الدعوى 77 لسنة 19 - دستورية - المحكمة الدستورية العليا - مرفوعة علنية رقم 77 لسنة 19 بتاريخ 07/02/1998

 

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

باسم الشعب

 

المحكمة الدستورية العليا

بالجلسة العلنية المنعقدة يوم السبت 7 فبراير سنة 1998 الموافق10 شوال سنة 1418 هـ .

برئاسة السيد المستشار الدكتور عوض محمد عوض المر رئيس المحكمة

وعضوية السادة المستشارين : سامى فرج يوسف والدكتور عبد المجيد فياض وماهر البحيرى ومحمد على سيف الدين وعدلى محمود منصور ومحمد عبد القادر عبد الله.

وحضور السيد المستشار الدكتور / حنفى على جبالى رئيس هيئة المفوضين

وحضور السيد / حمدى أنور صابر أمين السر

أصدرت الحكم الآتى

 

فى القضية المقيدة بجدول المحكمة الدستورية العليا برقم 77 لسنة 19 قضائية دستورية .

المقامة من

السيد/ ............................

السيدة / ............................

ضد

1- السيد / رئيس مجلس الوزراء

2- السيد / وزير القوى العاملة

3- النقابة العامة للعاملين بالصحافة والطباعة والنشر

الإجراءات

بتاريخ الثانى والعشرين من إبريل سنة 1997، أودع المدعيان صحيفة هذه الدعوى قلم كتاب المحكمة ، طلباً للحكم بعدم دستورية المادة الرابعة من قانون إصدار قانون النقابات العمالية الصادر بالقانون رقم 35 لسنة 1976، وكذلك المواد (4، 7 فقرة أولى ، 19، 20، 22، 23، 25، 26، 28، 29، 30، 31، 32، 35، 36، 41، 61) من قانون النقابات العمالية بعد تعديلها بالقانون رقم 12 لسنة 1995 وكذلك قرارات وزير القوى العاملة أرقام 117، 118، 146، 147 لسنة 1996 وقرار رئيس الاتحاد العام لنقابات عمال مصر رقم 35 لسنة 1996.

قدمت هيئة قضايا الدولة مذكرة اختتمتها بطلب الحكم، أصلياً: بعدم اختصاص المحكمة بنظر الدعوى ، واحتياطياً: بعدم قبولها أو برفضها.

وبعد تحضير الدعوى ، أودعت هيئة المفوضين تقريراً برأيها.

ونُظرت الدعوى على النحو المبين بمحضر الجلسة ، وقررت المحكمة إصدار الحكم فيها بجلسة اليوم.

المحكمة

بعد الاطلاع على الأوراق، والمداولة .

حيث إن الوقائع- على ما يبين من صحيفة الدعوى وسائر الأوراق- تتحصل فى أن المدعيين وآخرين، كانوا قد أقاموا الدعوى رقم 897 لسنة 1996 عمال جزئى القاهرة ضد المدعى عليهما الثانى والثالث إبتغاء القضاء بصفة مستعجلة بإلزام أولهما بمنحهم شهادة القيد بالنقابة وسداد الاشتراك، وإلزام ثانيهما بقبول أوراق ترشيحهم، ثم بإحالة الدعوى إلى محكمة الموضوع لنظر طلب التعويض قولاً منهم بأنهم من العاملين بالصحافة والطباعة والنشر والإعلام وإذ رغبوا فى الترشيح لانتخابات اللجنة النقابية فقد تقدموا إلى النقابة العامة التى ينتمون إليها بطلب شهادة تفيد عضويتهم بها وسدادهم الاشتراكات وذلك إعما لاً للقرار الوزارى الصادر فى هذا الشأن إلا أن طلبهم قوبل بالرفض، مما دعاهم إلى إقامة تلك الدعوى ، ثم عدل المدعيان طلباتهما إلى القضاء بصفة مستعجلة بعدم الاعتداد بالنتيجة المعلنة للانتخابات العمالية النقابية للعاملين بأكاديمية الفنون، وفى الموضوع ببطلان الانتخابات وما ترتب عليها من آثار وبالتعويض. وبجلسة 12/3/1997- المحددة لنظرها- دفع رافعوها بعدم دستورية قرار رئيس الاتحاد العام لنقابات عمال مصر رقم 35 لسنة 1996، وكذلك الفقرة الأولى من المادة (24)، والفقرتين الثالثة والرابعة من المادة (41)، والأولى والثالثة من المادة (45)، والأخيرة من المادة (50)، والثانية من المادة (53)، والفقرة الأولى من كل من المادتين (61، 62)، والثانية من المادة (66) من قانون النقابات العمالية الصادر بالقانون رقم 35 لسنة 1976. وبعد تقديرها لجدية دفعهم صرحت محكمة الموضوع بإقامة الدعوى الدستورية ، فأقامها المدعيان.

