الدعوى 6 لسنة 8 - دستورية - المحكمة الدستورية العليا - مرفوعة علنية رقم 6 لسنة 8 بتاريخ 18/05/1996
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
باسم الشعب
المحكمة الدستورية العليا
بالجلسة العلنية المنعقدة فى يوم السبت 18 مايو سنة 1996 الموافق 30 ذو الحجة سنة 1416 هـ ·
برئاسة السيد المستشار الدكتور عوض محمد عوض المر رئيس المحكمة
وحضور السادة المستشارين : الدكتور محمد إبراهيم أبو العينين ومحمد ولى الدين جلال ونهاد عبد الحميد خلاف وفاروق عبد الرحيم غنيم والدكتور عبد المجيد فياض ومحمد عبد القادر عبد الله
وحضور السيد المستشار الدكتور /حنفى على جبالى رئيس هيئة المفوضين
وحضور السيد /حمدى أنور صابر أمين السر
أصدرت الحكم الآتى
فى القضية المقيدة بجدول المحكمة الدستورية العليا برقم 6 لسنة 8 قضائية دستورية ·
المقامة من
- السيد / ....................
ضد
1- السيد / وزير المالية
2- السيد / مدير عام جمارك بور سعيد
الإجراءات
بتاريخ 12 مارس سنة 1986 أودع المدعى صحيفة هذه الدعوى قلم كتاب المحكمة طالبا الحكم بعدم دستورية نصى المادتين 4 مكررا ، 38 من قانون الضريبة على الاستهلاك الصادر بالقانون رقم 133 لسنة 1981 ·
قدمت هيئة قضايا الدولة مذكرة طلبت فيها الحكم برفض الدعوى ·
وبعد تحضير الدعوى أودعت هيئة المفوضين تقريراً برأيها ·
وقد نظرت الدعوى على الوجه المبين بمحضر الجلسة، وقررت المحكمة إصدار الحكم فيها بجلسة اليوم ·
المحكمة
بعد الاطلاع على الأوراق ، والمداولة ·
وحيث إن الوقائع - على مايبين من صحيفة الدعوى وسائر الأوراق - تتحصل فى أن المدعى كان قد أقام الدعوى رقم 38 لسنة 1985 مدنى أمام محكمة بورسعيد الابتدائية ابتغاء الحكم بعدم أحقية مصلحة الضرائب فى مطالبته بمبلغ 056ر4120 جنيه ، قيمة ما استحق عليه من فوائد من جراء تراخيه فى الوفاء بمبلغ الضريبة، إعمالا للفقرة الثانية من المادة 38 من قانون الضريبة على الاستهلاك الصادر بالقانون رقم 133 سنة 1981 ، وإذ دفع المدعى - أثناء نظر الدعوى الموضوعية - بعدم دستورية هذه المادة، وكذلك المادة 4 مكررا المضافة إلى قانون الضريبة على الاستهلاك بالقانون رقم 102 سنة 1982 ، وكانت محكمة الموضوع قد قدرت جدية الدفع بعدم الدستورية، فقد صرحت برفع دعواه الدستورية، فأقام الدعوى الماثلة ·
وحيث إن المدعى ينعى على الفقرة الثانية من المادة 83من قانون الضريبة على الاستهلاك، إخلالها بنص المادة الثانية من الدستور التى تلزم المشرع بالتقيد بمبادئ الشريعة الإسلامية فيما يقره من القواعد القانونية، تأسيسا على أن استحقاق مبلغ مقابل التأخير فى الوفاء بدين الضريبة ، وبقدر فترة التأخير، لا يعدو أن يكون زيادة على أصل الدين مقابل تأجيل سداده ، وتتمحض بالتالى عن ربا من هى عنه شرعا ·
وحيث إن المادة 38 من قانون الضريبة على الاستهلاك ، تنص فى فقرتها الأولى على أن تستحق هذه الضريبة بتحقق الواقعة المنشئة لها ، وعلى المنتج الملتزم بالضريبة ، أن يقوم بسدادها فور مطالبته بذلك أولا بأول، وفى جميع الأحوال يلزم بتوريد حصيلتها دوريا كل عشرة أيام ، وذلك طبقا للقواعد والإجراءات التى تحددها اللائحة التنفيذية · وتنص فقرتها الثانية - المطعون عليها - على أنه وفى حالة عدم السداد فى الموعد المحدد تستحق المصلحة تعويضا يعادل أعلى سعر فائدة معلن فى البنك المركزى عن رصيد المبلغ المتأخر فى سداده ، وذلك عن فترة التأخير، وللمصلحة تحصيل التعويض مع الضريبة وبنفس إجراءاتها ، وذلك كله دون إخلال بالمساءلة الجنائية ·
