الدعوى 6 لسنة 17 - دستورية - المحكمة الدستورية العليا - مرفوعة علنية رقم 6 لسنة 17 بتاريخ 04/05/1996
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
باسم الشعب
المحكمة الدستورية العليا
بالجلسة العلنية المنعقدة يوم 4 مايو سنة 1996 الموافق 16 ذو الحجة سنة 1416 هـ .
برئاسة السيد المستشار الدكتور/ عوض محمد عوض المر رئيس المحكمة
وعضوية السادة المستشارين: عبد الرحمن نصير و سامى فرج يوسف والدكتور/ عبد المجيد فياض ومحمد على سيف الدين وعدلى محمود منصور ومحمد عبد القادر عبد الله
وحضور السيد المستشار الدكتور/ حنفى على جبالى رئيس هيئة المفوضين
وحضور السيد/ حمدى أنور صابر أمين السر
أصدرت الحكم الآتى
فى القضية المقيدة بجدول المحكمة الدستورية العليا برقم 6 لسنة 17 قضائية دستورية •
المقامة من
السيد / ....................
ضد
1 - النيابة العامة
2 - السيد / رئيس مجلس الوزراء
الإجراءات
فى الخامس من فبراير سنة 1995، أودع المدعى قلم كتاب المحكمة صحيفة الدعوى الماثلة ، طالباً الحكم بعدم دستورية القرار بقانون رقم 42 لسنة 1967 فى شأن التفويض فى بعض الاختصاصات، والفقرتين الثانية والثالثة من المادة (124) مكرراً المضافة بالقانون رقم 75 لسنة 1980 إلى قانون الجمارك الصادر بالقانون رقم 66 لسنة 1963.
وقدمت هيئة قضايا الدولة مذكرة طلبت فيها الحكم برفض الدعوى .
وبعد تحضير الدعوى ، أودعت هيئة المفوضين تقريراً برأيها.
ونُظرت الدعوى على الوجه المبين بمحضر الجلسة ، وقررت المحكمة إصدار الحكم فيها بجلسة اليوم.
المحكمة
بعد الاطلاع على الأوراق، والمداولة
حيث أن الوقائع -على ما يبين من صحيفة الدعوى وسائر الأوراق- تتحصل فى أن المدعى كان قد ضبط محأولاً تهريب مشغولات ذهبية أجنبية الصنع، بعد أن أخفاها للتخلص من أداء الضرائب الجمركية المستحقة عليها. وقد قيدت الواقعة جنحة برقم 58 لسنة 1994 وأثناء نظرها أمام محكمة جنح الشئون المالية والتجارية بالقاهرة ، دفع المدعى بعدم دستورية القرار بقانون رقم 42 لسنة 1967 فى شأن التفويض فى بعض الاختصاصات وكذلك الفقرتين الثانية والثالثة من المادة (124) مكرراً من قانون الجمارك الصادر بالقرار بقانون رقم 66 لسنة 1963. وإذ قدرت محكمة الموضوع جدية الدفع بعدم الدستورية ، وصرحت للمدعى برفع دعواه الدستورية ، فقد أقام الدعوى الماثلة .
وحيث أن المادة (124) مكررا من قانون الجمارك الصادر بالقرار بقانون رقم 66 لسنة 1963 تنص على ما يأتى : مع عدم الإخلال بأية عقوبة أشد يقضى بها قانون آخر، يعاقب على تهريب البضائع الأجنبية بقصد الإتجار أو الشروع فيه، أو على حيازتها بقصد الإتجار مع العلم بأنها مهربة ، بالحبس مدة لا تقل عن سنتين ولا تجاوز خمس سنوات، وبغرامة لا تقل عن ألف جنيه ولا تجاوز خمسين ألف جنيه... واستثناء من أحكام المادة (124) من هذا القانون، لا يجوز رفع الدعوى العمومية فى الجرائم المنصوص عليها فى الفقرة السابقة ، إلا بناء على طلب من وزير المالية أو من ينيبه. ويجوز لوزير المالية أو من ينيبه. وإلى ما قبل صدور حكم فى الدعوى العمومية -الصلح مقابل أداء مبلغ التعويض كاملاً. ولا يترتب على الصلح رد البضائع المضبوطة فى الجرائم المشار إليها، وإنما يجوز رد وسائل النقل والمواد التى استخدمت فى التهريب وتنص الفقرة الأولى من المادة (124) من قانون الجمارك المشار إليه - التى ورد حكم المادة (124) مكرراً من هذا القانون باعتباره استثناء منها - على أنه لا يجوز رفع الدعوى العمومية واتخاذ أى إجراءات فى جرائم التهريب، إلا بطلب كتابى من المدير العام للجمارك أو من ينيبه.
