الدعوى 23 لسنة 12 - دستورية - المحكمة الدستورية العليا - مرفوعة علنية رقم 23 لسنة 12 بتاريخ 02/01/1993

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

باسم الشعب

 

المحكمة الدستورية العليا

بالجلسة العلنية المنعقدة في يوم السبت 2 يناير سنة 1993 الموافق 9 رجب سنة 1413 هــ .

برئاسة السيد المستشار الدكتور/ عوض محمد عوض المر رئيس المحكمة

وعضوية السادة المستشارين: الدكتور/ محمد إبراهيم أبو العينين ومحمد ولى الدين جلال وفاروق عبدالرحيم غنيم وعبد الرحمن نصير والدكتور/عبد المجيد فياض ومحمد على سيف الدين اعضاء

وحضور السيد المستشار/ محمد خيرى طه عبد المطلب رئيس هيئة المفوضين

وحضور السيد/ رأفت محمد عبدالواحد أمين السر

أصدرت الحكم الآتى

 

فى القضية المقضية بجدول المحكمة المحكمة الدستورية العليا رقم 23 لسنة 12 قضائية دستورية

المقامة من

1 - السيده / ...............................

2 - السيده / ...............................

ضد

1 - السيد / رئيس الجمهورية

2 - السيد / رئيس مجلس الوزراء

3 - السيد / وزير الماليه بصفته الرئيس الاعلي لمصلحه الضرائب

 

الإجراءات

بتاريخ 5 من إبريل سنة 1990 أودعت المدعيتان قلم كتاب المحكمة صحيفة هذه الدعوى طالبتين الحكم -بعد تصحيح ما ورد فيها من خطأ مادى فى مذكرة لاحقة - بعدم دستورية الفقرتين الأولى والرابعة من المادة (56) من القانون رقم 46 لسنة 1978 بشأن تحقيق العدالة الضريبية .

وقدمت هيئة قضايا الدولة مذكرة بدفاعها، طلبت فيها الحكم بعدم قبول الدعوى .

وبعد تحضير الدعوى ، أودعت هيئة المفوضين تقريراً برأيها.

ونُظرت الدعوى على الوجه المبين بمحضر الجلسة ، وقررت المحكمة إصدار الحكم فيها بجلسة اليوم.

المحكمة

بعد الاطلاع على الأوراق، والمداولة .

وحيث أن الوقائع -على ما يبين من صحيفة الدعوى ، وسائر الأوراق- تتحصل فى أن المدعيتين تصرفتا بالبيع فى أرض مملوكة لهما إلى آخرين بموجب عقدين متتاليين أشهر أولهما بتاريخ 12 من مارس سنة 1978 والثانى بتاريخ 28 من أغسطس سنة 1980، وسددتا لمصلحة الشهر العقارى ما استحق عنه ما من الضريبة المفروضة على التصرفات العقارية ، وذلك طبقاً لأحكام الفقرة الثالثة من البند (1) من المادة (32) من القانون رقم 14 لسنة 1939 المعدلة بالقانون رقم 46 لسنة 1978 بشأن تحقيق العدالة الضريبية والتى حددت سعر هذه الضريبة بمثل الرسم النسبى المقرر فى القانون رقم 70 لسنة 1964 فى شأن رسوم التوثيق والشهر. ثم قامت مصلحة الضرائب - واستناداً منها على حكم الفقرة الأخيرة من البند المشار إليه- بإخضاع أرباحهما الناتجة عن ذات التصرفين للضريبة على الأرباح التجارية والصناعية وأخطرتهما بعناصر ربط هذه الضريبة على النموذج المقرر لها، وبالتالى إدخال ما قدر لهما من أرباح عنه ما ضمن وعاء الضريبة العامة على الإيراد المستحقة عليهما. طعنت المدعيتان فى هذا الربط وعناصره أمام لجنة الطعن - المشكلة وفق أحكام القانون رقم 14 لسنة 1939 بشأن فرض ضريبة على إيرادات رؤوس الأموال المنقولة وعلى الأرباح التجارية والصناعية وعلى كسب العمل- والتى أصدرت قرارها فى طعنه ما بتاريخ 9 من يوليو سنة 1989 بتخفيض تقدير المصلحة لصافى أرباحهما عن نشاطهما فى بيع الأراضى إلى المبلغ المبين فى منطوقه، إلا أن المدعيتين طعنتا على هذا القرار بالدعوى رقم 293 لسنة 1989 كلى الجيزة ، طبقاً لأحكام المادتين (54، 54 مكرراً) من القانون رقم 14 لسنة 1939 المشار إليه. وأثناء نظر الدعوى دفعت المدعيتان بعدم دستورية نص المادة (56) من القانون رقم 46 لسنة 1978 فيما قرره من سريان حكم البند (1) من المادة (32) من القانون رقم 14 لسنة 1939- بعد تعديلها بالمادة الثانية منه- بأثر رجعى . وإذ قدرت محكمة الموضوع جدية هذا الدفع، فقد صرحت لهما فى الحكم الصادر منها فى الدعوى بتاريخ 2 من مارس سنة 1990 بإقامة دعواهما الدستورية ، فأقامتا الدعوى الماثلة .

