الدعوى 18 لسنة 10 - دستورية - المحكمة الدستورية العليا - مرفوعة علنية رقم 18 لسنة 10 بتاريخ 15/05/1993

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

باسم الشعب

 

المحكمة الدستورية العليا

 

بالجلسة العلنية المنعقدة فى يوم السبت 15 مايو 1993 م، الموافق 23 ذو القعدة سنة 1413 هـ .

برئاسة السيد المستشار الدكتور عوض محمد عوض المر رئيس المحكمة

وحضور السادة المستشارين: الدكتور محمد إبراهيم أبو العينين وفاروق عبد الرحيم غنيم وعبد الرحمن نصير والدكتور عبد المجيد فياض وعدلى محمود منصور ومحمد عبد القادر عبد الله أعضاء

وحضور السيد المستشار محمد خيرى طه عبد المطلب النجار رئيس هيئة المفوضين

وحضور السيد/ رأفت محمد عبد الواحد أمين السر

 

أصدرت الحكم الآتى

 

فى القضية المقيدة بجدول المحكمة الدستورية العليا برقم 18 لسنة 10 قضائية دستورية

المرفوعة من

السيد/  ................................

ضد

1- السيد رئيس الجمهورية

2- السيد رئيس مجلس الشعب

3- السيد المستشار وزير العدل

4- السيدة / ..............................

 

الإجراءات

بتاريخ 26 من مارس سنة 1988 أودع المدعى صحيفة هذه الدعوى قلم كتاب المحكمة الدستورية العليا طالباً الحكم بعدم دستورية المادة 18 مكرراً من المرسوم بقانون رقم 25 لسنة 1929 الخاص ببعض أحكام الأحوال الشخصية المضافة بالقانون رقم 100 لسنة 1985.

وقدمت هيئة قضايا الدولة مذكرة طلبت فيها الحكم برفض الدعوى .

وبعد تحضير الدعوى أودعت هيئة المفوضين تقريرًا برأيها.

ونظرت الدعوى على الوجه المبين بمحضر الجلسة، وقررت المحكمة إصدار الحكم فيها بجلسة اليوم.

المحكمة

بعد الاطلاع على الأوراق، والمداولة .

حيث إن الوقائع – على ما يبين من صحيفة الدعوى وسائر الأوراق – تتحصل فى أن المدعى عليها الرابعة كانت قد أقامت الدعوى رقم 352 لسنة 1986 أحوال كلى المحلة الكبرى ضد المدعى طالبة الحكم لها بمتعة تقدر بنفقة ثلاث سنوات، وبجلسة 7 من يناير سنة 1988 دفع المدعى بعدم دستورية المادة 18 مكرراً من المرسوم بقانون رقم 25 لسنة 1929 فقررت المحكمة تأجيل نظر الدعوى لجلسة 14 من أبريل سنة 1988 وصرحت له باتخاذ إجراءات الطعن بعدم الدستورية ، فأقام الدعوى الماثلة .

من حيث إن المادة 18 مكرراً من المرسوم بقانون رقم 25 لسنة 1929 الخاص ببعض أحكام الأحوال الشخصية المضافة بالقانون رقم 100 لسنة 1985 تنص على أن الزوجة المدخول بها فى زواج صحيح إذا طلقها زوجها بدون رضاها ولا بسبب من قبلها، تستحق فوق نفقة عدتها متعة تقدر بنفقة سنتين على الأقل، وبمراعاة حال المطلق يسراً وعسراً وظروف الطلاق ومدة الزوجية،و يجوز أن يرخص للمطلق فى سداد هذه المتعة على أقساط .

وحيث إن المدعى ينعى على هذا النص مخالفته حكم المادة الثانية من الدستور التى تقضى بأن مبادئ الشريعة الإسلامية هى المصدر الرئيسي للتشريع بمقولة أن المتعة لا تستحق إلا للزوجة غير المدخول بها، كما أن تقريرها يقيد الحق فى الطلاق المعتبر خالصاً للزوج.

