الدعوى 35 لسنة 21 - دستورية - المحكمة الدستورية العليا - محالة علنية رقم 35 لسنة 21 بتاريخ 01/01/2000
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
باسم الشعب
المحكمة الدستورية العليا
بالجلسة العلنية المنعقدة يوم السبت 1يناير سنة 2000 الموافق 24 رمضان سنة 1420 هـ .
برئاسة السيد المستشار / محمد ولى الدين جلال رئيس المحكمة
وعضوية السادة المستشارين / ماهر البحيرى ومحمد على سيف الدين وعدلي محمود منصور ومحمد عبد القادر عبد الله وعلى عوض محمد صالح وأنور رشاد العاصى
وحضور السيد المستشار / عبد الوهاب عبد الرازق رئيس هيئة المفوضين
وحضور السيد / ناصر إمام محمد حسن أمين السر
أصدرت الحكم الآتى
فى القضية المقيدة بجدول المحكمة الدستورية العليا برقم 35 لسنة 21 قضائية دستورية .
بعد أن أحالت محكمة القضاء الإدارى بمجلس الدولة ملف الدعوى رقم 2566 لسنة 49 قضائية
المقامة من
السيد / ......................... بصفته رئيس جمعية المحاسبين القانونيين المصرية
ضد
1 - السيد / نقيب عام التجاريين
2 - السيد / وزير المالية
الإجراءات
بتاريخ الرابع والعشرين من فبراير سنة 1999، ورد إلى قلم كتاب المحكمة ملف الدعوى رقم 2566 لسنة 49 قضائية ، بعد أن قضت محكمة القضاء الإدارى بمجلس الدولة بتاريخ 22/11/1998 بوقف الدعوى وإحالة الأوراق إلى المحكمة الدستورية العليا للفصل فى دستورية نص الفقرة الثانية من المادة (21) من القانون رقم 40 لسنة 1972 بشأن إنشاء نقابة التجاريين.
وقدمت هيئة قضايا الدولة مذكرة دفعت فيها بعدم قبول الدعوى وطلبت فى ختامها الحكم برفضها.
وبعد تحضير الدعوى ، أودعت هيئة المفوضين تقريراً برأيها.
ونُظرت الدعوى على النحو المبين بمحضر الجلسة ، وقررت المحكمة إصدار الحكم فيها بجلسة اليوم.
المحكمة
بعد الاطلاع على الأوراق، والمداولة .
حيث إن الوقائع - على ما يبين من حكم الإحالة ، وسائر الأوراق - تتحصل فى أن المدعى كان قد أقام الدعوى رقم 2566 لسنة 49 قضائية أمام محكمة القضاء الإدارى بمجلس الدولة ضد المدعى عليهما طلباً للحكم بوقف تنفيذ قرار انعقاد الجمعية العمومية العادية لنقابة التجاريين بتاريخ 22/12/1994 وفى الموضوع بإلغاء هذا القرار، مع ما يترتب على ذلك من آثار؛ قولاً منه بأن هذا الانعقاد قد شابه العديد من المخالفات. وإذ تراءى لمحكمة الموضوع عدم دستورية نص الفقرة الثانية من المادة (21) من القانون رقم 40 لسنة 1972 بشأن إنشاء نقابة التجاريين، فقد قضت بتاريخ 22/11/1998 بوقف الدعوى ، وإحالة أوراقها إلى المحكمة الدستورية العليا للفصل فى دستورية هذا النص.
وحيث إن هيئة قضايا الدولة دفعت بعدم قبول الدعوى تأسيساً على أن حكم الإحالة قد سكت عن بيان النصوص الدستورية المدعى بمخالفتها؛ وأوجه هذه المخالفة ، مما يُقعد الحكومة عن ممارسة حقها القانونى فى الرد على المسألة الدستورية المثارة فى الدعوى الماثلة .