وحيث إن الرقابة القضائية التى تباشرها المحكمة الدستورية العليا فى شأن الشرعية الدستورية ، مناطها كل قاعدة قانونية يدعى مخالفتها للدستور، ويتم الطعن عليها وفق قانون هذه المحكمة ، وذلك أياً كان موضعها أو مضمونها أو نطاق سريانها أو السلطة التى أقرتها أو أصدرتها، وهو ما يعنى انصرافها إلى القانون بالمعنى الموضوعى محدداً على ضوء كل قاعدة عامة مجردة تتولد عنها مراكز قانونية من طبيعتها، فلا يكون تطبيقها متعلقاً بواقعة بذاتها أو بشخص محدد، بل مستنفداً موضوعها بمجرد سريانها فى شأن أيهما.

وحيث إن المادة (7) من قانون النقابات العمالية الصادر بالقانون رقم 35 لسنة 1976 تقيم البنيان النقابى على شكل هرمى ، بمراعاة وحدة الحركة النقابية ، وعلى أساس أن المنظمات النقابية تتعدد مستوياتها، وأن الاتحاد العام لنقابات العمال يتصدرها وأن غايتها- وعملا بنص المادة (8) من هذا القانون- تتمثل فى الدفاع عن حقوق أعضائها وحماية مصالحهم وتأمين أوضاع وشروط عملهم وتحسينها، والارتقاء بكفايتهم مهنياً، وكذلك بمستوياتهم الصحية والاقتصادية والاجتماعية .

وحيث إن حق العمال فى تكوين تنظيمهم النقابى ، وكذلك حرية النقابات ذاتها فى إدارتها لشئونها، بما فى ذلك إقرار القواعد التى تنظم من خلالها اجتماعاتها وطرائق عملها وتشكيل أجهزتها الداخلية وأحوال إندماجها فى غيرها، ومساءلتها لأعضائها عما يقع منهم مخالفاً لنظمها، لا ينفصلان عن انتهاجها الديموقراطية أسلوباً وحيداً ينبسط على نشاطها ويكفل بناء تشكيلاتها وفق الإرادة الحرة للعمال المنضمين إليها، بغض النظر عن أرائهم ومعتقداتهم أو توجهاتهم فلا يجوز بوجه خاص إرهاقها بقيود تعطل مباشرتها لوظائفها ولا أن يكون تمتعها بالشخصية الاعتبارية معلقاً على قبولها الحد من ممارستها ولا أن يكون تأسيسها موقوفاً على إذن من الجهة الإدارية ولا أن تُحِلَّ هذه نفسها محل المنظمة النقابية فيما تراه أكفل لتأمين مصالح أعضائها والنضال من أجلها.

