الدعوى 71 لسنة 19 - دستورية - المحكمة الدستورية العليا - مرفوعة علنية رقم 71 لسنة 19 بتاريخ 04/10/1997
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
باسم الشعب
المحكمة الدستورية العليا
بالجلسة العلنية المنعقدة يوم السبت 4 أكتوبر سنة 1997 الموافق 2 جمادى الآخرة سنة 1418 ه.
برئاسة السيد المستشار الدكتور/ عوض محمد عوض المر رئيس المحكمة
وعضوية السادة المستشارين: عبد الرحمن نصير والدكتور عبد المجيد فياض وماهر أحمد البحيري ومحمد على سيف الدين وعدلي محمود منصور ومحمد عبد القادر عبد الله.
وحضور السيد المستشار الدكتور/ حنفى على جبالى رئيس هيئة المفوضين
وحضور السيد / حمدى أنور صابر أمين السر
أصدرت الحكم الآتى
فى القضية المقيدة بجدول المحكمة الدستورية العليا برقم 71 لسنة 19 قضائية دستورية .
المقامة من
ضد
1- السيد / رئيس الجمهورية وآخرين
2- السيد / رئيس مجلس الوزراء
3- السيد / .....................
4- السيدة / .....................
5- السيد / .....................
6- السيد/ .....................
7- السيدة / .....................
8- السيدة / .....................
9- السيد/ .....................
10-السيد/ .....................
11- السيدة / .....................
12-السيدة / .....................
الإجراءات
فى التاسع من إبريل سنة 1996، أودع المدعى قلم كتاب المحكمة صحيفة الدعوى الماثلة طالباً فى ختامها الحكم بعدم دستورية نص الفقرة الثالثة من المادة السابعة من القانون رقم 49 لسنة 1977 بشأن تأجير وبيع الأماكن وتنظيم العلاقة بين المؤجر والمستأجر.
قدمت هيئة قضايا الدولة مذكرة طلبت فيها الحكم برفض الدعوى .
وبعد تحضير الدعوى ، أودعت هيئة المفوضين تقريراً برأيها.
ونُظرت الدعوى على النحو المبين بمحضر الجلسة ، وقررت المحكمة إصدار الحكم فيها بجلسة اليوم.
المحكمة
بعد الاطلاع على الأوراق، والمداولة .
حيث إن الوقائع- حسبما يبين من صحيفة الدعوى وسائر الأوراق- تتحصل فى أن المدعى عليها الرابعة ونجلها المدعى عليه الخامس، كانا يقيمان فى وحدة سكنية بعقار للمدعى بدائرة قسم مصر القديمة ؛ وقد أبرما مع المدعى عليه الثالث المقيم بالدور الأرضى بالزمالك بالعقار المملوك للمدعى عليهم من السادس إلى الأخير، عقداً تبادلا بمقتضاه مسكنيهما المؤجرين، على سند من مقتضيات الحالة الصحية للمدعى عليها الرابعة ، وتغير الظروف الاجتماعية للمدعى عليه الثالث لازدياد عدد أفراد أسرته. وقد أخطر المتبادلان ملاك العقارين بصور من عقد التبادل، وبمستنداتهما التى تؤكد حقهما فى إجرائه، وذلك وفقاً لأحكام اللائحة التنفيذية للقانون رقم 49 لسنة 1977.
وبعد مضى أكثر من ثلاثين يوماً على هذا الإخطار دون رد من الملاك بقبول التبادل، أقام المتبادلان ضدهم الدعوى رقم 629 لسنة 1995 إيجارات كلى جنوب القاهرة . وأثناء نظرها دفع المدعى فى الدعوى الماثلة بعدم دستورية نص الفقرة الثالثة من المادة (7) من القانون رقم 49 لسنة 1977 فى شأن تأجير وبيع الأماكن وتنظيم العلاقة بين المؤجر والمستأجر. وإذ قدرت محكمة الموضوع جدية الدفع، وصرحت بالطعن بعدم الدستورية ، فقد أقام المدعى الدعوى الماثلة .
