الدعوى 65 لسنة 19 - دستورية - المحكمة الدستورية العليا - مرفوعة علنية رقم 65 لسنة 19 بتاريخ 09/05/1998

 

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

باسم الشعب

المحكمة الدستورية العليا

بالجلسة العلنية المنعقدة يوم السبت 9 مايو سنة 1998 الموافق 13 المحرم سنة 1419 هـ .

برئاسة السيد المستشار الدكتور عوض محمد عوض المر رئيس المحكمة

وعضوية السادة المستشارين : الدكتور محمد إبراهيم أبو العينين ومحمد ولى الدين جلال ونهاد عبد الحميد خلاف وفاروق عبد الرحيم عنيم وحمدى محمد على والدكتور عبد المجيد فياض.

وحضور السيد المستشار الدكتور / حنفى على جبالى رئيس هيئة المفوضين

وحضور السيد / حمدى أنور صابر أمين السر

أصدرت الحكم الآتى

 

فى القضية المقيدة بجدول المحكمة الدستورية العليا برقم 65 لسنة 19 قضائية دستورية .

المقامة من

شركة مصر للغزل والنسيج بالمحلة الكبرى

ضد

1- السيد / رئيس الجمهورية

2 -السيد / رئيس مجلس الشعب

3 -السيد / رئيس مجلس الوزراء

4 -السيد / وزير الصحة

5 -السيد / رئيس مجلس إدارة الهيئة العامة للتأمين الصحى

الإجراءات

بتاريخ 30 من مارس سنة 1997، أودعت الشركة المدعية صحيفة هذه الدعوى قلم كتاب المحكمة ، طالبة الحكم بعدم دستورية نص المادة الخامسة من القانون رقم 126 لسنة 1981، وذلك فيما نصت عليه من غرامة عن التأخير فى تقديم نظام العلاج الخاص بها إلى المجلس الأعلى للرعاية العلاجية التأمينية .

قدمت هيئة قضايا الدولة مذكرة طلبت فيها الحكم برفض الدعوى .

وبعد تحضير الدعوى ، أودعت هيئة المفوضين تقريراً برأيها.

ونُظرت الدعوى على النحو المبين بمحضر الجلسة ، وقررت المحكمة إصدار الحكم فيها بجلسة اليوم.

المحكمة

بعد الاطلاع على الأوراق، والمداولة .

حيث إن الوقائع- على ما يبين من صحيفة الدعوى وسائر الأوراق- تتحصل فى أن الهيئة العامة للتأمين الصحى ، كانت قد أقامت الدعوى رقم 1164 لسنة 1996 مدنى كلى أمام محكمة مأمورية المحلة الكبرى الإبتدائية بطلب الحكم بإلزام المدعية - شركة مصر للغزل والنسيج بالمحلة الكبرى - بأن تؤدى لها مبلغ 226,75 جنيهاً، فضلاً عن فوائد التأخير التى تدعى استحقاقها جزاء تراخى المدعية عن تقديم نسخة معتمدة من نظامها العلاجى لعمالها خلال الميعاد المقرر بالمادة (4) من القانون رقم 126 لسنة 1981 بإنشاء المجلس الأعلى للرعاية العلاجية التأمينية .

وإذ دفعت المدعية - وأثناء نظر النزاع الموضوعى - بعدم دستورية المادة (5) من هذا القانون، وكانت محكمة الموضوع قد قدرت جدية دفعها، فقد خولتها رفع الدعوى الدستورية فى شأن المسائل الدستورية التى أثارتها، فأقامتها.

