الدعوى 3 لسنة 10 - دستورية - المحكمة الدستورية العليا - مرفوعة علنية رقم 3 لسنة 10 بتاريخ 02/01/1993

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

باسم الشعب

 

المحكمة الدستورية العليا

بالجلسة العلنية المنعقدة في يوم السبت 2 يناير 1993 الموافق 9 رجب سنة 1413هـ .

برئاسة السيد المستشار الدكتور/ عوض محمد عوض المر رئيس المحكمة

وحضور السادة المستشارين:- الدكتور محمد إبراهيم أبو العينين ومحمد ولى الدين جلال وفاروق عبد الرحيم غنيم وسامي فرج يوسف والدكتور عبد المجيد فياض ومحمد على سيف الدين أعضاء

وحضور السيد المستشار/ محمد خيري طه عبد المطلب النجار المفوض

وحضور السيد/ رأفت محمد عبد الواحد أمين السر

أصدرت الحكم الآتى

 

فى القضية المقيدة بجدول المحكمة الدستورية العليا برقم 3 لسنة 10 قضائية دستورية.

المقامة من

السيد / ......................

ضد

1. السيد / رئيس الجمهورية

2. السيد / النائب العام

3. السيد / رئيس مجلس الوزراء

الإجراءات

بتاريخ 7 يناير سنة 1988 أودع المدعي صحيفة هذه الدعوي قلم كتاب المحكمة الدستورية العليا طالبا في ختامها الحكم بعدم دستورية المادتين الخامسة والسادسة من المرسوم بقانون رقم 98 لسنة 1945.

قدمت هيئة قضايا الدولة مذكرة طلبت في ختامها الحكم برفض الدعوي.

وبعد تحضير الدعوي أودعت هيئة المفوضين تقريراً برأيها القانوني.

ونظرت الدعوي علي الوجه المبين بمحضر الجلسة، وقررت المحكمة إصدار الحكم فيها بجلسة اليوم.

المحكمة

بعد الاطلاع على الأوراق والمداولة .

وحيث إن الوقائع-على ما يبين من صحيفة الدعوى وسائر الأوراق- تتحصل في أن النيابة العامة كانت قد أقامت الدعوي الجنائية في القضية رقم 1 لسنة 1987 جنح اشتباه طامية ضد المدعي ضد المدعي بوصف أنه عد مشتبها فيه إذ سبق الحكم عليه أكثر من مرة في جرائم الاتجار بالمواد المخدرة، كما اشتهر عنه اعتاد جرائم الاعتداء علي النفس وطلبت النيابة معاقبته بالمواد 16،9،8،6،7/5 من المرسوم بقانون رقم 98 لسنة 1945 وأثناء نظر الدعوي أمام محكمة جنح اشتباه طامية دفع المدعي بعدم دستورية المادتين الخامسة والسادسة من المرسوم بقانون رقم 98 لسنة 1945، وإذ قدرت المحكمة المذكورة جدية هذا الدفع فقد صرحت للمدعي بجلسة 6 من ديسمبر سنة 1987 بإقامة دعواه الدستورية، فأقام الدعوي الماثلة، وبجلسة 10 من يناير سنة 1988 قررت محكمة الموضوع وقف الدعوي الجنائية لحين الفصل في الطعن بعدم الدستورية .

وحيث إن المادة (5) من المرسوم بقانون رقم 98 لسنة 1945 بشأن المتشردين والمشتبه فيهم - تنص علي أن يعد مشتبها فيه كل شخص تزيد سنه علي ثماني عشرة سنة حكم عليه أكثر من مرة في احدي الجرائم الآتية أو اشتهر عنه - لأسباب مقبولة - انه اعتاد ارتكاب بعض الجرائم أو الأفعال الآتية:

1. الاعتداء علي النفس أو المال أو التهديد بذلك.

2. الوساطة في إعادة الأشخاص المخطوفين أو الأشياء المسروقة أو المختلسة.

3. تعطيل وسائل المواصلات أو المخابرات ذات المنفعة العامة.

4. الاتجار بالمواد السامة أو المخدرة أو تقديمها للغير.

5. تزييف النقود أو تزوير أوراق النقد الحكومية أو أوراق البنكنوت الجائز تداولها قانونا في البلاد أو تقليد أو ترويج شئ مما ذكر.

6. الجرائم المنصوص عليها في القانون رقم 10 لسنة 1961 في شأن مكافحة الدعارة.