وحيث إن الفقرة الثالثة من المادة (7) من القانون رقم 49 لسنة 1977 بشأن تأجير وبيع الأماكن وتنظيم العلاقة بين المؤجر والمستأجر، تنص على ما يأتى : .... وفى البلد الواحد يجوز تبادل الوحدات السكنية بين مستأجر وآخر وذلك فى البلاد وبين الأحياء وطبقاً للحالات ووفقاً للقواعد والشروط والإجراءات والضمانات التى يحددها قرار وزير الإسكان والتعمير.
وعملا باللائحة التنفيذية لهذا القانون الصادر بها قرار وزير الإسكان والتعمير رقم 99 لسنة 1978، فإن تبادل الوحدات السكنية بالتطبيق لأحكام الفقرة الثالثة المشار إليها، يتم فى الأحوال التى حددتها، وهى :
أولاً- ......................
ثانياً- أن تستلزم الحالة الصحية لكل من المستأجرين راغبى التبادل أو كليهما الانتقال من مسكنه إلى آخر أكثر ملاءمة لظروفه الصحية التى لايجوز اثباتها إلابتقرير قاطع من طبيبين متخصصين، متضمنا بيانا دقيقا بها، واقتضائها من تغيير المسكن بسببها.
ثالثاً- أن يقع تغيير فى الأوضاع الاجتماعية لأحد راغبى التبادل من المستأجرين أو كليهما، ويندرج تحتها تغير حجم الأسرة ، وما يقتضيه من ضيق أو اتساع مسكنها. . ويكون التبادل فى الحالتين المنصوص عليهما فى ثانياً وثالثاً فى عواصم المحافظات وغيرها من البلاد التى تسرى فيها أحكام الباب الأول من القانون رقم 49 لسنة 1977، سواء أكان ذلك فى عقار واحد أو بين عقار وآخر داخل البلدة الواحدة .
وتشترط المادة (4) من اللائحة التنفيذية للقانون، لإجراء التبادل- وقبل البدء فيه- وفاء كل من المستأجرين الراغبين فى التبادل، بإلتزاماته المالية الناشئة عن عقد الإجارة . وفيما عدا التبادل بسبب مقتضيات الحالة الصحية المبينة فى البند (ثانياً) يشترط لجواز التبادل، انقضاء سنة كاملة على الأقل على إقامة كل مستأجر فى مسكنه قبل البدء فى إجراءات التبادل. ويبقى المستأجران ضامنين متضامنين- كل منهما قبل الآخر وفى مواجهة المؤجر- إيفاء إلتزاماتهما المالية الناشئة عن عقد الإيجار، وذلك لمدة سنتين من تاريخ إتمام التبادل.
وعملاً بالمادة (5) من اللائحة التنفيذية ، يحرر المستأجران راغبا التبادل خمس نسخ من النموذج الخاص بذلك والمرفق بهذه اللائحة . ويخطران مالكى العقارين المراد التبادل فيهما بنسخة من هذا النموذج، على أن تكون موقعاً عليها منهما، ومرفق بها مستنداتهما التى تؤكد صحة بياناتها. وعلى كل من الملاك- وخلال ثلاثين يوماً من تاريخ إخطاره برغبة المستأجرين- إبلاغهما بكتاب موصى عليه مصحوب بعلم الوصول برأيه فى طلباتهم. ويعتبر انقضاء هذه المدة دون رد من قبله، بمثابة رفض للتنازل.
وتقضى المادتان (6، 7) من هذه اللائحة ، بأن يتنازل كل من المستأجرين راغبى التبادل عن عقد الإيجار الخاص به إلى المستأجر الآخر، وذلك بعد رضاء الملاك أو صدور حكم من القضاء بالتبادل. ويقوم الحكم الصادر لصالح المستأجرين مقام العقد اللازم لإثبات التبادل.
