الدعوى 16 لسنة 11 - دستورية - المحكمة الدستورية العليا - محالة علنية رقم 16 لسنة 11 بتاريخ 06/04/1991

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

باسم الشعب

 

المحكمة الدستورية العليا

بالجلسة العلنية المنعقدة في يوم السبت 6 إبريل سنة 1991م، الموافق 21 رمضان سنة 1411 هـ .

برئاسة السيد المستشار / ممدوح مصطفى حسن رئيس المحكمة

وحضور السادة المستشارين: الدكتور عوض محمد المر والدكتور محمد إبراهيم أبو العينين ومحمد ولى الدين جلال ونهاد عبد الحميد خلاف وفاروق عبد الرحيم غنيم وحمدى محمد علي. أعضاء

وحضور السيد المستشار / السيد عبد الحميد عمارة المفوض

وحضور السيد / رأفت محمد عبد الواحد أمين السر

أصدرت الحكم الآتي :

في القضية المقيدة بجدول المحكمة الدستورية العليا برقم 16 لسنة 11 قضائية دستورية .

بعد أن أحالت محكمة جنح أمن دولة طوارئ عتاقة ملف الدعوى رقم 15 لسنة 1983.

المرفوعه من :

السيد المستشار النائب العام بصفته ( نيابة السويس الكلية )

ضد

1- السيد/ .............. 2- السيد/ ......................

3-السيد/ ................ 4- السيد/ .....................

 

الإجراءات

بتاريخ 3 إبريل سنة 1989 ورد إلى قلم كتاب المحكمة ملف الدعوى رقم 15 لسنة 1983 جنح أمن الدولة طوارئ عتاقة ، بعد أن قررت محكمة الموضوع بجلسة 30 يناير سنة 1989 بوقف الدعوى وإحالتها إلى المحكمة الدستورية العليا للفصل في دستورية البند (ب) من المادة (11) من قرار محافظ السويس رقم 107 لسنة 1983 .

وقدمت هيئة قضايا الدولة مذكرة طلبت فيها الحكم أصلياً بعدم قبول الدعوى أو برفضها.

وبعد تحضير الدعوى ، أودعت هيئة المفوضين تقريرًا برأيها.

ونظرت الدعوى على الوجه المبين بمحضر الجلسة ، وقررت المحكمة إصدار الحكم فيها بجلسة اليوم.

المحكمة

بعد الاطلاع على الأوراق والمداولة .

حيث إن الوقائع – على ما يبين من قرار الإحالة وسائر الأوراق – تتحصل في أن النيابة العامة كانت قد اتهمت كلا من ..............و.............. و.............. و.............. في الجنحة رقم 15 لسنة 1983 أمن دولة طوارئ عتاقة بأنهم في يوم 26 نوفمبر سنة 1983 بدائرة قسم عتاقة شرعوا في نقل كمية الأسماك المبينة بالأوراق داخل محافظة السويس بغير تصريح من الجهة المختصة ، وطلبت عقابهما بالمادتين (9) ، (11) بند (ب) من قرار محافظ السويس رقم 107 لسنة 1983.

وحيث إن المحكمة بعد أن قضت بجلسة 19 فبراير سنة 1984 ببراءة المتهمين مما نسب إليهم فقد تقرر لدى التصديق على هذا الحكم إعادة محاكمة المتهمين أمام هيئة أخرى . وقررت المحكمة بجلسة 30 يناير سنة 1989 وقف نظر الدعوى وإحالتها إلى المحكمة الدستورية العليا للفصل في دستورية البند (ب) من المادة (11) من قرار محافظ السويس رقم 107 لسنة 1983، قولاً منها بمخالفة هذا البند لنص المادة (36) من الدستور فيما تضمنه من تقريره المصادرة بغير حكم قضائي، ولنصوص المواد (66)، (86) ، (119) من الدستور لتقريره عقوبات عن أفعال أثمها دون أن يكون ذلك بتشريع صادر عن مجلس الشعب أو رئيس الجمهورية .

وحيث إن البين من الاطلاع على قرار محافظ السويس رقم 107 لسنة 1983 بشأن صيد الأسماك الطازجة بميناء الأتكة لموسم 1983 / 1984 أن هذا القرار وضع تنظيماً لصيد الأسماك وتوزيعها داخل محافظة السويس، وهو تنظيم استهدف إحكام الرقابة على عملية تفريغ حصيلة الصيد وعرضها للبيع بعد تحديد حصة المحافظة منها ومراجعة هذه الحصة من حيث كميتها ونوعها وجودتها ووزنها، وإذ حظر هذا القرار كذلك الشروع في نقل أي كمية من الأسماك داخل محافظة السويس بغير الحصول على تصريح من مديرية التموين، وكان ذلك القرار قد نص أيضًا في البند (ب) من المادة (11) منه على أن تصادر الكميات موضوع المخالفة ووسيلة النقل، ويصرف منها في حدود 50% للقائمين بالضبط، ويعاقب مرتكبي المخالفة بالحبس مدة لا تتجاوز ستة أشهر وبغرامة لا تقل عن مائة جنيه ولا تزيد على خمسمائة جنيه أو بأحدى هاتين العقوبتين ، فإن هذا القرار قد دل بالعقوبة التي فرضها على الشروع في نقل الأسماك داخل محافظة السويس دون تصريح من مديرية التموين، على تجريمه لهذه الواقعة التي تنحصر فيها المخالفة التي نسبت إلى المتهمين على ما سلف البيان.

