الدعوى 24 لسنة 19 - دستورية - المحكمة الدستورية العليا - مرفوعة علنية رقم 24 لسنة 19 بتاريخ 07/02/1998

 

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

باسم الشعب

المحكمة الدستورية العليا

 

بالجلسة العلنية المنعقدة يوم السبت 7 فبراير سنة 1998 الموافق 10 شوال سنة 1418 ه. برئاسة السيد المستشار الدكتور/ عوض محمد عوض المر رئيس المحكمة

وعضوية السادة المستشارين: ونهاد عبد الحميد خلاف وفاروق عبد الرحيم غنيم وحمدى محمد على و عبد الرحمن نصير وسامى فرج يوسف وماهر البحيرى .

وحضور السيد المستشار الدكتور/ حنفى على جبالى رئيس هيئة المفوضين

وحضور السيد/ حمدى أنور صابر أمين السر

 

أصدرت الحكم الآتى

 

فى القضية المقيدة بجدول المحكمة الدستورية العليا برقم 24 لسنة 19 قضائية دستورية .

 

المقامة من

السيد / ......................

 

ضد

1- السيد / رئيس الوزراء

2- السيد / وزير العدل

3- السيد / نقيب المحامين

4- السيدة / ........................

 

الإجراءات

بتاريخ 6/2 /1997، أودع المدعى صحيفة هذه الدعوى قلم كتاب المحكمة ، طالبا الحكم بعدم دستورية الفقرة الاخيرة من المادة 58 من قانون المحاماة الصادر بالقانون رقم 17 لسنة 1983؛ وكذلك القيد الوارد فى المادة 23 من قانون المرافعات المدنية والتجارية .

 

قدمت هيئة قضايا الدولة مذكرة طلبت فيها الحكم برفض الدعوى .

 

وبعد تحضير الدعوى ، أودعت هيئة المفوضين تقريراً برأيها.

 

ونظرت الدعوى على النحو المبين بمحضر الجلسة ، وقررت المحكمة إصدار الحكم فيها بجلسة اليوم.

 

المحكمة

بعد الاطلاع على الأوراق، والمداولة .

 

حيث إن الوقائع- على ما يبين من صحيفة الدعوى وسائر الأوراق- تتحصل فى أن المدعى كان قد طعن استئنافيا فى الحكم الصادر ضده من محكمة الجيزة الابتدائية الدائرة 14 إيجارات فى الدعوى رقم 896 لسنة 1994. وقد شطب هذا الاستئناف بعد أن تخلف المستأنف عن الحضور. ثم دفع المستأنف ضده- بعد تجديده- ببطلان صحيفته عملا بنص المادة 58 من قانون المحاماة ، مما حمل المستأنف على الطعن بعدم دستوريتها، وإذ قدرت محكمة الموضوع جدية هذا الدفع، فقد قررت تأجيل نظر الدعوى المعروضة عليها إلى أن يتخذ المستأنف إجراءات الطعن بعدم الدستورية ، فأقام الدعوى الماثلة .

 

وحيث إن المادة 58 من قانون المحاماة الصادر بالقانون رقم 17 لسنة 1983 تقضى فى فقرتها الثانية بأنه لا يجوز تقديم صحف الاستئناف أو تقديم صحف الدعاوى أمام محكمة القضاء الإدارى إلا إذا كانت موقعة من أحد المحامين المقررين أمامها. وتنص فى فقرتها الخامسة على أن يقع باطلا كل إجراء يتم بالمخالفة لأحكام هذه المادة .

 

وحيث إن المدعى ينعى على نص الفقرة الخامسة من المادة 58 المشار إليها مخالفتها للمواد 2 و 9 و 40 من الدستور من عدة وجوه :

 

1- أنها تناقض قاعدة أصولية تقضى بأن الأعمال محل التكليف الشرعى هى التى تكون مقدورة للمكلفين بها، ويفترض ذلك علمهم بها، فإذا كان أمرها مجهلا أو إدراكها خافيا، صار مناط إلزامهم بها متخلفا، توكيدا لقول الله عز وجل وماكنا معذبين حتى نبعث رسولا فلا يُحَمِّل تعالى عباده جزاءً أو عقابا قبل إنذراهم.