وحيث إن الفقرة الثالثة من المادة (7) من القانون رقم 49 لسنة 1977، كان قد تضمنها مشروع قانون عرض على مجلس الشعب بجلسته المعقودة فى 19 يوليو 1977، إلا أن لجنة الشئون الدستورية والتشريعية لهذا المجلس ارتأت ضرورة حذفها تأسيساً على انحيازها لمصلحة مستأجرى الأعيان إضراراً بأصحابها الذين سلبهم المشرع الحق فى تحديد الأجرة ، وفرض عليهم امتداد الإجارة بعد انتهاء مدتها، وعَرَّضهم كذلك لقيود صارمة نظم بها الروابط الإيجارية فى عديد من جوانبها. ولم يبق لهم بعدئذ إلا حق اختيار مستأجر العين التى يملكونها، فإذا أسقط المشرع عنهم هذا الحق، نالتهم مضار كثيرة يندرج تحتها أن يتحول المستأجرون إلى مستغلين من خلال عمليات التبادل التى يجرونها، ويفاجئون بها من يملكون الأماكن التى يشغلونها. بيد أن المجلس رفض إقرار ما انتهت إليه لجنة الشئون الدستورية والتشريعية ، وأعاد إدراج الفقرة الثالثة المشار إليها بنصها الوارد بمشروع الحكومة ، ثم أقرها.
وحيث إن المدعى ينعى على الفقرة الثالثة من المادة (7) من القانون رقم 49 لسنة 1977، مخالفتها للمواد (2، 7، 33، 34) من الدستور، وذلك من عدة أوجه حاصلها أن حكم الفقرة المطعون عليها يناقض الشريعة الإسلامية فى أصولها الكلية ، ويتضمن إسقاطاً للملكية عن أصحابها بما فرضه المشرع من قيود عليها، وتحويراً للإجارة عن طبيعتها الشخصية من خلال أغيار يبادلون الوحدة السكنية التى كانوا يشغلونها، بوحدة أخرى كان مستأجر آخر مقيماً بها، فلا يكون إنفاذ التبادل فيما بين هاتين الوحدتين، إلا إقحاماً عليهما لأشخاص لا تربطهم بصاحبها صلة منطقية .
هذا فضلاً عن أن هذا التبادل لا يتم فى الأعم من الأحوال إلا مقابل مبالغ مالية باهظة يدفعها أحد المتبادلين لثانيهما، ولا يحصل المؤجر على شئ منها.
وحيث إن المصلحة الشخصية المباشرة - وهى شرط لقبول الدعوى الدستورية - مناطها ارتباطها بصلة منطقية بالمصلحة التى يقوم بها النزاع الموضوعى ؛ وكان المدعى وإن قصر الدفع بعدم الدستورية الذى أبداه أمام محكمة الموضوع، على حكم الفقرة الثالثة من المادة (7) من القانون رقم 49 لسنة 1977 فى شأن تأجير وبيع الأماكن وتنظيم العلاقة بين المؤجر والمستأجر، إلا أن الخصومة الدستورية الماثلة ، لا تكتمل عناصرها بعيداً عن الشروط والأوضاع التى نظم وزير الإسكان التبادل من خلالها، وهو ما يعنى تكوينها مع الفقرة المطعون عليها، كلا لا يتجزأ.
وحيث إن مؤدى الأحكام التى تضمنتها الفقرة الثالثة من المادة (7) من القانون رقم 49 لسنة 1979- وفى إطار ربطها باللائحة التنفيذية لهذا القانون- أن تبادل الوحدات السكنية فيما بين مستأجرين يرغبان فيه، ليس عملاً رضائياً، بل يقع فى الأحوال التى حددتها اللائحة التنفيذية ، وبالشروط التى عينتها، ووفق الأوضاع الإجرائية التى حددتها. ومن ثم يكون نص القانون مصدراً مباشراً لتبادل الوحدات السكنية ، يحيط بالأحوال والشروط والأوضاع التى يتم فيها، فلا يحول دون نفاذه اعتراض أصحابها عليه، كلما توافرت الواقعة التى اعتبرها المشرع مصدراً للحق فيه. وهو مايعنى أن الحق فى التبادل، لا ينشأ إلا من النصوص القانونية التى تستنهضها إرادة مستأجرين توافقا على إجراء التبادل، وأرادا أن يتماه وفقاً لأحكامها، فلا يدور إلا معها.