وحيث إن محكمة الموضوع أحالت إلى المحكمة الدستورية العليا نص البند (ب) من المادة (11) من قرار محافظ السويس رقم 107 لسنة 1983 المشار إليه وذلك للفصل في دستوريته، فإن نطاق الطعن الماثل يتحدد بهذا البند وينحصر فيه.

وحيث إن مما تنعاه محكمة الموضوع على الأحكام التي تضمنها هذا البند، تقريره مصادرة كميات الأسماك موضوع المخالفة فضلاً عن وسيلة النقل بغير حكم قضائي وذلك بالمخالفة لنص المادة (36) من الدستور.

وحيث إن هذا النعي في محله، ذلك أن الدستور أرسى الأحكام الخاصة بالمصادرة بما نص عليه في المادة (36) من أن المصادرة العامة للأموال محظورة ولا تجوز المصادرة الخاصة إلا بحكم قضائي . فنهى بذلك نهياً مطلقاً عن المصادرة العامة ، وحدد الأداة التي تتم بها المصادرة الخاصة ، وأوجب أن تكون حكماً قضائياً وليس قراراً إدارياً، وذلك حرصاً منه على صون الملكية الخاصة من أن تصادر إلا بحكم قضائي كي تتوافر - في إطاره – لصاحب الحق إجراءات التقاضي وضماناته التي تنتفي بها مظنة العسف والافتئات على هذا الحق، وتوكيداً لمبدأ الفصل بين السلطة القضائية والسلطتين التشريعية والتنفيذية باعتبار أن السلطة القضائية هي السلطة الأصيلة التي أقامها الدستور على شئون العدالة وخصها بتصريفها بحيث تنفرد دون غيرها بما يدخل في اختصاصها بما في ذلك الأمر بالمصادرة . وإذ كان ذلك، وكان نص المادة (36) من الدستور الذي حظر المصادرة الخاصة للأموال إلا بحكم قضائي قد جاء مطلقاً من غير قيد وذلك حتى يجري النص على إطلاقه ويعم حكمه ليشمل المصادرة الخاصة في كافة صورها، فإن ما تضمنه النص الطعين من مصادرة الأسماك المضبوطة وكذلك وسيلة نقلها – بغير حكم قضائي – يكون مخالفاً لنص المادة (36) من الدستور.

وحيث إن محكمة الموضوع تنعي كذلك على النص المطعون عليه أنه ينحل إلى تنظيم لائحي قرر عقوبات عن أفعال أثمها دون أن يكون ذلك بتشريع صادر عن مجلس الشعب أو رئيس الجمهورية .

وحيث إن الواقعة محل الاتهام الجنائي في الدعوى الراهنة تتمثل في الشروع في نقل أسماك داخل محافظة السويس دون تصريح من مديرية التموين، ومن ثم يعتبر هذا التصريح قيداً على تداول تلك السلعة داخل هذه المحافظة ، وهو قيد ناطت السلطة التشريعية اتخاذه بوزير التموين دون غيره، إذ يختص هذا الوزير – لضمان تموين البلاد وتحقيق العدالة في توزيع المواد التموينية ، وبعد موافقة لجنة التموين العليا - بإصدار القرارات المنصوص عليها في المادة الأولى من المرسوم بقانون رقم 95 لسنة 1945 الخاص بشئون التموين، ويندرج تحتها فرض القيود على انتاج أية مادة أو سلعة وتداولها أو استهلاكها بما في ذلك توزيعها لضمان تموين البلاد وتحقيق العدالة في توزيعها، وله كذلك فرض قيود على نقل أية مادة أو سلعة من جهة إلى أخرى . وتنص الفقرة الأولى من المادة (56) من المرسوم بقانون رقم 95 لسنة 1945 المشار إليه على أن يعاقب على كل مخالفة أخرى لأحكام هذا القانون بالحبس مدة لا تقل عن سنة ولا تزيد على خمس سنوات وبغرامة لا تقل عن ثلاثمائة جنيه ولا تجاوز ألف جنيه، ويعاقب على كل مخالفة ترتبط بسلعة من السلع التي تدعمها الدولة ويحددها وزير التموين والتجارة الداخلية بالحبس مدة لا تقل عن سنة ولا تزيد على خمس سنوات وبغرامة لا تقل عن خمسمائة جنيه ولا تجاوز ألف جنيه ........ . كما تنص الفقرة الرابعة من المادة ذاتها على أن ويعاقب بالعقوبات المنصوص عليها في هذه المادة على مخالفة أحكام قرارات وزير التموين والتجارة الداخلية الصادرة تنفيذاً لهذا القانون، ويجوز أن ينص في تلك القرارات على عقوبات أقل ........ .