7. جرائم هروب المحبوسين وإخفاء الجناة، المنصوص عليها في الباب الثامن من الكتاب الثاني من قانون العقوبات.

8. جرائم الاتجار في الأسلحة أو الذخائر.

9. إعداد الغير لارتكاب الجرائم أو تدريبهم علي ارتكابها ولو لم تقع جريمة نتيجة لهذا الإعداد أو التدريب.

10. إيواء المشتبه فيهم وفقا لأحكام هذا القانون بقصد تهديد الغير أو فرض السيطرة عليه.

كما تنص المادة (6) من ذات المرسوم بقانون علي ما يأتي:-

يعاقب المشتبه فيه بإحدى التدابير الآتية:-

1. تحديد الإقامة في مكان معين.

2. الوضع تحت مراقبة الشرطة.

3. الإيداع في احدي مؤسسات العمل التي تحدد بقرار من وزير الداخلية ويكون التدبير لمدة لا تقل عن ستة أشهر ولا تزيد علي ثلاث سنوات وفي حالة العود أو ضبط المشتبه فيه حاملا أسلحة أو آلات أو أدوات أخري من شأنها إحداث جروح أو تسهيل ارتكاب الجرائم تكون العقوبة الحبس والحكم بإحدى التدابير السابقة لمدة لا تقل عن سنة ولا تزيد علي خمس سنوات.

4. الإبعاد للأجنبي .

وحيث إن المدعي ينعي علي المادتين (5)، (6) السالف بيانهما مخالفتهما لنص المادتين (66) و (67) من الدستور من عدة أوجه حاصلها أن الاشتباه ليس إلا حالة غير ظاهرة للحس أو العيان، كما أن الاشتهار يؤسس عادة علي تقارير أجهزة الأمن، وكلاهما مرد الأمر فيه إلي حالة تقوم بالشخص منفصلة عن أية أفعال يكون قد آتاها، هذا بالإضافة إلي أن الاشتباه إنما يبعث إلي الحياة نظاما قانونيا اختفي منذ أكثر من ثلاثين عاما من القانون المقارن، ومؤداه معاقبة الشخص عن الفعل الواحد أكثر من مرة، وعن حالة قد تتوافر فيه قبل العمل بالنصوص التشريعية المطعون عليها.

وحيث إنه من المقرر أن لكل جزاء جنائي أثرا مباشرا يرتد إلي طبيعته، ويتمثل في حرمان الشخص من حقه في الحياة أو من حريته أو ملكه، ولقد كان هذا الجزاء عبر أطوار قائمة في التاريخ أداة طيعة للقهر والطغيان، محققا للسلطة المستبدة أطماعها، ومبتعدا بالعقوبة عن أغراضها الاجتماعية، وكان منطقيا وضروريا أن تعمل الدول المتمدينة علي أن تقيم تشريعاتها الجزائية وفق أسس ثابتة تكفل بذاتها انتهاج الوسائل القانونية السليمة في جوانبها الموضوعية والإجرائية، لضمان ألا تكون العقوبة أداة قامعة للحرية عاصفة بها بالمخالفة للقيم التي تؤمن بها الجماعة في تفاعلها مع الأمم المتحضرة واتصالها بها، وكان لازما - في مجال دعم هذا الاتجاه وتثبيته - أن تقرر الدساتير المعاصرة القيود التي ارتأتها علي سلطان المشرع في مجال التجريم تعبيرا عن إيمانها بأن حقوق الإنسان وحرياته لا يجوز التضحية بها في غير ضرورة تمليها مصلحة اجتماعية لها اعتبارها، واعترافا منها بأن الحرية في أبعادها الكاملة لا تنفصل عن حرمة الحياة، وأن الحقائق المريرة التي عايشتها البشرية علي امتداد مراحل تطورها، تفرض نظاما متكاملا يكفل للجماعة مصالحها الحيوية، ويصون - في إطار أهدافه - حقوق الفرد وحرياته الأساسية بما يحول دون إساءة استخدام العقوبة تشويها لأغراضها، وقد تحقق ذلك بوجه خاص من خلال ضوابط صارمة ومقاييس أكثر أحكاماً لتحديد ماهية الأفعال المنهي عن ارتكابها، بما يزيل غموضها، وعلي نحو يجرد المحكمة من السلطة التقديرية التي تقرر بها قيام جريمة أو فرض عقوبة بغير نص، كي تظل المصلحة الاجتماعية - في مدارجها العليا- قيدا علي السلطة التشريعية تحريا للشرعية في أبعادها الكاملة واستشرافا للعدالة في أعماق منابتها.