وحيث إن المادة (144) من الدستور تقضى بأن لرئيس الجمهورية إصدار اللوائح اللازمة لتنفيذ القوانين بما ليس فيه تعديل أو تعطيل لها أو إعفاء من تنفيذها. وله أن يفوض غيره فى إصدارها. ويجوز أن يعين القانون من يصدر القرارات اللازمة لتنفيذه.
وحيث إن من المقرر، أنه لا يجوز للسلطة التشريعية - فى ممارستها لاختصاصاتها فى مجال إقرار القوانين- أن تتخلى بنفسها عنها، إهما لاً من جانبها لنص المادة (86) من الدستور التى تعهد إليها أصلا بالمهام التشريعية ، ولا تخول السلطة التنفيذية مباشرتها إلا استثناء، وفى الحدود الضيقة التى بينتها نصوص الدستور حصرا، ويندرج تحتها إصدار اللوائح اللازمة لتنفيذ القوانين التى لا يدخل فى مفهومها، توليها ابتداء تنظيم مسائل خلا القانون من بيان الإطار العام الذى يحكمها، فلا تُفصل اللائحة عندئذ أحكاماً أو ردها المشرع إجمالاً، ولكنها تُشَرِّع ابتداء من خلال نصوص جديدة لا يمكن إسنادها إلى القانون، وبها تخرج اللائحة عن الحدود التى ضبطتها بها المادة (144) من الدستور.
وحيث إن قضاء هذه المحكمة قد جرى على أنه متى عهد القانون إلى جهة بذاتها بتنفيذ أحكامه، كان إجراؤه مما تستقل به هذه الجهة دون غيرها؛ وكان قانون بيع وتأجير الأماكن قد أو رد نص الفقرة الثالثة المطعون عليها مجيزاً بموجبها تبادل الوحدات السكنية - فى البلد الواحد- بين مستأجر وآخر، ومتسلباً من تحديد القيود والضوابط التى يباشر هذا الحق على ضوئها حتى فى خطوطها الرئيسية ، تاركاً إحداثها- لا تفصيلها- للائحة تنفيذية يصدرها وزير الإسكان محدداً بها أحوال هذا التبادل، والشروط التى يتم على ضوئها، والأوضاع الإجرائية التى يلتزمها، وكذلك ضماناته؛ وكان ذلك مؤداه: أنه فيما خلا مبدأ جواز التبادل فى البلد الواحد الذى تقرر بالفقرة المطعون عليها، فإن أسس هذا التبادل، والقواعد التى يقوم عليها وإجراءاتها، ظل بيد السلطة التنفيذية تتولاه من خلال لائحة تصدرها، فلا تكون أحكامها تنفيذاً لقانون قائم، بل تشريعاً مبتدءاً يؤثر على الأخص فى حرية التعاقد والحق فى الملكية ، وهما من الحقوق التى كفلها الدستور.
وحيث إن من المقرر كذلك أن حرية التعاقد فوق كونها من الخصائص الجوهرية للحرية الشخصية ، إنها كذلك وثيقة الصلة بالحق فى الملكية ؛ وذلك بالنظر إلى الحقوق التى ترتبها العقود فيما بين أطرافها، أيا كان المدين بأدائها.