وحيث إن ذلك مؤداه: أن التنظيم النقابى يتمحض تصرفاً حراً لا تهيمن عليه سلطة الإدارة ، بل يستقل عنها ليظل بعيداً عن سيطرتها وكان الدستور بما نص عليه فى المادة (56) من قيام النقابات واتحاداتها على أساس ديموقراطى ، قد دل على أن حكمها جاء عاماً مطلقاً، منصرفاً إلى كل تنظيم نقابى - مهنياً كان أم عمالياً- ممتداً إلى تشكي لاتها جميعاً على تباين مستوياتها وكان الاتحاد العام لنقابات العمال- وبالنظر إلى طبيعته وكيفية تكوينه- من أشخاص القانون الخاص، فإن القرار المطعون فيه الصادر عن رئيس هذا الاتحاد برقم 35 لسنة 1996، لا يعتبر تنظيماً لائحياً مما يستنهض ولاية هذه المحكمة للفصل فيه، ولو تعلق مجال سريانه بالعمال فى مجموعهم، ذلك أن القاعدة القانونية لا تتوافر خصائصها بالنظر إلى اتساع دائرة من تشملهم بحكمها أو محدوديتها، وإنما بإقرارها أو إصدارها من الجهة التى أولاها الدستور أو القانون اختصاص فرضها، وبشرط ألا يتعلق مجال سريانها بأشخاص محددين بذاوتهم، أو بواقعة بعينها تصاغ القاعدة لضبطها، بما يدل على إنتفاء تخصيصها.

وحيث إن نطاق الدعوى الدستورية يتحدد بنطاق الدفع بعدم الدستورية المثار أمام محكمة الموضوع، وبالقدر وفى الحدود التى تقدر فيها جديته وكانت المصلحة الشخصية المباشرة - وهى شرط لقبول الدعوى الدستورية - مناطها ارتباطها عقلاً بالمصلحة التى يقوم بها النزاع الموضوعى ، وذلك بأن يكون الحكم فى المسائل الدستورية لازماً للفصل فى الطلبات الموضوعية المرتبطة بها وكان النزاع الموضوعى مبناه إنكار حق المدعيين فى الترشيح لعضوية اللجنة النقابية للعاملين بأكاديمية الفنون قولاً بأنهما لم يتمكنا من استكمال أوراق ترشيحه ما بعد أن رفض رئيس النقابة العامة المختصة منحهما الشهادة المعتمدة التى تدل على استيفائهما لشروط الترشيح التى يجب إرفاقها بالطلب المقدم منهما فى هذا الشأن فإن القواعد التى نظم بها المشرع هذا الترشيح- سواء فى ذلك تلك التى تضمنها قانون النقابات العمالية أو التى صدر بها قرارا وزير القوى العاملة رقما 146 و147 لسنة 1996 تنفيذاً لهذا القانون- هى التى يقوم بها موضوع الخصومة الدستورية ، وفى الحدود التى تضمنها الدفع المثار بشأنها أمام محكمة الموضوع.

وحيث إن المدعيين ضمنا صحيفة دعواهما الدستورية الطعن على نصوص قانونية لم يشملها دفعهما المثار أمام محكمة الموضوع، هى تلك التى تضمنتها المواد (4، 1/7، 19، 20، 22، 23، 25، 26، 28، 29، 30، 31، 32، 35) من قانون النقابات العمالية والمادة الرابعة من قانون إصداره وكذلك تلك التى اشتمل عليها قرارا وزير القوى العاملة رقما 117 و118/96 فإن نطاق الدعوى الدستورية لا يمتد إليها لانتفاء اتصالها بهذه المحكمة وفقاً للأوضاع المنصوص عليها فى قانونها، ومن ثم يكون الحكم بعدم قبول نظرها متعيناً.

وحيث إن المدعيين لم يضمنا كذلك دعواهما الدستورية كل النصوص التى ردداها بدفعهما أمام محكمة الموضوع، وإنما قصرا دعواهما هذه على الفقرتين الثالثة والرابعة من المادة (41)، فضلاً عن حكم المادة (61) من قانون النقابات العمالية ، وما تضمنه كذلك قرار وزير القوى العاملة رقم 146 لسنة 1996 خاصاً بشروط الترشيح لمجالس إدارة المنظمات النقابية .