وحيث إن هذا الدفع مردود بأن ما تغياه قانون المحكمة الدستورية العليا، بنص مادته الثلاثين، هو ألا تكون صحيفة الدعوى الدستورية أو قرار الإحالة الصادر من محكمة الموضوع مُجهِّلاً بالمسائل الدستورية المطروحة على هذه المحكمة ، ضماناً لتعيينها تعييناً كافياً؛ فلا تثير خفاءً فى شأن مضمونها، أو اضطراباً حول نطاقها، ليتمكن ذوو الشأن جميعاً - ومنهم الحكومة - من إعداد دفاعهم - ابتداءً ورداً وتعقيباً - فى المواعيد التى حددتها المادة (37) من ذلك القانون؛ ولتتولى هيئة المفوضين -بعد انقضاء تلك المواعيد - تحضير الدعوى ، ثم إعداد تقرير يكون محدداً للمسائل الدستورية المثارة ورأيها فيها مسبباً؛ ومن ثم فإنه يكفى لتحقيق تلك الغاية أن يكون تعيين هذه المسائل ممكناً، ويتحقق ذلك كلما كان بنيان عناصرها منبئاً عن حقيقتها. يؤكد ماتقدم، أن هذه المحكمة فى رقابتها على الدستورية ، لا تقف عند حد النص الدستورى الذى نُسب إلى النص التشريعى الطعين مخالفته؛ بل إنها تجيل بصرها فى النصوص الدستورية جميعها على ضوء النظرة المتكاملة لأحكامها، لتحدد على ضوئها توافق ذلك النص أو تعارضه مع أحكام الدستور مجتمعة ؛ وهو مايعنى أن الغاية من هذا الإجراء الشكلى لا تعدو أن تكون ضمان اشتمال الصحيفة أو قرار الإحالة على سبب الدعوى الدستورية بحسبانه أحد البيانات الجوهرية اللازم توافرها فيهما. لما كان ذلك؛ وكانت أسباب حكم الإحالة الذى اتصلت هذه الدعوى عن طريقه بالمحكمة ، قد أبانت - فى غير خفاء- أن النص الطعين قد تضمن فى جوهره عوائق من شأنها - من وجهة نظر أولية - الإخلال بحق اللجوء إلى القضاء، والنفاذ إليه نفاذاً ميسراً، بما يمثل تحديداً كافياً للمخالفة الدستورية ، فإن الدفع بعدم قبول الدعوى يعد غير قائم على ما يبرره مما يتعين معه القضاء برفضه.
وحيث إن البين من مطالعة القانون رقم 40 لسنة 1972 أنه أنشأ نقابة للتجاريين أسبغ عليها - بنص المادة (1) منه - الشخصية الاعتبارية ؛ ووضعت المادة (12) الجمعية العمومية على رأس التنظيم العام للنقابة ، وأبانت المادة (14) وما بعدها اختصاصات هذه الجمعية ، وإجراءات دعوتها للانعقاد، ونصاب صحته، وما تصدره من قرارات؛ ثم نصت المادة (21) - المطعون على فقرتها الثانية - على أنه لوزير الخزانة أن يطعن فى صحة انعقاد الجمعية العمومية أو فى قرارها بالتصديق على انتخاب أعضاء مجلس النقابة ، وذلك بتقرير يبلغ إلى سكرتارية محكمة القضاء الإدارى بمجلس الدولة خلال 15 يوماً من تاريخ إبلاغه قرار الجمعية العمومية .
كما يجوز لمائة عضو على الأقل ممن حضروا الجمعية العمومية الطعن أمام المحكمة المذكورة فى تلك القرارات وفى صحة الانعقاد خلال 15 يوماً من تاريخ انعقاد الجمعية العمومية وذلك بتقرير مسبب ومصدق على الإمضاءات الموقع بها عليه وإلا كان الطعن غير مقبول. وتفصل محكمة القضاء الإدارى فى الطعن على وجه الاستعجال.....
وحيث إنه يشترط لقبول الدعوى الدستورية - على ماجرى به قضاء هذه المحكمة - توافر المصلحة فيها، ومناطها أن يكون الفصل فى المسألة الدستورية لازماً للفصل فى الطلبات المرتبطة بها والمطروحة على محكمة الموضوع، يستوى فى ذلك أن تكون الدعوى قد اتصلت بالمحكمة عن طريق الدفع أو عن طريق الإحالة . والمحكمة الدستورية العليا - بما لها من هيمنة على الدعاوى المطروحة عليها - هى وحدها التى تتحرى توافر شرط المصلحة فى الدعوى الدستورية للتثبت من شروط قبولها، وليس لجهة أخرى أن تنازعها ذلك أو تحل محلها فيه، ذلك أن الإحالة من محكمة الموضوع إلى المحكمة الدستورية العليا لا تفيد بذاتها توافر المصلحة فى الدعوى الدستورية ، فالأولى لا تغنى عن الثانية . ولازم ذلك، أن هذه الدعوى لا تكون مقبولة إلا بقدر انعكاس النصوص التشريعية المحالة على النزاع الموضوعى . لما كان ذلك، وكان الطعن بالإلغاء المردد فى الدعوى الموضوعية يتعلق بصحة انعقاد الجمعية العمومية لنقابة التجاريين فى 22/12/1994، وكان الحق فى الطعن على قراراتها مقيداً بالشروط التى فرضتها الفقرة الثانية من المادة الطعينة ، فإن الفصل فى دستوريتها يكون لازماً للفصل فى الطلب الموضوعى المرتبط بها، وبإبطالها تتحقق مصلحة المدعى فى مباشرة حق التقاضى دون قيود جائرة تنال من محتواه.