وحيث إن السلطة التشريعية ، وإن ساغ لها استثناء أن تتناول أنواعاً من العقود لتحيط بعض جوانبها بتنظيم آمر يكون مستنداً إلى مصلحة مشروعة ؛ إلا أن هذه السلطة ذاتها لا يسعها أن تدهم الدائرة التى تباشر فيها الإرادة حركتها، فلا يكون لسلطانها بعد هدمها من أثر، ذلك أن الإرادة وإن لم يكن دورها كاملاً فى تكوين العقود وتحديد الآثار التى ترتبها، إلا أن الدائرة المنطقية التى تعمل الإرادة الحرة فى نطاقها، لا يجوز اغتيالها بتمامها، وإلا كان ذلك إنهاءً لوجودها، ومحواً كاملاً للحرية الشخصية فى واحد من أكثر مجالاتها تعبيراً عنها، ممثلاً فى إرادة الاختيار استقلالاً عن الأخرين، بما يصون لهذه الحرية مقوماتها، ويؤكد فعاليتها.
وحيث إن الأصل فى الروابط الإيجارية ، إن الإرادة هى التى تنشئها، فإذا جردها المشرع من كل دور فى مجال تكوين هذه الروابط وتحديد آثارها، كان تنظيمها أمراً منافياً لطبيعتها.
ومن البدهى ، أن القيود التى فرضها المشرع على الإجارة ، اقتضتها أزمة الإسكان وحدة ضغوطها، وضرورة التدخل لمواجهتها بتدابير استثنائية تعتبر من قبيل التنظيم الخاص لموضوعها؛ وقد أصابها هذا التنظيم الخاص فى كثير من جوانبها، مقيداً عمل الإرادة فى مجالها، وعلى الأخص فى مجال تحديد الأجرة وامتداد العقد بقوة القانون، إلا أن الإجارة تظل- حتى مع وجود هذا التنظيم الخاص- تصرفاً قانونياً ناشئاً عن حرية التعاقد التى أهدرتها النصوص المطعون فيها من خلال إنفاذها التبادل بقوة القانون فى شأن الأعيان التى تعلق بها، فلا تكون الإجارة عقداً يقوم على التراضى ، بل إملاء يناقض أسسها ويقوضها.
وحيث إن قضاء هذه المحكمة مطرد على أن صون الدستور للملكية الخاصة ، مؤداه: أن المشرع لا يجوز أن يجردها من لوازمها، ولا أن يفصل عنها أجزاءها، ولا أن ينتقص من أصلها أو يعدل من طبيعتها أو يزيلها، ولا أن يقيد من مباشرة الحقوق المتفرعة عنها فى غير ضرورة تقتضيها وظيفتها الاجتماعية ؛وكان ضمان وظيفتها هذه، يفترض ألا ترهق القيود التى يفرضها المشرع عليها جوهر بنيانها، ولا أن يكون من شأنها حرمان أصحابها من تقرير صور الانتفاع بها؛ وكان صون الملكية وإعاقتها لا يجتمعان، فإن هدمها من خلال قيود ترهقها، ينحل عصفاً بها، منافياً للحق فيها.
وحيث إن قضاء هذه المحكمة قد جرى كذلك، على أن الملكية لا تعتبر حقاً مطلقاً، وليس لها من الحماية ما يجاوز الانتفاع المشروع بعناصرها. ومن ثم جاز تحميلها ببعض القيود التى يقتضيها صون وظيفتها الاجتماعية التى لا يجوز أن يتذرع المشرع بها ليجرد الملكية من ثمارها أو منتجاتها أو ملحقاتها؛وكان الدستور قد كفل للملكية حرمتها ولم يجز المساس بها إلا استثناء. وكان تنظيمها لدعم وظيفتها الاجتماعية لا يجوز إلا بقانون يوازن به المشرع حقوق أصحابها بما يراه من المصالح أولى بالاعتبار؛ وكانت الفقرة المطعون عليها التى تضمنها قانون الإسكان، لا تتناول غير أصل الحق فى التبادل فى البلد الواحد، على أن تحدد اللائحة التنفيذية الأحوال التى يتم فيها التبادل وشروط إنفاذه، فإن التنظيم الوارد بها لحق الملكية ، يكون متضمناً فرض قيود عليها تنال من محتواها، وعلى الأخص من خلال الآثار التى ترتبها فى مجال استعمالها.