وحيث إنه على ضوء ماتقدم، تكون النصوص المطعون عليها، وما يرتبط بها ارتباطاً لايقبل التجزئة من الأحكام التى تضمنها قرار وزير القوى العاملة رقم 1996/146 هى :

أولاً: المادة (41) من قانون النقابات العمالية ونصها الآ تى : مدة الدورة النقابية لمستويات المنظمات النقابية خمس سنوات ميلادية تبدأ من تاريخ نشر نتيجة انتخاب مجالس إدارة المنظمات النقابية بكافة مستوياتها فى الوقائع المصرية .

ويجب إجراء الانتخابات لتجديد هذه المجالس بالاقتراع السرى المباشر خلال الستين يوماً الأخيرة من الدورة النقابية على الأكثر، ويراعى توحيد مواعيد إجراء الانتخابات بالنسبة لكل مستوى من مستويات البنيان النقابى . ويتم الترشيح والانتخاب تحت إشراف لجان يرأسها أعضاء من الهيئات القضائية بدرجة قاض أو ما يعادلها على الأقل يرشحهم وزير العدل بناء على طلب الوزير المختص. وتحدد مواعيد وإجراءات الترشيح والانتخابات لمجالس إدارة المنظمات النقابية بقرار من الوزير المختص بعد موافقة الاتحاد العام العام لنقابات العمال.

ثانياً: مادة (61) من قانون النقابات العمالية ونصها الآتى :

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

يضع الاتحاد العام لنقابات العمال نظاماً نموذجياً للمنظمات النقابية المختلفة ، تتخذه هذه المنظمات أساساً لوضع لوائحها. وتصدر هذه اللائحة النموذجية بقرار من الوزير المختص.ويجب أن يشمل النظام الأساسى للمنظمة النقابية ما يلى :

1- اسم المنظمة ومقرها وممثلها القانونى

2- أغراض المنظمة النقابية

3- قواعد إجراءات قبول الأعضاء وانسحابهم من عضوية المنظمة النقابية .

4- شروط الحصول على المزايا والخدمات التى تقدمها المنظمة النقابية وشروط وإجراءات الحرمان منها كلياً أو جزئياً

5- ............. 6- ................ 7- ............ 8- ................ 9 - ........... 10- ............... 11- ......... 12- ............... 13-.................................. >>

ثالثاً: قرار وزير القوى العاملة رقم 1996/146 بشأن إجراءات الترشيح والانتخاب لتشكيلات المنظمات النقابية العمالية :

مادة (6) ونصها الآتى :

يجب على المرشح أن يرفق بطلب الترشيح، المستندات الآتية :

1-................

2- شهادة معتمدة من النقابة العامة التى ينتمى إليها بانقضاء سنة على عضويته بها وأنه مسدداً اشتراكه بانتظام حتى تاريخ فتح باب الترشيح

3- ..............

4-............

5- ............>> .

وحيث إن المدعيين ينعيان على النصوص المطعون عليها مخالفتها للدستور من الأوجه الآتية :

1- أن الحرية النقابية التى تنص عليها المادة (56) من الدستور، قاعدة أولية فى التنظيم النقابى تمنحها بعض الدول قيمة دستورية فى ذاتها، كافلة بمقتضاها حق كل عامل فى الانضمام إلى المنظمة النقابية التى يختارها، أو ينعزل عنها فلا يلج أبوابها، أو يعدل من بعد عن البقاء فيها، فينهى عضويته بها.