وفى هذا الإطار لا يعدو البطلان المقرر بالنص المطعون فيه، أن يكون عقابا أُنزل بالمتقاضين الذين افترض المشرع علمهم بقانون المحاماة وبقواعد قانون المرافعات المدنية والتجارية ؛ وتنقيبهم كذلك فى جداول قيد المحامين لضمان ألا يمثلهم فى درجة التقاضى التى يرفعون نزاعهم إليها، إلا من كان مقبولا أمامها.

 

2- أن المادة 23 من قانون المرافعات، تجيز تصحيح الإجراء الباطل- ولو بعد التمسك بالبطلان- على أن يتم ذلك خلال الميعاد المقرر قانونا لاتخاذ الإجراء. فإذا كانت صحيفة الدعوى المرفوعة إلى المحكمة الاستئنافية ، غير موقع عليها من محام مقبول أمامها، فإن تصحيحها ينبغى أن يتم خلال ميعاد الطعن فى الحكم الابتدائى ، وإلا صار هذا الحكم نهائيا، منطويا على تشريد الأسرة التى قُضى بإخلائها من العين المؤجرة ، بالمخالفة لنص المادة 9 من الدستور التى ترعى وحدتها وتماسكها.

 

3- أن الفقرة الأخيرة من المادة 87 من قانون المحاماة الملغى الصادر بالقانون رقم 61 لسنة 1968- واستثناء من أصل بطلان صحيفة الدعوى المرفوعة إلى المحكمة الاستئنافية بغير التوقيع عليها من محام مقرر أمامها- لاتستلزم هذا التوقيع كلما كانت الدعوى مرفوعة ضد أحد المحامين، وكان مجلس النقابة الفرعية لم يأذن باختصامه؛ كافلا بذلك أصلا خلا منه قانون المحاماة القائم؛ وبه يسترد المواطنون حقهم فى مباشرة منازعاتهم بأنفسهم. وعلى ضوء هذا الأصل غدا هذا القانون منطويا على التمييز بين الدعاوى التى تقام ضد المحامين، وتلك التى يُخْتَصَمُ غيرهم فيها، فلايكون بطلان أولاها- دون ثانيتها- لازما ولوخلت من توقيع محام على صحيفتها، بما يناقض نص المادة 40 من الدستور.

 

وحيث إن قانون المحاماة الصادر بالقانون رقم 17 لسنة 1983، حدد للقيد فى كل من المرحلة الابتدائية والاستئنافية ، ومرحلة الطعن بالنقض وما فى حكمها، شروطا جامدة افترض عند تحقق كل منها فى مرحلتها من التقاضى ، أن يكون المحامى قد صار قادرا على مواجهتها بالجدية التى توازيها، فلايكون الانتقال من مرحلة فى التقاضى إلى ما يعلوها، إلا بافتراض أن من يوكلون فيها، مهيأون لمباشرة مسئوليتها، لا ينفكون عنها بما يبذلون من جهد يقابلها، وخبرة تلائمها، فلا يكون ولوجها نهبا لكل طارق لأبوابها، بل قصرا على هؤلاء الذين قدر قانون المحاماة - بالنصوص التى تضمنها- أنهم عوان عليها، يمدون قضاتها بما يكون لازما للفصل فى الخصومة القضائية - سواء فى جوانبها الواقعية أو القانونية - بعد بصرهم بأبعادها وتحريهم لدلالتها، وإحاطتهم بكوامنها، فلا يكون دفاعهم عن حقوق المواطنين وحرياتهم مهيضا أو بئيسا.