وحيث إن التبادل المقرر بالنصوص المطعون عليها، ليس إلا تنازلاً رخص به المشرع، وبه يحل كل متبادل محل نظيره فى الوحدة المؤجرة التى يشغلها؛وكان تبادل الأعيان على هذا النحو، لا يعدو أن يكون تصرفاً قانونياً كثيراً ما يقترن بمقابل يختص به أحدهما، ولا يعود شئ منه- وأياً كان مقداره - على من يملكها، مما يخل بتساويهم مع نظرائهم فى شأن الحقوق التى يستمدونها من تنازل المستأجر الأصلى عن الإجارة إلى غيره وفقاً لنص المادة (20) من القانون رقم 136 لسنة 1981 فى شأن بعض الأحكام الخاصة بتأجير وبيع الأماكن وتنظيم العلاقة بين المؤجر والمستأجر. ذلك أن من يؤجرون أعياناً يملكونها بالخيار وفقاً لحكمها بين اعتماد تنازل مستأجرها عن إجارتها مع الحصول من المتنازل على 50% من مقابل التنازل المعروض عليه؛ أو رفض هذا التنازل استقلالاً منهم بالعين المؤجرة من دون المتنازل، على أن يؤدى إليه مالكها عندئذ النسبة ذاتها من المعروض عليه مقابلاً للتنازل عنها.
ولا كذلك الفقرة المطعون عليها- مكملاً مضمونها باللائحة التنفيذية - لأنها تجعل تبادل الأعيان المؤجرة وفقاً لأحكامها نافذاً بقوة القانون فى شأن أصحابها، ودون مقابل يعود عليهم من إتمام التنازل. وليس ذلك إلا تمييزاً منهياً عنه دستورياً بين فئتين تؤجران أعياناً تملكها، إحداهما تلك التى يتعلق التبادل بأعيانها وفقاً للنصوص المطعون عليها؛ وأخراها تلك التى يكون التنازل عن الإجارة منصرفاً إلى أعيانها فى الحدود التى بينتها المادة (20) المشار إليها. ولا يستقيم هذا التمييز- وقد افتقر إلى الأسس الموضوعية التى ينهض بها سوياً- ومبدأ تساويهم أمام القانون وفقاً لنص المادة (40) من الدستور التى تكفل صون محتواه، باعتباره مدخلاً للحرية ، وطريقاً إلى العدل والسلام الاجتماعى لا يجوز أن يعاق من خلال أعذار لا اعتبار لها.
وحيث إن تبادل الأعيان المؤجرة وفقاً للنصوص المطعون عليها، لا يحول دون انتقال منافعها بين أكثر من مستأجر يتعاقبون عليها اتصالاً بها، كلما طرأ تغيير على الأوضاع التى قام عليها التبادل الأول.
فما يكون من الأعيان المؤجرة بعيداً عن موقع العمل الأصلى ، قد يصير قريباً منه فى وقت لاحق. ومن بادل عيناً بأخرى لاتساعها، قد يظهر ضيقها من بعد. ومن يبادل مستأجراً اعتل صحياً، قد يغدو هو عليلاً، فلا يبقى فى الوحدة التى انتقل إليها- والفرض أنها بطابق أعلى - بل يٌبدلها بأخرى توافق ظروفه الصحية الجديدة ، فلا يكون التبادل الأول إجراءً نهائياً فى كل الأحوال، بل حلاً مرحلياً يتصل بأوضاع بذواتها تفترض ثباتها، فإذا اعتراها التغيير، قام بها مسوغ جديد للتبادل، فلا تخلص الأعيان المؤجرة لأصحابها، بل تنحدر حقوقهم بشأنها إلى مرتبة الحقوق المحدودة أهميتها، مع انبساط سلطة المستأجرين عليها إلى حد يخل بالملكية الخاصة التى حرص الدستور على صونها؛ تقديراً بأن المزايا التى تنتجها هى التى تبلور جوهرها، فإذا انقض المشرع عليها، صار أمرها صريماً، ومسها بذلك ضر عظيم.
