الدعوى 84 لسنة 19 - دستورية - المحكمة الدستورية العليا - مرفوعة علنية رقم 84 لسنة 19 بتاريخ 06/11/1999
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
باسم الشعب
المحكمة الدستورية العليا
بالجلسة العلنية المنعقدة يوم السبت 6 نوفمبر سنة 1999 الموافق 28 رجب سنة 1420 هـ .
برئاسة السيد المستشار / محمد ولى الدين جلال رئيس المحكمة
وعضوية السادة المستشارين : فاروق عبد الرحيم عنيم و حمدى محمد على وعبد الرحمن نصير والدكتور عبد المجيد فياض وماهر البحيرى ومحمد على سيف الدين.
وحضور السيد المستشار / عبد الوهاب عبد الرازق رئيس هيئة المفوضين
وحضور السيد / حمدى أنور صابر أمين السر
أصدرت الحكم الآتى
فى القضية المقيدة بجدول المحكمة الدستورية العليا برقم 84 لسنة 19 قضائية دستورية .
المقامة من
السيدة / .......................... بصفتها الحارسة القضائية
على شركة ستاركو للفنادق والسياحة
ضد
1- السيد / رئيس الجمهورية
2- السيد / رئيس مجلس الوزراء
3- السيد / وزير العدل
4- الممثل القانونى لشركة أى اتش اس العالمية للخدمات الفندقية المحدودة
5- السيد / .................. عن نفسه وبصفته وليا طبيعيا على أولاده القصر ...... و...... و.....
6- السيد / الممثل القانوني لمركز القاهرة الإقليمى للتحكيم التجارى الدولى
7- السيد / ................ رئيس هيئة التحكيم
8- السيد الدكتور / .................
9- السيد الدكتور / .................
الإجراءات
بتاريخ السادس من مايو سنة 1997، أودعت المدعية صحيفة هذه الدعوى قلم كتاب المحكمة ، طالبة الحكم بعدم دستورية نص البند (1) من المادة (19) من قانون التحكيم فى المواد المدنية والتجارية الصادر بالقانون رقم 27 لسنة 1994.
وقدمت هيئة قضايا الدولة مذكرة طلبت فيها الحكم برفض الدعوى ، كما قدم المدعى عليه الرابع مذكرة طلب فيها أصلياً: الحكم بعدم قبول الدعوى واحتياطياً: برفضها.
وبعد تحضير الدعوى ، أودعت هيئة المفوضين تقريراً برأيها.
ونُظرت الدعوى على الوجه المبين بمحضر الجلسة ، وقررت المحكمة إصدار الحكم فيها بجلسة اليوم.
المحكمة
بعد الاطلاع على الأوراق، والمداولة .
حيث إن الوقائع- على ما يبين من صحيفة الدعوى وسائر الأوراق- تتحصل فى أن شركة ستاركو للفنادق والسياحة التى تمثلها المدعية كانت قد أبرمت اتفاق استثمار مع المدعى عليه الرابع نص فيه على شرط التحكيم فى المنازعات التى تثور بشأن تنفيذه ويتعذر تسويتها ودياً، وإذ نشب نزاع بين الطرفين حول تنفيذ ذلك الاتفاق، فقد تقدم المدعى عليه الرابع بطلب تحكيم إلى مركز القاهرة الإقليمى للتحكيم التجارى الدولى قيد برقم 43 لسنة 1993، وأثناء نظره طلبت المدعية رد هيئة التحكيم على سند من أنها قد مالت بإجراءاتها عن حيادها، إلا أن تلك الهيئة قضت بتاريخ 10/11/1995 برفض طلب الرد تأسيساً على انتفاء أسبابه، فطعنت المدعية على هذا القضاء بالاستئناف رقم 20932 لسنة 112 قضائية أمام محكمة استئناف القاهرة طالبة إلغاءه والقضاء برد هيئة التحكيم، وأثناء نظر الطعن دفعت بعدم دستورية البند (1) من المادة (19) من قانون التحكيم فى المواد المدنية والتجارية الصادر بالقانون رقم 27 لسنة 1994 لتخويلها هيئة التحكيم الفصل فى طلب ردها، وبعد أن قدرت محكمة الموضوع جدية هذا الدفع وصرحت للمدعية برفع الدعوى الدستورية ، فقد أقامت الدعوى الماثلة .