وحيث أن الحكومة دفعت بعدم قبول الدعوى لانتفاء المصلحة على أساس أن قضاء هذه المحكمة - فى الدعوى رقم 51 لسنة 6 ق دستورية - سبق أن انتهى إلى رفض الدعوى بعدم دستورية النص التشريعى المطعون فيه، بما يمتنع معه- إزاء ما له من حجية مطلقة حاسمة لما أثير فى شأن دستوريته من خصومة - نظر أى طعن لا حق بشأنه.

وحيث أن هذا الدفع غير سديد، ذلك أن قضاء هذه المحكمة قد جرى على أن الفصل فيما قد يدعى به أمامها من تعارض بين نص تشريعى وقاعدة موضوعية فى الدستور، سواء بتقرير قيام المخالفة المدعى بها أو بنفيها، إنما يعد قضاء فى موضوعها منطوياً لزوماً على استيفاء النص المطعون عليه للأوضاع الشكلية التى تطلبها الدستور ومانعاً من العودة إلى بحثها، ذلك أن العيوب الشكلية - وبالنظر إلى طبيعتها - لا يتصور أن يكون بحثها تالياً للخوض فى المطاعن الموضوعية، ولكنها تتقدمها، ويتعين على هذه المحكمة بالتالى أن تتحراها بلوغاً لغاية الأمر فيها، ولو كان نطاق الطعن المعروض عليها محدداً فى إطار المطاعن الموضوعية دون سواها. ومن ثم تفرض العيوب الشكلية ذاتها على المحكمة دوماً إذ يستحيل عليها أن تتجاهلها عند مواجهتها لأية مطاعن موضوعية . والأمر على نقيض ذلك حين يكون الطعن من حصراً فى المطاعن الشكلية ، إذ يكون قرار المحكمة بشأنها متعلقاً بها وحدها، ولا يعتبر حكمها برفض هذه المطاعن مطهراً للنصوص المطعون عليها من مثالبها الموضوعية، أو مانعاً كل ذى مصلحة من طرحها على المحكمة وفقاً لقانونها. وأياً كانت المطاعن الموجهة إلى النصوص التشريعية، فإن قضاء المحكمة فى شأنها - وفى الإطار السالف بيانه- إنما يحوز حجية مطلقة فى مواجهة سلطات الدولة جميعها وبالنسبة إلى الكافة، وهى حجية لا يجوز إهدارها، أو المساس بها، وتحول بذاتها دون إعادة عرض النزاع محلها من جديد على المحكمة الدستورية العليا.

