الدعوى 130 لسنة 18 - دستورية - المحكمة الدستورية العليا - مرفوعة علنية رقم 130 لسنة 18 بتاريخ 01/09/1997
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
باسم الشعب
المحكمة الدستورية العليا
بالجلسة العلنية المنعقدة يوم الاثنين الأول من سبتمبر سنة 1997 الموافق 28 ربيع الآخر سنة 1418 ه
برئاسة السيد المستشار الدكتور عوض محمد عوض المر رئيس المحكمة
وعضوية السادة المستشارين: عبد الرحمن نصير وسامى فرج يوسف والدكتور عبد المجيد فياض ومحمد على سيف الدين وعدلى محمود منصور ومحمد عبد القادر عبد الله.
وحضور السيد المستشار الدكتور/ حنفى على جبالى رئيس هيئة المفوضين
وحضور السيد/ حمدى أنور صابر أمين السر
أصدرت الحكم الآتى
فى القضية المقيدة بجدول المحكمة الدستورية العليا برقم 130 لسنة 18 قضائية دستورية
المقامة من
السيد / .......................
ضد
1 - السيد / وزير العدل
2 - السيد / رئيس مجلس الوزراء
3 - السيد / وزير الزراعة واستصلاح الأراضى
الإجراءات
بتاريخ 25 نوفمبر 1996، أودع المدعى صحيفة هذه الدعوى قلم كتاب المحكمة ، طالباً الحكم بعدم دستورية الفقرة الرابعة من المادة (154) من قانون الزراعة الصادر بالقانون رقم 53 لسنة 1966 وتعديلاته، وذلك فيما نصت عليه من عدم جواز الحكم بوقف تنفيذ عقوبة الغرامة .
قدمت هيئة قضايا الدولة مذكرة طلبت فيها الحكم برفض الدعوى .
وبعد تحضير الدعوى ، أودعت هيئة المفوضين تقريراً برأيها.
ونُظرت الدعوى على النحو المبين بمحضر الجلسة ، وقررت المحكمة إصدار الحكم فيها بجلسة اليوم.
المحكمة
بعد الاطلاع على الأوراق، والمداولة .
حيث إن الوقائع - على ما يبين من صحيفة الدعوى وسائر الأوراق - تتحصل فى أن النيابة العامة كانت قد اتهمت المدعى بقيامه بتجريف أرض زراعية بدائرة مركز أشمون، وطلبت عقابه بالمادتين (150، 154) من القانون رقم 53 لسنة 1966وتعديلاته، وقيدت الواقعة جنحة تحت رقم 1449 لسنة 1993 جنح أشمون. وإذ قضى فيها بمعاقبته بالحبس ستة أشهر مع الشغل وكفالة عشرة جنيهات مع تغريمه عشرة آلاف جنيه، فقد طعن فى هذا الحكم بالاستئناف أمام محكمة الجنح المستأنفة ، ثم دفع أمامها بعدم دستورية الفقرة الرابعة من المادة (154) من قانون الزراعة الصادر بالقانون رقم 53 لسنة 1966، وذلك فيما نصت عليه من عدم جواز الحكم بوقف تنفيذ عقوبة الغرامة .
وإذ قررت محكمة الجنح المستأنفة بجلستها المعقودة فى 10/11/1993، تأجيل نظر الدعوى الجنائية المعروضة عليها لجلسة 30/11/1996، ليتخذ المتهم إجراءات الطعن بعدم الدستورية ، فقد أقام الدعوى الماثلة .
وحيث إن المادة (153) من قانون الزراعة رقم 53 لسنة 1966 وتعديلاته قد حظرت تجريف الأرض الزراعية أو نقل الأتربة منها لاستعمالها فى غير أغراض الزراعة . ثم قرن المشرع هذا الحظر بنص المادة (154) التى تقضى فى فقرتها الأولى بأن يعاقب على مخالفة حكم المادة (150) من هذا القانون بالحبس وبغرامة لا تقل عن عشرة آلاف جنيه ولا تزيد عن خمسين ألف جنيه عن كل فدان أو جزء منه من الأرض موضوع المخالفة .