 

وحيث إن المادة 35 من قانون المحاماة - وفى إطار هذا الاتجاه- تتطلب لقيد المحامى أمام المحاكم الاستئنافية ، أن يكون قد اشتغل بالمحاماة فعلا خمس سنوات على الأقل من تاريخ قيد اسمه بجدول المحامين المقبولين للمرافعة أمام المحاكم الابتدائية . وعملا بالمادة 37 من هذا القانون، يكون لكل محام مقيد بجدول محكمة استئنافية ؛ حق الحضور والمرافعة أمامها، وكذلك تقديم صحف الدعاوى إليها، بشرط أن يوقع عليها، وإلا حكم ببطلانها. وهى ذات القاعدة التى كفلتها الفقرتان الثانية والأخيرة من المادة 58 المطعون عليها، بما نصتا عليه من بطلان الصحيفة التى تقدم إلى المحكمة الاستئنافية غير موقع عليها من أحد المحامين المقررين أمامها.

 

وحيث إن ذلك مؤداه، أن لكل مرحلة تبلغها الخصومة القضائية ، قضاتها ومحاميها، فلا يتولون تبعاتها تباهيا، وإنما باعتبارهم أمناء عليها بما مارسوه قبلها من أعمال قانونية تزيد من نضجهم، وتعمق خبراتهم، وتهديهم إلى الحقائق العلمية التى يقيمون بها الحق، فلا يَظِْلمُون وما المحامون- وعلى ما تقضى به المادة الأولى من قانون المحاماة - إلا شركاء للسلطة القضائية ، يُعيِنُونها على إيصال الحقوق لذويها بما يقيم لها ميزانها انتصافا، فلا يكون اجتهادها ونظرها فيها مظنونا، بل واعيا بصيراً.

 

وحيث إن حكم المادة 58 من قانون المحاماة المطعون عليها يتضمن أمرين : أولهما إيجابها أن تكون صحيفة الدعوى - فى مرحلتها الاستئنافية - موقعا عليها من محام مقرر أمامها. ثانيهما أن توقيعها من غيره، جزاؤه بطلانها. وكلا الأمرين تستنهضهما مصلحة لها اعتبارها، ذلك إن اعداد صحيفة الدعوى فى المرحلة الاستئنافية من قبل محامين مقررين أمامها، يتوخى أن يكون عرض وقائعها مستنيرا، ومساندتها بما يظاهرها من الحقائق القانونية ، مبناه دعائم تقيمها، ومفاضلتهم بين بدائل متعددة ترجيحا لأقواها احتمالا فى مجال كسبها.

 

كذلك فإن الحكم ببطلان هذه الصحيفة لخلوها من توقيع تستكمل به أوضاعها الشكلية ، ضمان مباشر لمصلحة موكليهم من جهة ؛ ولضرورة أن تتخذ الخصومة القضائية مسارا طبيعيا يؤمنها من عثراتها، فلايتفرق جهد قضاتها فيما هو زائد على متطلباتها، أو قاصر عن استيفاء جوانبها وحوائجها، من جهة ثانية .

 

وحيث إن ما تقدم مؤداه، أن نص المادة 58 المطعون عليها يقع فى نطاق السلطة التقديرية التى يملكها المشرع فى موضوع تنظيم الحقوق، بما لا ينال من أصلها أو يقيد محتواها كذلك يردد هذا النص حكم القاعدة التى تضمنتها المادة 20 من قانون المرافعات المدنية والتجارية ؛ محددة بها أحوال البطلان وجودا وزوالا؛ ومقررة بموجبها ألا بطلان بغير نص، ولا بطلان بغير ضرر، ذلك أن الأصل فى الأشكال التى يفرضها المشرع للعمل الإجرائى ، أن يكون احترامها واجبا، وإن كان النزول عليها يفترض ألا يخل التقيد بها بالأغراض التى توخاها المشرع منها، فلا يحكم بغير نص ببطلان الأعمال الإجرائية التى تناقض هذه الأشكال؛ ولا ببطلان هذه الأعمال- ولو نص عليه المشرع- إذا كان إغفال أشكالها لا يناهض المصلحة التى قصد المشرع إلى بلوغها من وراء تقريرها.