وحيث إن قضاء المحكمة الدستورية العليا مطرد على أن ما نص عليه الدستور فى مادته الثانية - بعد تعديلها فى سنة 1980- من أن مبادئ الشريعة الإسلامية هى المصدر الرئيسى للتشريع ، إنما يتمحض عن قيد يجب على السلطة التشريعية أن تتحراه وتنزل عليه فى تشريعاتها الصادرة بعد هذا التعديل - ومن بينها أحكام القانون رقم 133 سنة 1981 بشأن الضريبة على الاستهلاك - فلا يجوز لنص تشريعى أن يناقض الأحكام الشرعية القطعية فى ثبوتها ودلالتها ، باعتبار أن هذه الأحكام وحدها هى التى يكون الاجتهاد فيها ممتنعا ، لأنها تمثل من الشريعة الإسلامية مبادئها الكلية ، وأصولها الثابتة التى لا تحتمل تأويلاً أو تبديلاً ، ومن غير المتصور بالتالى أن يتغير مفهومها تبعا لتغير الزمان والمكان ، إذ هى عصية على التعديل ، ولا يجوز الخروج عليها، أو الالتواء بها عن معناها، وتنصب ولاية المحكمة الدستورية العليا فى شأنها على مراقبة التقيد بها ،وتغليبها على كل قاعدة قانونية تعارضها، ذلك أن المادة الثانية من الدستور، تقدم على هذه القواعد، أحكام الشريعة الإسلامية فى أصولها ومبادئها الكلية، إذ هى إطارها العام، وركائزها الأصيلة التى تفرض متطلباتها دوما بما يحول دون إقرار أية قاعدة قانونية على خلافها، وإلا اعتبر ذلك تشهيا وإنكارا لما علم من الدين بالضرورة · ولا كذلك الأحكام الظنية غير المقطوع بثبوتها أو بدلالتها أو بهما معا ، ذلك أن دائرة الاجتهاد تنحصر فيها، ولا تمتد لسواها وهى بطبيعتها متطورة تتغير بتغير الزمان والمكان، لضمان مرونتها وحيويتها، ولمواجهة النوازل على اختلافها تنظيما لشئون العباد بما يكفل مصالحهم المعتبرة شرعا، ولا يعطل بالتالى حركتهم فى الحياة، على أن يكون الاجتهاد دوما واقعا فى إطار الأصول الكلية للشريعة بما لا يجاوزها، ملتزما ضوابطها الثابتة، متحريا مناهج الاستدلال على الأحكام العملية ، والقواعد الضابطة لفروعها، كافلا صون المقاصد العامة للشريعة بما تقوم عليه من حفاظ على الدين والنفس والعقل والعرض والمال ·
وحيث إن ربا الديون المحرم شرعا ، يفترض - فى صورته المتفق عليها - اتفاق طرفيه على زيادة فى الأجل يمنحها الدائن للمدين ، لتقابلها وتعوض عنها زيادة فى أصل الدين يقرها المدين لدائنه، فلا يكون للدائنين رءوس أموالهم، بل يظلمون بقدر ما زاد فيها مقابل تأجيل الدين أيا كان سببه، وكان الجزاء المقرر بالنص المطعون فيه، يتمثل فى تعويض مقدر وفق الأسس التى بينها بقصد حمل الملتزمين بدين الضريبة على الوفاء بها فى الآجال المحددة قانونا ، ضمانا لحصول الدولة على الموارد اللازمة لمواجهة نفقاتها، فلا يعنيها استئداءها فى المواعيد المقررة لها ، وكان إيقاع هذا الجزاء غير مرتبط بمهلة جديدة تمنحها الدولة لمدينها بالضريبة، لتحصل مقابل هذا الأجل، على زيادة فى مبلغها، بل متوخيا ردع المدين إذا ماطل فى أدائها ، فلا يكون متباطئا أو متخاذلاً، بل مبادراً إلى ايفائها، تلافيا للجزاء المقارن للتراخى فى دفعها، فإن النص المطعون فيه لايكون منطوياً على ربا بالمعنى المتقدم، يؤيد ذلك أن الجزاء المقرر بهذا النص ، ليس وليد الإرادة ، بل يرتد فى مصدره المباشر إلى نص القانون، باعتباره محددا بقواعد آمرة لايجوز الاتفاق على خلافها - وفى نطاق علائق القانون العام - لقواعد تحصيل لخصائص الضريبة ومقوماتها وقواعد تحصيلها ·
وحيث إن نص الفقرة الثانية من المادة 38 - المطعون فيه - لا يتعارض مع حكم فى الدستور من أوجه أخرى ·
فلهذه الأسباب
حكمت المحكمة برفض الدعوى، وبمصادرة الكفالة، وألزمت المدعى المصروفات ومبلغ مائة جنيه مقابل أتعاب المحاماه ·