وتنص فقرتها الثانية على أنه إذا كان المخالف هو المالك، وجب ألا يقل الحبس عن ستة أشهر. وإذا كان المخالف هو المستأجر دون المالك، وجب الحكم أيضاً بإنهاء عقد الإيجار، ورد الأرض إلى المالك.
وعملاً بالفقرة الثالثة ، يعتبر مخالفاً فى تطبيق هذا الحكم، كل من يملك أو يحوز أو يشترى أو يبيع أتربة متخلفة عن تجريف الأراضى الزراعية أو ينزل عنها بأية صفة أو يتدخل بصفته وسيطاً فى شئ من ذلك، ويستعملها فى أى غرض، إلا إذا أثبت أن التجريف كان صادراً طبقاً لأحكام المادة (150) من هذا القانون والقرارات التى تصدر تنفيذاً لأحكامه.
ونصت الفقرة الرابعة - المطعون عليها - على أنه وفى جميع الأحوال تتعدد العقوبة بتعدد المخالفات، ويحكم فضلاً عن العقوبة بمصادرة الأتربة المتخلفة عن التجريف، وجميع الآلات والمعدات التى استخدمت فى عملية التجريف أو النقل، ولايجوز الحكم بوقف عقوبة الغرامة .
وحيث إن المدعى ينعى على الفقرة الرابعة مخالفتها لنصوص المواد (68، 119، 165، 166) من الدستور، وذلك بما إنطوت عليه من افتئات على الاختصاص المقرر دستورياً للسلطة القضائية فى مجال مباشرتها لوظائفها، باعتبار أن وقف تنفيذ العقوبة جزء من تفريدها.
وحيث إن قضاء هذه المحكمة ، قد جرى على أن المتهمين لا تجوز معاملتهم بوصفهم نمطاً ثابتاً، أو النظر إليهم باعتبار أن صورة واحدة تجمعهم لتصبهم فى قالبها، بما مؤداه: أن الأصل فى العقوبة هو تفريدها لا تعميمها. وتقرير استثناء من هذا الأصل - أياً كانت الأغراض التى يتوخاها - مؤداه: أن المذنبين جميعهم تتوافق ظروفهم، وأن عقوبتهم يجب أن تكون واحدة لا تغاير فيها، وهو مايعنى إيقاع جزاء فى غير ضرورة بما يفقد العقوبة تناسبها مع وزن الجريمة وملابساتها، وبما يقيد الحرية الشخصية دون مقتض. ذلك أن مشروعية العقوبة من زاوية دستورية ، مناطها أن يباشر كل قاض سلطته فى مجال التدرج بها وتجزئتها، تقديراً لها، فى الحدود المقررة قانوناً. فذلك وحده الطريق إلى معقوليتها وإنسانيتها جبراً لآثار الجريمة من منظور موضوعى يتعلق بها وبمرتكبها.
وحيث إن السلطة التى يباشرها القاضى فى مجال وقف تنفيذ العقوبة ، فرع من تفريدها؛ وكان التفريد لا ينفصل عن المفاهيم المعاصرة للسياسة الجنائية ، ويتصل بالتطبيق المباشر لعقوبة فرضها المشرع بصورة مجردة ، شأنها فى ذلك شأن القواعد القانونية جميعها، وكان إنزالها بنصها على الواقعة الإجرامية محل التداعى ، ينافى ملاءمتها لكل أحوالها ومتغيراتها وملابساتها؛ فإن سلطة تفريد العقوبة - ويندرج تحتها الأمر بإيقافها - هى التى تخرجها من قوالبها الصماء، وتردها إلى جزاء يعايش الجريمة ومرتكبها، ويتصل بها اتصال قرار.
وحيث إن من الثابت كذلك، أن تفريد عقوبة الغرامة -وهو أكثر مرونة من تفريد العقوبة السالبة للحرية - يجنبها عيوبها باعتبارها أثقل على الفقراء منها على الأغنياء؛ وكان فرض تناسبها فى شأن جريمة بذاتها، إنصافاً لواقعها وحال مرتكبها يتحقق بوسائل متعددة يندرج تحتها أن يفاضل القاضى -وفق أسس موضوعية - بين الأمر بتنفيذها أو إيقافها، وكان المشرع قد سلب القاضى هذه السلطة بالفقرة الرابعة من المادة (154) المطعون عليها فإنه بذلك يكون قد أخل بخصائص الوظيفة القضائية التى تناسبها، وقوامها فى شأن الجريمة محل الدعوى الجنائية ، تقدير العقوبة التى تناسبها، باعتبار أن ذلك يعد مفترضاً أولياً متطلباً دستورياً لصون موضوعية تطبيقها.