وحيث إن المدعى عليه الرابع دفع بعدم قبول الدعوى لانتفاء المصلحة وذلك من وجهين:
أولهما: أن إبطال النص المطعون فيه لن يحقق للمدعية أية فائدة عملية يمكن أن يتغير بها مركزها القانونى بعد الفصل فى الدعوى الدستورية عما كان عليه عند رفعها وذلك باعتبار أن دور المحكمة الاستئنافية يقتصر على التحقق من توافر أو عدم توافر أسباب الرد أياً كان القانون الذى تطبقه، فضلاً عن أن من شأن القضاء بعدم الدستورية إنعدام السند القانونى للمدعية فى طلب الرد، ونشوء فراغ تشريعى يحول بين محكمة الموضوع ومضيها فى نظر الطعن المقام منها.
ثانيهما: أنه وقد صدر حكم هيئة التحكيم فى النزاع الموضوعى بتاريخ 15/11/1995، وهو حكم نهائى غير قابل للطعن، فإنه لم يعد ثمة نزاع قائم ومطروح أمام محكمة الموضوع يمكن إنزال قضاء المحكمة الدستورية العليا عليه.
وحيث إن هذا الدفع بوجهيه مردود، بأن المصلحة الشخصية المباشرة - وهى شرط لقبول الدعوى الدستورية - مناطها ارتباطها عقلاً بالمصلحة التى يقوم بها النزاع الموضوعى ، وذلك بأن يكون الفصل فى المسائل الدستورية التى تُدعى هذه المحكمة لحسمها، لازماً للفصل فى الطلبات الموضوعية المرتبطة بها؛ وإذ كان النزاع الذى أثير بمناسبته الدفع بعدم دستورية البند (1) من المادة (19) المطعون فيه- والمطروح على محكمة الاستئناف- يدور فى إطار خصومة الرد ويتعلق بضمانة الحيدة التى يقتضيها العمل القضائى للفصل فيها، ويتغيا التوصل إلى حكم يقضى بإلغاء قضاء هيئة التحكيم برفض طلب الرد المقدم من المدعية ، وكانت هذه الغاية تتحقق للمدعية - كأثر للحكم بعدم الدستورية - إذا ما أُبطل النص الطعين، فيما يخوله لهيئة التحكيم من ولاية الفصل فى طلب الرد، إذ يغدو حكمها برفض طلب الرد كأن لم يكن؛ فإن الفصل فى الخصومة الدستورية الماثلة يكون مرتبطاً بالخصومة المطروحة على المحكمة الاستئنافية ومؤثراً فيها، بما يقيم للمدعية مصلحتها فى الطعن الماثل.
وحيث إنه لا يغير مما تقدم، مضى هيئة التحكيم فى نظر النزاع الأصلى وصدور حكمها النهائى فيه، ذلك أنه من المقرر أن خصومة الرد تثير ادعاءً فرعياً عند نظر الخصومة الأصلية مداره أن قاضيها أو بعض قضاتها الذين يتولون الفصل فيها، قد زايلتهم الحيدة التى يقتضيها العمل القضائى ، ومن ثم كان لخصومة الرد خطرها ودقتها سواء بالنظر إلى موضوعها أو الآثار التى تنجم عنها، ولا شأن لها بالتالى بنطاق الخصومة الأصلية المرددة بين أطرافها، ولا بالحقوق التى يطلبونها فيها، ولابإثباتها أو نفيها، بل تستقل تماماً عن موضوعها، فلا يكون لها من صلة بما هو مطروح فيها، ولا بشق من جوانبها،
ولابالمسائل المتفرعة عنها أو العارضة عليها، بل تعتصم خصومة الرد بذاتيتها، لتكون لها مقوماتها الخاصة بها، بما مؤداه: استقلال خصومة الرد عن الخصومة الأصلية فى موضوعها، وإن ظل للحكم الصادر فى أولاهما أثره وانعكاسه على ثانيتهما ولو بعد الفصل فيها بحكم نهائى .
وحيث إن المادة (19) من قانون التحكيم فى المواد المدنية والتجارية الصادر بالقانون رقم 27 لسنة 1994، تنص على أن:
1- يقدم طلب الرد كتابة إلى هيئة التحكيم مبيناً فيه أسباب الرد خلال خمسة عشر يوماً من تاريخ علم طالب الرد بتشكيل هذه الهيئة أو بالظروف المبررة للرد، فإذا لم يتنح المحكم المطلوب رده فصلت هيئة التحكيم فى الطلب.
2- ولا يقبل الرد ممن سبق له تقديم طلب المحكم نفسه فى ذات التحكيم.
3- لطالب الرد أن يطعن فى الحكم برفض طلبه خلال ثلاثين يوماً من تاريخ إعلانه به أمام المحكمة المشار إليها فى المادة (9) من هذا القانون، ويكون حكمها غير قابل للطعن بأى طريق.