وحيث أن البين من ربط الفقرة الأولى من المادة (124) من قانون الجمارك، بالفقرتين الثانية والثالثة من المادة (124) مكرراً من هذا القانون، أن وزير المالية أو من ينيبه هو جهة الاختصاص بطلب رفع الدعوى الجنائية فى جرائم تهريب البضائع الأجنبيه بقصد الإتجار أو الشروع فيه أو حيازتها بقصد الإتجار مع العلم بأنها مهربة . فإذا كان التهريب غير متعلق بإحدى هذه الجرائم، فإن الاختصاص بطلب رفع الدعوى الجنائية ، ينعقد عندئذ للمدير العام للجمارك أو من ينيبه.
وحيث أن تقرير لجنة الخطة والموازنة فى شأن نص المادة (124) مكرراً من القانون الجمركى - وعلى مايبين من مضبطة الجلسة السابعة والأربعين لمجلس الشعب المعقودة فى 21 يناير سنة 1980 - مؤداه: أن الأصل فى جريمة التهريب الجمركى أن تقع بإدخال البضائع أياً كان نوعها إلى الجمهورية ، أو إخراجها منها بطرق غير مشروعة ، وبدون أداء الضرائب الجمركية المستحقة عليها كلها أو بعضها أو بالمخالفة للنظم المعمول بها، وأن قانون الجمارك لم يعتبر جريمة حيازة البضائع الأجنبية المهربة ، من جرائم التهريب الجمركى رغم ما لوحظ فى السنوات الأخيرة من ازدياد هذه الجرائم، مما أثر سلباً على الاقتصاد القومى بحرمان الدولة من الحصول على الموارد الضريبية التى تتوقعها، ليكون التخلص من الضريبة الجمركية على البضائع الأجنبيه التى تلقى رواجا كبيرا، أداه لتضخم الثروة ، بدلا من الحد منها، مما أضر فى النهاية بالصناعة المصرية .
وحيث أن المدعى ينعى على قرار وزير المالية رقم 381 لسنة 1982، صدوره استنادا إلى القرار بقانون رقم 42 لسنة 1967 فى شأن التفويض فى الاختصاصات، وأن المسائل التى نظمهاهذا القرار بقانون، من فصلة بتمامها عن التدابير التى يجوز لرئيس الجمهورية اتخاذها لدعم المجهود الحربى وفقاً لأحكام القانون رقم 15 لسنة 1967. ومع ذلك صدر القرار بقانون رقم 42 لسنة 1967 باعتباره واقعاً فى نطاق هذه التدابير، وهو ما يعنى بطلان هذا القرار بقانون، وبطلان قرار وزير المالية الصادر استناداً إليه. وإذ كان هذا القرار هو الذى خول مدير عام الجمرك أن يطلب من النيابة العامة رفع الدعوى الجنائية -بعد أن أنابه وزير المالية عنه فى ذلك- فإن تحريكها بناء على هذا الطلب، يكون فاقداً لسنده، متضمناً افتئاتاً على الاختصاص الأصيل المقرر للنيابة العامة فى هذا الشأن، ومخالفاً للدستور.
وحيث أن المدعى ينعى كذلك على الفقرتين الثانية والثالثة من المادة (124) مكرراً من القانون الجمركى ، تهادمهما مع المادة (124) من هذا القانون بما يحيلهما لغواً، وإنحرافاً بالتشريع عن الغاية التى شرع من أجلها، فضلاً عن تنكبهما مبدأ سيادة القانون المنصوص عليه فى المادة (64) من الدستور.