وقد التزم المرسوم بقانون رقم 163 لسنة 1950 الخاص بشئون التسعير الجبري وتحديد الأرباح - النهج الذي احتذاه المرسوم بقانون رقم 95 لسنة 1945 الخاص بشئون التموين - ذلك أن المرسوم بقانون المشار إليه بعد أن خول وزير التموين في المادة (5) منه أن يتخذ بقرارات يصدرها التدابير المتعلقة بتعيين المقادير التي يجوز شراؤها أو تملكها أو حيازتها من أية سلعة أو مادة ، وبتقرير الوسائل اللازمة لمنع التلاعب بأسعار السلع والمواد الخاضعة لهذا المرسوم بقانون وتعيين مواصفاتها، وبإلزام أصحاب المصانع والمستوردين بتسليم مقادير معينة من أية سلعة أو مادة إلى الجمعيات التعاونية لتقوم بعرضها للبيع على أعضائها، قضى هذا المرسوم بقانون في الفقرة الأخيرة من المادة (9) منه بأن يعاقب بالعقوبات المنصوص عليها في الفقرة الأولى من هذه المادة على مخالفة القرارات التي تصدر تنفيذاً للمادة (5) من هذا القانون، ويجوز أن ينص في تلك القرارات على عقوبات أقل .

لما كان ذلك، وكان المشرع قد عهد إلى وزير التموين اتخاذ كل أو بعض التدابير المنصوص عليها في كل من المرسوم بقانون رقم 95 لسنة 1945 والمرسوم بقانون رقم 163 لسنة 1950 ، وكان المشرع قد عهد إلى وزير التموين – في نطاق التدابير التي يتخذها لضمان تموين البلاد من المواد والسلع ولتحقيق العدالة في توزيعها مع الالتزام بجداول الأسعار الخاصة بها – بسلطة تقرير عقوبات على مخالفة القرارات التي يتخذها في هذا الصدد تكون أقل من تلك المنصوص عليها في القانون، فإن ما تضمنه البند (ب) من المادة (11) من قرار محافظ السويس رقم 107 لسنة 1983 المشار إليه من تقرير عقوبة على الشروع في نقل الأسماك داخل محافظة السويس وخارجها بغير ترخيص من مديرية التموين، لا يعدو أن يكون انتحالاً لاختصاص مقرر لوزير التموين في شأن التدابير التي ينفرد باتخاذها على مقتضى ما تقدم، وتقريراً لعقوبة على مخالفة القيود التي فرضها هذا القرار في شأن نقل الأسماك من جهة إلى أخرى أو الشروع في ذلك، وهي عقوبة لا يملك تقريرها إلا وزير التموين، وذلك عملاً بنص الفقرة الثانية من المادة (66) من الدستور التي تقضي بأنه لا جريمة ولا عقوبة إلا بناء على قانون فقد جرى قضاء هذه المحكمة على أنه إذا أو رد المشرع مصطلحاً معيناً في نص ما لمعنى معين، تعيين صرفه إلى هذا المعنى في كل نص آخر يردد ذلك المصطلح، وأن الدستور الحالي إذ ردد في المادة (66) منه عبارة بناء على قانون الواردة في المادة (6) من دستور 1923 والتي أفصحت أعماله التحضيرية عن أن المقصود بها توكيد ما جرى عليه العمل في التشريع من أن يتضمن القانون ذاته تفويضاً إلى السلطة المكلفة بسن لوائح التنفيذ في تحديد بعض الجرائم وتقرير العقوبات ......، وذلك في حين استعمل هذا الدستور ذاته عبارة مغايرة في نصوص أخرى اشترط فيها أن يتم تحديد أو تنظيم مسائل معينة بقانون مثل التأميم في المادة (35) وإن شاء الضرائب العامة وتعديلها في المادة (119)، فإن مؤدى ذلك كله أن المادة (66) من الدستور تجيز أن يعهد القانون إلى السلطة التنفيذية بإصدار قرارات لائحية تحدد بها بعض جوانب التجريم أو العقاب، وذلك لاعتبارات تقدرها سلطة التشريع وفي الحدود وبالشروط التي يعينها القانون الصادر منها . ولا تعتبر القرارات التي تصدرها الجهة التي عينها المشرع لممارسة هذا الاختصاص من قبيل اللوائح التفويضية المنصوص عليها في المادة (108) من الدستور، ولا تندرج كذلك تحت اللوائح التنفيذية التي نظمتها المادة (144) من الدستور، وإنما مرد الأمر فيها إلى نص المادة (66) من الدستور التي تنطوي على تفويض بالتشريع يتناول بعض جوانب التجريم أو العقاب على ما سلف البيان، وإذ كان ذلك كذلك، وكان وزير التموين – على مقتضى ما تقدم – هو الجهة التي عهد إليها المشرع بنصوص صريحة في اتخاذ التدابير المتعلقة بنقل أي مادة أو سلعة من جهة إلى أخرى وكذلك تنظيم تداولها واستهلاكها وبتقرير العقوبة الأقل على مخالفة التدابير التي يتخذها في نطاق اختصاصاته تلك ، فإن تجريم البند (ب) من المادة (11) من قرار محافظ السويس رقم 107 لسنة 1983 للواقعة محل الاتهام الجنائي يكون منطوياً على اغتصاب لسلطة عهد بها المشرع لوزير التموين في الحدود التي بينتها المادة (66) من الدستور، ومن ثم يقع نص البند (ب) من المادة (11) المطعون عليه – في إطار هذا التجريم - في حومة المخالفة الدستورية لتعارضه ونص المادة (66) من الدستور.

