الدعوى 8 لسنة 15 - دستورية - المحكمة الدستورية العليا - مرفوعة علنية رقم 8 لسنة 15 بتاريخ 14/01/1995
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
باسم الشعب
المحكمة الدستورية العليا
بالجلسة العلنية المنعقدة فى يوم السبت 14 يناير1995 الموافق 13 شعبان 1415 هـ .
برئاسة السيد المستشار الدكتور/ عوض محمد عوض المر رئيس المحكمة
وحضور السادة المستشارين : الدكتور/ محمد إبراهيم أبوالعينين وفاروق عبد الرحيم غنيم والدكتور/ عبدالمجيد فياض ومحمد على سيف الدين وعدلى محمود منصور ومحمد عبد القادر عبد الله اعضاء
وحضور السيد المستشار الدكتور/ حنفى على جبالى رئيس هيئة المفوضين
وحضور السيد/ رأفت محمد عبد الواحد أمين السر
أصدرت الحكم الآتى
:
فى القضية المقيدة بجدول المحكمة الدستورية العليا برقم 8 لسنة 15 قضائية دستورية
المقامة من
السيد/ .................. بصفته
ضد
السيد / رئيس مجلس الوزراء بصفته
السيدة / وزيرة التأمينات الاجتماعيه بصفتها
السيد / رئيس مجلس إدارة الهيئة القومية للتأمينات الاجتماعية
الإجراءات
بتاريخ 2 مارس 1993 أودع المدعى صحيفة هذه الدعوى قلم كتاب المحكمة طالباً الحكم بعدم دستورية قرار وزير الشئون الاجتماعية رقم 255 لسنة 1982 فى شأن التأمين على عمال المقاولات.
وقدمت هيئة قضايا الدولة مذكرة طلبت فيها الحكم برفض الدعوى .
وبعد تحضير الدعوى ، أودعت هيئة المفوضين تقريراً برأيها.
وقد نُظرت الدعوى على الوجه المبين بمحضر الجلسة ، وقررت المحكمة إصدار الحكم فيها بجلسة اليوم.
المحكمة
بعد الاطلاع على الأوراق، والمداولة .
حيث إن الوقائع -على ما يتبين من صحيفة الدعوى وسائر الأوراق- تتحصل فى أن المدعى كان قد أقام الدعوى رقم 55 لسنة 1987 مدنى كلى أمام محكمة جنوب القاهرة الإبتدائية ضد الهيئة القومية للتأمين الاجتماعى طالباً الحكم برد المبالغ التى كانت قد اقتضتها منه جبراً تنفيذاً لأحكام قرار وزير الشئون الاجتماعية رقم 255 لسنة 1982 فى شأن التأمين على عمال المقاولات. ثم دفع أمام هذه المحكمة بعدم دستورية هذا القرار. وإذ قدرت محكمة الموضوع جدية هذا الدفع، فقد أجلت الفصل فى الدعوى الموضوعية المقامة أمامها إلى أن يتخذ المدعى إجراءات الطعن بعدم دستورية ذلك القرار، فأقام الدعوى الماثلة .
وحيث إن المدعى ينعى على القرار المشار إليه مخالفته للمادتين (17، 119) من الدستور من وجهين.
أولهما: أن ذلك القرار يعتد بالقيمة الإجمالية لعقد المقاولة فى حساب اشتراكات التأمين الاجتماعى التى يؤديها صاحب العمل إلى الهيئة القومية للتأمين الاجتماعى ، بما مؤداه: احتسابها بطريقة جزافية لا ترتبط البته بوجود عمالة حقيقية مما يبقيها عائداً خالصاً للهيئة ، فلا يتوقف تحصيلها على الخدمات التأمينية التى تقابلها، ولا يعتد فى اقتضائها بعدد العمال أو مدد خدمتهم، وما إذا كانوا يستظلون تأمينياً بنظام آخر، وهو ما يناقض نص المادة (17) من الدستور التى يرتبط التأمين الاجتماعى وفقاً لأحكامها بالخدمات الفعليه التى يبسطها على المنتفعين بها.