وحيث إن الدستور حرص على أن يفرض على السلطتين التشريعية والتنفيذية من القيود ما ارتآه كفيلاً بصون الحقوق والحريات العامة - وفى الصدارة منها حرية الاجتماع - كى لا تقتحم إحداهما المنطقة التى يحميها الحق أو الحرية ، أو تتداخل معها، بما يحول دون ممارستها بطريقة فعالة . وكان تطوير هذه الحقوق والحريات وإنماؤها من خلال الجهود المتواصلة الساعية لإرساء مفاهيمها الدولية بين الأمم المتحضرة ، مطلباً أساسياً توكيداً لقيمتها الاجتماعية ، وتقديراً لدورها فى مجال إشباع المصالح الحيوية المرتبطة بها. وقد واكب هذا السعى وعززه، بروز دور المجتمع المدنى ومنظماته - من أحزاب وجمعيات أهلية ونقابات مهنية وعمالية - فى مجال العمل الجمعى .
وحيث إن منظمات المجتمع المدنى ، هى واسطة العقد بين الفرد والدولة ، إذ هى القمينة بالارتقاء بشخصية الفرد بحسبانه القاعدة الأساسية فى بناء المجمتع؛ عن طريق بث الوعى ونشر المعرفة والثقافة العامة ؛ ومن ثم، تربية المواطنين على ثقافة الديموقراطية والتوافق فى إطار من حوار حر بناء؛ وتعبئة الجهود الفردية والجماعية لإحداث مزيد من التنمية الاجتماعية والاقتصادية معاً؛ والعمل بكل الوسائل المشروعة على ضمان الشفافية ، وترسيخ قيمة حرمة المال العام؛ والتأثير فى السياسات العامة ، وتعميق مفهوم التضامن الاجتماعى ، ومساعدة الحكومة عن طريق الخبرات المبذولة ، والمشروعات الطوعية على أداء أفضل للخدمات العامة ، والحث على حسن توزيع الموارد وتوجيهها؛ وعلى ترشيد الإنفاق العام؛ وإبراز دور القدوة . وبكل أولئك، تذيع المصداقية ؛ وتتحدد المسئولية بكل صورها فلا تشيع ولا تنماع؛ ويتحقق العدل والنصفة ؛ وتتناغم قوى المجتمع الفاعلة فتتلاحم على رفعة شأنه والنهوض به إلى ذرى التقدم.
وحيث إن قضاء هذه المحكمة قد اطرد على أن حق المهنيين -والعمال - فى تكوين تنظيمهم النقابى فرع من حرية الاجتماع، وأن هذا الحق يتعين أن يتمحض تصرفاً إرادياً حراً لا تتداخل فيه الجهة الإدارية ، بل يستقل عنها، ومن ثم؛ تنحل الحرية النقابية إلى قاعدة أولية تمنحها بعض الدول - ومن بينها جمهورية مصر العربية - قيمة دستورية فى ذاتها، لتكفل لكل ذى شأن حق الإنضمام إلى التنظيم النقابى الذى يرى أنه أقدر على التعبير عن مصالحه وأهدافه، وفى انتقاء واحد أو أكثر من هذه التنظيمات - حال تعددها - ليكون عضواً فيها.
وحيث إن ممارسة الحرية النقابية داخل النقابة الواحدة ، ليست قصراً على فئة بذاتها، ولا هى من امتيازاتها؛ ولا ينبغى بالتالى أن تكون موطئاً لفرض وصايتها على أحد. ذلك أن العمل النقابى لا يتمحض عن انتقاء حلول بذاتها تستقل الأقلية بتقديرها وتفرضها عنوة على المخالفين لها بحكم موقعها أو سيطرتها؛ بل يتعين أن يكون هذا العمل إسهاماً جماعياً فاعلاً، يعتمد على تعدد الآراء واتساع آفاقها، ليكون أعضاء النقابة شركاء فى تقرير أهدافها، وصوغ نظمها وبرامجها، وتحديد طرائق تنفيذها؛ ووسائل تمويلها؛ ولا يحول ما تقدم دون أن تفرض النقابة على كيفية ممارستها لنشاطها أشكالاً من الرقابة الذاتية فى حدود أهدافها، ليكون تقييمها لنواحى القصور فيها موضوعياً، معتمداً على وسائل تحليلية موثوق بها.
وحيث إن المعايير والخصائص التى يقوم عليها التنظيم النقابى ، هى التى قنن الدستور، مجمل أحكامها بنص مادته السادسة والخمسين؛ التى تحتم إنشاء ذلك التنظيم وفق أسس ديموقراطية يكون القانون كافلاً لها، راعياً لدوره فى تنفيذ الخطط والبرامج الاجتماعية والاقتصادية التى استهدفها؛ اعترافاً من الدستور بأهمية وخطورة المصالح التى تمثلها التنظيمات النقابية ، وعمق اتصالها بالحقوق المقررة قانوناً لأعضائها؛ وما ينبغى أن يُتخذ من التدابير للدفاع عنها.