4- لا يترتب على تقديم طلب الرد أو على الطعن فى حكم التحكيم الصادر برفضه وقف إجراءات التحكيم
وإذا حكم برد المحكم سواء من هيئة التحكيم أو من المحكمة عند نظر الطعن، ترتب على ذلك اعتبار ما يكون قد تم من إجراءات التحكيم، بما فى ذلك حكم المحكمين، كأن لم يكن.
وحيث إن الثابت من الاطلاع على ملف الدعوى الموضوعية ، أن تقدير محكمة الموضوع لجدية الدفع بعدم الدستورية المبدى أمامها قد اقتصر على ما ينص عليه عجز البند الأول من المادة (19) المشار إليها من عبارة فصلت هيئة التحكيم فى الطلب، وإذ كان نطاق الدعوى الدستورية - على ما جرى به قضاء هذه المحكمة - يتحدد بنطاق الدفع بعدم الدستورية المثار أمام محكمة الموضوع وفى الحدود التى تقدر فيها جديته، فإن نطاق الطعن الراهن يتحدد بالعبارة سالفة الذكر.
وحيث إن المدعية تنعى على النص المطعون فيه- محدداً نطاقاً على ماتقدم- مخالفته لمبادئ الشريعة الإسلامية - بجعله الخصم فى نزاع حكماً فيه، وإخلاله بمبدأ المساواة أمام القانون، إذ أهدر ضمانة الحيدة الواجب توافرها فى المحكمين فى حين استلزم الدستور توافرها فى كل من يلى عملاً قضائياً الأمر الذى يشكل تمييزاً غير مبرر بإسقاطه ضمانة الحيدة التى يتطلبها كل عمل قضائى عن فئة من المتقاضين بينما هى مكفولة لغيرهم، ومساسه كذلك بحق التقاضى وذلك بالمخالفة للمواد (2، 40، 68) من الدستور.
وحيث إن الأصل فى التحكيم- على ما استقر عليه قضاء هذه المحكمة - هو عرض نزاع معين بين طرفين على مُحَكَّم من الأغيار يُعيَّن باختيارهما أو بتفويض منهما أو على ضوء شروط يحددانها، ليفصل هذا المحكم فى ذلك النزاع بقرار يكون نائياً عن شبهة الممالأة ، مجرداً من التحامل، وقاطعاً لدابر الخصومة فى جوانبها التى أحالها الطرفان إليه، بعد أن يدلى كل منهما بوجهة نظره تفصيلياً من خلال ضمانات التقاضى الرئيسية . ولا يجوز بحال أن يكون التحكيم إجبارياً يذعن إليه أحد الطرفين إنفاذاً لقاعدة قانونية آمرة لا يجوز الاتفاق على خلافها، وذلك سواء كان موضوع التحكيم نزاعاً قائماً أو محتملاً، ذلك أن التحكيم مصدره الاتفاق، إذ يحدد طرفاه- وفقاً لأحكامه- نطاق الحقوق المتنازع عليها بينهما، أو المسائل الخلافيه التى يمكن أن تَعْرِض لهما، وإليه ترتد السلطة الكاملة التى يباشرها المحكمون عند البت فيها. وهما يستمدان من اتفاقهما على التحكيم، إلتزامهما بالنزول على القرار الصادر فيه، وتنفيذه تنفيذاً كاملاً وفقاً لفحواه، ليؤول التحكيم إلى وسيلة فنية لها طبيعة قضائية غايتها الفصل فى نزاع مبناه علاقة محل اهتمام من أطرافها وركيزته اتفاق خاص يستمد المحكمون منه سلطانهم، ولا يتولون مهامهم بالتالى بإسناد من الدولة ، وبهذه المثابة فإن التحكيم يعتبر نظاماً بديلاً عن القضاء، فلا يجتمعان، ذلك أن مقتضاه عزل المحاكم جميعها عن نظر المسائل التى انصب عليها استثناء من أصل خضوعها لولايتها.
وحيث إن المادة (18) من قانون التحكيم المشار إليه قد عنيت ببيان أسباب رد المحكم فنصت فى فقرتها الأولى على أنه لا يجوز رد المحكم إلا إذا قامت ظروف تثير شكوكاً جدية حول حيدته أو استقلاله وكان ذلك توكيداً على أن ضمانة الحيدة فى خصومة رد المحكم هى من ضمانات التقاضى الأساسية التى لا غنى عنها بالنسبة إلى كل عمل قضائى ، ليغدو الحق فى رد المحكم قرين الحق فى رد القاضى .
