الدعوى 34 لسنة 11 - دستورية - المحكمة الدستورية العليا - مرفوعة علنية رقم 34 لسنة 11 بتاريخ 16/05/1992

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

باسم الشعب

 

المحكمة الدستورية العليا

بالجلسة العلنية المنعقدة فى يوم السبت 16 مايو سنة 1992م، الموافق 13 ذو القعدة 1412 هـ.

برئاسة السيد المستشار الدكتور / عوض محمد عوض المر رئيس المحكمة

وعضوية السادة المستشارين: محمد ولى الدين جلال وفاروق عبد الرحيم غنيم وحمدى محمد على وعبد الرحمن نصير ومحمد على عبد الواحد والدكتور عبد المجيد فياض. أعضاء

وحضور السيد المستشار/ السيد عبد الحميد عمارة المفوض

وحضور السيد / رأفت محمد عبد الواحد أمين السر

أصدرت الحكم الآتى

 

فى القضية المقيدة بجدول المحكمة الدستورية العليا برقم 34 لسنة 11 قضائية دستورية

المقامة من

السيدة / ..........................

ضد

1 - السيد رئيس الجمهورية بصفته

2 - السيد رئيس مجلس الشعب بصفته

3 - السيد رئيس مجلس الوزراء بصفته

4 - السيد وزير العدل بصفته

5 - السيد المستشار النائب العام بصفته

الإجراءات

بتاريخ 24 من يونيو سنة 1989 أودعت المدعية قلم كتاب المحكمة صحيفة هذه الدعوى طالبة الحكم بعدم دستورية القرار بقانون رقم 10 لسنة 1961 بشأن مكافحة الدعارة فى الجمهورية العربية المتحدة ، وبعدم دستورية المادتين 9 فقرة ج و 15 منه.

وقدمت هيئة قضايا الدولة مذكرة طلبت فيها رفض الدعوى .

وبعد تحضير الدعوى ، أودعت هيئة المفوضين تقريراً برأيها.

ونظرت الدعوى على الوجه المبين بمحضر الجلسة ، وقررت المحكمة إصدار الحكم فيها بجلسة اليوم.

المحكمة

بعد الإطلاع على الأوراق، والمداولة .

حيث إن الوقائع – على ما يبين من صحيفة الدعوى وسائر الأوراق – تتحصل فى أن النيابة العامة كانت قد أقامت الدعوى الجنائية رقم 2618 لسنة 1989 جنح آداب القاهرة قبل المدعية بوصف أنها بدائرة محافظة القاهرة اعتادت ممارسة الدعارة مع الرجال دون تمييز لقاء أجر وطلبت معاقبتها طبقا للمادتين 9 فقرة ج و 15 من القرار بقانون رقم 10 لسنة 1961 ، وأثناء نظر الدعوى دفعت المدعية بعدم دستورية القرار بقانون المشار اليه، واذ قدرت محكمة الموضوع جدية هذا الدفع فقد صرحت للمدعية بجلسة 23 من مايو سنة 1989 برفع دعواها الدستورية فأقامت الدعوى الماثلة .

وحيث أن المدعية تنعى على القرار بقانون سالف الذكر مخالفته لأحكام الدستور المؤقت الصادر سنة 1958 الذى صدر فى ظله، من حيث أن رئيس الجمهورية قد أصدره فى غيبة السلطة التشريعية دون أن تتوافر حالة الضرورة التى تسوغ له اصداره وفقا للمادة 53 منه، وعدم اقراره من مجلس الأمة مادة مادة بالمخالفة لنص المادة 22 من ذات الدستور، وعدم ثبوت تشكيل مجلس الأمة وفقا للمادة 13 منه مما يصم المجلس ذاته بالبطلان وكذلك ما يصدر عنه من قرارات ومن بينها قراره بالموافقة على القرار بقانون المطعون عليه، وانتهاء السريان القانونى له من حيث الزمان والمكان.

 

 

وحيث أن هذه المناعى – جميعها – وعلى ما جرى به قضاء هذه المحكمة – تعتبر من المطاعن الشكلية التى تقوم فى مبناها على مخالفة نص تشريعى للأوضاع الاجرائية التى يتطلبها الدستور سواء فى ذلك ما كان منها متصلا باقتراح النصوص التشريعية أو اقرارها أو اصدارها حال انعقاد السلطة التشريعية ، أو ماكان منها منصرفا إلى الشروط التى يفرضها الدستور لمباشرة الاختصاص باصدارها فى غيبة السلطة التشريعية أو بتفويض منها، ومن ثم ينسحب قضاء هذه المحكمة فى الدعوى الماثلة الى تلك المطاعن وحدها ولا يعتبر الحكم الصادر برفضها مطهرا للنصوص التشريعية المطعون عليها من العيوب الموضوعية التى قد تشوبها أو مانعا كل ذى مصلحة من طرحها على هذه المحكمة وفقا لقانونها.