2- أن حرية التعبير التى كفلتها المادة (47) من الدستور، قاعدة فى كل تنظيم ديموقراطى لا يقوم إلا بها، وقد ضمنها الدستور بوصفها الحرية الأصل التى لا يتم الحوار المفتوح إلا فى نطاقها. وبدونها تفقد حرية الاجتماع- التى تنظمها المادتان (54، 55) من الدستور- مغزاها

3- مخالفتها نص المادة (8) من الدستور التى تكفل تكافؤ الفرص فيما بين المواطنين بعضهم البعض، وكذلك نص المادة (40) من الدستور التى تصون تساويهم أمام القانون.

4- فرضها لنوع من الوصاية الإدارية على الحرية النقابية ، وإرهاقها حق الترشيح بما يناقضها، ويعارض أحكام المواد (47، 56، 62، 65) من الدستور.

وحيث إن حرية التعبير تمثل فى ذاتها قيمة عليا لا تنفصل الديموقراطية عنها، وإنما تؤسس الدول على ضوئها مجتمعاتها صوناً لتفاعل مواطنيها معها، بما يكفل تطوير بنيانها وتعميق حرياتها، وإن جاز القول بأن لحرية التعبير أهدافها التى يتصدرها بناء دائرة للحوار العام لا تنحصر آفاقها ولا أدواتها تدنِى الحقائق إليها، فلا يكون التعبير عن الآراء حائلاً دون مقابلتها ببعض وتقييمها ولا مناهضتها لأراء قبلها آخرون، مؤديا إلى تهميشها؛ ولا تلقيها عن غيرهم مانعاً من ترويجها أو مقصوراً على بعض جوانبها ولا تدفقها من مصادر نزدريها مستوجباً إعاقتها أو تقييدها. كذلك فإن إنمائها للشخصية الفردية وضمان تحقيقها لذاتها، إنما يدعم إسهامها فى أشكال من الحياة تتعدد ملامحها بما يكفل حيويتها وترابطها، فلا يكون تنظيمها مقتضياً إلا أقل القيود التى تفرضها الضرورة .

وحيث إن حرية التعبير- وكلما كان نبضها فاعلا وتأثيرها عريضاً- هى الطريق لبناء نظم ديموقراطية تتعدد معها مراكز اتخاذ القرار تتسم بتسامحها مع خصومها، ومسئوليتها قبل مواطنيها وبرفضها لكل قيد يخل بمصداقيتها واستجابتها بالإقناع لإرادة التغيير، وطرحها من خلال الحوار لبدائل يفاضلون بينها لاختيار أصلحها، أياً كان مضمونها.

وحيث إن ما تقدم مؤداه: أن الأراء على اختلافها لا يجوز إجهاضها ولا مصادرة أدواتها أو فصلها عن غاياتها ولو كان الآخرون لا يرضون بها، أو يناهضونها أو يرونها منافية لقيم محدودة أهميتها يروجونها أو يحيطون ذيوعها بمخاطر يدعونها، ولا يكون لها من وضوحها وواقعها، ما يبرر القول بوجودها.

وحيث إن المشرع، وكلما تدخل بلا ضرورة ، لتقييد عرض آراء بذواتها بقصد طمسها أو التجهيل بها بالنظر إلى مضمونها Content- based abridgments، كان ذلك إصماتاً مفروضاً بقوة القانون فى شأن موضوع محدد انتقاه المشرع إنحيازاً، مائلاً بالقيم التى تحتضنها حرية التعبير عن متطلباتها التى تكفل تدفق الآراء وانسيابها بغض النظر عن مصدرها أو محتواها، ودون ما اعتداد بمن يتلقونها أو يطرحونها، وبمراعاة أن الحق فى الحوار العام، يفترض تساويها فى مجال عرضها وتسويقها.

