الدعوى 43 لسنة 13 - دستورية - المحكمة الدستورية العليا - مرفوعة علنية رقم 43 لسنة 13 بتاريخ 06/12/1993

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

باسم الشعب

 

المحكمة الدستورية العليا

بالجلسة العلنية المنعقدة يوم الإثنين 6 ديسمبر1993 الموافق22 جمادى الآخرة 1414 هـ .

برئاسة السيد المستشار الدكتور عوض محمد عوض المر رئيس المحكمة

وحضور السادة المستشارين:- الدكتور محمد ابراهيم ابو العينين وفاروق عبد الرحيم غنيم وعبد الرحمن نصير وسامي فرج يوسف وعدلى محمود منصور ومحمد عبد القادر عبد الله

وحضور السيد المستشار نجيب جمال الدين علما المفوض

وحضور السيد / رأفت محمد عبد الواحد أمين السر

أصدرت الحكم الآتي

في القضية المقيدة بجدول المحكمة الدستورية العليا برقم 43 لسنة 13 قضائية دستورية

المقامة من

الآنسة / ......................

ضد

1. السيد / رئيس الجمهورية

2. السيد / رئيس مجلس الوزراء

3. السيد / وزير المالية

الإجراءات

بتاريخ 8 مايو سنة 1991 أودعت المدعية قلم كتاب المحكمة صحيفة هذه الدعوى طالبة الحكم بعدم دستورية المواد (1، 2، 4، 5) من القانون رقم 229 لسنة 1989 بفرض ضريبة على مرتبات العاملين المصريين فى الخارج.

وقدمت هيئة قضايا الدولة مذكرة طلبت فيها الحكم برفض الدعوى .

وبعد تحضير الدعوى أودعت هيئة المفوضين تقريراً برأيها.

ونُظرت الدعوى على الوجه المبين بمحضر الجلسة ، وقررت المحكمة إصدار الحكم فيها بجلسة اليوم.

المحكمة

بعد الاطلاع على الأوراق، والمداولة .

حيث أن الوقائع -على ما يبين من صحيفة الدعوى وسائر الأوراق- تتحصل فى أن المدعية -بوصفها عاملة بوظيفة من الدرجة الثالثة بإحدى شركات القطاع العام التابعة لوزارة الإسكان- كانت قد حصلت على أجازة بدون مرتب لمدة عام، وقد طالبتها جهة عملها الأصلى بأن تؤدى لمصلحة الضرائب مبلغ 56ر854 جنيهاً مقومة بالدولار الأمريكى عن أجازتها هذه، ارتكانا من جانبها لأحكام القانون رقم 229 لسنة 1989 بفرض ضريبة على مرتبات العاملين المصريين فى الخارج ولائحته التنفيذية الصادرة بقرار وزير المالية رقم 379 لسنة 1989، وإذ لم ترتض المدعية الوفاء بهذا المبلغ، فقد أقامت ضد المدعى عليهم - وأمام محكمة القضاء الإدارى - الدعوى رقم 3438 لسنة 44 قضائية طالبة الحكم بصفة مستعجلة بوقف تنفيذ قرار وزير المالية رقم 379 لسنة 1989 المشار إليه، وفى الموضوع بإلغاء هذا القرار، وما يترتب على ذلك من آثار، والأمر بإحالة الأوراق إلى المحكمة الدستورية العليا للفصل فى دستورية أحكام القانون رقم 229 لسنة 1989، وإذ قررت محكمة الموضوع جدية هذا الدفع، وصرحت للمدعية برفع الدعوى الدستورية ، فقد أقامت الدعوى الماثلة .

وحيث أن البين من الاطلاع على أحكام القانون رقم 229 لسنة 1989 بفرض ضريبة على مرتبات العاملين المصريين فى الخارج، أنه بعد أن نص فى مادته الأولى على أن تفرض ضريبة على الأجور والمرتبات التى يتقاضاها عن عملهم بالخارج العاملون بالدولة والقطاع العام والعاملون بنظم أو كادرات خاصة الحاصلون على إعارة أو أجازة خاصة بدون مرتب للعمل فى الخارج قضى فى مادته الثانية بأن تحدد الضريبة المنصوص عليها فى المادة السابقة على الوجه الأتى :

(أ) العاملون بالدرجات الرابعة والخامسة والسادسة عشرون جنيهاً شهرياً أو ما يعادلها من الكادرات الخاصة .