وحيث إن البين من النص الطعين أنه تطلب شرطين يتعين توافرهما لجواز الطعن فى صحة انعقاد الجمعية العمومية لنقابة التجاريين: (أولهما) ألا يقل نصاب الطعن عن مائة عضو على الأقل ممن حضروا تلك الجمعية (وثانيهما) أن يكون الطعن مستوفياً شكلية بذاتها قوامها أن تكون توقيعاتهم على تقرير الطعن مصادقاً عليها جميعا من الجهة المختصة ؛ وبالتالى فإن تخلف أحد هذين الشرطين، لا يقابله إلا جزاء واحد هو عدم قبول الطعن.
وحيث إن الحق فى إقامة التنظيمات النقابية على أسس ديموقراطية ، وكذلك إدارتها لشئونها بما يكفل استقلالها، وحقها فى اللجوء إلى القضاء للدفاع عن المصالح الجماعية لأعضائها، وإنماؤها للقيم التى يدعون إليها فى إطار أهدافها، ومراجعتها لسلوكهم ضماناً لصون الأسس التى حددها الدستور بنص المادة (65)؛ إنما تقرر ليكون كافلاً لرسالتها على ضوء أهدافها، بمراعاة جوهر العمل النقابى ومتطلباته؛ فإن إنحرفت عن هذه الأهداف كان للمن تمين إليها - بحكم عضويتهم فى الجمعية العمومية -حق تقويم قراراتها وتصويب الإجراءات اللازمة قانوناً لصحتها بقدر مساسها بمراكزهم القانونية ، ضماناً لإخضاع تصرفاتها وأعما لها لمقاييس الشرعية الدستورية والقانونية ؛ إلا أن النص الطعين نقض هذا الأصل، حين جعل للطعن فى صحة انعقاد الجمعية العمومية لنقابة التجاريين نصاباً عددياً فلا يُقبل إلا إذا كان مقدما من مائة عضو على الأقل ممن حضروا اجتماعها وبشرط أن تكون توقيعاتهم على صحيفة الطعن مصدقاً عليها؛ ليحول بهذين القيدين بين كل عضو على استقلال، وبين ممارسة حقه فى تصحيح ما ارتآه إنحرافاً بالعمل النقابى عن غايته؛ نائياً بالحرية النقابية عن منابتها؛ مجتثاً جذورها؛ بما يشكل عدواناً جسيماً عليها؛ وعصفاً بجوهرها بالمخالفة لحكم المادة (56) من الدستور.
وحيث إن الطعن بالإلغاء على قرار أو إجراء معين لايجوز تقييده فيما وراء الأسس الموضوعية التى تقتضيها ضرورة تنظيمه، وكان النظراء لا يتمايزون فيما بينهم فى مجال استعمال الحقوق التى كفلها الدستور لهم، ولا فى فرص صونها، والدفاع عنها، ولا فى اقتضائها وفق مقاييس موحدة عند توافر شروط طلبها، بل تكون للحقوق عينها قواعد موحدة ، سواء فى مجال التداعى بشأنها أو الدفاع عنها أو استئدائها؛ وكان الدستور قد هيأ للحقوق المتنازع عليها وسائل إثباتها أو نفيها من خلال الخصومة القضائية التى كفل الحق فيها لكل فرد، وعزز ضماناتها، وأطلقها من القيود الجائرة عليها بما لا يحد من فرصة ولوجها، أو يعطلها فى غير ضرورة ؛ وكان القيدان اللذان تضمنهما النص الطعين يرهقان الخصومة القضائية التى يحركها أحد أعضاء الجمعية العمومية للنقابة فى شأن صحة انعقادها؛ وينتهيان إلى غلق أبوابها من دونه؛ ويئدان وسائل الدفاع فى شأن الحقوق التى يستهدف الوصول إليها، فإن هذا النص يكون مخالفاً كذلك لأحكام المواد (40، 65، 68، 69) من الدستور.
فلهذه الأسباب
حكمت المحكمة بعدم دستورية ما تضمنته الفقرة الثانية من المادة (21) من القانون رقم 40 لسنة 1972 بإنشاء نقابة التجاريين من عدم قبول الطعن فى قرارات الجمعية العمومية للنقابة أو فى صحة انعقادها، إلا من مائة عضو على الأقل من الأعضاء الذين حضروا اجتماعها وذلك بتقرير مصدق على الإمضاءات الموقع بها عليه.