وحيث إن إكراه البعض على القبول بآراء يعارضونها أو تبنيها، لا يقل سوءاً عن منعهم من التعبير عن أراء يؤمنون بها أو يدعون إليها، وهو ما يعنى أن الحمل على اعتناق بعض الآراء، أو إقماع غيرها، سوءتان تناقضان مفهوم حوار يقوم على عرض الأفكار وتبادلها والإقناع بها. كذلك فإن موضوعية الحوار- وعلى الأخص كلما كان بناء- شرطها شفافية العناصر التى يدور الجدل حولها، بما يحول دون حجبها أو تشويهها أو تزييفها.

وتعلق مفهوم الحوار بالقبول بآراء أو برفضها بعد موازنتها ببعض، وعلى ضوء حقائقها وحكم العقل بشأنها، مؤداه: أن كل أقوال يكون بها الحوار منتفياً، كتلك التى تحرض على استعمال القوة استثارة لنوازع العدوان عند من يتلقونها، وأضراراً بالآخرين، لايجوز أن تتخذ من حرية التعبير سنداً، تقديراً بأن مفهوم عرض الآراء والأفكار من أجل تقييمها- على ضوء صحتها أو بهتانها- منحسر عنها، فضلاً عن اقترانها بمضار لا يجوز القبول بها.

وحيث إن حق الاقتراع، يعتبر كذلك صورة من صور التعبير عن الآراء من خلال إدلاء من ينضمون إلى تنظيم معين- سواء كان شكل تجمعهم سياسياً أو نقابياً- بأصواتهم التى يبلورون بها إرادة اختيار ممثليهم، فلا يكون لأيهم إلا صوتاً واحداً، متكافئاً ثقلاً مع غيره، كافلاً الصفة التمثيلية للمنظمة التى ينتمون إليها، مؤثراً فى تكوينها وطرائق عملها، محدداً رسالتها والقائمين على تنفيذها.

وحيث إن حرية التعبير- فى مضمونها الحق- تفقد قيمتها إذا جحد المشرع حق من يلوذون بها فى الاجتماع المنظم، وحجب بذلك تبادل الآراء فى دائرة أعرض، بما يحول دون تفاعلها وتصحيح بعضها البعض، ويعطل تدفق الحقائق التى تتصل باتخاذ القرار، وكذلك تشكيل روافد الشخصية الإنسانية التى لا يمكن تنميتها إلا فى شكل من أشكال الاجتماع. بل إن حرية القول والصحافة والعقيدة وتقديم العرائض، لا يمكن ضمانها ضماناً كافياً، إلا عن طريق اجتماع تتكتل فيه الجهود للدفاع عن مصالح بذاوتها، يكون صونها لازماً لإثراء ملامح من الحياة يراد تطويرها اجتماعياً أواقتصادياً أو سياسياً، بما يكفل تنوع مظاهرها واتساع دائرتها من خلال تعدد الآراء التى تطرح على مسرحها.

وحيث إن الدستور كفل لكل مواطن حق الاقتراع وفقاً للشروط التى يحددها المشرع بما لا يجاوز فحواه. ويفترض ذلك ألا يكون هذا الحق مثقلاً بقيود يفقد معها الناخبون أصواتهم من خلال تشويهها، أو إبدالها، أو التأثير فى تساويها وزناً، وتعادلها أثراً ولا أن تكون الحملة الانتخابية محدودة آفاقها ولا أن تعاق قنواتها إلى الحقائق التى تريد النفاذ إليها، ولا أن يحد المشرع من اتساع قاعدة الاختيار بين من يرشحون أنفسهم لخوضها، فلا ينقل المبعدون عنها رسالتهم إلى من يعنيهم أمرها من الناخبين، بما يقلص من فرص الاختيار التى يحددون بها من يكون- فى تقديرهم- أجدر بالدفاع عن مصالحهم، وأدنى إلى الظفر بثقتهم.