 

 

وحيث أن ما تنعاه المدعية من مخالفة القرار بقانون المطعون عليه لنص المادة (22) من الدستور المؤقت للجمهورية العربية المتحدة الصادر سنة 1958 التى تنص على ألا يصدر قانون الا اذا أقره مجلس الأمة ، ولا تجيز تقرير مشروع قانون إلا بعد أخذ الرأى فيه مادة مادة مردود بأن حكمها ان ما ينسحب إلى القوانين التى تقرها السلطة التشريعية الأصيلة ممثلة فى مجلس الأمة ولا شأن لها بالتدابير العاجلة التى يتخذها رئيس الجمهورية لمواجهة حالة الضرورة فى اطار الرخصة التشريعية الاستثنائية التى يملكها وفقا لنص المادة 53 من هذا الدستور المؤقت التى تخوله أن يصدر أى قرار أو تشريع مما يدخل أصلا فى اختصاص مجلس الأمة اذا دعت الضرورة إلى اتخاذه فى غيابه.

وحيث أن المدعية تنعى على المجلس التشريعى الذى أقر القرار بقانون المطعون عليه – عند عرضه عليه فور انعقاده - بطلان تكوينه وهو بطلان يمتد إلى قراراته ومن بينها قراره بالموافقة على هذا القرار بقانون.

وحيث أن هذا النعى مردود- بما جرى عليه قضاء هذه المحكمة - من أن بطلان تكوين المجلس التشريعى - عند ثبوته – لا ينسحب إلى القوانين التى أقرها ولا إلى القرارات أو التدابير التى اتخذها حتى تاريخ نشر الحكم ببطلان تكوينه فى الجريدة الرسمية بل تظل جميعها محمولة على أصلها من الصحة ، وتبقى صحيحة نافذة معمولا بها إلى أن تقرر الجهة المختصة دستوريا الغاءها أو تعديلها أو تقضى هذه المحكمة بعدم دستورية نصوصها التشريعية اذا كانت المطاعن الموجهة اليها تقوم على وجه آخر غير بطلان تكوين المجلس التشريعى ذاته.

وحيث أن المدعية تنعى على القرار بقانون المطعون عليه صدوره من رئيس الجمهورية لمجرد دعم الأخلاق وصونها وهو ما لا تقوم به حالة الضرورة التى تخول رئيس الجمهورية استخدام الرخصة التشريعية الاستثنائية المخولة له بمقتضى المادة 53 من الدستور المؤقت.

وحيث أن هذا النعى مردود بأن الدساتير المصرية المتعاقبة بدءا من دستور سنة 1923 وانتهاء بالدستور القائم تفصح جميعها عن اعتناقها لنظرية الضرورة وتضمينها لأحكامها فى صلبها تمكينا للسلطة التنفيذية فيما بين أدوار انعقاد السلطة التشريعية أو حال غيابها من مواجهة أوضاع قاهرة أو ملحة تطرأ خلال هذه الفترة الزمنية وتلجئها إلى الاسراع فى اتخاذ تدابير لا تحتمل التأخير فى شأنها ومن ثم يكون تدخلها بهذه التدابير وتطبيقها لها، مبررا بحالة الضرورة ومستندا اليها وبالقدر الذى يكون متناسبا مع متطلباتها، وبوصفها تدابير من طبيعة استثنائية ، ذلك أن الأصل فى نصوص الدستور – وعلى ماجرى به قضاء هذه المحكمة – أنها تمثل القواعد والأصول التى يقوم عليها نظام الحكم فى الدولة ، وهى باعتبارها كذلك تتبوأ مقام الصدارة بين قواعد النظام العام التى يتعين احترامها والعمل بموجبها باعتبارها أسمى القواعد الآمرة وأحقها بالنزول على أحكامها، واذ كان الدستور قد حدد لكل سلطة عامة وظائفها الأصيلة وما تباشره من أعمال أخرى لا تدخل فى نطاقها، بل تعد استثناء يرد على أصل انحصار نشاطها فى المجال الذى يتفق مع طبيعة وظائفها، وكان الدستور قد قصر هذه الأعمال الاستثنائية وبين بصورة تفصيلية قواعد ممارستها، تعين على كل سلطة فى مباشرتها لها أن تلتزم حدودها الضيقة وأن تردها إلى ضوابطها الدقيقة التى عينها الدستور، والا وقع عملها مخالفا لأحكامه .