وحيث إن هذا النعى مردود أولاً بأن ما نص عليه الدستور فى مادته الثانية بعد تعديلها – وعلى ما جرى به قضاء هذه المحكمة – من سريان حكمها على التشريعات الصادرة بعد العمل بها، ومن بينها أحكام القانون رقم 100 لسنة 1985 – مؤداه انه لا يجوز لنص تشريعى أن يناقض الأحكام الشرعية القطعية فى ثبوتها ودلالتها، فهذه الأحكام وحدها هى التى لا يجوز الاجتهاد فيها، وهى تمثل من الشريعة الإسلامية مبادئها الكلية وأصولها الثابتة التى لا تحتمل تأويلاً أو تبديلاً، من غير المتصور بالتالى أن يتغير مفهومها تبعاً لتغير الزمان والمكان، إذ هى عصية على التعديل ولا يجوز الخروج عليها، وتقتصر ولاية المحكمة الدستورية العليا فى شأنها على مراقبة التقيد بها وتغليبها على كل قاعدة قانونية تعارضها، ذلك أن المادة الثانية من الدستور تقدم على هذه القواعد، أحكام الشريعة الإسلامية فى أصولها ومبادئها الكلية، إذ هى إطارها العام وركائزها الثابتة التى تفرض متطلباتها دوماً بما يحول دون إقرار أية قاعدة قانونية على خلافها، وإلا اعتبر ذلك تشهياً وإهداراً لما علم من الدين بالضرورة . وعلى خلاف هذا، الأحكام الظنية سواء فى ثبوتها أو دلالتها أو فيهما معاً، ذلك أن دائرة الاجتهاد تنحصر فيها ولا تمتد إلى سواها، وهي بتغير الزمان والمكان لضمان مرونتها وحيويتها، ولمواجهة النوازل على اختلافها تنظيماً لشئون العباد بما يكفل مصالحهم المعتبرة شرعاً، وعلى أن يكون هذا الاجتهاد واقعاً فى إطار الأصول الكلية للشريعة الإسلامية بما لا يجاوزها، مقيماً الأحكام العملية بالاعتماد فى استنباطها على الأدلة الشرعية، متوخياً من خلالها تحقيق المقاصد العامة للشريعة بما تقوم عليه من صون الدين والنفس والعقل والعرض والمال. ومردود ثانياً بأن أصل تشريع المتعة هو النصوص القرآنية التي تعددت مواضعها، منها قوله تعالى وللمطلقات متاع بالمعروف حقاً على المتقين التى نحا الشافعى فى أحد قوليه وكذلك الظاهرية إلى وجوبها، وأيدهم فى ذلك آخرون باعتبار أن حقاً صفة لقوله تعالى متاعاً وذلك أدخل لتوكيد الأمر بها، هذا بالإضافة إلى أن عموم خطابها مؤداه عدم جواز تخصيص حكمها بغير دليل، وسريانه على كل مطلقة سواء كان طلاقها قبل الدخول بها أم بعده، فرض لها مطلقها مهراً أم كان غير مفروض لها، وجمهور الفقهاء على استحبابها بمقولة افتقارها إلى أمر صريح بها كذلك فإن تقرير المتعة وجوباً أظهر فى آية أخرى إذ يقول تعالى فى المطلقة غير المفروض لها ولا مدخول بها ومتعوهن على الموسع قدره وعلى المقتر قدره متاعاً بالمعروف حقاً على المحسنين بمعنى أعطوهن شيئاً يكون متاعاً لهن، فالأمر بالإمتاع فيها ظاهر، وإضافة الإمتاع إليهن تمليكاً – عند من يقولون بوجوبها – لا شبهة فيه، وانصرافها إلى المتقين والمحسنين لا يدل على تعلقها بهم دون سواهم، بل هو توكيد لإيجابها باعتبار أن الناس جميعاً ملزمون بالامتثال إلى أمر الله تعالى، وعدم الانزلاق فى معاصيه. ومردود ثالثاً بأن النص التشريعي المطعون فيه شرط لاستحقاق المتعة شرطين: أولهما أن تكون المرأة التي طلقها زوجها مدخولاً بها فى زواج صحيح وثانيهما ألا يكون الطلاق برضاها أو من جهتها، وهما شرطان لا ينافيان الشريعة الإسلامية سواء فى ركائزها أو مقاصدها، ذلك أن تشريع المتعة يتوخى جبر خاطر المطلقة تطبيباً لنفسها، ولمواجهة إيحاشها بالطلاق، ولان مواساتها من المروءة التي تتطلبها الشريعة الإسلامية ، والتي دل العمل على تراخيها لاسيما بين