ثانيهما: أن الاشتراكات التى تقتضيها الهيئة القومية للتأمين الاجتماعى طبقاً لأحكام ذلك القرار، تقدر بطريقة جزافية ، إذ يتحدد وعاؤها فى شكل نسبة مئوية من القيمة الإجمالية للعمليات موضوع المقاولة ، ولا توجه حصيلتها إلى أداء أية خدمات تأمينية للعمالة المصرية ، بل غايتها إنماء موارد الدولة لتغلب عليها خصائص الجباية . ومن ثم تنحل إلى ضريبة فرضها القرار المطعون فيه على عقد المقاولة بالمخالفة لحكم المادة (119) من الدستور، التى تقضى بأن إنشاء الضريبة لايكون إلا بقانون يبين أساسها، وسعرها، وكيفية التعامل بشأنها.
وحيث إن البين من القرار رقم 255 لسنة 1982 بشأن التأمين على عمال المقاولات، أن مادته الأولى تنص على سريان أحكامه على عمال المقاولات الموضحة مهنهم فى الجدول رقم (1) المرافق الذين يرتبط عملهم بعمليات المقاولات أياً كانت مدة العمل.
وتنص مادته الثالثة على أن يكون حساب الأجور التى يتم على أساسها حساب حصة صاحب العمل فى اشتراكات التأمين الاجتماعى فى عمليات المقاولات التى تسرى فى شأنها أحكام هذا القرار على أساس نسبة مئوية تتحدد وفقاً للجدول رقم (3) المرافق من القيمة الإجمالية لمجموع العمليات المختلفة الداخلة فى المقاولة بعد استبعاد قيمة المعدات والتوريدات المصنعة بالكامل أو سابقة التجهيز التى تمثل جزءاً من مكونات وأصول المشروع محل المقاولة وتكلفة الخبرة الأجنبية .
وتقضى مادته الرابعة بأن يعتمد فى تحديد القيمة الإجمالية لمجموع العمليات الداخلة فى المقاولة على الترخيص الصادر من الجهات المختصة ، أو العقد أو أمر التشغيل، أو المقايسات المعتمدة بحسب الأحوال. وتراجع هذه القيمة على ختامى الأعمال.
وعملاً بمادته الثانية عشرة ، يتعين على كل مقاول إخطار مكتب الهيئة القومية للتأمين الاجتماعى الذى يقع فى دائرته محل المقاولة عن كل مقاولة يقوم بتنفيذها قبل البدء فى التنفيذ، وكذلك عن كل تغيير يطرأ على حجم المقاولة .
كما عقد هذا القرار للجنة الفنية للمقاولات التى شكلتها مادته العشرون، اختصاص الفصل فى المسائل التى حددتها مادته الحادية والعشرون، ويندرج تحتها البت فى العمليات التى يثور بشأنها خلاف بين الهيئة وأصحاب الشأن.
وحيث إن الفقرة الثالثة من المادة (125) من قانون التأمين الاجتماعى تنص على أنه مع عدم الإخلال بالحد الأدنى لأجر الاشتراك الأساسى ، يكون لوزير التأمينات الاجتماعية بقرار يصدره بناء على اقتراح مجلس الإدارة أن يحدد أجر الاشتراك بالنسبة لبعض فئات المؤمن عليهم، وطريقة حساب هذا الأجر، وطريقة حساب الاشتراكات، وتاريخ بدء انتفاعهم بنظام المكافأة ، وكان القرار رقم 255 لسنة 1982 قد صدر عن الوزير المختص تنفيذاً لأحكام هذه المادة ، ذلك بتفصيل ما ورد إجمالاً بها بما ليس فيه تعديل أو تعطيل لها، أو إعفاء من تنفيذها، فإن هذا القرار يكون تنظيماً لائحياً صدر فى الحدود التى رسمتها المادة (144) من الدستور فى شأن اللوائح اللازمة لتنفيذ القوانين.