وحيث إن المصلحة الشخصية المباشرة - وهى شرط لقبول الدعوى الدستورية - مناطها ارتباطها عقلا بالمصلحة التى يقوم بها النزاع الموضوعى ، وذلك بأن يكون الفصل فى المسائل الدستورية التى تُدعى هذه المحكمة لحسمها، لازماً للفصل فى الطلبات الموضوعية المرتبطة بها؛ وكانت المادة (5) المطعون عليها تقرر سريان أحكامها فى شأن الجهات التى يعامل المنتسبون إليها وفقاً لنظام الأجور، وكذلك الجهات التى لا يعتبر منتسبوها خاضعين لهذا النظام؛ وكان الجزاء المقرر بنص المادة (5) المطعون عليها يتناول هاتين الفئتين؛ وكانت المدعية تتوخى بدعواها الدستورية إعفاءها من المبالغ التى حملتها بها المادة (5) المطعون عليها جزاء تخلفها عن تقديم نسخة معتمدة من النظام العلاجى لعمالها الخاضعين لقواعد الأجور، فإن مصلحتها فى الطعن عليها تتحدد على ضوء ما تعلق من أحكامها بالجهات التى يعتبر منتسبوها كذلك. وعلى ضوء هذا النطاق، يتحدد موضوع الخصومة الدستورية ، وكذلك المسائل التى تُدعى هذه المحكمة للفصل فيها.

وحيث إن المادة (4) من القانون رقم 126 لسنة 1981 بإنشاء المجلس الأعلى للرعاية العلاجية التأمينية ، تقيد الجهات التى حددتها بضرورة عرض نظمها العلاجية مع وثائقها المعتمدة - خلال الميعاد المبين بها- على ذلك المجلس، وإلا حق عليها الجزاء المنصوص عليه فى المادة (5) من هذا القانون، فإن هاتين المادتين معا تشكلان وحدة عضوية فى مجال الفصل فى مناعى المدعية التى أثارتها فى شأن المادة (5) المشار إليها.

وحيث إن المادتين (4، 5 /1) من القانون المطعون عليه تجريان على النحو الآتى :

مادة 4 :

مع عدم الإخلال بما تقضى به المادة (72) من قانون التأمين الاجتماعى الصادر بالقانون رقم 79 لسنة 1975 تلتزم جميع الوزارات والمصالح والهيئات العامة والوحدات الاقتصادية وأصحاب الأعمال بالقطاع الخاص والنقابات المهنية والعمالية التى تتولى بنفسها رعاية المنتسبين إليها علاجياً بالتقدم إلى المجلس الأعلى للرعاية العلاجية التأمينية خلال ستة أشهر من تاريخ العمل بهذا القانون بنسخة معتمدة عن نظام العلاج والقواعد والتعليمات الخاصة بكيفية تنفيذه وبيان إحصائى بعدد المستفيدين به، وتلتزم هذه الجهات بالاستمرار فى تقديم خدماتها العلاجية حتى يصدر المجلس قراره بشأنها.

وعلى جميع الجهات التى تزعم تطبيق نظام للرعاية العلاجية لأعضائها أو للعاملين لديها أو أسرهم أن تتقدم إلى المجلس الأعلى بنسخة من الوثائق المشار إليها بالفقرة السابقة وألا تزاول نشاطها إلا بعد الترخيص لها بذلك.

مادة 5 [ فقرة أولى ] :

إذا لم تقدم أية جهة من الجهات المشار إليها بالمادة السابقة ، نظامها إلى المجلس فى الموعد المشار إليه، أو خالفت قرارات المجلس الأعلى بشأنها، إلتزمت بدفع قيمة الاشتراكات المقررة بمقتضى أحكام قانون التأمين الاجتماعى الصادر بالقانون رقم 79 لسنة 1975 للمؤمن عليهم وذلك عن المدة التى تخلفت فيها عن تقديم النظام أو امتنعت فيها عن تنفيذ قرار المجلس. فإذا لم يكن المنتسبون للجهة المذكورة خاضعين لنظام الأجور، إلتزمت الجهة بأن تدفع سنوياً، ما يعادل 50% من قيمة الاشتراك السنوى الذى يؤديه العضو المنتسب للإستفادة من الخدمة العلاجية ، أو جنيهاً واحداً أيهما أقل، عن مدة التخلف عن كل عضو مستفيد.

وحيث إن المدعية تنعى على المادة (5) المطعون عليها مخالفتها للمواد (38، 65، 66) من الدستور من النواحى الآتى بيانها :

1- إنطواؤها على توقيع عقوبة بغير حكم قضائى ، ومناقضتها أصل الخضوع للقانون، تقديراً بأن القوانين التى تفرض جزاءً جنائياً، لايجوز أن يقاس عليها، ولا أن يلحق بها حكم غير متعلق بها، وإنما يتعين تفسيرها تفسيراً ضيقاً.