وحيث أن المصلحة الشخصية المباشرة -وهى شرط لقبول الدعوى الدستورية -مناطها أن يقوم ثمة ارتباط بينها وبين المصلحة القائمة فى الدعوى الموضوعية ، وذلك بأن يكون الحكم الصادر فى المسائل الدستورية لازماً للفصل فى النزاع الموضوعى ؛ وكان من المقرر أن الرقابة على الدستورية التى تباشرها هذه المحكمة ، لا تعتبر إجراءً احتياطياً، بل ملاذاً نهائياً. وعليها بالتالى ألا تفصل فيما يثيره الطعن على النصوص القانونية من المسائل الدستورية ، كلما كان بوسعها أن تتجنبها من خلال إسناد المخالفة المدعى بها إلى أساس آخر يستقم عقلاً معها ويصححها؛ وكان قرار وزير المالية رقم 381 لسنة 1982 - وحتى وإن صح القول ببطلانه لصدوره بناء على تنظيم باطل ممثلاً فى القرار بقانون رقم 42 لسنة 1967 فى شأن التفويض فى الاختصاصات - إلا أن قرار وزير المالية ، يظل محمولاً على نص الفقرة الثانية من المادة (124) مكرراً من القانون الجمركى - التى أحال فعلاً إليها - والتى لا يجوز بمقتضاها رفع الدعوى الجنائية فى شأن الجرائم المنصوص عليها بفقرتها الأولى إلا بناء على طلب من وزير المالية أو من ينيبه.
متى كان ذلك، فإن الخوض فى بطلان القرار بقانون رقم 42 لسنة 1967 - وهو ما تصوره المدعى سنداً للقرار رقم 381 لسنة 1982 الصادر عن وزير المالية - لايكون منتجا.
وحيث أن ما ينعاه المدعى من وقوع تعارض بين الفقرتين الثانية والثالثة من المادة (124) مكرراً من القانون الجمركى من ناحية ، والمادة (124) من هذا القانون من ناحية أخرى - وبفرض صحة منعاه - مردود بما جرى عليه قضاء هذه المحكمة من أن الرقابة القضائية التى تباشرها فى شأن دستورية النصوص القانونية ، مناطها مخالفتها لقاعدة تضمنها الدستور، ولا شأن لها بالتعارض بين نصين قانونيين جمعه ما قانون واحد، أو تفرقا بين قانونين مختلفين.
وحيث أن ما ينعاه المدعى من أن تخويل وزير المالية أو من ينيبه -وعملاً بالفقرة الثانية من المادة (124) مكرراً من القانون الجمركى - طلب رفع الدعوى الجنائية فى شأن الجرائم المنصوص عليها بفقرتها الأولى - ويندرج تحتها جريمة تهريب البضائع الأجنبيه بقصد الإتجار فيها - يعتبر افتئاتا على الاختصاص الأصيل المقرر للنيابة العامة فى هذا الصدد، مردود أولاً: بأن الجرائم الضريبية يصدق عليها -بوجه عام- أنها جرائم مالية غايتها التخلص من الضريبة الجمركية بعضها أو كلها، ولاتعلق لها بأشخاص مرتكبيها. ولئن جاز القول بأن بعض هذه الجرائم يخل بالحماية اللازمة لدعم الصناعة الوطنية من خلال تطبيق النظم المعمول بها فى شأن البضائع الممنوع استيرادها، إلا أن الجرائم الضريبية فى مختلف صورها، يتعين معاملتها وفق ضوابط حذرة يكون تقديرها عائداً إلى الإدارة المالية ذاتها، لتزن على ضوئها خطورة كل منها وملابساتها، فلا تقام الدعوى الجنائية عنها إلا بناء على طلبها، بعد تقييمها لكل حالة على حدة . وتلك هى الأغراض التى توختها الفقرة الثانية من المادة (124) مكرراً المشار إليها. ذلك أن دور الإدارة المالية فى مجال تطبيقها -وبوصفها مجنياً عليها فى الجرائم التى تحيل إليها -لا يعدو أن يكون إعمالاً لسلطتها التقديرية فى نطاقها، لا تتقيد فى ذلك إلا باستهدافها المصلحة العامة ، سواء عند طلبها رفع الدعوى الجنائية فى شأن جريمة من بينها أو غضها لبصرها عنها.