حيث إن الدستور - في اتجاهه إلي ترسم النظم المعاصرة ومتابعة خطاها، والتقيد بمناهجها التقدمية - نص في المادة (66) منه علي أنه لا جريمة ولا عقوبة إلا بناء علي قانون، ولا عقاب إلا علي الأفعال اللاحقة لصدور القانون الذي ينص عليها، وكان الدستور قد دل بهذه المادة علي أن لكل جريمة ركنا ماديا لأقوام لها بغيره يتمثل أساسا في فعل أو امتناع وقع بالمخالفة لنص عقابي، مفصحا بذلك عن أن ما يركن إليه القانون الجنائي ابتداء في زواجره ونواهيه هو مادية الفعل المؤاخذ علي ارتكابه، ايجابيا كان هذا الفعل أم سلبيا، ذلك أن العلائق التي ينظمها هذا القانون في مجال تطبيقه علي المخاطبين بأحكامه محورها الأفعال ذاتها، في علاماتها الخارجية، ومظاهرها الواقعية، وخصائصها المادية، إذ هي مناط التأثيم وعلته، وهي التي يتصور إثباتها ونفيها، وهي التي يتم التمييز علي ضوئها بين الجرائم بعضها البعض، وهي التي تديرها محكمة الموضوع علي حكم العقل لتقييمها وتقدير العقوبة المناسبة لها، بل أنه في مجال تقدير توافر القصد الجنائي، فان المحكمة لا تعزل نفسها عن الواقعة محل الاتهام التي قام الدليل عليها قاطعا واضحا، ولكنها تجيل بصرها فيها منقبة من خلال عناصرها عما قصد إليه الجاني حقيقة من وراء ارتكابها، ومن ثم تعكس هذه العناصر تعبيرا خارجيا وماديا عن إرادة واعية، ولا يتصور بالتالي وفقا لأحكام الدستور أن توجد جريمة في غيبة ركنها المادي، ولا إقامة الدليل علي توافر علاقة السببية بين مادية الفعل المؤثم والنتائج التي أحدثها بعيدا عن حقيقة هذا الفعل ومحتواه، ولازم ذلك أن كل مظاهر التعبير عن الإرادة البشرية - وليس النوايا التي يضمرها الإنسان في أعماق ذاته - تعتبر واقعة في منطقة التجريم كلما كانت تعكس سلوكا خارجيا مؤاخذا عليه قانونا، فإذا كان الأمر غير متعلق بأفعال أحدثتها إرادة مرتكبها، وتم التعبير عنها خارجيا في صورة مادية لا تخطئها العين، فليس ثمة جريمة.