وحيث إنه متى كان ذلك، وكانت العيوب الشكلية - على ما جرى به قضاء هذه المحكمة - هى تلك التى يكون مبناها مخالفة نص تشريعى للأوضاع الإجرائية التى تطلبها الدستور سواء فى ذلك ما كان منها متعلقاً باقتراح النصوص التشريعية أو إقراراها أو إصدارها حال انعقاد السلطة التشريعية، أو ماكان منها متصلاً بالشروط التى يتطلبها الدستور لممارسة رئيس الجمهورية الاختصاص بإصدارها فى غيبة السلطة التشريعية أو بتفويض منها، وكان وجه النعى فى القضية رقم 51 لسنة 6 ق دستورية يقوم على قالة انتفاء الأغلبية الخاصة التى تطلبها الدستور فى المادة (187) منه لإقرار نص المادة (56) من القانون رقم 46 لسنة 1978 بشأن تحقيق العدالة الضريبية - وهو النص التشريعى المطعون فيه - باعتباره متضمناً أثراً رجعياً، وكان قضاء هذه المحكمة الصادر فى القضية رقم 51 لسنة 6 قضائية المشار إليها بتاريخ 6 من يونيو سنة 1987 قد خلص إلى رفضها لما ثبت لديها من توافر هذه الأغلبية التى قام وجه النعى على تخلفها بالنسبة إلى النص المطعون فيه. متى كان ذلك فإن قضاء هذه المحكمة فى شأن ذلك الوجه من النعى يكون متعلقاً بمطاعن شكلية صرفه، مقصوراً عليها، ولا يفيد -وعلى ما جرى به قضاء هذه المحكمة - تطهير النص التشريعى المطعون عليه مما قد يكون عالقاً به من مثالب موضوعية، أو مانعاً كل ذى مصلحة من طرحها على هذه المحكمة وفقاً لقانونها.

وحيث إنه متى كان ما تقدم، وكان استيفاء النص التشريعى المطعون عليه للشكلية التى تطلبها الدستور لإقرار القوانين رجعية الأثر على ما سلف بيانه، لا يعصمه من الخضوع للرقابة التى تباشرها هذه المحكمة على دستورية القوانين واللوائح، وذلك كلما كان هذا النص - فى محتواه الموضوعى - منطوياً على إهدار لحق من الحقوق التى كفلها الدستور أو يفرض قيوداً عليه تؤدى إلى الانتقاص منه، ذلك أن الدستور يتميز بطبيعة خاصة تضفى عليه السيادة والسمو بحسبانه كفيل الحريات وموئلها، وعماد الحياة الدستورية وأساس نظامها، فحق لقواعده- بالتالى - أن تستوى على القمة من البنيان القانونى للدولة وأن تلتزم الدولة بالخضوع لأحكامه فى تشريعها وقضائها وفى مجال مباشرتها لسلطتها التنفيذية . وفى نطاق هذا الإلتزام وبمراعاة حدوده لا يكفى لتقرير دستورية نص تشريعى معين أن يكون من الناحية الإجرائية موافقاً للأوضاع الشكلية التى يتطلبها الدستور، بل يتعين فوق هذا أن يكون فى محتواه ملتئماً مع قواعد الدستور الموضوعية التى تعكس مضامينها القيم والمثل التى بلورتها الإرادة الشعبية ، وكذلك الأسس التى تنتظم الجماعة وضوابط حركتها، متى كان ذلك فإنه يتعين الحكم برفض الدفع بعدم قبول الدعوى .

وحيث أن القانون رقم 14 لسنة 1939 بفرض ضريبة على إيرادات رؤوس الأموال المنقولة وعلى الأرباح الصناعية والتجارية وعلى كسب العمل، قد نص فى المادة (32) منه -بعد تعديلها بالقانون رقم 78 لسنة 1973- على أن تسرى ضريبة الأرباح التجارية والصناعية على أرباح:

1- الأشخاص والشركات، الناتجة عن التصرف فى العقارات المبنية أو المعدة للبناء سواء انصب التصرف عليها بحالتها أو بعد إقامة منشآت عليها وسواء شمل التصرف العقار كله أو أجزاء منه وذلك إذا صدر التصرف من الممول لأكثر من مرة واحدة خلال عشر سنوات، سواء فى ذات العقار أو فى أكثر من عقار واحد.

ويستثنى من ذلك تصرف الوارث فى العقارات الآيلة إليه من مورثه بحالتها عند الميراث، والتصرف بين الأصول والفروع.

2-.............. 3- ............... 4- ......................

وبمقتضى المادة الثانية من القانون رقم 46 لسنة 1978 – بشأن تحقيق العدالة الضريبية - استعاض المشرع عن البند (1) من المادة (32) السالف بيانه ببند جديد نصه الآتى :-

مادة (32):1-التصرف فى العقارات المبنية أو الأراضى داخل كردون المدينة سواء انصب التصرف عليها بحالتها أو بعد إقامة منشآت عليها وسواء شمل التصرف العقار كله أو أجزاء منه أو حدة سكنية أو غيرها وسواء كانت إقامة المنشآت على أرض مملوكة للممول أو لغيره.

