الدعوى 16 لسنة 19 - دستورية - المحكمة الدستورية العليا - مرفوعة علنية رقم 16 لسنة 19 بتاريخ 06/06/1998

 

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

باسم الشعب

 

المحكمة الدستورية العليا

بالجلسة العلنية المنعقدة يوم السبت 6يونيو سنة 1998 الموافق 11صفر سنة 1419هـ .

برئاسة السيد المستشار الدكتور/ عوض محمد عوض المر رئيس المحكمة

وعضوية السادة المستشارين: الدكتور/ محمد إبراهيم أبو العينين ومحمد ولى الدين جلال ونهاد عبد الحميد خلاف وفاروق عبد الرحيم غنيم وحمدى محمد على وعدلى محمود منصور

وحضور السيد المستشار الدكتور/ حنفى على جبالى رئيس هيئة المفوضين

وحضور السيد/ حمدى أنور صابر أمين السر

أصدرت الحكم الآتى

 

فى القضية المقيدة بجدول المحكمة الدستورية العليا برقم 16 لسنة 19 قضائية دستورية .

المقامة من

السيد / .....................

ضد

1- السيد / رئيس مجلس الوزراء

2- السيد / وزير المالية

3- السيد / وكيل أول وزارة المالية ورئيس مصلحة الضرائب

4- السيد / رئيس مجلس إدارة صندوق الرعاية الاجتماعية للعاملين بمصلحة الضرائب العامة 5- السيد / وكيل وزارة المالية ورئيس قطاع الضرائب العامة بالمنوفية

الإجراءات

بتاريخ 23 يناير سنة 1997، أودع المدعى صحيفة هذه الدعوى قلم كتاب المحكمة ، طالباً الحكم بعدم دستورية البند الخامس من المادة (13) من نظام صندوق الرعاية الصحية والاجتماعية للعاملين بمصلحة الضرائب، الصادر بقرار وزير المالية رقم 19 لسنة 1981 والمعدل بقراره رقم 249 لسنة 1988.

وقدمت هيئة قضايا الدولة مذكرة طلبت فيها الحكم برفض الدعوى .

وبعد تحضير الدعوى ، أودعت هيئة المفوضين تقريراً برأيها.

ونُظرت الدعوى على النحو المبين بمحضر الجلسة ، وقررت المحكمة إصدار الحكم فيها بجلسة اليوم.

المحكمة

بعد الاطلاع على الأوراق، والمداولة .

حيث أن الوقائع- على ما يبين من صحيفة الدعوى وسائر الأوراق- تتحصل فى أن المدعى كان قد أقام الدعوى رقم 600 لسنة 1996 مدنى كلى شبين الكوم، طالباً الحكم بإلزام المدعى عليهم من الثالث حتى الأخير، بأن يؤدوا إليه قيمة نصيبه الشرعى فى ميراث شقيقه المرحوم ............ الذى توفى دون ولد، وكان والداه قد توفيا قبله. غير أن مصلحة الضرائب رفضت إعطاءه نصيبه الشرعى فى المكافأة المستحقة لمورثه من صندوق الرعاية الاجتماعية للعاملين بهذه المصلحة بمقولة أن زوجته وحدها هى التى تستحق هذه المكافأة طبقاً للبند الخامس من المادة (13) من اللائحة المنظمة لهذا الصندوق والصادر بها قرار وزير المالية رقم 19 لسنة 1981، مما حمله على النعى عليها بمخالفتها للدستور.

وإذ قدرت محكمة الموضوع جدية دفعه، وقررت تأجيل دعواه لاتخاذ إجراءات الطعن بعدم الدستورية ، فقد أقام الدعوى الماثلة .

وحيث أن البند الخامس من المادة (13) من نظام صندوق الرعاية الاجتماعية والصحية للعاملين بمصلحة الضرائب الصادر بالقرار رقم 19 لسنة 1981المعدل بقراره رقم 249 لسنة 1988- المطعون بعدم دستوريتها- ينص على ما يأتى :

فى حالة وفاة العضو أثناء الخدمة ، يصرف لأسرته مبلغ يعادل مرتب عشرين شهراً من أخر مرتب أساسى مستحق، وبحد أدنى ألفا جنيه. ويقصد بالأسرة فى تطبيق هذا البند، الزوج والأولاًد والأب والأم الموجودين منهم على قيد الحياة عند وفاة العضو، ويوزع المبلغ بالتساوى بينهم.