وحيث إن من المقرر كذلك، أن حق المرشحين فى الفوز بعضوية المجالس التى كفل الدستور والقانون صفتها التمثيلية ، لا ينفصل عن حق الناخبين فى الإدلاء بأصواتهم لاختيار من يثقون فيه من بينهم. إذ هما حقان مرتبطان يتبادلان التأثير فيما بينهما. ولا يجوز بالتالى أن تفرض على مباشرة أيهما تلك القيود التى لا تتصل بتكامل العملية الانتخابية وضمان مصداقيتها أو بما يكون كافلاً إنصافها، وتدفق الحقائق الموضوعية المتعلقة بها، بل يجب أن تتوافر لها بوجه عام أسس ضبطها، بما يصون حيدتها.

وحيث إن النظم الانتخابية جميعها، غايتها أن يكون التمثيل وفقاً لأحكامها متكافئاً وعرض المرشحين لآرائهم والدفاع عنها متوازناً وانتسابهم إلى منظمة بذاتها مؤشراً على افتراض دعمهم لأهدافها وإعلانهم مصادر تمويل حملتهم الانتخابية ، ومعدل الإنفاق فيها أميناً مؤكداً مشروعيتها وتنظيم المشرع زمن حملتهم هذه ومكان إجرائها، مقصوراً على ضبطها، وبعيداً عن حرمانهم من التعبير عن أرائهم أو تقييد مضمونها.

وحيث إن كل تنظيم تشريعى ينال من فرص الناخبين فى الإدلاء بأصواتهم لا يقل سوءاً عن حرمان بعضهم أصلاً- ودون مسوغ- من حق الاقتراع. كذلك فإن الشروط التى يفرضها المشرع محدداً على ضوئها- ودون أسس موضوعية - من يكون مقبولاً من المرشحين الذين يخوضون الحملة الانتخابية ، تنعكس سلباً على فرص تعبير الناخبين عن رغباتهم من خلال أصواتهم، فلايكون لها فعاليتها فى شأن اختيار من يطمئنون إليهم، وعلى الأخص فى إطار نظم نقابية تتعدد حلقاتها، وتتدرج مستوياتها، وتكفل اتصال بعضها ببعض بما يصون ترابطها.

وحيث إن المادتين (33، 34) من قانون النقابات العمالية تدلان على أن كل منظمة نقابية وإن كان لها كيانها الخاص، إلا أن اتصالها ببعضها تؤكد تكامل بنيانها جميعاً فالجمعية العمومية للنقابة العامة تتكون من ممثلى اللجان النقابية لمجموعات المهن أو الصناعات التى تضمها هذه النقابة على مستوى الجمهورية . وتتكون الجمعية العمومية للاتحاد العام لنقابات العمال من ممثلى النقابات العامة المشار إليهم فى المادة (32) من هذا القانون، بما مؤداه: اتصال فرص الفوز بعضوية اللجنة النقابية - وهى قاعدة البنيان النقابى - بالتمثيل أو التأثير فى المنظمة النقابية التى تعلوها.

وحيث إن المادة (36/ج) من قانون النقابات العمالية ، تشترط فيمن يرشح نفسه لعضوية مجلس إدارة منظمة نقابية ، انقضاء سنة على عضويته بالنقابة وكان هذا الشرط مردداً كذلك بالبند الثانى من المادة (6) من قرار وزير القوى العاملة رقم 1996/146 بشأن إجراءات الترشيح والانتخاب لتشكيلات المنظمات النقابية العمالية - المطعون عليه- ولا يندرج تحت الشروط التى تطلبتها المادة (19) من القانون ذاته فيمن يكون عضواً بالمنظمة النقابية وكان حق العامل فى مباشرة الحقوق التى تقتضيها ديموقراطية العمل النقابى -اقتراعاً وترشيحاً- يرتبط أصلاً بتوافر شروط عضويته فى المنظمة النقابية التى ينتمى إليها، إذ يعتبر باستكمال هذه الشروط منتسباً إليها، ومسهماً فى مباشرة نشاطها وتحقيق أهدافها وكانت ديموقراطية العمل النقابى هى التى تطرح- بوسائلها وتوجهاتها- نطاقاً للحماية يكفل للقوى العاملة مصالحها الرئيسية ، ويبلور إرادتها، وينفض عنها عوامل الجمود التى تعطل حيويتها، وبها تستقل الحركة النقابية بذاتيتها ومناحى نشاطها وكان تعدد الآراء داخل كل منظمة نقابية وتفاعلها، قاعدة لكل تنظيم ديموقراطى ، لا يقوم إلا بها، ولا يتم الحوار المفتوح إلا فى نطاقها وبدونها يفقد الحق فى الاجتماع مغزاه وكان الشرط المطعون عليه يقيد من حرية تبادل الآراء، ومن فرص اختيار العمال لمرشحيهم من دائرة أعرض، ومن الأسس الديموقراطية للعمل النقابى ، ويحيل حق الاجتماع عبثاً، فإنه بذلك يكون مخالفاً لأحكام المواد (47، 54، 56) من الدستور.