ويعتبر تصرفاً خاضعاً للضريبة تقرير حق انتفاع على العقار أو تأجيره لمدة تزيد على خمسين عاماً.

واستثناء من أحكام المادة (37) يكون سعر الضريبة مثل الرسم النسبى المقرر فى القانون رقم 70 لسنة 1964 فى شأن رسوم التوثيق والشهر، وعلى أن يسرى الإعفاء والتخفيض المقرر بالقانون المذكور على هذه الضريبة .

......................

وإذا صدر التصرف من الممول لأكثر من مرة واحدة خلال عشر سنوات خضعت الأرباح الناتجة عن هذه التصرفات لضريبة الأرباح التجارية والصناعية بالسعر المقرر فى المادة (37)، وفى هذه الحالة تخصم الضرائب المسددة لحسابه عن هذه التصرفات للشهر العقارى من ضريبة الأرباح التجارية والصناعية التى تستحق عليه.

وتنص المادة (56) من القانون رقم 46 لسنة 1978 المشار إليه على ما يأتى :

فقرة أولى : تسرعى أحكام البند (1) من المادة (32) من القانون رقم 14 لسنة 1939- بعد تعديلها بمقتضى المادة الثانية - على التصرفات التى تم شهرها اعتباراً من أول يناير سنة 1974 على أن تطبق على الإيرادات الناشئة عن هذه التصرفات الداخلة فى وعاء الضريبة العامة على الإيراد وفق حكم المادة (6) مكرراً من القانون رقم 99 لسنة 1949 أسعار الضريبة العامة على الإيراد المقررة طبقاً لأحكام المادة الرابعة والعشرين من هذا القانون.

فقرة ثانية : ولا تسرى الأحكام الجزائية إلا من تاريخ العمل بهذا القانون.

فقرة ثالثة : وتسرى الأحكام الواردة بالفصل الرابع اعتباراً من تاريخ نشر هذا القانون.

فقرة رابعة : وفيما عدا ما تقدم تسرى أحكام هذا القانون اعتباراً من أول يناير سنة 1978.

وحيث أن الفقرتين الأولى والرابعة من المادة (56) هما محل الطعن فى الدعوى الماثلة ، وكان القانون رقم 157 لسنة 1981 بإصدار قانون الضرائب على الدخل- وهو المعمول به حالياً- قد نص فى مادته الثانية على أن يلغى العمل بأحكام القانون رقم 46 لسنة 1987 بشأن تحيق العدالة الضريبية وذلك فيما عدا المواد (25، 26/1، 29، 30، 32) منه، ومتضمناً سريان أحكامه من تاريخ العمل به دون أن يسقط الآثار التى ترتبت قبله على النص التشريعى المطعون فيه، بما مؤداه: بقاؤه نافذاً فى نطاقه الزمنى فى شأن من كانوا يخضعون لحكمه منذ تاريخ العمل به وحتى إلغائه.