ولا ينال مما تقدم ما نصت عليه الفقرة الأولى من المادة (27) من قانون نظام الحكم المحلي الصادر بالقرار بقانون رقم 43 لسنة 1979 المعدل بالقانون رقم 50 لسنة 1981 من أن يتولى المحافظ - بالنسبة إلى جميع المرافق العامة التي تدخل في اختصاص وحدات الإدارة المحلية وفقاً لأحكام هذا القانون، جميع السلطات والاختصاصات التنفيذية المقررة للوزراء بمقتضى القوانين واللوائح ويكون المحافظ في دائرة اختصاصه - رئيساً لجميع الأجهزة والمرافق المحلية ، ذلك أن القانون المشار إليه استهدف تنظيم الأمور المتعلقة بنظام الحكم المحلي بإنشاء وحدات إدارية تتولى ممارسة السلطات والاختصاصات التنفيذية ذات الطبيعة الإدارية اللازمة لإدارة الأعمال المنوطة بالمرافق العامة الواقعة في دائرتها نقلاً إليها من الحكومة المركزية بوزاراتها المختلفة . وقصد المشرع بنص المادة (1/27) المشار إليها أن يباشر المحافظون – بوصفهم رؤساء الأجهزة والمرافق العامة التابعة لهم – السلطات والاختصاصات المقررة للوزراء في هذا الصدد، دون أن يتعدى ذلك إلى الاختصاص بإصدار اللوائح التنفيذية ولا إلى الاختصاص بإصدار قرارات لائحية تحدد بعض جوانب التجريم أو العقاب، وذلك كلما كانت القوانين المعمول بها قد عهدت بهذا الاختصاص في أي من هاتين الحالتين إلى الوزراء، إذ تستقل الجهة التي عينها القانون بممارسته ولا يجوز أن تفوض غيرها فيه، وهو في كل الأحوال اختصاص لا تشمله عبارة السلطات والاختصاصات التنفيذية الواردة في نص المادة (27/1) المشار إليها.

وحيث إن البند (ب) من المادة (11) من قرار محافظ السويس رقم 107 لسنة 1983 بعد أن نص على مصادرة الأسماك موضوع المخالفة ووسيلة النقل قضى بأن يصرف من حصلة بيعها في حدود 50% للقائمين بالضبط. ولما كانت هذه المصادرة قد تعلقت بأفعال جرمها ذلك القرار بالعقوبة التي فرضها على ارتكابها، فإن قضاء هذه المحكمة ببطلان المصادرة وببطلان العقوبة التي تضمنها القرار المشار إليه لمخالفته ما للمادتين (36) ، (66) من الدستور على التوالي، يستتبع زوال جميع الآثار التي ترتبت على أعمالهما في ذلك مكافأة الضبط التي قضى النص المطعون عليه بصرفها إلى القائمين عليه والتي لا يتصور قيامها إلا مرتبطة بالمصادرة المستوفية لشرائطها الدستورية وهي في النزاع الراهن مصادرة باطلة أصلاً .

 

لهذه الأسباب

حكمت المحكمة بعدم دستورية البند (ب) من المادة (11) من قرار محافظ السويس رقم 107 لسنة 1983 بشأن صيد الأسماك الطازجة بميناء الأتكة لموسم 1983 / 1984.

أمين السر رئيس المحكمة