وحيث إن ما نص عليه الدستور فى المادة (7) من قيام المجتمع على أساس من التضامن الاجتماعى ، يعنى وحدة الجماعة فى بنيانها، وتداخل مصالحها لا تصادمها، وإمكان التوفيق بينها ومزاوجتها ببعض عند تزاحمها، واتصال أفرادها وترابطهم ليكون بعضهم لبعض ظهيراً، فلا يتفرقون بددا أو يتناحرون طمعاً، أو يتنابذون بغياً، وهم بذلك شركاء فى مسئوليتهم قبلها، لا يملكون التنصل منها أو التخلى عنها، وليس لفريق منهم بالتالى أن يتقدم على غيره انتهازاً، ولا أن ينال من الحقوق قدراً منها يكون به - عدواناً - أكثر علواً. بل يتعين أن تتضافر جهودهم لتكون لهم الفرص ذاتها التى تقيم لمجتمعاتهم بنيانها الحق، وتتهيأ معها تلك الحماية التى ينبغى أن يلوذ بها ضعفاؤهم، ليجدوا فى كنفها الأمن والاستقرار.
وحيث إن الفقرة المطعون عليها- ومن خلال مطلق انحيازها لمصلحة من يقررون التبادل- لا تقيم وزناً لتوازن علاقاتهم مع مؤجريها، ولكنها تنحدر بها إلى ما دون مستوياتها المنطقية التى تكفل لعقود الإيجار خصائصها؛ وكانت السلطة التقديرية التى يملكها المشرع فى مجال تنظيم الحقوق، لا يجوز أن ينفلت مداها بما يفقد الملكية مقوماتها، وعلى الأخص من خلال اقتلاع مزاياها أو تهميشها تستراً بتنظيم الحقوق التى يدعيها مستأجرون ما فتئوا يرجحون مصالحهم على ما سواها، إضراراً بحقوق المؤجرين؛ وكان المشرع قد تدخل بالقواعد التى فرضها إطاراً لتبادل الانتفاع بالأعيان المؤجرة ، بما ينال من حق أصحابها فى مباشرة سلطتهم فى مجال استعمالها، وعلى الأخص عن طريق اختيارهم لمن يشغلونها، مغلباً على مصالحهم حقوقاً لاترجحها، بل تزاحمها وتعلو عليها دون مقتض، فلا يكون المستأجر إلا مناهضاً مؤجرها متحيفاً الحقوق المشروعة التى كان يجب أن يقتضيها، ليكون صراعهما بديلاً عن التعاون بينهما، مما يخل بتضامنهما اجتماعياً، وتوافق مصالحهما اقتصادياً.
وحيث إنه متى كان ما تقدم، فإن الفقرة المطعون عليها تكون مخالفة لأحكام المواد (7، 32، 34، 40، 41، 86، 144) من الدستور.
فلهذه الأسباب
حكمت المحكمة :
أولاً: بعدم دستورية الفقرة الثالثة من المادة (7) من القانون رقم 49 لسنة 1977 فى شأن تأجير وبيع الأماكن وتنظيم العلاقة بين المؤجر والمستأجر.
ثانياً: بسقوط أحكام اللائحة التنفيذية لهذا القانون الصادرة بقرار وزير الإسكان والتعمير رقم 99 لسنة 1978، وذلك فى مجال تطبيقها بالنسبة إلى تبادل الوحدات السكنية .
ثالثاً: بإلزام الحكومة المصروفات ومبلغ مائة جنيه مقابل أتعاب المحاماة .