وحيث إنه فضلا عما تقدم، فأن الأصل وفقا لنص المادة (66) من الدستور هو أن يكون لكل جريمة عقوبة محددة ينص القانون عليها في صلبه، أو تقرر - علي الأقل - وفقا للحدود التي يبينها، كذلك، فإن من القواعد المبدئية التي يتطلبها الدستور في القوانين الجزئية، أن تكون درجة اليقين التي تنتظم أحكامها في أعلي مستوياتها، وأظهر في هذه القوانين منها في أية تشريعات أخري، ذلك أن القوانين الجزئية تفرض علي الحرية الشخصية أخطر القيود وأبلغها أثرا، ويتعين بالتالي - ضمانا لهذه الحرية - أن تكون الأفعال التي تؤثمها هذه القوانين محددة بصورة قاطعة بما يحول دون التباسها بغيرها، وبمراعاة أن تكون دوما جليلة واضحة في بيان الحدود الضيقة لنواهيها، ذلك أن التجهيل بها أو انبهامها في بعض جوانبها لا يجعل المخاطبين بها علي بينة من حقيقة الأفعال التي يتعين عليهم تجنبها، كذلك فإن غموض مضمون النص العقابي مؤداه أن يحال بين محكمة الموضوع وبين أعمال قواعد منضبطة تعين لكل جريمة أركانها وتقرر عقوبتها بما لا خفاء فيه، وهي قواعد لا ترخص فيها وتمثل إطارا لعملها لا يجوز تجاوزه، ذلك أن الغاية التي يتوخاها الدستور هي أن يوفر لكل مواطن الفرص الكاملة لمباشرة حرياته في إطار من الضوابط التي قيدها بها، ولازم ذلك أن تكون القيود علي الحرية التي تفرضها القوانين الجزائية، محددة بصورة يقينية لأنها تدعو المخاطبين بها إلي الامتثال لها كي يدفعوا عن حقهم في الحياة وكذلك عن حرياتهم، تلك المخاطر التي تعكسها العقوبة.ولقد كان غموض القوانين الجزائية مرتبطا من الناحية التاريخية بإساءة استخدام السلطة، وكان أمرا مقضيا أن يركن المشرع الي مناهج جديدة في الصياغة لا تنزلق إلي تلك التعبيرات المرنة أو الغامضة أو المتميعة المحملة بأكثر من معني والتي تنداح معها دائرة التجريم بما يوقع محكمة الموضوع في محاذير واضحة قد تنتهي بها - في مجال تطبيقها للنصوص العقابية - إلي ابتداع جرائم لا يكون المشرع قد قصد حقيقة إلي إنشائها، والي مجاوزة الحدود التي اعتبرها الدستور مجالا حيويا لمباشرة الحقوق والحريات التي كفلها، وهو ما يخل في النهاية بالضوابط الجوهرية التي تقوم عليها المحاكمة المنصفة وفقا لنص المادة (67) من الدستور، والتي عرفتها هذه المحكمة بأنها تعكس نظاما متكامل الملامح يتوخي بالأسس التي يقوم عليها صون كرامة الإنسان وحماية حقوقه وحرياته الأساسية،ويحول بضماناته دون إساءة استخدام العقوبة بما يخرجها عن أهدافها.

وحيث إنه إذ كان ما تقدم، وكانت خاصية الوضوح اليقين في القوانين الجزائية غايتها ضمان الحرية الفردية في مواجهة التحكيم انطلاقا من إيمان الأمم المتحضرة بحرمة الحياة الخاصة وبوطأة القيود التي تنال من الحرية الشخصية لضمان أن تباشر كل دولة السلطة المخولة لها - في مجال فرض العقوبة صونا للنظام الاجتماعي - بمراعاة الأغراض النهائية للقوانين العقابية التي ينافيها أن تكون إدانة المتهم هدفا مقصودا لذاته متى كان ذلك، فان انتفاء الغموض في هذه القوانين يقع في نطاق مجموعة القيم التي تكفل لحقوق المتهم الحد الأدنى من الحماية التي لا يجوز النزول عنها أو الانتقاص منها.

وحيث إن قضاء هذه المحكمة قد جري علي أن القيود المبدئية التي تقوم عليها المحاكمة المنصفة - وإن كانت إجرائية في الأصل - إلا أن تطبيقها في مجال الدعوي الجنائية - وعلي امتداد حلقاتها - يؤثر بالضرورة في محصلتها النهائية، ويندرج تحتها أصل البراءة كقاعدة أولية توجبها الفطرة وتفرضها حقائق الأشياء، متى كان ذلك، وكان افتراض البراءة يمثل أصلا ثابتا يتعلق بالتهمة الجنائية من ناحية إثباتها وليس بنوع العقوبة المقررة لها، وكان هذا الأصل يمتد الي كل فرد سواء أكان مشتبها فيه أم كان متهما باعتبارها قاعدة أساسية في النظام الاتهامى أقرتها الشرائع جميعها - لا لتكفل بموجبها الحماية للمذنبين - وإنما لتدرأ بمقتضاها العقوبة عن كل فرد إذا كانت التهمة الموجهة إلية قد أحاطتها الشبهات بما يحول دون التيقن من مقارفة المتهم للواقعة محل الاتهام الجنائي، متى كان ذلك، وكان الاتهام الجنائي - في ذاته - لا يزحزح أصل البراءة بل يلازم الفرد دوما ولا يزايله سواء في مرحلة ما قبل المحاكمة أو أثناءها وعلي امتداد حلقاتها وأيا كان الزمن الذي تستغرقه إجراءاتها - فقد غدا دحض أصل البراءة ممتنعا بغير الأدلة التي تبلغ قوتها الاقناعية - في مجال ثبوت التهمة- مبلغ الجزم واليقين، بما لا يدع مجالا معقولا لشبهة انتفائها وبشرط أن تكون دلالتها قد استقرت حقيقتها بحكم استنفد طرق الطعن فيه وصار باتا.