(ب) العاملون من الدرجتين الثانيه والثالثة أربعون جنيهاً شهرياً أو ما يعادلهما من الكادرات الخاصة .

(ج) العاملون من الدرجتين مدير عام والأولى ثمانون جنيهاً شهرياً أو ما يعادلهما من الكادرات الخاصة .

(د) العاملون بالدرجات فوق مدير عام مائة وعشرون جنيهاً شهرياً أو ما يعادلها من الكادرات الخاصة .

ولا تخضع الأجور والمرتبات والبدلات المشار إليها فى هذه المادة للضريبة العامة على الدخل فى مصر. وتنص مادته الثالثة على أن يكون سداد هذه الضريبة سنوياً وبالطريقة التى تحددها اللائحة التنفيذية . وتسرى الضريبة المنصوص عليها فى هذا القانون -وعملا بمادته الرابعة - على العامل الحاصل على أجازة خاصة لمرافقة الزوج الذى يعمل فى الخارج متى ثبت التحاقه بأى عمل فى الخارج خلال مدة الأجازة ، وحظرت مادته الخامسة على الجهات الإدارية المنصوص عليها فى المادة الأولى من هذا القانون، تجديد الإعارة أو الأجازة للعاملين الخاضعين لأحكامه، إلا بعد تقديم ما يفيد سداد هذه الضريبة على النحو المبين به. وخولت مادته السادسة وزير المالية بالاتفاق مع وزير الأقتصاد والتجارة الخارجيه، إصدار اللائحة التنفيذية لهذا القانون.

وحيث أن من بين ما تنعاه المدعية على أحكام القانون رقم 229 لسنة 1989 بفرض ضريبة على مرتبات العاملين المصريين فى الخارج، تعارضها ونص المادة (38) من الدستور فيما قررته من قيام النظام الضريبى على العدالة الإجتماعية ، قولاً منها بأن القانون المطعون فيه اختص بأحكامه طائفة بذاتها من المواطنين، هم العاملون بالدولة والقطاع العام والعاملون بنظم وكادرات خاصة الحاصلون على إعارة أو أجازة خاصة بدون مرتب للعمل بالخارج. ثم أخضعهم للضريبة بعد تقسيمهم إلى طبقات -كل بحسب الطبقة التى تندرج تحتها درجته الوظيفية - ودون ما اعتداد بالأجر أو المرتب الذى يتقاضونه عن عملهم بالخارج، وهو ما يخل بعدالة الضريبة من ناحية ، وكذلك بمبدأ المساواة من ناحية أخرى المنصوص عليهما فى المادتين (38، 0 4) من الدستور.

وحيث أن هذا النعى سديد فى جوهره، ذلك أنه ليس ثمة مصلحة مشروعة ترتجى من وراء إقرار تنظيم تشريعى يتوخى مجرد تنمية موارد الدولة من خلال تقرير ضريبة تفتقر إلى قوالبها الشكلية أو لا تتوافر فى أركانها ودوافعها الأسس الموضوعية التى ينبغى أن تقوم عليها، ذلك أن جباية الأموال فى ذاتها لا تعتبر هدفاً يحميه الدستور، بل يتعين أن تكون هذه الجباية وفق قواعده وبالتطبيق لأحكامه.