وحيث أن المدعى ينعى على النص المطعون فيه، مخالفته لقواعد الميراث التى فصلتها النصوص القرآنية المقطوع بدلالتها. ذلك أن أخاه توفى دون أن يعقب ولدا، وتوفى والداه قبله، وصار إرثه منحصراً فيه وفى زوجته وشقيقته. بيد أن النص المطعون فيه حرمهما من نصيبهما فى تركة مورثهما مقرراً اختصاص زوجته بها، فجاء مخالفاً لنص المادة الثانية من الدستور- بعد تعديلها- بما تنص عليه من اعتبار مبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسى للتشريع.

وحيث أن هيئة قضايا الدولة دفعت بعدم اختصاص هذه المحكمة بنظر الدعوى الدستورية المعروضة عليها، قولا منها بأن قرار وزير المالية الصادر فى شأن صندوق الرعاية الاجتماعية والصحية للعاملين بمصلحة الضرائب، لا يعدو أن يكون تنظيماً اتفاقياً تم بين العاملين بمصلحة الضرائب بقصد رعايتهم صحياً واجتماعياً، ولا يعد بالتالى من الأعمال التشريعية التى تبسط هذه المحكمة عليها رقابتها فى مجال إرساء الشرعية الدستورية .

وحيث أن هذا الدفع مردود أولاً: بأن التنظيم لا يكون اتفاقياً إلا إذا كان مبناه تقابل أكثر من إرادة ، وتطابقها، واتجاهها إلى إحداث الآثار القانونية التى تتلاقى عليها، فلا تكون إلا مصدراً مباشراً لترتيبها. ولا كذلك قرار وزير المالية فى شأن صندوق الرعاية الاجتماعية والصحية المطعون عليه، ذلك أن هذا القرار تضمن تنظيماً أمراً مبناه القواعد القانونية التى اشتمل عليها، والتى لا يجوز للمخاطبين بها التحلل منها، ولا تعديلها بإرادتهم. ومن ثم تكون هذه القواعد مصدراً مباشراً للحقوق التى يكفلها لأصحابها.

ومردود ثانياً: بأن الرقابة القضائية التى تباشرها هذه المحكمة فى شأن الشرعية الدستورية محلها القانون بمعناه الموضوعى ، محدداً على ضوء كل قاعدة قانونية تتسم بعمومها وتجردها، سواء صاغتها السلطة التشريعية فى حدود ولايتها، أو أصدرتها السلطة التنفيذية وفق صلاحياتها التى ناطها الدستور بها.

ومردود ثالثاً: بما تنص عليه المادة (52) من القانون رقم 46 لسنة 1978 بشأن تحقيق العدالة الضريبية ، من أن تؤول حصيلة الغرامات والتعويضات المحكوم بها نهائياً طبقاً لأحكام القانون رقم 14 لسنة 1939والقانون رقم 99لسنة 1949 المشار إليهما، إلى صندوق الرعاية الاجتماعية والصحية للعاملين بمصلحة الضرائب.

ويصدر قرار من وزير المالية بتحديد نظام هذا الصندوق و موارده الأخرى وأغراضه وكيفية إدارته، وعلى الجهات المختصة بتحصيل المبالغ المشار إليها فى الفقرة السابقة أن تقوم بتوريدها إلى الصندوق فى المواعيد التى يحددها وزير المالية بقرار منه. وقد أصدر وزير المالية - وبناء على هذا التفويض- القرار المطعون فيه متضمناً قواعد مجردة عن تخصيصها، منظمة أوضاع المخاطبين بها- وبناء على صفاتهم- فى مجال تأمينهم صحياً واجتماعياً، فلا تنحل إلا تشريعا بمعنى الكلمة . وعلى ضوء مضمونها تتحدد دستوريتها.

وحيث أن قضاء هذه المحكمة مطرد، على أن حكم المادة الثانية من الدستور- بعد تعديلها فى 22 من مايو سنة 1980- يقيد السلطة التشريعية اعتباراً من تاريخ العمل بهذا التعديل، وأن مؤداه: ألا تناقض تشريعاتها أصول الشريعة الإسلامية التى لا يجوز الاجتهاد فيها، والتى تمثلها ثوابتها- مصدراً وتأويلاً- إذ هى عصية على التأويل ولا يجوز تحريفها.

ولا كذلك الأحكام الظنية غير المقطوع بثبوتها أو بدلالتها، أو بهما معا، ذلك أن دائرة الاجتهاد تنحصر فيها، ولا تمتد لسواها وهى بطبيعتها متطورة تتغير بتغير الزمان والمكان لضمان مرونتها وحيويتها، ولمواجهة النوازل على اختلافها تنظيما لشئون العباد بما يكفل مصالحهم المعتبرة شرعاً ولا يعطل حركتهم فى الحياة على أن يكون الاجتهاد دوماً واقعاً فى إطار الأصول الكلية للشريعة بما لا يجاوزها متحريا مناهج الاستدلال على الأحكام العملية والقواعد الضابطة لفروعها، كافلا للشريعة عموم مقاصدها بما تقوم عليه من حفاظ على الدين والنفس والعقل والعرض والمال.