وحيث إن ضمانة الفصل إنصافاً فى المنازعات على اختلافها وفق نص المادة (67) من الدستور، تمتد بالضرورة إلى كل خصومة قضائية ، أياً كانت طبيعة موضوعها جنائياً كان أو مدنياً أو تأديبياً إذ أن التحقيق فى هذه الخصومات وحسمها إنما يتعين إسناده إلى جهة قضاء أو هيئة قضائية منحها القانون اختصاص الفصل فيها بعد أن كفل استقلالها وحيدتها وأحاط الحكم الصادر فيها بضمانات التقاضى التى يندرج تحتها حق كل خصم فى عرض دعواه وطرح أدلتها، والرد على ما يعارضها على ضوء فرص يتكافؤ أطرافها، ليكون تشكيلها وقواعد تنظيمها وطبيعة النظم المعمول بها أمامها، وكيفية تطبيقها عملاً، محدداً للعدالة مفهوماً تقدمياً يلتئم مع المقاييس المعاصرة للدول المتحضرة .
وحيث إن الحق فى رد قاض بعينه عن نظر نزاع محدد وثيق الصلة بحق التقاضى المنصوص عليه فى المادة (68) من الدستور ذلك أن مؤداه: أن لكل خصومة - فى نهاية مطافها- حلاً منصفاً يمثل الترضية القضائية التى يقتضيها رد العدوان على الحقوق المدعى بها. وتفترض هذه الترضية أن يكون مضمونها موافقاً لأحكام الدستور، وهى لا تكون كذلك إذا كان تقريرها عائداً إلى جهة أو هيئة تفتقر إلى استقلالها أو حيدتها أو هما معاً، ذلك أن هاتين الضمانتين- وقد فرضهما الدستور على ماتقدم- تعتبران قيداً على السلطة التقديرية التى يملكها المشرع فى مجال تنظيم الحقوق، ومن ثم يلحق البطلان كل تنظيم تشريعى للخصومة القضائية على خلافهما.
وحيث إن ضمان الدستور- بنص مادته التاسعة والستين- لحق الدفاع، قد تقرر باعتباره أحد الأركان الجوهرية لسيادة القانون، كافلاً للخصومة القضائية عدالتها، وبما يصون قيمها، ويندرج تحتها ألا يكون الفصل فيها بعيداً عن أدلتها، أو نابذاً الحق فى إجهاضها من خلال مقابلتها بما يهدمها من الأوراق وأقوال الشهود؛ فلايكون بنيان الخصومة متحيفاً حقوق أحد من الخصوم؛ بل مكافئاً بين فرصهم فى مجال إثباتها أو نفيها؛ استظهاراً لحقائقها، واتصالاً بكل عناصرها.
وحيث إن البين من نص البند (1) من المادة (19)-المطعون على عجزه- أنه قضى بأنه إذا لم يتنح المحكم المطلوب رده فصلت هيئة التحكيم فى الطلب، فدلت بذلك على أنها ناطت الفصل فى خصومة رد المحكم، بهذا المحكم نفسه طالما أنه لم يتنح وظل متمسكاً بنظر النزاع الأصلى ، إذا كانت هيئة التحكيم مشكلة منه وحده، أما إذا كانت تلك الهيئة مشكلة من أكثر من محكم وكان طلب الرد يتناول بعضهم أو يشملهم جميعاً اختصوا بالفصل فى هذا الطلب. وقد كشفت الأعمال التحضيرية لنص البند المطعون عليه، عن أن المشرع قد اعتبر حكمه يظاهر استقلال هيئة التحكيم باعتباره من المبادئ الأصولية التى تقوم عليها الأنظمة المتقدمة فى التحكيم.
وحيث إن استقلال هيئة التحكيم فيما يصدر عنها من أعمال قضائية ليس استقلالاً دائراً فى فراغ، بل يتحدد مضمونه- فى نطاق الطعن الراهن- بمفهوم استقلال السلطة القضائية باعتبارها المنوط بها أصلاً مهمة القضاء، وقد جرى قضاء هذه المحكمة على أن استقلال السلطة القضائية وحيدتها ضمانتان تنصبان معاً على إدارة العدالة بما يكفل فعاليتها، وهما بذلك متلازمتان. وإذا جاز القول- وهو صحيح- بأن الخصومة القضائية لا يستقيم الفصل فيها حقاً وعدلاً إذا خالطتها عوامل تؤثر فى موضوعية القرار الصادر بشأنها، فقد صار أمراً مقضياً أن تتعادل ضمانتا استقلال السلطة القضائية وحيدتها فى مجال اتصالها بالفصل فى الحقوق إنتصافاً لتكون لهما معاً القيمة الدستورية ذاتها، فلا تعلو إحداهما على الأخرى أو تجبها بل تتضاممان تكاملاً وتتكافآن قدراً.