وحيث أن من المقرر أن الضوابط التى يفرضها الدستور على السلطتين التشريعية والتنفيذية لضمان تقيدهما بأحكامه، هى ضوابط آمرة لا تبديل فيها ولا مهرب منها، وليس لأى جهة أو سلطة بالتالى أن تبغى عنها حولا، أو أن تنقضها من أطرافها، أو أن تجعل لها عوجاً، أو أن تتحلل من بأسها أمداً، إذ هى باقية دوماً، نافذة أبداً، لتفرض - بزواجرها ونواهيها - كلمة الدستور على المخاطبين بها، فلا ينسلخون منها. ولتكون قواعده مآباً لكل سلطة ، وضابطا لحركتها، ومتكئا لأعما لها وتصرفاتها على اختلافها، ومرتفقاً لتوجهاتها، وكان لكل ضريبة وعاء - يعبر عنه أحيانا بقاعدة الضريبة Tax base - يتمثل فى المال الذى تفرض عليه، وكان قضاء هذه المحكمة قد جرى على أن تحديد دين الضريبة يفترض التوصل إلى تقدير حقيقى لقيمة المال الخاضع لها، باعتبار أن ذلك يعد شرطاً لازماً لعدالة الضريبة ، ولصون مصلحة كل من الممول والخزانة العامة ، إذ كان ذلك كذلك، تعين أن يكون وعاء الضريبة ممثلاً فى المال المحمل بعبئها، مُحققاً ومُحدداً على أسس واقعية يكون ممكنا معها الوقوف على حقيقته على أكمل وجه، ولا يكون الوعاء محققا الا اذا كان ثابتا بعيداً عن شبهة الاحتمال أو الترخص، ذلك أن مقدار الضريبة أو مبلغها أو دينها، ان ما يتحدد مرتبطاً بوعائها، وباعتباره منسوبا إليه، ومحمولا عليه، وفق الشروط التى يقدر المشرع معها واقعية الضريبة وعدالتها بما لا مخالفة فيه للدستور، وبغير ذلك لا يكون لتحديد وعاء الضريبة من معنى ، ذلك أن وعاء الضريبة هو مادتها، والغاية من تقرير الضريبة هو أن يكون هذا الوعاء مصرفها، فإذا حدد المشرع وعاءً للضريبة التى فرضها بأن حصره فى أجور العاملين ومرتباتهم التى يتقاضونها عن عملهم فى الخارج، تعين أن يكون دين الضريبة محدداً بمبلغ معين متأتياً من مصدر هذا الدخل دون سواه، ومترتباً على وجوده -حقيقة لاحكماً- ومرتبطاً بمقداره - واقعا لا مجازاً- فاذا كان دين الضريبة منفصماً عن وعائها، وليس نتاجا لتحققه، بل محدداً وفقاً لاعتبار آخر، دل ذلك على أن الرابطة المنطقية والحتمية بين وعاء الضريبة ومبلغها متخلفة بتمامها بما يناقض الأسس الموضوعية للضريبة التى تقرر هذه المحكمة أنها تعتبر قواماً لها من زاوية دستورية ، وبغيرها تنحل الضريبة عدماً.

وحيث أن البين من أحكام القانون رقم 229 لسنة 1989 المشار إليه، إنها تتوخى فرض ضريبة على صور بعينها من صور الدخل، تتمثل فى أجور العاملين المصريين ومرتباتهم التى يحصلون عليها لقاء عملهم فى الخارج، وبالتالى يكون الإيراد المحقق الذى نجم فعلاً عن هذا العمل، وعاء للضريبة ، وكان يتعين بالتالى أن يرد دين الضريبة أو مبلغها -إلى المال المحمل بعبئها من ناحية وأن يكون متناسباً مع مقداره زيادة ً أو نقصاناً من ناحية أخرى بما يصون مصلحة كل من الممول والخزانة العامة ، إلا أن القانون المطعون فيه غض بصره عن الدخل المحقق من العمل فى الخارج، وجعل دين الضريبة مرتبطاً بواقعة أخرى لا صلة لها بوعائها، إذ حدد مقداره على ضوء الدرجة الوظيفية التى كان العامل يشغلها قبل مغادرته جمهورية مصر العربية ، وجعل مبلغها بالنسبة إلى كل درجة رقماً ثابتاً مقدرا تبعاً لموقعها من البنيان الهرمى الوظيفى على النحو المبين تفصيلاً فى مادته الثانية ، وبذلك أفرغ مادته الأولى التى عين بها وعاء الضريبة من مضمونها، لتغدو هائمة فى الفراغ، منعزلة عن واقعها، بعد أن إنفكت الضريبة التى فرضها عن الدخل المحقق من العمل فى الخارج المتخذ وعاء لها، وهو ما يناقض الأسس الموضوعية التى لا تقوم الضريبة من الناحية الدستورية إلا بها، بما مؤداه: إنعدامها، ذلك أن الضريبة التى يكون أداؤها واجباً وفقاً للقانون -وعلى ما تدل عليه المادتان (61، 119) من الدستور- هى التى تتوافر لها قوالبها الشكلية وأسسها الموضوعية على النحو المتقدم بيانه، وتكون العدالة الإجتماعية التى يقوم عليها النظام الضريبى ضابطاً لها فى الحدود المنصوص عليها فى المادة (38) من الدستور، ويندرج تحتها أن يكون دين الضريبة متناسباً مع مقدار الدخل الخاضع لها، وتلك هى العدالة فى توزيع الأعباء والتكاليف العامة التى إعتبرتها المادة الرابعة من الدستور-بعد تعديلها- من خصائص النظام الاشتراكى الديموقراطى الذى يقوم عليه الأساس الاقتصادى لجمهورية مصر العربية متى كان ما تقدم، فإن إنعدام الضريبة يكون منافياً لإستحقاقها، ولوجوبها ديناً فى ذمة الممول ولجواز تكليفه بأدائها، ذلك أن تحصيل الضريبة وفقاً لأحكام المواد (38، 61، 119) من الدستور، يفترض توافر مقوماتها والأسس الواقعية لعدالتها، وجميعها متخلفة بالنسبة إلى الضريبة التى فرضها القانون المطعون فيه.