ومردود ثانياً: بأن الأصل المقرر بنص المادة (70) من الدستور، هو ألا تقام الدعوى الجنائية إلا بأمر من جهة قضائية فيما عدا الأحوال التى يحددها القانون، وهى قاعدة تمثل أصلاً ثابتاً، ومن ثم كان منطقياً أن تشير إليها أيضاً المادة الأولى من قانون الإجراءات الجنائية الصادر بالقانون رقم 150 لسنة 1950 بنصها على أن تختص النيابة العامة دون غيرها برفع الدعوى الجنائية ومباشرتها، ولا ترفع من غيرها إلا فى الأحوال المبينة فى القانون. وقد رددتها كذلك المادة (21) من قانون السلطة القضائية الصادر بالقرار بقانون رقم 46 لسنة 1972، فيما نصت عليه من أن للنيابة العامة دون غيرها، الحق فى رفع الدعوى الجنائية ومباشرتها مالم ينص القانون على خلاف ذلك. وهو مايعنى أن الأصل فى رفعها أن يكون عائداً إلى النيابة العامة تتولاه دون غيرها على ضوء وقائع الإتهام وأدلتها، لا استثناء من ذلك إلا فى جرائم بذواتها يحددها القانون، وتقتضى طبيعتها الخاصة الا تتخذ النيابة العامة إجراء فيها إلا بناء على طلب من الجهة التى عينها المشرع، يصدر عنها وفق ما تراه ملائماً وأوثق اتصالاً بالمصلحة التى توخاها المشرع من التجريم.
ومردود ثالثاً: بأن تعليق حق النيابة العامة فى رفع الدعوى الجنائية بشأن بعض الجرائم على طلب من الجهة التى عينها المشرع، لا يعدو أن يكون قيداً استثنائياً على سلطتها فى مجال تحريكها، ومفترضاً إجرائياً لجواز مباشرتها. ولا يعتبر الطلب بالتالى عنصراً فى قيام الجريمة أو توافر أركانها، بل مجرد عقبة تحول دون اتخاذ إجراء فيها ما بقى القيد قائماً، وكان ارتفاع هذا القيد مؤداه: أن يعود إلى النيابة العامة اختصاصها كاملاً فى شأن هذه الجرائم، فلا تلتزم برفع الدعوى الجنائية عنها، بل تقرر -وفقاً لتقديرها- تحريكها أو إهما لها؛ وكانت العقوبة التى يفرضها المشرع على الجريمة الضريبية غير مقصودة لذاتها، بل لتحقيق غرض محدد يرتبط بها، يتمثل أصلاً فى صون مصلحة الخزانة العامة فى إطار من التفاهم بين المحملين بالضريبة والجهة الإدارية التى تقتضيها، فإن التدخل بالجزاء الجنائى لحملهم على إيفائها - كأحد عناصر التعويض المقرر قانوناً فى شأن جريمتهم -لايكون إلا ملاذاً أخيراً ونهائياً. بما مؤداه: أن الجهة التى حددها المشرع، هى التى تقدر بنفسها - وعلى ضوء مقاييسها - خطورة الآثار المرتبطة بها، وملاءمة رفع الدعوى الجنائية أو التخلى عنها بعد إرتكابها.
وحيث إنه متى كان ما تقدم، وكان نص الفقرة الثانية من المادة (124) مكرراً من القانون الجمركى ، يرعى الطبيعة الخاصة للجرائم محل الطلب، وتقرر فى حدود ضيقة ، وبصفة استثنائية ، وبما لا يجاوز نطاق التفويض المخول للسلطة التشريعية بمقتضى نص المادة (70) من الدستور، فإن حكمها لا يكون معطلاً مبدأ سيادة القانون، بل ينحل قيداً نظامياً يتوخى -ولمصلحة لها اعتبارها- الحد من إطلاق يد النيابة العامة فى مجال تحقيقها الدعوى الجنائية وتحريكها وفقاً للقانون، فلا يجوز لها أن تتخطاه، وإلا كان ذلك عدواناً منها على المصلحة المقصودة بالحماية التى يتعلق الطلب بها.