وحيث أن المقرر فى الميراث، أن الأموال التى يخلفها المتوفى إنما تؤول جبراً إلى ورثته بحكم خلافتهم لمورثهم فيها. ومن ثم لا يكون لإرادتهم شأن فى تملكها، بل تدخل فى ملكهم جبراً عنهم وعن مورثهم، وبافتراض أنهم امتداد لوجوده، وأنهم عاونوه حياً على جمعها وتكوينها وحمايتها.

وحيث أن الفقرة الأولى من المادة (875) من القانون المدنى تقضى بأن تعيين الورثة وتحديد أنصبائهم فى الإرث وانتقال أموال التركة إليهم، تسرى فى شأنها أحكام الشريعة الإسلامية والقوانين الصادرة فى شأنها.

وحيث أن أحكام نظام الرعاية الاجتماعية والصحية للعاملين بمصلحة الضرائب الصادر أصلاً بمقتضى قرار وزير المالية رقم 19 لسنة 1981، قد توخى إنشاء صندوق لرعاية هؤلاء العاملين صحياً واجتماعياً، على أن تظل عضوية العامل قائمة حتى بعد تقاعده لبلوغ السن القانونية أو لمرض.

وحيث أن مؤدى هذا التنظيم الخاص، أن الأموال التى يتلقاها مباشرة عن هذا الصندوق- وفى حدود موارده- الأشخاص المشار إليهم حصرا بالبند المطعون فيه، لا تعتبر من الحقوق المالية التى كسبها عضو الصندوق واختص بها قبل وفاته. ولا يتصور بالتالى أن يكون قد تركها لغيره، ولا أن يقوم الورثة مقام مورثهم فيها وكانت الحقوق المالية التى لا يكتمل وجودها قبل وفاة من يدعيها، وكذلك الحقوق التى لا يجوز لشخص أن ينقلها إلى غيره حال حياته، لا يتصور توريثها وكان الأصل فى الحقوق هو إضافتها إلى أسبابها، فلا يستقل وجودها عنها وكان المشرع قد كفل شكلا من أشكال التعاون بين أعضاء الصندوق وأسرهم، بما يدنيهم من التغلب على صعابهم التى تتصل بعوارض الحياة من مرض أو تقاعد أو وفاة ، ويقيم إطارا لهذا التعاون من خلال موارد الصندوق التى ينميها، ويسهم أعضاؤه فيها، وتدعمها الدولة كذلك من ميزانيتها وكان المشرع قد أنشأ بذلك لهذا الصندوق كياناً ذاتياً، واستقلالاً مالياً فلا تكون الأموال التى رصدها لتحقيق الأغراض التى يقتضيها تطبيق البند المطعون فيه، حقاً مقرراً لأعضاء هذا الصندوق حال حياتهم ولا هى أموال ينقلونها إلى غيرهم ولو بطريق غير مباشر ولا يخلفهم ورثتهم فيها أو تتعلق أنصبتهم بها؛ وإنما يؤمن الصندوق لأسرهم قدراً من الاستقرار يُِعيُنها على عثراتها، ويعوضها عن مضار أصابتها وفق القواعد التى حددها، فلا تكون هذه القواعد إلا مصدراً مباشراً لحقها فى تعويض الوفاة بالشروط التى بينها. بما يحول دون انهيارها بعد وفاة عائلها، وييسر لها التعايش مع ظروفها الجديدة ، فلا تنال وطأتها من اطمئنانها أو تثير فزعها إعمالاً لقواعد التكافل الاجتماعى التى تهيمن على أغراض الصندوق جميعها بقصد مواجهة مخاطر تتجانس فى طبيعتها، ولا يندر وقوعها، وإن تباعد زمنها ثم تشتيتها، فلا تكون وفاة عضو الصندوق إلا مدخلا لإعمال هذه القواعد، بما لا مخالفة فيه لنص المادة الثانية من الدستور.

وحيث أن النص المطعون فيه لا يتعارض مع أحكام الدستور من أوجه أخرى .

فلهذه الأسباب

حكمت المحكمة برفض الدعوى ، وبمصادرة الكفالة وألزمت المدعى المصروفات ومبلغ مائة جنيه مقابل أتعاب المحاماة .