وحيث إن البين من نص المادة (5) المطعون عليها أن للاشتباه صورتين يمثل الاشتهار إحداهما وتفصح عن أخراهما سوابق متعددة مردها إلي أحكام إدانة سابقة،أما الصورة الأولي - وهي الاشتهار- فقد نظمتها المادة (5) المشار اليها وذلك بنصها علي ان كل من تزيد سنة علي ثماني عشرة سنة يعتبر مشتبها فيه إذا اشتهر عنه أنه إعتاد ارتكاب بعض الجرائم أو الأفعال التي حددتها هذه المادة حصرا، وكان الاشتباه بهذا المعني - وطبقا لما جري عليه القضاء في مجال تطبيقه - ليس وصفا دائما أو مؤبدا، ولا يعتبر في مبناه مرتبطا بفعل يحس به في الخارج، ولا هو واقعة مادية تمثل سلوكا محددا أتاه الجاني، ودفعها الي الوجود، لتقام علية الدعوي الجنائية من أجل ارتكابها، وانما قوامه حالة خطرة كامنه فيه مرجعها إلي شيوع أمره بين الناس باعتباره من الذين اعتادوا مقارفة جرائم وأفعال مما عينتة المادة(5) المطعون عليها، وهي حالة رتب المشرع علي تحقيقها بالنسبة الية محاسبته وعقابه، وأجاز التدليل عليها بالأقوال أو السوابق أو التقارير الأمنية بعد أن قدر أن جميعها تعتبر كاشفة عن الصلة بين حاضره وماضيه، وقاطعة في توكيد خطورته، متي كان ذلك، وكان هذا الاتجاه التشريعي يقوم علي افتراض لا محل له، ويناهض نصوص الدستور التي تعتد بالأفعال وحدودها باعتبارها مناط التأثم وعلته، ولأنها دون غيرها هي التي يجوز اثباتها ونفيها،وهي التي يتصور أن تكون محل تقدير محكمة الموضوع، وأن تكون عقيدتها بالبناء عليها، وكان لاشبهة في أن الأقوال التي تتردد في شأن شخص معين وكذلك السوابق أو التقارير أيا كان وزنها لا تنزل منزلة الأفعال التي يجوز اسنادها الي مقارفها، ولا هي قاطعة في اتجاه ارادته وانصرافها الي ارتكابها، وقد تنقصها الدقة أو تفتقر الي الموضوعية، وكان من المقرر أنة لا يجوز - في أيه حال - أن تكون مصائر الناس معلقة علي غير أفعالهم، أما أقوال الآخرين في حقهم فلا يملكون لها دفعا، ولا سبيل لهم عليها، لتعليقها بما شاع عنهم، وقد تحيط بهم زورا وبهتانا، وكان الاشتهار بالمعني الذي قصد اليه النص المطعون فيه يعتبر - في ذاته - مكونا لجريمة لا يعاصرها فعل أو أفعال بعينها، وهو فوق هذا يجهل بماهية الأفعال التي يتعين علي المخاطبين بالقوانين الجزائية توقيعها وتجنبها، والتي يوقعهم ارتكابها في حومة المخالفة لنواهيها، فان الاشتهار - وفقا لما جري به النص المطعون فيه - لا يكون محددا ماهية الأفعال المنهي عنها بصورة قاطعة، ومفتقرا بالتالي الي خاصية اليقين التي لا يجوز أن تتحلل القوانين الجزائية منها، ومنصرفا كذلك الي حالة خطرة تستمد عناصرها من السوابق أو الأقوال أو غيرها، وجميعها لا ترقي الي مرتبة الفعل ولا يقوم هو بها، ومن ثم يقصر الاشتهار عن أن يكون من الأفعال التي يجوز تجريمها وفقا لضوابط الدستور وضماناته التي يؤدي الإخلال بها إلي اقتحام الحرية الشخصية في مجالاتها الحيوية، والي الانتقاص من الحقوق التي كفلها الدستور في مواجهة التسلط أو التحامل، كذلك فانه مما يناقض ادانة الشخص علي أساس الاشتهار بالمعني السابق، افتراض براءة المتهم من التهمه الموجة اليه الي ان تخلص المحكمة إلي إدانته بصفة باتة بعد اقتناعها بالأدلة الكافية علي ثبوتها بما لا يدع مجالا لشبهة انتفائها، وهي أدلة لا تدور إلا علي الأفعال التي نسبتها النيابة العامة إليه باعتبارها ركنا ماديا في الجريمة ولا كذلك الاشتهار، إذ لا يؤول الي فعل محدد يكون مادة الجريمة أو موضوعها، وإنما يقوم علي مجرد حالة لا تنشئها أو تتصل بها أفعال مادية قام الدليل عليها يعبر بها الجاني عن إرادتة الواعية الجازمة متوسلا بها الي بلوغ النتيجة الاجرامية التي يبتغيها.