2- أن مجرد تأخر شركة قطاع الأعمال العام- المدعية - فى أن تقدم نظامها الخاص بالرعاية الصحية إلى المجلس الأعلى للرعاية العلاجية التأمينية ، لا يجوز أن يكون مساوياً فى أثره لنظم علاجية غير قائمة أصلاً، ولا أن يكون الجزاء على هذا التأخير- ممثلاً فى المبالغ التى فرضها النص المطعون فيه عليها- فاحشاً، ذلك أن شرعية الجزاء- جنائياً كان أم مدنياً أم إدارياً- مناطها أن يكون متناسباً مع الأفعال التى أثمها المشرع أو منعها.

3- أن النص المطعون فيه لا يتوخى غير مجرد تمكين الدولة من جباية الأموال دون حق، وبما ينافى إلتزامها بضمان العدالة الاجتماعية وفقاً لنص المادة (38) من الدستور.

وحيث إن الجزاء لا يكون مخالفاً للدستور، كلما ارتبط عقلا بأوضاع قدر المشرع ضرورة النزول عليها، وكان ناجماً عن الإخلال بها. كذلك لا يعتبر الجزاء جنائياً فى غير دائرة الأفعال أو صور الامتناع التى جرمها المشرع من خلال عقوبة قرنها بإتيانها أو تركها.

وحيث إن المشرع أقام المجلس الأعلى للرعاية العلاجية التأمينية ، من أجل دراسة السياسة العامة لهذه الرعاية ، ومتابعة تنفيذها، ومراجعتها على ضوء النتائج التى يسفر عنها تطبيقها، والتنسيق بين نظمها المختلفة بما يكفل تكاملها، وبمراعاة أن تنبسط مظلتها إلى آفاق جديدة تكفل مستوياتها الأفضل- بعداً وعمقاً- بما يوفر مزيداً من فرص الانتفاع بها، ويصون للرعاية العلاجية التأمينية معدلاتها وحدودها التى تلائم بين نظمها من جهة ، وضرورة تطوير وسائلها من جهة أخرى .

وحيث إن ضمان الرعاية الصحية التأمينية ، إنما يكون أصلاً من خلال الدولة تنفيذاً من جانبها لإلتزامها بأن توفر لهذه الرعاية بيئتها وأسبابها وفقاً لنص المادة (17) من الدستور.

بيد أن إلتزامها بأن تكفل لمواطنيها ظروفاً أفضل، تتهيأ بها لخدماتهم الصحية ما يقيمها- فى نوعها ونطاقها- على أسس ترعى احتياجاتهم منها وتُطَوِّرها، لا يعنى أن تنفرد وحدها بصون متطلباتها، ولا أن تتحمل دون غيرها بأعبائها، وإلا كان ذلك تقويضاً لركائز التضامن الاجتماعى التى يقوم مجتمعها عليها. ومن ثم كان منطقياً أن يتضافر معها القادرون من مواطنيها فى مجال النهوض بها، وأن يتخذ بعضهم فى شأن عمالهم، نظماً علاجية يستقل بها، وتظلهم بحمايتها.

وحيث إن ذلك مؤداه: أن أشخاص القانون العام أو الخاص قد تتولى بوسائلها، رعاية من ينتسبون إليها من خلال نظم علاجية تخطتها لنفسها، وتعمد إلى تطبيقها فى شأنهم.

وكلما تعلق الأمر بما يكون من هذه النظم قائماً عند العمل بالقانون رقم 126 لسنة 1981 المشار إليه، فإن على الجهات المنصوص عليها فى المادة الرابعة من هذا القانون-خلال الميعاد المحدد بها- أن تعرض على المجلس الأعلى للرعاية العلاجية التأمينية ، الوثائق المعتمدة التى تُظْهِر ملامح هذه النظم وخصائصها، وكذلك نطاق سريانها، وكيفية تنفيذها. فإن هى لم تعرضها على هذا المجلس خلال الميعاد المنصوص عليه فى المادة الرابعة من هذا القانون؛ أو عرضتها عليه، ولكن قرار المجلس بشأنها ظل بلا تنفيذ من جانبها، كان ذلك واشياً بأن نظمها العلاجية يعتريها قصور يحول دون وفائها بالأغراض المقصودة منها، فلا يجوز التعويل عليها، وإنما يتعين معاملتها بافتراض أن عواراً أصابها يحول دون اعتمادها، ولا يقيمها بديلاً عن الرعاية العلاجية التى تكفلها الهيئة العامة للتأمين الصحى .