 

 

وحيث أن سن القوانين هو ما تختص به السلطة التشريعية تباشره وفقا للدستور فى اطار وظيفتها الأصلية ، وكان الأصل أن تتولى السلطة التشريعية بنفسها مباشرة هذه الوظيفة التى أقامها الدستور عليها، إلا أن الدساتير المصرية جميعها، كان عليها أن توازن ما يقتضيه الفصل بين السلطتين التشريعية والتنفيذية من تولى كل منهما لوظائفها فى المجال المحدد لها أصلا، بضرورة المحافظة على كيان الدولة واقرار النظام فى ربوعها ازاء ما تواجهه – فيما بين أدوار انعقاد السلطة التشريعية أو حال غيابها – من مخاطر تلوح نذرها أو تشخص الأضرار التى تواكبها، يستوى فى ذلك أن تكون هذه المخاطر من طبيعة مادية أو أن يكون قيامها مستندا إلى ضرورة تدخل الدولة بتنظيم تشريعى يكون لازما لمواجهة التزاماتها الدولية الحالة . ولقد كان النهج الذى التزمته هذه الدساتير على اختلافها – وعلى ضوء موجبات هذه الموازنة – وهو تخويلها السلطة التنفيذية الاختصاص باتخاذ التدابير العاجلة اللازمة لمواجهة أوضاع استثنائية سواء بالنظر إلى طبيعتها أو مداها، وتلك هى حالة الضرورة التى اعتبر الدستور قيامها من الشرائط التى تطلبها لمزاولة هذا الاختصاص الاستثنائى ، ذلك أن الاختصاص المخول للسلطة التنفيذية فى هذا النطاق لا يعدو أن يكون استثناء من أصل قيام السلطة التشريعية على مهمتها الأصلية فى المجال التشريعى ، اذ كان ذلك وكانت التدابير العاجلة التى تتخذها السلطة التنفيذية لمواجهة حالة الضرورة نابعة من متطلباتها، فان انفكاكها عنها يوقعها فى حومة المخالفة الدستورية ، ذلك أن توافر حالة الضرورة - بضوابطها الموضوعية التى لا تستقل السلطة التنفيذية بتقديريها – هى علة اختصاصها بمواجهة الأوضاع الطارئة والضاغطة بتلك التدابير العاجلة ، بل هى مناط مباشرتها لهذا الاختصاص واليها تمتد الرقابة الدستورية التى تباشرها هذه المحكمة للتحقق من قيامها فى الحدود التى رسمها الدستور لها ولضمان الا تتحول هذه الرخصة التشريعية – وهى من طبيعة استئنائية - إلى سلطة تشريعية كاملة ومطلقة لا قيد عليها ولا عاصم من جموحها وانحرافها.

 

 