A constitutional prerequisite to the proportionate imposition of penalty .
وحيث إنه فضلاً عما تقدم، لايجوز للدولة - فى مجال مباشرتها لسلطة فرض العقوبة صوناً لنظامها الاجتماعى - أن تنال من الحد الأدنى لتلك الحقوق التى لايطمئن المتهم فى غيابها إلى محاكمة تتم إنصافاً، غايتها إدارة العدالة الجنائية إدارة فعالة وفقاً لمتطلباتها التى بينتها المادة (67) من الدستور؛ وكان من المقرر أن شخصية العقوبة وتناسبها مع الجريمة محلها مرتبطتان بمن يكون قانوناً مسئولاً عنها إرتكابها على ضوء دوره فيها، ونواياه التى قارنتها، وما نجم عنها من ضرر ليكون الجزاء عنها موافقاً لخياراته بشأنها. متى كان ذلك، وكان تقدير هذه العناصر جميعها، داخلاً فى إطار الخصائص الجوهرية للوظيفة القضائية باعتباره من مكوناتها؛ فإن حرمان من يباشرونها من سلطتهم فى مجال تفريد العقوبة بما يوائم بين الصيغة التى أفرغت فيها ومتطلبات تطبيقها فى حالة بذاتها مؤداه: بالضرورة أن تفقد النصوص العقابية اتصالها بواقعها، فلا تنبض بالحياة ، ولا يكون إنفاذها إلا عملاً مجرداً يعزلها عن بيئتها دالاً على قسوتها أو مجاوزاتها حد الاعتدال، جامداً فجاً منافياً لقيم الحق والعدل.
وحيث إن حصيلة الغرامات المحكوم بها وفقاً للنص المطعون فيه، وإن كانت تؤول جميعها بقوة القانون إلى الهيئة العامة المنصوص عليها فى المادة (159) من قانون الزراعة لتعيد إلى الأرض الزراعية خصوبتها بعد تجريفها، أو لتعمل من خلالها على تحسينها وزيادة معدل كفاءتها وإنتاجيتها. إلا أن اعتماد هذه الهيئة على هذه الغرامات لتحقيق تلك الأغراض، لايجوز أن ينقض حقوقاً أصيلة كفلها الدستور للسلطة القضائية واختصها بها، ولا أن يعدل من بنيانها، كتلك التى تتعلق بتفريد العقوبة لتطويعها من منظور موضوعى يبلور تناسبها مع الجريمة محلها واتساقها وأحوال مرتكبها، فلا تهيم فى فراغ، ولا تكون إنفاذاً حرفياً للنصوص التى فرضتها، بما يحيل تطبيقها عدواناً على كرامة الإنسان وحريته، وهما تضربان بجذورهما عمقاً صوناً لآدميته، وتعلوان قدراً على مجرد الأغراض المالية . ولا يتصور بالتالى أن تكون هذه الأغراض قيداً على أيتهما.
وحيث إن النص المطعون فيه - وعلى ضوء ماتقدم- يكون قد أهدر من خلال إلغاء سلطة القاضى فى تفريد العقوبة - جوهر الوظيفة القضائية ، وجاء منطوياً كذلك على تدخل فى شئونها مقيداً الحرية الشخصية فى غير ضرورة ، ونائياً عن ضوابط المحاكمة المنصفة ، وواقعاً بالتالى فى حمأة مخالفة أحكام لأحكام المواد (41، 67، 165، 166) من الدستور.
فلهذه الأسباب
حكمت المحكمة بعدم دستورية ما نصت عليه الفقرة الرابعة من المادة (154) من قانون الزراعة الصادر بالقانون رقم 153 لسنة 1966 من عدم جواز وقف تنفيذ عقوبة الغرامة ، وألزمت الحكومة المصروفات ومبلغ مائة جنيه مقابل أتعاب المحاماة .