وحيث إنه بالإضافة إلى ما تقدم، فإنه إذ أفرد الدستور بابه الثالث للحريات والحقوق والواجبات العامة ، وصدره بالنص فى المادة (40) منه على أن المواطنين لدى القانون سواء، وكان مبدأ المساواة أمام القانون، هو ما رددته الدساتير المصرية جميعها باعتباره أساس العدل والحرية والسلام الاجتماعى ، وعلى تقدير أن الغاية التى يتوخاها تتمثل أصلاً فى صون حقوق المواطنين وتأمين حرياتهم فى مواجهة صور من التمييز تنال منها أو تقيد ممارستها، وغدا هذا المبدأ فى جوهره وسيلة لتقرير الحماية القانونية المتكافئة التى لا تمييز فيها بين المراكز القانونية المتماثلة ، والتى لا يقتصر تطبيقها على الحقوق والحريات المنصوص عليها فى الدستور، بل يمتد مجال أعمالها إلى تلك التى يقررها القانون ويكون مصدراً لها، وكانت السلطة التقديرية التى يملكها المشرع فى مجال تنظيم الحقوق، لا يجوز بحال أن تؤول إلى التمييز بين المراكز القانونية المتماثلة التى تتحدد وفق شروط موضوعية يتكافأ المواطنون من خلالها أمام القانون، وكان القانون المطعون فيه قد صدر -حسبما يبين من عنوانه - بفرض ضريبة على مرتبات العاملين فى الخارج، إلا أن النصوص التى فصل بها المشرع أحكام هذه الضريبة ، ومن بينها تحديده للمخاطبين بها، يدل على انه قصر تطبيقها على العاملين فى الدولة والقطاع العام أياً كانت طبيعة النظم الوظيفية التى يخضعون لها، وبذلك أخرج من مجال سريانها غير هؤلاء ممن يحققون دخلاً ناجماً عن عملهم فى الخارج ومتولداً عنه، وهم فئة من المواطنين تتوافر بالنسبة إليها عين الواقعة المنشئة للضريبة التى فرضها على العاملين فى الدولة ووحداتها الاقتصادية ، مما مؤداه: إتحاد هاتين الفئتين فى المركز القانونى ، وكان ينبغى من ثم إخضاعهما معاً لقاعدة قانونية واحدة يتحقق من خلالها التكافؤ فى المعاملة القانونية . غير أن القانون المطعون فيه مايز بين هاتين الفئتين بأن اختص إحداهما بأحكامه دون أن يستند فى هذا التميز إلى أسس موضوعية ، وأضحى هذا التميز بالتالى تحكمياً ومنهياً عنه بنص المادة (40) من الدستور.

ومن ناحية أخرى ، فانه لما كان القانون المطعون فيه قد حدد لكل درجة وظيفية ضريبة ثابتة نص عليها فى صلبه، وكان الشاغلون لهذه الدرجة يتفاوتون فيما بينهم فيما قد يحصلون عليه من دخل لقاء عملهم خارج جمهورية مصر العربية ، وكان هذا التباين فى مقدار المال المحمل بالضريبة ، لازمه أن مراكزهم القانونية غير متماثلة بالنسبة إليه، فان إخضاعهم جميعاً لضريبة واحدة ثابت مبلغها، يعتبر كذلك -ومن هذه الناحية - مناهضاً لمبدأ المساواة أمام القانون.

متى كان ذلك، فإن القانون المطعون فيه يكون مخالفاً لأحكام المواد (4، 38، 40، 61، 119) من الدستور.

فلهذه الأسباب

حكمت المحكمة بعدم دستورية القانون رقم 229 لسنة 1989 بفرض ضريبة على مرتبات العاملين المصريين فى الخارج، وألزمت الحكومة المصروفات ومبلغ مائة جنيه مقابل أتعاب المحاماة .