وحيث أن البين من الاطلاع على المذكرة الايضاحية للقرار بقانون رقم 10 لسنة 1961 فى شأن مكافحة الدعارة فى الجمهورية العربية المتحدة أن رئيس الجمهورية أصدر القرار رقم 884 بتاريخ 11 من مايو سنة 1959 مقررا بمقتضاه انضمام الجمهورية العربية المتحدة الى الاتفاقية الدولية لمكافحة الاتجار فى الأشخاص واستغلال دعارة الغير الموقعة فى ليك سكس بتاريخ 21 من مارس سنة 1950 وكانت المادة الأولى منها تقرر موافقة الدول أطرافها على معاقبة أى شخص يقوم بقصد اشباع شهوة الغير بحمل أى شخص آخر أو ترغيبه أو تقديمه لأغراض الدعارة أو استغلال دعارته ولو كان ذلك بموافقته، كما تلزم الاتفاقية الدول اطرافها بالعمل على معاقبة كل من يفتح بيتا للدعارة أو يديره أو يقوم بتمويله مع علمه بذلك، وكذلك كل من يؤجر بناء أو مكانا أو جزءاً من بناء أو مكان أو يستأجره بقصد دعارة الغير إلى غير ذلك من الأعمال التى تعتبر شروعا فى ارتكاب أى جريمة مما تقدم أو تعد من الأفعال التحضيرية لها، اذ كان ذلك، وكان انضمام الجمهورية العربية المتحدة الى تلك الاتفاقية يجعلها طرفا فيها ويلزمها بالعمل على تنفيذ أحكامها ومن بينها الغاء الدعارة فى كل صورها باعتبار أن الدعارة وما يتبعها من شر الاتجار فى الأشخاص بقصد اشباع شهوات الغير تناقض كرامة الانسان وتعرض للخطر صالح الفرد والأسرة والجماعة وهو ما واجهته الاتفاقية بذهابها إلى حد الزام الدول أطرافها بأن تعمل على اتخاذ التدابير التى من شأنها منع البغاء وضمان تأهيل ضحاياه واصلاحهم اجتماعيا عن طريق الخدمات الاجتماعية والصحية والاقتصادية والتعليمية وغيرها من الخدمات المتصلة بها وكذلك اتخاذ التدابير اللازمة لتنظيم دعاية مناسبة لتحذير الجمهور من مخاطر الاتجار بالأشخاص فى مجال الدعارة فضلا عن ابلاغ الأمين العام للأمم المتحدة بالقوانين واللوائح المعمول بها لديها فى شأن المسائل التى تنظمها الاتفاقية وكذلك نصوص القوانين واللوائح الجديدة وكافة التدابير التى تتخذ لتنفيذ أحكامها، اذ كان ذلك وكان البغاء – عند انضمام الجمهورية العربية المتحدة الى الاتفاقية السالف بيانها- محظورا فى اقليمها الجنوبى ومنظما فى اقليمها الشمالى ، وكان نفاذ أحكام تلك الاتفاقية يفترض تطبيقها على اقليميها لفرض العقوبة الملائمة على الصور المختلفة للبغاء، وسواء فى ذلك ما تعلق منها بالتحريض على البغاء أو المساعدة عليه أو استغلاله أو احترافه أو غير ذلك من أشكاله، فقد أصدر رئيس الجمهورية العربية المتحدة القرار بقانون رقم10 لسنة 1961 فى شأن مكافحة الدعارة فى الجمهورية العربية المتحدة مؤكدا بالأحكام التى تضمنها ما يقتضيه النزول على الاتفاقية الدولية المشار اليها من اتخاذ التدابير التشريعية العاجلة التى تكفل الغاء البغاء ومكافحته فى اقليمى الجمهورية ، وآية ذلك أن هذه الاتفاقية وان كان لها قوة القانون عملا بنص المادة (56) من الدستور المؤقت للجمهورية العربية المتحدة الصادر سنة 1958 ، والمادة 151 من الدستور القائم، الا أن أحكامها تحيل إلى القوانين والنظم فى الدول أطرافها وتتطلب اقرار ما يكون لازما منها لتفصيل الأحكام التى أجملتها الاتفاقية بمراعاة أغراضها كى تحدد على ضوئها جرائم الفجور والدعارة فى أشكالها المختلفة وتقرر كذلك عقوباتها إلى غير ذلك من التدابير الاجتماعية والتعليمية والصحية التى تتصل بمكافحة البغاء فى صوره المتعددة وتأهيل ضحاياه ، بما لا يجوز معه القول بانتفاء حالة الضرورة التى تسوغ اصدار رئيس الجمهورية القرار بقانون المطعون فيه، الأمر الذى يعتبر معه هذا الوجه من النعى على غير أساس.

وحيث أن ما تنعاه المدعية من أن القرار بقانون المطعون عليه لم يعد ساريا لوقوع انفصال بين اقليمى الجمهورية العربية المتحدة مردود بأن قالة انتهاء العمل بأحكام ذلك القرار بقانون- بفرض صحتها – لا تدل بذاتها على أن عوارا دستوريا شابها، وان ما يتمحض هذا الوجه من النعى - فى حقيقته – عن أن النصوص القانونية المتصلة بالتهمة التى نسبتها النيابة العامة اليها لا ينبغى تطبيقها عليها لسقوطها تبعا لانفصال سوريا عن الدولة التى كانت تضمها مع مصر. بما يعنيه ذلك من وجوب تبرئتها من هذه التهمة عملا بمبدأ شرعية الجرائم والعقوبات وهو أمر يعود قانونا الى محكمة الموضوع ذاتها التى تختص دون غيرها بالتحقق مما اذا كانت الأفعال التى اتتها المدعية تشكل حين ارتكابها جريمة معاقبا عليها وفقا للقانون.

 

فلهذه الأسباب

حكمت المحكمة برفض الدعوى وبمصادرة الكفالة ، وإلزام المدعية المصروفات، ومبلغ مائة جنيه مقابل أتعاب المحاماة .

أمين السر رئيس المحكمة