وحيث أن قضاء هذه المحكمة قد جرى على أن المصلحة الشخصية المباشرة تعد شرطاً لقبول الدعوى الدستورية ، ومناطها أن يكون ثمة ارتباط بينها وبين المصلحة القائمة فى الدعوى الموضوعية وذلك بأن يكون الحكم فى المسألة الدستورية لازماً للفصل فى الطلبات المرتبطة بها الممطروحة على محكمة الموضوع. إذ كان ذلك، وكانت الفقرة الاولى من المادة (56) من القانون رقم 46 لسنة 1978 بشأن تحقيق العدالة الضريبية هى ما جرى تطبيقه إبان فترة نفاذها على تصرفى المدعيتين بالبيع فيما كانت تملكانه من أرض داخل كردون المدينة - وهو ما لا خلاف عليه بين طرفى الدعوى - وترتبت بمقتضاه آثار قانونية فى حقهما ممثلة فى إخضاع أرباحهما المقدرة عن تصرفيهما لسعر الضريبة على الأرباح التجارية والصناعية طبقاً للفقرة الأخيرة من البند (1) من المادة (32) من القانون رقم 14 لسنة 1939 المعدل بالقانون 46 لسنة 1978 بشأن تحقيق العدالة الضريبية . إذ كان ذلك، وكانت الفقرة الأولى من النص المطعون عليه تقضى بسريان هذا البند بأثر رجعى على التصرفات التى تم شهرها اعتباراً من أول يناير يناير سنة 1974، دون الضريبة المفروضة على التصرفات العقارية والتى سبق استئداؤها منهما وفق سعرها المحدد فى الفقرة الثالثة من هذا البند، وما نشأ عن ذلك من مديونيتهما بالفرق الزائد بين الضريبتين، وحدا بهما إلى الطعن فى ربط الضريبة على الأرباح التجارية والصناعية وعناصرها عليهما أمام لجنة الطعن، ثم الطعن فى قرار هذه اللجنة بشأنها أمام محكمة الموضوع، فاقتصر نزاعهما الموضوعى بذلك على تلك الضريبة ، وكان لا مصلحة للمدعيتين فى الطعن على الفقرة الرابعة من المادة (56) لانتفاء الصلة بين سائر أحكام القانون رقم 46 لسنة 1978- والتى تقرر هذه الفقرة سريانها اعتباراً من أول يناير سنة 1978- وبين طلباتهما المطروحة فى دعواهما الموضوعية . إذ كان ذلك، فإن المسألة الدستورية المرتبطة بنزاعهما الموضوعى والمؤثرة فيه، إنما يتحدد إطارها ونطاقها فى نص الفقرة الأولى من المادة (56) وذلك فيما قررته من فرض ضريبة الأرباح التجارية والصناعية الناتجة عن التصرفات العقارية الواقعة على الأراضى داخل كردون المدينة ، السابق شهرها بدءاً من أول يناير سنة 1974، مما يتعين معه الحكم بعدم قبول الدعوى فيما عدا هذا الشق منها.

وحيث أن من بين ما تنعاه المدعيتان على النص التشريعى المطعون فيه تعارضه مع حكم المادة (38) من الدستور فيما قررته من قيام النظام الضريبى على العدالة الاجتماعية إذ لا يحقق بأثره الرجعى هذه العدالة ، مما حدا بالمشرع إلى إلغائه بموجب القانون رقم 157 لسنة 1981 بشأن الضريبة على الدخل، وكذلك مخالفته للمادة (187) من الدستور فيما رخصت به من أثر رجعى للقوانين- ماعدا القوانين الجنائية - موافقة أغلبية أعضاء مجلس الشعب، إذ يلزم أن تقتضى مصلحة اجتماعية عليا تقرير الأثر الرجعى فى التشريع، وهى غير متحققة فى النص المطعون فيه. وأن القوانين الضريبية إذ هى لصيقة بالعقاب، ومخالفتها مؤثمة جنائياً، فإن طبيعتها تتأبى على الأثر الرجعى فى جميع الأحوال، لا فى مجرد إيقاع الجزاء الجنائى .