 

وحيث إنه متى كان ذلك، وكان النص المطعون فيه يتوخى أن تتوافر للخصومة القضائية عناصر جديتها من خلال محام يكون مهيأ لإعداد صحيفتها؛ وكانت مواعيد الطعن فى الأحكام مقررة - فى بدايتها ونهايتها- بقواعد آمرة لا تجوز مخالفتها؛ فإن تقرير بطلان الصحيفة التى يطعن بها على حكم ابتدائى ، ولا يوقعها محام مقبول أمام المحكمة الاستئنافية ؛ أو لا يصححها بالتوقيع عليها بعد تقديمها إليها، وقبل انقضاء مواعيد الطعن فى هذا الحكم، لا يكون منافيا للدستور.

 

وحيث إن ما ينعاه المدعى من مخالفة النص المطعون فيه للمادة الثانية من الدستور، تأسيسا على أنها تتضمن تكليفا للمخاطبين بما يجهلون، وتُحَمِّلهم ما لا يطيقون، مردود؛ بأن الحكم الشرعى - وكلما كان تكليفيا- يفترض دوما أن يكون مقدورا للمكلفين داخلا فى وسعهم؛ متضمنا طلبا يقتضيهم إما إتيان أفعال بذواتها، أو تركها، أو تخييرا بين مباشرتها أو الامتناع عنها. ولا يعتبر النص المطعون فيه متضمنا تكليفا شرعيا، بل تنظيما وضعيا للحق فى التقاضى قائما على حمل من يتقدمون بصحائفهم إلى جهة قضائية بذاتها، على الحصول من محاميهم المقررين أمامها، على توقيعهم عليها، وإلا قضى ببطلانها. وتلك هى الأعمال التى تطلبها المشرع منهم، وجعل من تَرْكِها سببا للحكم ببطلان صحائفهم هذه؛ وهى بعد أعمال محددة ضوابطها بما لا تجهيل فيه؛ وطلبها من المكلفين بها لا يجاوز قدراتهم؛ وهم جميعا سواء فى العلم بها وإمكان النزول عليها. وبوسعهم دوما- فيما إذا أضر وكلاؤهم من المحامين بمصالحهم- الرجوع عليهم لجبر الأضرار الناشئة عن ممارستهم أعمال المحاماة بما يناقض متطلباتها المقررة قانونا؛ أو يتضمن نقضا لأسسها التى حددتها أصول مهنتهم وأعرافها، وقواعد سلوكها.

 

وحيث إن ما ينعاه المدعى من مخالفة النص المطعون فيه للمادة 9 من الدستور التى تقيم الأسرة على قيم الدين والخلق والوطنية ، وترعى تماسكها، مردود؛ بأن النص المطعون فيه لا يتضمن أحكاما تتصل بالأسرة ، أو تنال من قيمها، أو توهن ترابطها. وإخراجها من مسكنها- وكلما كان عائدا إلى انغلاق طريق من طرق الطعن أمامها بسبب خطئها- أمر تتحمل وحدها مسئوليته.

 

وحيث إن ما ذهب إليه المدعى من مخالفة النص المطعون فيه لمبدأ مساواة المواطنين أمام القانون المقرر بنص المادة 40 من الدستور، مردود بأن حكم هذا النص لا يقيم تمييزا- فى مجال تطبيقه- بين المخاطبين به الذين انتظمتهم الأسس ذاتها التى قام عليها.

 

وحيث إن النص المطعون فيه لا يتعارض مع أى حكم آخر فى الدستور.

 

فلهذه الأسباب

حكمت المحكمة برفض الدعوى وبمصادرة الكفالة وألزمت المدعى المصروفات ومبلغ مائة جنيه مقابل أتعاب المحاماة .

أمين السر رئيس المحكمة