وحيث إنه عن الصورة الاخري للاشتباه والتي تقوم في جوهرها علي أحكام إدانه سابقة، فقد فصلتها المادة (5) المطعون عليها وذلك فيما قررته من أن كل من تزيد سنة علي ثماني عشرة سنة، يعد مشتبها فيه إذا كان قد حكم علية اكثر من مرة في احدي الجرائم التي عينتها هذه المادة، بما مؤداه أنه حتي في الأحوال التي يكون فيها الاشتباه مستندا - في مصدره - إلي تعدد الأحكام الصادرة في الجرائم التي حددها القانون، فإن الاشتباه يظل جريمة بلا سلوك، إذ ليس شرطا لقيامهما أن يكون قد عاصرها أو اتصل بها فعل محدد ايجابيا كان هذا الفعل ام سلبيا، ومن ثم يكون مرد الاشتباه فى هذه الصورة الى الخطورة الناجمة عن جرائم سابقة ارتكبها شخص معين ليغدو الاشتباه صفة ينشئها المشرع في نفس قابلة لها بغية التحوط لأمن الجماعة وصون نظامها، ولا مرية فى أن اعتبار الشخص مشتبها فيه بناء على جرائمه السابقة انما يناهض السياسة الجنائية القويمة إذ هو أدعى إلى انتباذه الجماعة التى يعيش فيها وشقه عصا الطاعة عليها، وآية ذلك أن الخطورة الناجمة عن جرائمه السابقة، والتى يراد التحوط منها صونا لمصالح الجماعة، لا تزيد عن كونها من العوامل التي تومئ الى احتمال ارتكابة فى المستقبل لجريمة غير معينة،وهي بذلك ترشح لمقارفتها ، ولا تقطع بالانزلاق فيها ، ولا يجوز بالتالي أن يتعلق التجريم بها، إذ ليس ثمة علاقة حتمية بين انغماس الشخص فى جرائم سابقة وبين تردية فى حمأتها والعودة اليها مرة أخرى ،كذلك فانه مما يناقض افتراض البراءة أن يدان الشخص – لا عن جريمة بذاتها آتاها وتتحدد عقوبتها بالنظر الى ماهيتها وظروفها – بل بناء على محض احتمال عودته الى الاجرام بما مؤداه ان الخطورة الإجرامية التي يعتبر الشخص بموجبها مشتبها فيه قوامها عناصر مستمدة من ماضية، ودليلها جرائمه السابقة إذ تعتبر كاشفة عن خطورته هذه وقاطعة بها ومن ثم تكون سوابقه دامغة لحاضرة، ومسيئة لمستقبله، بل ومحددة لمجراه، ومدخلا الي ادانتة عن جريمة قوامها الحالة الخطرة في ذاتها، وهي حالة تنشئها الجرائم السابقة التي ارتكبها والتي تم تنفيذ عقوبتها كاملة بالنسبة اليه،وهي بعد جريمة نص القانون علي أن تتخذ في شأنها التدابير المنصوص عليها في مادته السادسة، وجميعها تدابير سالبة للحرية لها وطأة العقوبة وخصائصها، وقد اعتبرتها مادته العاشرة مماثلة لعقوبة الحبس في تطبيق أحكام قانون العقوبات أو أي قانون آخر، هذا بالإضافة الي أن توقيعها في ذاته ينطوي علي معاقبة الشخص أكثر من مرة عن فعل واحد، فقد حوكم عن جرائمة السابقة جميعها وتم استيفاء عقوبة كل منها، وليس ثمة جريمة أخري قارفها - قوامها فعل أو أمـــتناع - حتى تقام الدعوي الجنائية عنها، إنما تحركها حالته الخطرة التي افترض المشرع ارتكازها علي سوابقة ورتبها عليها. ولا ينال مما تقدم قالة أن مواجهة النزعة الإجرامية الكامنة فيمن تتعدد سوابقه وكبحها , لازمها اعتباره مشتبها فيه توقيا لخطورته , ذلك ان محكمة الموضوع يكفيها أن تقدر بمناسبة الجريمة الاخيرة التى ارتكبها الجزاء الملائم لها مراعية فى ذلك ماضيه الإجرامي.