وحيث أن من المقرر أن القوانين الضريبية لا تعتبر بطبيعتها قوانين جزائية تقرر عقوبة جنائية ، ولا هى تعدل من الآثار التى ترتبها العقود فيما بينها أطرافها، ولكنها وسيلة تلجأ إليها الدولة محققة بها قدراً من التناسب بين أعبائها المالية ممثلة فى التكاليف الكلية لنفقاتها، وبين ما ينبغى أن يؤديه إليها هؤلاء الذين يستفيدون أكثر من غيرهم من خدماتها. وحق عليهم بالتالى أن يتحملوا جانباً من أعباء الدولة ونصيباً من تبعاتها. وإذ كان المواطنون جميعهم معاملين على قدم من المساواة فى مجال أداء الفريضة الضريبية التى يلتزمون بها، وليس لأحد حصانة تعفيه من أدائها إلا فى الأحوال التى يبينها القانون، ووفق ضوابط موضوعية لا تقيم فى مجال تطبيقها تمييزاً بين المخاطبين بها، فإن رجعية قانون الضريبة لا تدل فى ذاتها- وبالضرورة - على مخالفة حكمها للدستور، وهو ما قررته المادة (187) منه بإجازتها الرجعية فى غير المواد الجنائية بموافقة أغلبية مجلس الشعب فى مجموعهم. ولئن كان الأصل هو ألا يلجأ المشرع لتقرير رجعية الضريبة إلا إذا أملتها مصلحة اجتماعية لها وزنها، وذلك بالنظر إلى الآثار الخطيرة التى تحدثها الرجعية فى محيط العلاقات القانونية ، وما يلابسها بوجه خاص فى أغلب الأحوال وأعمها من إخلال بالاستقرار، وإهدار للثقة المشروعة فى التعامل ومساس بالحقوق، وكان من المقرر كذلك أن توزيع الأعباء المالية للدولة توزيعاً منصفاً من خلال الضريبة عملية بالغة التعقيد، تكتنفها مخاطر عديدة مترامية فى مداها. إلا أن ممارسة السلطة التشريعية لولايتها فى هذا النطاق لا يجوز إنكارها، أو غل يدها عنها. بل يتعين أن يتوافر لهذه السلطة المرونة الكافية عند مراجعتها لقوانين ضريبية سابقة على ضوء ما أسفر عنه تطبيقها، وإنطلاقاً من ضرورة مواجهة الأعباء المتزايدة التى تتحملها الدولة فى مجال نهوضها بالمرافق العامة ، وبمراعاة عدم الإخلال بالمراكز القانونية المتماثلة ، إذ لا يجوز بحال أن يميز قانون الضريبة –فى غاياته أو آثاره- بين المخاطبين بالضريبة على غير أسس موضوعية ، وإلا كان هذا التمييز تحكمياً ومنهياً عنه بنص المادة (40) من الدستور.

وحيث إنه وإن صح القول بأن الضريبة فى بواعثها هى ما يستقل المشرع بتقديره، إلا أن رجعية الضريبة ينال منها –ومن زاوية دستورية - أن تركن الدولة فى تقريرها إلى مصلحة غير مشروعة ، أو أن تتوخى - من خلال الأغراض التى تعمل الضريبة على بلوغها- تحقيق مصلحة مشروعة ، ولكن النصوص التشريعية التى تدخل بها المشرع لإشباعها لا تربطها بها صلة منطقية . ويتحقق ذلك بوجه خاص كلما كان معدل الضريبة وأحوال فرضها مناقضا للأسس الموضوعية التى ينبغى أن تقوم عليها، إذ يعتبر تقريرها عندئذ مخالفاً للدستور ولو كان الغرض من فرضها زيادة موارد الدولة لمقابلة مصلحة مشروعة كتلك المتعلقة بموا جهة معونة البطالة ، بما مؤداه: أنه كلما كان فرض الضريبة رجعية الأثر يقوم على رابطة منطقية بين الضريبة ومصلحة مشروعة تسعى إليها الدولة وترمى إلى بلوغها من وراء تقرير هذه الرجعية ، فإن الرجعية تكون جائزة من الناحية الدستورية . ولازم ذلك أنه فى مجال تقدير المصلحة المشروعة التى تقوم عليها الضريبة رجعية الأثر يتعين أن يكون مفهومها أن السلطة التى تملكها الإدارة المالية بمناسبة تعديل أسس الضريبة القديمة وإعادة توزيع عبئها، لا يجوز إنكارها، وذلك كلما كان هذا التعديل يعيد- ولو بأثر رجعى - الموازين الدقيقة إلى ضريبة دل العمل من خلال تطبيقها على أنها غير عادلة .