وحيث إن استقراء المادتين الثالثة والرابعة من القرار المطعون فيه، يدل على ارتباطهما ببعض ارتباطاً لا يقبل التجزئة ، ذلك أنهما تفصلان القواعد القانونية التى يتحدد على ضوئها أجر العمالة التى تتخذ أساساً لحساب حصة رب العمل فى اشتراكات التأمين الاجتماعى فى شأن المقاولات التى أخضعها هذا القرار لأحكامه. إذ كان ذلك، وكان جوهر الطعن الماثل يتناول هذه القواعد ذاتها ويتوخى هدمها، فإن المصلحة الشخصية المباشرة للمدعى تتوافر من خلال الطعن عليها، ذلك أن تقرير صحتها أو بطلانها يؤثر بالضرورة فى النزاع الموضوعى القائم على عدم استحقاق الهيئة القومية للتأمين الاجتماعى لحصة المقاول التى اقتضتها جبراً عنه وفقاً لأحكام القرار رقم 255 لسنة 1982 المطعون فيه.
ولا ينال مما تقدم أن يكون هذا القرار قد ألغى بمقتضى القرار رقم 74 لسنة 1984 فى شأن التأمين على عمال المقاولات والمحاجر والملاحات، ذلك أن إلغاء النص المطعون عليه -وعلى ما جرى عليه قضاء المحكمة الدستورية العليا- لا يحول دون الطعن عليه بعدم الدستورية من قبل من طبق عليه خلال فترة نفاذه، وترتبت بمقتضاه آثار قانونية بالنسبة إليه، تتحقق بإبطالها مصلحته الشخصية المباشرة ، ذلك أن الأصل فى تطبيق القاعدة القانونية هو سريانها على الوقائع التى تتم خلال الفترة من تاريخ العمل بها وحتى إلغائها، فإذا حلت محلها قاعدة قانونية أخرى ، فإن القاعدة الجديدة تسرى من الوقت المحدد لنفاذها ويقف سريان القاعدة القديمة من تاريخ إلغائها، وبذلك يتحدد النطاق الزمنى لسريان كل من هاتين القاعدتين، فما نشأ فى ظل القاعدة القانونية الملغاة من المراكز القانونية وجرت آثارها خلال فترة نفاذها، يظل خاضعاً لحكمها وحدها.
وحيث إن نطاق الطعن بعدم الدستورية يتحدد بنطاق الدفع الذى أبداه المدعى أمام محكمة الموضوع، وكان هذا الدفع قد تعلق بالمادتين الثالثة والرابعة من القرار المطعون فيه، فإن موضوع الدعوى الماثلة يتحدد بالفصل فى دستوريتهما دون غيرهما من الأحكام التى انتظمها هذا القرار.
وحيث إن المدعى وإن نعى على المادتين الثالثة والرابعة من القرار المطعون فيه مخالفتهما للمادتين (17، 119) من الدستور، إلا أن هذين الوجهين من نعيه متداخلان، إذ يجمعه ما أساس واحد يتحصل فى أن الاشتراكات التى تقتضيها الهيئة القومية للتأمين الاجتماعى من المقاولين لا تقدر وفق الأجور الفعلية لعمالهم، بل على أساس نسبة معينة من القيمة الإجمالية لمجموع العمليات الداخلة فى المقاولة بعد استبعاد بعض العناصر منها. وليس ذلك من وجهة نظر المدعى إلا تقديراً تحكمياً جزافياً لا يقوم على أسس واقعية ، وينحل كذلك إلى ضريبة تم فرضها بغير قانون يبين أسسها وأحكامها باعتبار أن النصين المطعون عليهما لا يتوخيان غير مجرد إنماء موارد الدولة ، وأن خصائص الجباية هى الغالبة عليهما، ولأن حصيلة الاشتراكات التى تقتضيها الهيئة من المقاولين تعود عليها وحدها، فلا تقابلها خدمات تأمينية تؤديها لمن يعملون لديهم، حال أن التأمين الاجتماعى لا يعدو أن يكون خدمة تلتزم الدولة بكفالتها.