ويظل هذا الافتراض متصلاً بهذه النظم، طوال الفترة التى كان فيها التراخى عن تقديمها، أو الامتناع عن تنفيذ قرار المجلس بشأنها، قائماً. ومن ثم كان منطقياً أن يستصحب المشرع فى شأن هذه الفترة ، الأوضاع السابقة عليها، وأن يخضعها لقواعدها، وأن يقابلها بجزاء يكون مساوياً فى أثره لقيمة الاشتراكات المقررة للمؤمن عليهم عنها بمقتضى قانون التأمين الاجتماعى الصادر بالقانون رقم 79 لسنة 1975.

وحيث إن هذا الجزاء- مقدرا على هذا النحو- لا يجاوز موازين الاعتدال، وإنما تقرر على ضوء علاقة منطقية تقوم بين إخلال الجهات المنصوص عليها فى المادة (4) من القانون رقم 126 لسنة 1981 المشار إليه- وخلال المدة المحددة بها- بإلتزاماتها المنصوص عليها فيها؛ وبين ضرورة أن يكون جزاء هذا الإخلال مرتبطاً بالمدة التى امتد إليها، ومعادلاً بالتالى لقيمة اشتراكاتها التى كان ينبغى عليها أن تؤديها عنها-وفقاً لقانون التأمين الاجتماعى -فيما لولم تكن لديها نظم علاجية خاصة بها، ذلك أن الأصل فى النظم العلاجية القائمة عند العمل بهذا القانون، أن تكون مستوفية لعناصر تكاملها وجوهر متطلباتها، كافلة تحقيق أهدافها. والتقصير فى عرض وثائقها المعتمدة على المجلس الأعلى للرعاية العلاجية التأمينية ، وكذلك غض البصر عن تنفيذ ما قرره المجلس فى شأن هذه النظم بعد عرضها عليه، يثير شكوكاً خطيرة حول جديتها، أو على الأقل فى شأن مناسبتها لضمان الأغراض المقصودة منها، فلا تعامل بافتراض صلاحيتها، وإنما ينظر إليها على تقدير إنعدامها.

وحيث إن ما تنعاه المدعية من مخالفة النص المطعون فيه للمادة (38) من الدستور، والتى تقيم النظم الضريبية على اختلافها على قاعدة العدالة الاجتماعية ، مردود بأن الضريبة لا يفرضها إلا المشرع فى شأن الملتزمين بها الذين يدفعونها دون خطأ من جانبهم، باعتبار أن مصدرها المباشر نص القانون. ولا يتمحض النص المطعون فيه عبئاً ضريبياً بهذا المعنى ، وإنما ينحل تعويضاً عن خطأ صدر عن الجهات التى عينتها المادة (4) المشار إليها، بسبب إخلالها بواجبها فى عرض نظمها العلاجية على المجلس خلال الميعاد المحدد بها، أو امتناعها عن تنفيذ قراره بشأنها بعد عرضها عليه. فلا يكون هذا النكول من جانبها إلا خطأ من جهتها ناجماً عن إعراضها عن القيود التى فرضها المشرع عليها دون تمييز بينها. ومن ثم يكون نص القانون مصدراً غير مباشر للتعويض عن هذا الخطأ.

وحيث إن النص المطعون فيه لا يتعارض مع أحكام الدستور من أوجه أخرى .

فلهذه الأسباب

حكمت المحكمة برفض الدعوى ، وبمصادرة الكفالة ، وألزمت المدعية المصروفات ومبلغ مائة جنيه مقابل أتعاب المحاماة .