وحيث إنه فى مجال تقييم المصلحة المشروعة التى يركن إليها قانون الضريبة الجديدة التى فرضها المشرع بمناسبة أعمال قانونية إبرمها المكلفون بها قبل صدوره، ليس كافياً لانتفاء هذه المصلحة أن يكون تحقق الواقعة المنشئة لهذه الضريبة سابقاً على صدور قانونها. إذ لا يعدو سريان هذا القانون عليها أن يكون هو الأثر الرجعى بعينه- وهو جائز طبقاً للدستور وفق ما سبق بيانه- وإنما يتعين لتقرير زوال المصلحة المشروعة بالنسبة إلى ضريبة تتناول بأثرها الرجعى تصرفات ناقلة للملكية اكتمل تكوينها ونفاذها قبل صدور القانون، أن يكون المكلفون بأدائها قد استحال عليهم بوجه عام- بالنظر إلى طبيعتها أو مبلغها- توقعها حين خرج المال من ذمتهم بصفة نهائية وذلك بنقلهم ملكيته إلى الغير وفقاً للقانون، إذ يناقض فرض الضريبة فى هذه الأحوال مفهوم العدالة الاجتماعية الذى يقوم عليه النظام الضريبى على ما تقضى به المادة (38) من الدستور، باعتبار أن العدالة الاجتماعية ينافيها أن يعدل المشرع أسس ضريبة قائمة قدر الممولون تبعة تصرفاتهم القانونية المبرمة عند سريانها على ضوء أحكامها، وذلك كلما قام الدليل على أن الظروف المحيطة بالضريبة الجديدة التى قرر المشرع سريانها بأثر رجعى فى شأن تصرفاتهم القانونية السابقة عليها، النافذة قبل تقريرها، والتى لا يمكن الرجوع فيها، كانت غير ماثلة عند تعاملهم فى إطار الضريبة القديمة وما كان بوسعهم عقلاً توقعها، وآية ذلك أنه لو كان بإمكان أحد من هؤلاء أن يكون على بينة منها، لإدخلها فى اعتباره عند تصرفه فى ما له، أو اختار إبقاء هذا المال فى ذمته توقياً لأية مخاطر ضريبية لا يأمن عواقبها.

وحيث إنه إذ كان ما تقدم، وكان الأثر الرجعى الذى تضمنه النص التشريعى المطعون فيه -وعلى ما أوراه تقرير اللجنة المشتركة من لجنة الخطة والموازنة ومكتب اللجنة الاقتصادية بمجلس الشعب عنه- قد تقرر بعد أن قدر المشرع ملاحقة ما اعتبره ثراء مفاجئاً حققه ممولو الضريبة المفروضة بموجبه من خلال تصرفاتهم العقارية بعد العمل بسياسة الانفتاح الاقتصادى بدءاً من أواخر سنة 1973 وما صاحبها من زيادة فى أثمان العقارات، ولم تكن أرباحهم وقتئذ خاضعة لأية ضريبة نوعية ولا للضريبة العامة على الإيراد بالتالى . إذ كان ذلك، وكان التقرير برجعية الضريبة المشار إليها على ضوء هذا الإفتراض، مؤداه: قيام موجبه فى حق الممولين جميعاً على حد سواء، وأنهم توقعوا هذه الضريبة قبل أربع سنوات من فرضها، وأدخلوها فى حسابهم بمناسبة تصرفاتهم العقارية السابقة عليها، وهو افتراض لا دليل عليه، ولا تظاهره أية مصلحة اجتماعية ، إذ تعوق الضريبة رجعية الأثر- على النحو الذى جرى به النص التشريعى المطعون فيه- تداول الأموال وتخل بالثقة المشروعة فى التعامل، ويجاوز مبلغها - محدداً على ضوء سعرها الجديد - الحدود المنطقية لتوقعاتهم فى إطار الضريبة القديمة على الوجه الذى أسلفنا بيانه، وهو ما حدا بالمشرع إلى إلغاء الضريبة الجديدة بعد فترة وجيزة من فرضها، ومن ثم يكون النص التشريعى المطعون فيه مجافياً لمفهوم العدالة الاجتماعية التى يقوم عليها النظام الضريبى ، ومخالفاً بالتالى لنص المادة (38) من الدستور.

فلهذه الأسباب

حكمت المحكمة بعدم دستورية الفقرة الأولى من المادة (56) من القانون رقم 46 لسنة 1978 بشأن تحقيق العدالة الضريبية وذلك فيما قررته من سريان الضريبة على الأرباح التجارية والصناعية على التصرفات المشار إليها فى الفقرة الأخيرة من البند (1) من المادة (32) من القانون رقم 14 لسنة 1939 الواقعة على الأراضى داخل كردون المدينة المشهرة اعتباراً من أول يناير سنة 1974، وبعدم قبول الدعوى بالنسبة إلى ما عدا ذلك من الطلبات، وألزمت الحكومة المصروفات، ومبلغ مائة جنيه مقابل أتعاب المحاماة .