وحيث إن هذا النعى بوجهيه مردود أولاً: بأن عمال المقاولات يخضعون غالباً لشروط رب العمل مهما ظهر من حيفها، وهم يقبلونها عادة لضمان قوتهم باعتبار أن هذه العلاقات لا تحكمها مساواة اقتصادية تتوازن من خلالها الحقوق بين أطرافها.
ويزداد الأمر دقة مع وجود فائض فى العمالة يكون فيه عرضها مجاوزاً طلبها، وكذلك فى غيبة تنظيم نقابى يناضل من أجل حقوق العمال المنضمين إليه. هذا فضلاً عن أن المقاولين يقدرون -فى الأعم من الأحوال- أن مصلحتهم ينافيها أن يقدموا للهيئة التى تقوم على شئون التأمين الاجتماعى بياناً دقيقاً بتكلفة العمل التى تعد أحد عناصر الإنتاج، باعتبار أن ذلك يزيد من حصتهم التى يؤدونها إلى هذه الهيئة -وهى تمثل بطبيعتها أعباء مالية يعنيهم تجنبها، والتحايل على التخلص منها- سواء من خلال خفضهم لأعداد عمالهم، أو الهبوط بأجورهم إلى أدنى حد ممكن وإخفاء حقائق بدء وانتهاء عملهم، مما يناقض حقيقة أوضاعهم، ويحول دون انتفاعهم بالخدمات التأمينية التى كان يجب تقديمها إليهم سواء فى أصلها أو نوعها أو كمها، وهو ما يخل بمصالحهم التى سعى القرار المطعون فيه إلى كفالتها.
ولم يكن أمام المشرع إزاء هذا التجهيل والتحايل، وانتفاء الوسائل العملية التى يتمكن معها من ضبط أوضاع هؤلاء العمال، وتتبعهم وحصر بياناتهم بالدقة اللازمة ، إلا أن يتدخل من خلال تقرير بعض الأسس الموضوعية التى تتحدد على ضوئها -وبصورة واقعية قدر الإمكان- الحصة التى يلتزم المقاول -بصفته رباً للعمل- بتقديمها إلى الهيئة التى ترعى شئون العمال فى مجال التأمين الاجتماعى . ويدخل ذلك بطبيعة الحال فى نطاق السلطة التقديرية التى يملكها المشرع فى مجال تنظيم الحقوق، باعتبار أن جوهر هذه السلطة إنما يتمثل فى المفاضلة التى يجريها المشرع بين البدائل المختلفة لاختيار ما يقدر أنه أنسبها لمصلحة الجماعة ، وأكثرها ملاءمة للوفاء بمتطلباتها فى خصوص الموضوع الذى يتناوله بالتنظيم.
يؤيد ذلك أن البين من القرار المطعون فيه، أن حصص المقاولين التى تمثل نصيبهم فى التأمين الاجتماعى -باعتبارهم أرباباً للعمل- إنما تتحدد على ضوء القيمة الكلية لأجور عمالهم. وإذ كان من المتعذر معرفة هذه القيمة بما لا خفاء فيه، وذلك بالنظر إلى تنصل أغلب المقاولين منها، وحرصهم على طمسها ببيانات صورية أو يخالطها التدليس، توصلاً لإسقاط إلتزاماتهم القانونية أو خفضها، فقد تعين أن يرد المشرع عليهم سعيهم. ولم يكن أمامه من سبيل إلا أن يلجأ إلى معيار مرن ضبطاً من جهته لهذه الأجور، فاعتد بالقيمة الإجمالية لمجموع العمليات المختلفة الداخلة فى المقاولة كى يستخلص جزءاً منها يعبر بصورة واقعية عن الحد الأدنى لأجور العمال الذين قاموا بتنفيذ الأعمال التى تتطلبها المقاولة وتلك هى النسبة المئوية التى حددها المشرع وفقاً للجدول رقم (3) المرفق بالقرار المطعون فيه، وقرر استقطاعها من القيمة الإجمالية لمجموع العمليات الداخلة فى المقاولة باعتبار أن حصيلتها تعكس الأجور الفعلية للعمالة المتخذة أساساً لحساب حصص أرباب العمل فى التأمين الاجتماعى .