وحيث أن الفقرة الثالثة من المادة (124) مكرراً من القانون الجمركى ، التى دمغها المدعى بأنها تتمحض لغواً، وإنحرافاً فى استعمال السلطة التشريعية ، واقتحاماً لحدود سيادة القانون، تخول وزير المالية أو من ينيبه - وإلى ما قبل صدور حكم فى الدعوى العمومية - الصلح وفقاً للشروط التى بينتها؛ وكان تقديم المتهم إلى المحاكمة ، وإن دل على أن صلحاً لم يبرم بعد فيما بين الجهة الإدارية المعنية والمدعى ، إلا أن إمكان عقده إلى ما قبل صدور حكم فى الدعوى الجنائية يظل قائماً، لتتهيأ للمدعى بذلك مصلحة محتملة ينازع بها فى مضمون الشروط التى يتعين قانوناً أن يشتمل الصلح عليها، ذلك أن فرص الدخول فيه، تتحدد على ضوء يسر هذه الشروط أو عسرها أو بطلانها، وهو مايعنى أن تتولى هذه المحكمة الفصل فى دستوريتها.
وحيث أن للصلح المقرر بنص الفقرة الثالثة المشار إليها، مضمونا محدداً وأثراً قانونياً يترتب عليه، فمن ناحية محتواه، ينعقد الصلح مقابل أداء مبلغ التعويض كاملاً وينحصر أثره فى أمرين:
أولهما: انقضاء الدعوى الجنائية فى الجرائم المشار إليها بالفقرة الأولى من المادة (124) مكرراً من القانون الجمركى ، وهى جرائم تهريب البضائع الأجنبية بقصد الإتجار فيها أو الشروع فيه أو حيازتها بقصد الإتجار مع العلم بتهريبها.
ثانيهما: امتناع رد البضائع المضبوطة فى هذه الجرائم، مع جواز رد وسائل النقل والمواد المستخدمة فى تهريبها.
وحيث أن ما تقدم مؤداه: أن لكل صلح ينعقد وفق الأحكام المنصوص عليها بالفقرة الثالثة من المادة (124) مكررا من هذا القانون، أثراً حتمياً يتمثل فى مصادرة البضائع المضبوطة فى تلك الجرائم. أما وسائل ومواد تهريبها، فإن مصادرتها لا تقع بقوة القانون، بل يَعُود إجراؤها إلى تقدير الجهة الإدارية المعنية ، وهو ما يفيد أن مصادرة البضائع التى جرى ضبطها على النحو المتقدم، لا يستند إلى إرادة المتعاقدين اللذين تلاقيا على التصالح فيما بينهما، بل تتم هذه المصادرة بناء على نص فى القانون. ويتعين بالتالى إنفاذ اثرها ولو خلا عقد الصلح من النص عليها، بل ولو اسقطها هذا العقد لنزول الجهة الإدارية عنها، ذلك أن المشرع أوجبها بناء على قاعدة قانونية آمرة لايجوز الاتفاق على خلافها. كذلك فإن نص القانون هو الذى خول الجهة الإدارية المعنية ، الخيار بين مصادرة وسائل النقل التى استخدمت فى تهريب البضائع المضبوطة ، أو ردها إلى أصحابها. وسواء تعلق الأمر بالمصادرة الوجوبية التى فرضها المشرع فى شأن هذه البضائع، أم بالمصادرة التى تجريها الجهة الإدارية بإرادتها فى شأن وسائل نقلها، فإن المصادرة فى الحالتين لا تقع بناء على حكم قضائى ، وذلك خلافاً لنص المادة (36) من الدستور، ودون تقيد بالقاعدة العامة التى إلتزمها القانون الجمركى ذاته فى شأن التهريب، وبينتها المادة (122) منه، التى تنص على أن يحكم فى جميع الأحوال - وعلاوة على الجزاءين الجنائى والمالى المقررين بها - بمصادرة البضائع موضوع التهريب، فإذا لم تضبط حكم بما يعادل قيمتها. ويجوز الحكم بمصادرة وسائل النقل والأدوات والمواد التى استعملت فى التهريب،وذلك فيما عدا السفن والطائرات مالم تكن أعدت أو أجرت فعلاً لهذا الغرض.
