وإنحرافاً عن الأغراض التى يتوخاها.

وحيث إنه لا مساغ كذلك للقول بأن النص المطعون عليه، يكفل للحركة النقابية العمالية وحدتها ويضمن ولاء العمال لأهدافها، ذلك أن المنظمة النقابية ذاتها ومن خلال برامجها وتوجهاتها وعلى ضوء نضالها من أجل الدفاع عن مصالحها، هى التى توحد بين أعضائها، فلا يتحولون عنها أو يفارقونها. كذلك فإن ولاءهم لها رهن بصون الحرية النقابية فى مضمونها ووسائلها. ولنقابتهم أن تسائلهم تأديبياً إذا لم يلتزموا بميثاقها، أو كان سلوكهم مشيناً مناهضاً لها. وليس جائزاً بحال - من وجهة أخرى - أن تعطل وحدة الحركة النقابية العمالية أو الولاء لأهدافها، حقوقاً كفلها الدستور للعمال المنضمين إليها.

وحيث إن من المقرر أنه إذا كفل الدستور حقاً من الحقوق، فإن القيود عليه لايجوز أن تنال من محتواه إلا بالقدر وفى الحدود التى ينص عليها الدستور، وكان ضمان الدستور بنص المادة (62) لحقى الانتخاب والترشيح اللذين كفلهما لكل مواطن وفقاً لأحكام القانون، وإن تقيد بنصوص بعض مواده الأخرى ، كالمادتين (26، 87) منه التى توفر أولهما لصغار الفلاحين وصغار الحرفيين 80% على الأقل من مقاعد مجلس إدارة الجمعية التعاونية الزراعية أو الجمعية التعاونية الصناعية ، وتنص ثانيتهما على أن يكون نصف عدد أعضاء مجلس الشعب على الأقل من العمال والفلاحين، إلا أن هذه القيود مرجعها إلى النصوص الدستورية ذاتها، ولا يجوز أن يقاس تشريعياً عليها وإلا كان القانون مخالفاً للدستور.

وحيث إن الدساتير المصرية جميعاً بدءً بدستور سنة 1923 وانتهاءً بالدستور القائم، رددت جميعها مبدأ المساواة القانونية De Jure كافلة تطبيقه على جميع المواطنين باعتباره أساس العدل والحرية والسلام الاجتماعى ، وباعتباره الضمانة الرئيسية لصون الحقوق والحريات فى مواجهة صور التمييز التى تنال منها أو تقيد ممارستها، وأضحى هذا المبدأ فى جوهره وسيلة لتقرير الحماية القانونية المتكافئة التى لا يقتصر نطاق تطبيقها على الحقوق والحريات المنصوص عليها فى الدستور، بل يمتد مجال إعمالها كذلك الى تلك التى كفلها المشرع للمواطنين فى حدود سلطته التقديرية ، وعلى ضوء ما يرتئيه محققاً للمصلحة العامة .

ولئن نص الدستور فى المادة (40) منه، على حظر التمييز بين المواطنين فى أحوال بعينها، هى تلك التى يقوم التمييز فيها على أساس من الجنس أو الأصل أو اللغة أو الدين أو العقيدة ، إلا أن إيراد الدستور لصور بذاتها يكون التمييز محظوراً فيها، مرده أنها الأكثر شيوعاً فى الحياة العملية ، ولا يدل البتة على انحصاره فيها. إذ لو صح ذلك لكان التمييز بين المواطنين فيما عداها جائزاً دستورياً، وهو ما يناقض المساواة التى كفلها الدستور، ويحول دون إرساء أسسها، وبلوغ غايتها.

وآية ذلك إن من صور التمييز التى أغفلتها المادة (40) من الدستور ما لا يقل عن غيرها خطراً سواء من ناحية محتواها أو من جهة الآثار التى ترتبها، كالتمييز بين المواطنين فى نطاق الحقوق التى يتمتعون بها، أو الحريات التى يمارسونها، لاعتبار مرده إلى مولدهم، أو مركزهم الاجتماعى ، أو إنتمائهم الطبقى ، أو ميولهم الحزبية ، أو نزاعاتهم العرقية ، أو عصبيتهم القبلية ، أو إلى موقفهم من السلطة العامة ، أو إعراضهم عن تنظيماتها، أو تبنيهم لأعمال بذاتها، وغير ذلك من أشكال التمييز التى لاتظاهرها أسس موضوعية تقيمها، وكان من المقرر أن صور التمييز المجافية للدستور وإن تعذر حصرها، إلا أن قوامها كل تفرقة أو تقييد أو تفضيل أو إستبعاد ينال بصورة تحكمية من الحقوق والحريات التى كفلها الدستور أو القانون، وذلك سواء بإنكار أصل وجودها أو تعطيل أو انتقاص آثارها بما يحول دون مباشرتها على قدم المساواة الكاملة بين المؤهلين للانتفاع بها، وبوجه خاص على صعيد الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية وغير ذلك من مظاهر الحياة العامة . متى كان ذلك وكان النص المطعون عليه قد استبعد المهنيين -الذين تزيد نسبتهم فى مجلس إدارة المنظمة النقابية عن 20% من مجموع مقاعده - من الظفر بعضوية هذا المجلس رغم تماثلهم مع عمال النقابة من غير المهنيين فى مراكزهم القانونية لانضوائهم جميعاً تحت نقابة واحدة تتكافأ حقوقهم وواجباتهم فيها، ودون أن يستند التمييز بين هاتين الفئتين الى أسس موضوعية يقتضيها التمثيل فى مجلس إدارة تلك المنظمة ، فإن هذا التمييز يكون تحكمياً، ومنهياً عنه بنص المادة (40) من الدستور.

وحيث إنه متى كان ماتقدم، وكان النص المطعون عليه يخل بالحقوق التى كفلها الدستور فى مجال تكوين التنظيم النقابى على أساس ديموقراطى ، وكذلك بحرية التعبير والاجتماع، وبحقى الترشيح والاقتراع وبمبدأ المساواة أمام القانون، وهى الحريات والحقوق المنصوص عليها فى المواد (40، 47، 55، 56، 62) من الدستور، فإنه يكون قد وقع فى حمأة المخالفة الدستورية ، ويتعين الحكم ببطلانه.

وحيث إن ما ورد بعجز الفقرة الأولى من المادة (38) المشار إليها من أنه وذلك مالم تكن أغلبية المنظمة النقابية من المنضمين إلى نقابات مهنية ، يرتبط ارتباطاً لا يقبل التجزئة بنطاق الطعن الماثل باعتباره استثناء من قاعدة الحظر التى فرضها النص المطعون عليه، فإن هذا الاستثناء يسقط تبعاً للحكم ببطلان ذلك النص.

فلهذه الأسباب

حكمت المحكمة بعدم دستورية نص الفقرة الأولى من المادة (38) من قانون النقابات العمالية الصادر بالقانون رقم 35 لسنة 1976 فيما تضمنته من عدم جواز الجمع بين عضوية مجلس إدارة المنظمة النقابية والعضوية العاملة فى نقابة مهنية بما يزيد على 20 % من مجموع عدد أعضاء هذا المجلس، وبسقوط باقى نص هذه الفقرة ، وألزمت الحكومة المصروفات ومبلغ مائة جنيه مقابل أتعاب المحاماة .