وحيث إن ما ينعاه المدعيان من مخالفة المادة (41) من قانون النقابات العمالية للدستور، مردود أولاً: بأن حكمها يتعلق بتنظيم العملية الانتخابية من جهة زمنها وإجراءاتها، بما لا ينال من الحقوق التى تتصل بالمنظمة النقابية ، أو تلك التى ترتبط بإدلاء أعضائها بأصواتهم، وعلى الأخص فى مجال تحديد المنظمة النقابية لأهدافها، واختيار من تراه أجدر بالدفاع عنها.

ومردود ثانياً: بأن حكمها فى شأن تنظيم العملية الانتخابية ، كافل لحيدتها وموضوعيتها، ذلك أن اختيار عمال المنظمة النقابية - من خلال أصواتهم- لمن يتوسمون فيه النضال من أجلهم، إنما يتم من خلال لجان يرأسها أعضاء من الهيئات القضائية من درجة قاض أو ما يعادلها، فلا يكون إشرافهم عليها بعيداً عن مراقبة صحة إجراءاتها، على ضوء حكم الدستور والقانون بشأنها.

ومردود ثالثاً: بأن الاتحاد العام لنقابات العمال يمثل قمة البنيان النقابى ، وقد أسند إليه المشرع- وباعتباره كذلك- الاختصاص بتحديد زمن العملية الانتخابية وإجراءاتها، فلا يعكس قرار الوزير المختص غير هذا التحديد بالصورة التى وافق عليها الاتحاد.

وحيث إن اختصاص الاتحاد العام لنقابات العمال- وعلى ما تنص عليه المادة (61) من قانونها- فى شأن إقراره نظاماً نموذجياً تتخذه المنظمات النقابية أساساً لوضع لوائحها التى تصدر بعدئذ بقرار من الوزير المختص، لا مخالفة فيه كذلك للدستور، ذلك أن الوزير المختص لا يقيد المنظمة النقابية فى شأن يتعلق بمضمون لوائحها، وإنما يصادق على القواعد التى تحتويها دون تعديل لها، وهو بذلك لا يحل محلها فيما تراه أفضل لإدارة شئونها.

وحيث إن المادتين (41، 61) من قانون النقابات العمالية لا تتعارضان مع الدستور من أوجه أخرى .

فلهذه الأسباب

حكمت المحكمة بعدم دستورية البند (ج) من المادة (36) من قانون النقابات العمالية الصادر بالقانون رقم 35 لسنة 1976 وبسقوط ما يقابله من الأحكام التى نص عليها البند الثانى من المادة السادسة من قرار وزير القوى العاملة رقم 146 لسنة 1996 بشأن إجراءات الترشيح والانتخاب لتشكيلات المنظمات النقابية العمالية ، ورفضت ماعدا ذلك من الطلبات، وألزمت الحكومة المصروفات ومبلغ مائة جنيه مقابل أتعاب المحاماة .