وحيث أن من المقرر قانوناً - وعلى ماجرى به قضاء هذه المحكمة - أن حق الملكية - وباعتباره منصرفاً محلاً إلى الحقوق العينية والشخصية جميعها، وكذلك إلى حقوق الملكية الأدبية والفنية والصناعية -نافذ فى مواجهة الكافة ليختص صاحبها دون غيره بالأموال التى يملكها وتهيئة الانتفاع المفيد بها لتعود إليه ثمارها وملحقاتها ومنتجاتها، وأنه صوناً لحرمتها، لا يجوز أن تزول الملكية عن ذويها بانقطاعهم عن استعمالها. وليس للمشرع كذلك أن يجردها من لوازمها، ولا أن يفصل عنها بعض الأجزاء التى تكونها، ولا أن ينال من أصلها أو يعدل من طبيعتها، أو يقيد من مباشرة الحقوق التى تتفرع عنها فى غير ضرورة تقتضيها وظيفتها الاجتماعية ، ولا أن يتذرع بتنظيمها إلى حد هدم الشى ء محلها، ذلك أن اسقاط الملكية عن أصحابها سواء بطريق مباشر أو غير مباشر، عدوان عليها يناقض ما هو مقرر قانوناً من أن الملكية لا تزول عن الأموال محلها، إلا إذا كسبها أغيار وفقاً للقانون. ولئن جاز القول بأن الأصل فى سلطة المشرع فى موضوع تنظيم الحقوق، أنها سلطة تقديرية يفاضل المشرع من خلالها بين بدائل متعددة مرجحاً من بينها ما يراه أكفل لتحقيق المصالح المشروعة التى قصد إلى حمايتها، إلا أن الحدود التى يبلغها هذا التنظيم لا يجوز بحال أن تجاوز - بمداها - متطلباتها المنطقية ، وإلا تعين القول بانطوائها على ما يعد أخذاً للملكية من أصحابها A taking of property. ولا يجوز بالتالى العدوان على الملكية بما يعتبر إقتحاماً مادياً لها Physical invasion أياً كانت المدة التى يمتد إليها غصبها، ولااقتلاع المزايا التى تنتجها أو ترتبط بمقوماتها. بل أن إنكار هذه المزايا عمن يملكون، يعدل - فى الآثار التى يرتبها - الاستيلاء على ملكهم فعلاً Physical appropriation، ذلك أن المشرع حين يجرد الملكية من ثمارها وملحقاتها ومنتجاتها، فإنه يحيلها عدماً، ولو بقيت لأصحابها السيطرة الفعلية على الأموال محلها. ولا يفترض عندئذ أن المشرع يعيد تنظيم الملكية فى إطار وظيفتها الاجتماعية ترتيباً لأوضاع إقتصادية تتصل بمصالح قومية ، ذلك أن الملكية الخاصة التى لا تقوم على الإستغلال، ولا تناقض طرق استخدامها الخير العام لجموع المواطنين، يجب حمايتها على ما تقضى به المادة (32) من الدستور، لتظهر الملكية ومصادرتها على طرفى نقيض، باعتبار أن وجودها وإنعدامها لا يمكن أن يتلاقيا فى أن واحد، ولأن الملكية لا تنزع عن أصحابها إلا لمنفعة عامة ، ومقابل تعويض وفقاً للقانون، وهو ما نص عليه الدستور فى المادة (34)، التى قرنها بنص المادة (35) التى تقضى بأن التأميم لا يجوز إلا لإعتبار متعلق بالصالح العام، وبقانون ومقابل تعويض. بما مؤداه: حظر تقييد الملكية فيما يجاوز نطاق وظيفتها الاجتماعية ، وأن التعويض عن حرمان صاحبها من مزاياها، يتعين أن يكون مكفولاً وجابرا للأضرار الناشئة عن تعطيل الانتفاع بها.