وحيث إن من المقرر أن مبدأ خضوع الدولة للقانون- محدداً على ضوء مفهوم ديموقراطى - مؤداه: ألا تخل تشريعاتها بالحقوق والضمانات التى يعتبر التسليم بها فى الدول الديموقراطية ، مفترضاً أولياً لقيام الدولة القانونية ، وكان لا يجوز أن يكون العمل القضائى موطئاً لشبهة تداخل تجرده وتثير ظلالاً قاتمة حول حيدته، فلا يطمئن إليه متقاضون استرابوا فيه بعد أن صار نائياً عن القيم الرفيعة للوظيفة القضائية ، وكان النص الطعين، قد خول هيئة التحكيم الفصل فى طلب ردها لتقول كلمتها فى شأن يتعلق بذاتها وينصب على حيادها، وكان ذلك مما ينافى قيم العدل ومبادئه وينقض مبدأ خضوع الدولة للقانون وينتهك ضمانة الحيدة التى يقتضيها العمل القضائى بالنسبة إلى فريق من المتقاضين، بينما هى مكفولة لغيرهم، فإنه بذلك يكون قد خالف أحكام المواد (40، 65، 67، 68، 69) من الدستور، ولاينال من ذلك ماأشارت إليه هيئة قضايا الدولة فى مذكرة دفاعها وردده المدعى عليه الرابع فى مذكرته الواردة - بعد حجز الدعوى للحكم- بتاريخ 21/10/1999 من أن المشرع قد استمد أحكام النص المطعون فيه من القانون النموذجى للتحكيم التجارى الدولى الذى اعتمدته لجنة الأمم المتحدة لقانون التجارة الدولى سنة 1985 واتخذته معظم الدول منهاجاً وطريقاً لحل المنازعات فى مجال التجارة الدولية ذلك أن الرقابة القضائية على دستورية التشريع التى تباشرها هذه المحكمة - على ماجرى به قضاؤها- مناطها تعارض النصوص القانونية المطعون عليها، مع الأحكام التى تضمنها الدستور، سواء وردت هذه النصوص بالتشريعات الأصلية التى تقرها السلطة التشريعية أو تضمنتها التشريعات الفرعية التى تصدرها السلطة التنفيذية فى حدود صلاحيتها التى ناطها الدستور بها، ومن ثم تمتد تلك الرقابة إلى النص المطعون فيه بعد أن أقرته السلطة التشريعية ولو كان قد استعار قواعده أو بعضها من القانون النموذجى للتحكيم التجارى الدولى المشار إليه. كما لا ينال من ذلك أيضاً أن يكون المشرع قد جعل التقاضى فى خصومة رد المحكم على درجتين، ذلك أن الحقوق والضمانات التى كفلتها النصوص الدستورية السالف الإشارة إليها تعتبر حجر الزاوية والركن الركين فى النظام القضائى ومن ثم يقع الإخلال بها فى حمأة المخالفة الدستورية ولو اقتصر على إحدى الدرجتين.
وحيث إن إبطال هذه المحكمة للنص الطعين، يقتضى تدخل السلطة التشريعية لإقرار نص بديل يتلافى العوار الدستورى السابق بيانه، إعمالاً للحجية المطلقة التى أسبغها قانون المحكمة الدستورية العليا على أحكامها فى المسائل الدستورية والتى لازمها نزول الدولة بكامل سلطاتها عليها لتعمل بوسائلها وأدواتها- ومن خلال سلطة التشريع أصلياً أو فرعياً، كلما كان ذلك ضرورياً- على تطبيقها.
فلهذه الأسباب
حكمت المحكمة بعدم دستورية العبارة الواردة بالبند (1) من المادة (19) من قانون التحكيم فى المواد المدنية والتجارية الصادر بالقانون رقم 27 لسنة 1994، والتى تنص على أن فصلت هيئة التحكيم فى الطلب، وألزمت الحكومة المصروفات ومبلغ مائة جنيه مقابل أتعاب المحاماة .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
صدر هذا الحكم من الهيئة المبينه بصدرة اما السيد المستشار عبد الرحمن نصير الذي سمع المرافعه وحضر المداولة ووقع علي مسودة الحكم فقد جلس بدلة عند تلاوته السيد المستشار عدلي محمود منصور