وواقعية هذا التقدير للقيمة الإجمالية لأجور العمالة ، يثبتها انتفاء الدليل على المغالاة فيها، وتؤكدها ثلاثة أمور:
أولها: أن القيمة الإجمالية لمجموع العمليات الداخلة فى المقاولة لا تتحدد اعتباطاً، بل وفق أسس موضوعية تتمثل فى الوثائق الكاشفة عنها، وهى الترخيص الصادر عن الجهات المختصة أو العقد أو أمر التشغيل أو المقايسات المعتمدة ، على أن تتم مراجعتها جميعاً على ضوء ختامى الأعمال كى لا يدخل فيها إلا ما تم تنفيده فعلاً منها.
ثانيها: أن القيمة الإجمالية لمجموع العمليات الداخلة فى المقاولة لا يعتد بها على إطلاقها فى مجال تحديد النسبة المئوية المستقطعة منها كحد أدنى لأجور العمالة ، بل تستبعد من هذه القيمة تلك العمليات التى لا دخل للقوة العاملة فى إحداثها أو تكوينها، كقيمة المعدات والتوريدات المصنعة بالكامل أو سابقة التجهيز التى تمثل جزءاً من عناصر وأصول المشروع محل المقاولة وكذلك تكلفة الخبرة الأجنبية .
ثالثها: أن الفصل فى النزاع حول حقيقة العمليات التى يثور بشأنها خلاف بين المقاولين والهيئة القومية للتأمين الاجتماعى موكول إلى اللجنة الفنية للمقاولات المنصوص عليها فى المادة (20) من القرار المطعون فيه. ومن المفترض أن تمحص هذه اللجنة الأسس التى قام عليها تقدير تلك العمليات، وأن تصدر قرارها فى شأنها بعد تجليتها. ولكل مقاول أن يطعن فى هذا القرار أمام القضاء سواء من زاوية العناصر الواقعية أو الضوابط القانونية التى استخلصها أو طبقها.
ومردود ثانياً: بأن تقدير حصص المقاولين فى أعباء التأمين الاجتماعى وفقاً لنص المادتين الثالثة والرابعة من القرار المطعون فيه -وهما مدار الطعن وجوهره- مبناه قاعدة موضوعية أقامها المشرع على ما يقع غالباً فى الحياة العملية ، لينقلب بها ما هو راجح عملاً إلى حقائق ثابتة لا يجوز إطراحها فى حالة بذاتها. ذلك أن المشرع وإن اعتد فى صوغ القاعدة الموضوعية بما يكون واقعاً فى أكثر الأحوال وأعمها، إلا أن هذه القاعدة تستغرق علتها فلا تجوز معارضتها بها بعد اندماجها فيها واختفائها، بما مؤداه: أن المشرع يتقدم بتلك القاعدة مجردة عن سببها، وليس لها بالتالى أن تعود إلى الظهور من خلال التدليل على تخلفها فى حالة بذاتها.
وبذلك تفارق القواعد الموضوعية القرائن القانونية التى ينشئها المشرع بمناسبة وقائع بذاتها إعفاء من إثباتها، ذلك أن القرائن القانونية -قاطعة كانت أم غير قاطعة - وان كان مبناها ما يقع فى أكثر الأحوال وأغلبها مثلما هو الشأن فى القواعد الموضوعية -إلا أن القرائن جميعها -حتى ما كان منها قاطعاً- يجوز دحضها بالإقرار واليمين، باعتبار أن علتها تلازمها ولا تفارقها، بل تقوم إلى جوارها. إذ كان ذلك، وكانت المعايير التى اعتنقتها المادتان الثالثة والرابعة من القرار المطعون فيه لتحديد حصص المقاولين فى أعباء التأمين الاجتماعى ، لا شأن لها بالقرائن القانونية ، بل مرجعها إلى قاعدة موضوعية مستعصية على الجدل، ولا يناقض مضمونها حكماً فى الدستور، فإن هذه المعايير تظل مع مرونتها، مؤكدة لقاعدة ثابتة لا يجوز هدمها، ولو قام الدليل على تخلفها فى حالة بذاتها.