زوجين انقطع حبل المودة بينهما، ولا كذلك المرأة التي تختار الطلاق أو تسعى إليه كالمختلعة والمبارئة، أو التي يكون الطلاق من قبلها بما يدل على أنه ناجم عن إساءتها أو عائد إلى ظلمها وسوء تصرفها، إذ لا يتصور – وقد تقررت المتعة إزاء غم الطلاق – أن يكون إمتاعها فى طلاق تم برضاها أو وقع بسبب من قبلها – جبراً لخاطرها ولا أن يصلها زوجها بمعونة مالية تزيد على نفقة العدة تخفيفاً لآلامها الناجمة عن الفراق. ومردود رابعاً بأن الله تعالى ناط بعباده المتقين الذين يلتزمون بالتعاليم التي فرضها صوناً لأنفسهم عن مخالفته بأن يقدموا لكل مطلقة متاعاً يتمحض معروفاً بما مؤداه استحقاقها الإمتاع ولو كان ذلك بعد الدخول بها، يؤيد ذلك أن أمهات المؤمنين المدخول بهن هن اللاتى عنتهن الآية الكريمة التى يقول فيها سبحانه يا أيها النبى قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحاً جميلاً ، ومردود خامساً بأن ما قرره النص التشريعى المطعون فيه من أن المتعة تقدر بنفقة سنتين على الأقل وبمراعاة حال المطلق يسراً وعسراً وعلى ضوء ظروف الطلاق ومدة الزوجية مستلهماً بذلك فى أسس تقديرها قوله تعالى ومتعوهن على الموسع قدره وعلى المقتر قدره، ومستبعداً بذلك الآراء التى تقيسها على المهر وتراعى فيها حال الزوجة بالتالى ، ومقرراً حداً أدنى لها فى إطار التكافل الاجتماعى لضمان ألا يقل ما يعود على المرأة منها عما قدره ولى الأمر لازماً لتمتيعها بعد طلاقها دون رضاها، ومن غير جهتها، ذلك أن غربتها بالطلاق تؤلمها وتمزق سكينتها وقد تعرضها لمخاطر تفوق طاقة احتمالها، وغالباً ما يقترن طلاقها بالتناحر والتباغض وانقطاع المودة، فحق ألا يكون أدناها متناهياً فى ضآلته صوناً للمحكمة من تشريعها لاسيما أن من الفقهاء من حدد أدنى ما يجزئ فيها، ومنهم من حدد أرفعها أو أوسطها، وليس فى النصوص القرآنية ما يفيد أن الله تعالى قد قدرها أو حددها بما مؤداه جواز النص التشريعي المطعون فيه لا يورد حداً أقصى لتلك المعونة المالية التي يقدمها الرجل لمن طلقها، إلا أن ذلك أدخل إلى الملاءمة التي لا تمتد إليها الرقابة الدستورية، ولا يجوز أن تخوض فيها لاسيما أن من الفقهاء من يقول بأنه ليس للمتعة حد معروف لا فى قليلها أو كثيرها، كذلك فإن أمر تقديرها فيما يجاوز حدها الأدنى موكول إلى المحكمة المختصة تجيل فيه بصرها معتمدة فى تحديد مبلغها على أسس موضوعية لا تفرضها تحكماً أو إعناتاً من بينها أن يكون هذا التحديد دائراً مع حال مطلقها يسراً وعسراً، إذ هي متاع تقرر معروفاً ولمصلحة لها اعتبارها، والمتقون الممتثلون إلى الله تعالى الطامعون فى مرضاته مدعوون إليها ، بل ومطالبون بها، باعتبارها أكفل للمودة، وأدعى لنبذ الشقاق وإقامة العلائق البشرية على أساس من الحق والعدل. كذلك فإن اعتداد النص التشريعي بمدة الزوجية وظروف الطلاق فى مجال تقدير المتعة الواجبة لا يتوخى فرض قيود غير مبررة على الحق فى الطلاق، وإنما قصد المشرع بإضافته هذين العنصرين إلى حال المطلق يسراً وعسراً – أن تكون المعونة المالية التي تتبلور المتعة فى مبلغها واقعية قدر الإمكان بما لا إفراط فيه أو تفريط، وهو ما يدخل فى نطاق السلطة التقديرية التي يملكها المشرع فى مجال تنظيم الحقوق بما لا يناقض أحكام الدستور أو يخل بضوابطه.

لهذه الأسباب

حكمت المحكمة برفض الدعوى ، وبمصادرة الكفالة ، وألزمت المدعى المصروفات ومبلغ مائة جنيه مقابل أتعاب المحاماة .

 

أمين السر رئيس المحكمة