وحيث أن عدم رد البضائع المضبوطة إلى أصحابها وفقاً لنص الفقرة الثالثة من المادة (124) مكرراً من القانون الجمركى ، يعنى أن تحل الدول محلهم فى ملكيتها، وأن تؤول هذه البضائع إليها بلا مقابل، وهو ما يفيد مصادرتها وجوباً بقوة القانون؛ وكانت هذه المصادرة التى حتمها المشرع - كأثر للتصالح فيما بين الممولين والجهة الإدارية المعنية - لا تعد تدبيراً إحترازياً متصلاً بأشياء تكمن فيها خطورة إجرامية مردها أن استعمالها أو صنعها أو حيازتها أو بيعها أو عرضها للبيع، يعد جريمة فى ذاته objects the possession of Which, without more, constitutes a crime، فلا ترتهن مصادرتها بالحكم بعقوبة أصلية مما يقتضى سحبها من التداول توقياً لاتصال آخرين بها، ولو كان آخرون يملكونها وكان حسن نيتهم ثابتاً However blameless or unknowing their owners may be ؛ وكانت واقعة الإتهام إلتى نسبتها النيابة العامة إلى المدعى ، لا شأن لها بأشياء حظر المشرع تداولها، بل مبناها تهريب بضائع أجنبيه بقصد الإتجار فيها، فإن عدم ردها إلى أصحابها بعد ضبطها، يعتبر عقاباً جنائياً لقيام صلة بين مصادرتها وبين الجريمة التى تم إرتكابها، وهى بعد عقوبة عينية ترد على أموال بذاتها تتمثل فى بضائع جرى ضبطها اتصالاً بتهريبها، وكان ينبغى بالتالى أن يصدر بها حكم قضائى . يؤيد ذلك أن المصادرة - وعلى مايبين من المادة (36) من الدستور - إما أن تكون مصادرة عامة تتناول العناصر الإيجابية لكامل الذمة المالية لشخص معين، أو حصة على الشيوع فيها. وهذه لايجوز توقيعها على الإطلاق. وأما أن يكون محلها شئ أو أشياء معينة بذواتها. وهذه هى المصادرة الخاصة التى لا يجوز توقيعها إلا بحكم قضائى ، ولو كانت جزاءً مدنياً على مخالفة النظم الجمركية المعمول بها. ذلك أن هذه المصادرة تتناول حقوقاً فردية لها قيمة مالية كفل الدستور صونها بنص المادة (34)، ولا يجوز بالتالى المساس بها إلا من خلال حق التقاضى حتى لا تنحسر عنها ضماناته الجوهرية التى يتصدرها حق الدفاع، ليتم الفصل فى هذه الحقوق - سواء بإثباتها أو نفيها - على ضوء نظرة محايدة تحيطها، ووفق مقاييس وضوابط حددها المشرع سلفاً. كذلك فإن عموم نص المادة (36) من الدستور، مؤداه: أن تعليق جواز المصادرة الخاصة على صدور حكم قضائى بها، غير مقيد بالأحوال التى تكون هذه المصادرة فيها عقاباً تقرر بنص جنائى ، بل يكون الحكم القضائى بها لازماً فى كل صورها، ومن ثم مطلوباً عند مصادرة البضائع الأجنبية التى قام شخص بتهريبها بقصد الإتجار فيها، وكذلك وسائل ومواد نقلها، وذلك أياً كانت طبيعة هذه المصادرة أو أغراضها. وحيث أن حكم الفقرة الثالثة من المادة (124) مكرراً من القانون الجمركى المطعون عليها - وقد نقض - على النحو المتقدم - الحق فى الملكية ، وأخل بمبدأ سيادة القانون، وأهدر ولاية السلطة القضائية - فإنه يكون منافياً لأحكام المواد (32، 34، 63، 65، 165) من الدستور.
فلهذه الأسباب
حكمت المحكمة :-
أولا: بعدم قبول الدعوى بالنسبة إلى الطعن بعدم دستورية القرار بقانون رقم 42 لسنة 1967 فى شأن التفويض فى بعض الاختصاصات.
ثانياً: برفض الطعن بعدم دستورية الفقرة الثانية من المادة (124) مكررا من قانون الجمارك الصادر بالقرار بقانون رقم 66 لسنة 1963.
ثالثاً: بعدم دستورية الفقرة الثالثة من المادة (124) مكرراً من قانون الجمارك الصادر بالقرار بقانون رقم 66 لسنة 1963، وذلك فيما نصت عليه من أنه ولا يترتب على المصلحة رد البضائع المضبوطة فى الجرائم المشار إليها، وإنما يجوز رد وسائل النقل والمواد التى استخدمت فى التهريب.
وإلزمت الحكومة المصروفات ومبلغ مائة جنيه، ما قبل أتعاب المحاماة .