ومردود ثالثاً: بأن القرار المطعون فيه ليس فيه ما يفيد بأن العمال المشمولين بأحكامه خاضعون لتأمين من نوع آخر، بل على نقيض ذلك تؤكد المادة (15) من هذا القرار عدم سريان أحكامه على العمليات الخاصة بالتصنيع والتركيب إذا كانت تتم بالكامل بعمالة دائمة مؤمن عليها. كذلك فإن ادعاء خضوع هؤلاء العمال لنظامين تأمينيين فى آن واحد، مؤداه: -وبفرض صحته- أن هذين النظامين قد تزاحما على محل واحد لتعلقهما بعين الأشخاص المؤمن عليهم، وهو ما يعنى إمكان التعارض بين أحكامهما دون أن ينحل هذا التعارض إلى مخالفة دستورية ، ذلك أن الرقابة القضائية التى تباشرها المحكمة الدستورية العليا على دستورية النصوص القانونية ، مبناها تناقضها أو اتفاقها مع أحكام الدستور، وليس لها من صلة بالتعارض بين التشريعات الأصلية والفرعية ، ولا بالتعارض فيما بين التشريعات ذات المرتبة الواحدة .
ومردود رابعاً: بأن الدستور وإن حرص فى المادة (17) منه على دعم التأمين الاجتماعى حين ناط بالدولة مد خدماتها فى هذا المجال إلى المواطنين فى الحدود التى يبينها القانون، وذلك من خلال تقرير ما يعينهم على مواجهة بطالتهم أو عجزهم عن العمل أو شيخوختهم، فذلك لأن مظلة التأمين الاجتماعى -التى يحدد المشرع نطاقها- هى التى تكفل بمداها واقعاً أفضل يؤمن المواطن فى غده، وينهض بموجبات التضامن الاجتماعى التى يقوم عليها المجتمع وفقاً لنص المادة (7) من الدستور، بما مؤداه: أن المزايا التأمينية ضرورة اجتماعية بقدر ما هى ضرورة اقتصادية ، وأن غايتها أن تؤمن المشمولين بها فى مستقبل أيامهم عند تقاعدهم أو عجزهم أو مرضهم، وأن تكفل الحقوق المتفرعة عنها لأسرهم بعد وفاتهم.
ومردود خامساً: بأن نصوص القرار رقم 255 لسنة 1982 المشار اليه، ليس فيها ما يدل على أن الحصص التى يقدمها المقاولون إلى الهيئة القومية للتأمين الاجتماعى لا تقابلها مزايا تأمينية تعود فائدتها على عمالهم، بل على نقيض ذلك تلزم المادة (5) من هذا القرار كل واحد منهم بأن يتقدم إلى مكتب الهيئة القومية للتأمين الاجتماعى الذى يقع فى مجال اختصاصه محل إقامته، بطلب الإشتراك فى نظام التأمين المقرر بمقتضى أحكامه. وعلى الهيئة وفقاً للمادة (7) منه أن توفر لكل مؤمن عليه بطاقة تأمين يُعمل بها لمدة سنة ويُعطى عند انتهاء مدتها بطاقة أخرى مماثلة .
وعملاً بالمادتين (8، 11) من ذلك القرار يتعين على المؤمن عليه أن يقوم بأداء حصته فى التأمين الاجتماعى فى الحدود وطبقاً للأوضاع المقررة قانوناً، وأن يقدم كذلك بطاقة التأمين الاجتماعى إلى الهيئة القومية للتأمين الاجتماعى لاقتضاء الحقوق المترتبة فى ذمتها. إذ كان ذلك. وكان الفصل الثالث من ذلك القرار، قد بين من جهة أخرى إجراءات تحصيل الاشتراكات المستحقة على صاحب العمل، فإن إسهامه مع المؤمن عليه فى أعباء التأمين، يوفر لثانيهما الحقوق التأمينية المقررة قانوناً، من خلال تهيئة مصادر تمويلها. ومن ثم لا تتمحض الحصص التى يؤديها المقاولون إلى الهيئة القومية للتأمين الاجتماعى عن مزية لها، تنفرد بها، وتعود إليها غلتها، بل هى إسهام من قبلهم فى أعباء التأمين الاجتماعى بوصفها بديلاً عن التزاماتهم القانونية بتعويض العمال ومكافآتهم كلما تحقق الخطر المؤمن منه باعتباره مناط الواقعة المنشئة لحقوقهم التأمينية سواء أثناء الخدمة أو بعد انتهائها.