وحيث إنه متى كان ما تقدم , وكان مبدأ عدم جواز معاقبة الشخص مرتين عن فعل واحد من المبادئ التى رددتها النظم القانونية على اختلافها ويعتبر جزءا من الحقوق الأساسية التي تضمنها الاتفاقيات الدولية لكل انسان , وكان قضاء هذة المحكمة قد جري على أن خضوع الدولة للقانون محددا على ضوء مفهوم ديموقراطي مؤداه ألا تخل تشريعاتها بالحقوق التى يعتبر التسليم بها فى الدول الديموقراطية مفترضا أوليا لقيام الدولة القانونية , وضمانة أساسية لصون حقوق الإنسان وكرامته وشخصيته المتكاملة ويندرج تحتها طائفة من الحقوق تعتبر وثيقة الصلة بالحرية الشخصية التى كفلها الدستور فى مادته الحادية والأربعين واعتبرها من الحقوق الطبيعية التي لا تمس , من بينها ألا تكون العقوبة الجنائية التى توقعها الدولة بتشريعاتها مهينة فى ذاتها أو ممعنة في قسوتها , أو منطوية على تقييد الحرية الشخصية بغير انتهاج الوسائل القانونية السليمة, أو متضمنة معاقبة الشخص أكثر من مرة عن فعل واحد , وكان الاشتباه في صوريتيه المشار إليهما بنص المادة (5) المطعون عليها لا يعتبر فعلا اتخذ مظهرا خارجيا ملموسا, ولا هو يقيد الحرية الشخصية بمراعاة الوسائل القانونية المتوافقة مع أحكام الدستور فى جوانبها الموضوعية والإجرائية, أو يلتزم الضوابط التي أرستها هذه المحكمة فى شأن المحاكمة المنصفة ومن بينها افتراض البراءة كحقيقة مستعصية على الجدل تمليها الشرعية الجنائية, وكان الاشتباه فى الصورة التى يقوم فيها على أحكام الادانة السابقة يتمحض عن معاقبة الشخص مرتين عن فعل واحد , فأن المادة (5) المشار إليها تكون مخالفة لأحكام المواد (41) , (66) , (67) من الدستور

وحيث إنه إذ كان ما تقدم, وكانت النصوص التي ينتظمها العمل التشريعي لا تعتبر _من زاوية العيوب الموضوعية _ باطلة بتمامها إلا في إحدى حالتين:-

أولاهما:- إذا كان فصل النصوص التي أبطلتها المحكمة عما سواها متعذرا , وكان ملحوظا عند إقرار المشرع للنصوص جميعها ما بينها من صلة حتمية تجعل ترابطها معا واتصال أجزائها ببعض , حقيقة قانونية لا مراء فيها .

ثانيهما:- إذا كان متعذرا بعد إبطال المحكمة للنصوص المخالفة للدستور, أن تكفل النصوص المتبقية الوفاء بمقاصد التشريع , وغاياته .

وحيث إنه اذ كان ذلك , وكان ابطال هذه المحكمة نص المادة (5) من القانون المطعون عليه مؤداه زوال النصوص الأخرى المرتبطة بها , والتي تعتبر مترتبة عليها , ولا قوام لها بدونها , ولا يتصور إعمالها في غيبتها , وما كان المشرع ليقرها بمعزل عن المادة (5) المشار إليها أو استقلالا عنها , فان أحكام المواد (6) , (13) , (15) من هذا القانون تكون مع مادته الخامسة كلا لا يتجزأ وتسقط بسقوطها .

فلهذه الأسباب

حكمت المحكمة بعدم دستورية نص المادة (5) من المرسوم بقانون رقم 98 لسنة 1945 بشأن المتشردين والمشتبه فيهم وبسقوط أحكام المواد المرتبطة بها, وهي المواد (6), (13),(15 ) منه , وألزمت الحكومة المصروفات ومبلغ مائة جنيه مقابل أتعاب المحاماة .