ومردود سادساً: بأن نظام التأمين الاجتماعى ، وإن كان ممولاً فى أغلب عناصره من العمال وأرباب العمل، إلا أن حق المؤمن عليه فى الحصول من الهيئة القومية للتأمين الاجتماعى على كاملِ المزايا التأمينية المقررة قانوناً، يظل ثابتاً، ولو نكل أرباب العمل عن الوفاء بإلتزاماتهم قِبلها، أو تراخوا فى التقيد بها.
ومردود سابعاً: بأن حصص المقاولين - وقد ثبت من نصوص القرار المطعون فيه، تمويلها لبعض موارد التأمين الاجتماعى ، وارتباطها بالتالى بالمزايا التأمينية التى يحصل عمالهم عليها باعتبار أنها تمثل جانباً منها - فإنها تنفصل قانوناً عن مفهوم الضريبة سواء أكانت ضريبة عامة أم ضريبة محلية . ذلك أن الضريبة -التى لا يجوز فرضها إلا بقانون أو فى الحدود التى يبينها- قوامها فريضة مالية تقتضيها الدولة جبراً من الملتزمين بأدائها، دون أن يقابلها نفع خاص يعود عليهم من وراء الوفاء بها.
ولا كذلك الحصص التى تقتضيها الدولة من المقاولين، إذ هى واسطتها لإيفاء الحقوق التأمينية المقررة قانوناً لعمالهم، سواء كان ذلك أثناء خدمتهم كالتعويض عن إصابتهم ورعايتهم طبياً، أم كان بعد انتهائها كتعويض الدفعة الواحدة . ولئن صح القول بأن حصة العامل فى التأمين الاجتماعى مردودها إليه، باعتبار أن فائدتها تعود مباشرة عليه، فإن من الصحيح كذلك أن الحصة التى يقدمها رب العمل إسهاماً من جهته فى هذا التأمين تمويلاً لبعض أعبائه، لا تعتبر تفضلاً منه، بل تؤول ثمرتها إليه بطريق غير مباشر باعتبار أن غايتها النهائية هى أن تمتد مظلة التأمين الاجتماعى إلى هؤلاء الذين قدموا خدماتهم إليه من خلال رابطة العمل، بما يدفعهم إلى التفانى فيه، والقيام به على الوجه الأكمل.
ومن ثم تمثل هذه الحصة جانباً من وعاء توجهه الدولة - التى تقوم فى التأمين الاجتماعى بدور المؤمن - إلى المشمولين بأحكامه لضمان انتفاعهم بالحقوق التأمينية فى الحدود التى يبينها القانون، لتفارق بذلك الضريبة سواء فى أساسها أو دوافعها، ولتكون - فى مفهومها وغايتها - أدخل إلى النظم التى تقيم التعاون بين المؤمن عليهم على أسس دقيقة تتوخى مواجهة المخاطر التى يتعرضون لها، واتقاء أضرارها من خلال توزيعها أو تشتيتها. وهى فى نطاق الطعن الماثل مخاطر لا يجوز إعفاء المقاول من بعض تبعاتها، بل يكون تحملهم بها قبل عمالهم لازماً قانوناً باعتباره أكفل لأمنهم وادعى لاستقرارهم.
وحيث إنه متى كان ذلك، وكان النصان المطعون فيهما لا يتعارضان مع حكم فى الدستور من أوجه أخرى .
فلهذه الأسباب
حكمت المحكمة برفض الدعوى وبمصادرة الكفالة وألزمت المدعى المصروفات ومبلغ مائة جنية مقابل أتعاب المحاماة .