الدعوى 7 لسنة 14 - منازعة تنفيذ - المحكمة الدستورية العليا - مرفوعة علنية رقم 7 لسنة 14 بتاريخ 19/06/1993
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
باسم الشعب
المحكمة الدستورية العليا
بالجلسة العلنية المنعقدة فى يوم السبت 19 يونيه سنة 1993 الموافق 29 ذو الحجة 1413 هـ.
برئاسة السيد المستشار الدكتور/ عوض محمد عوض المر رئيس المحكمة
وحضور السادة المستشارين: فاروق عبد الرحيم غنيم وعبد الرحمن نصير وسامى فرج يوسف ومحمد على سيف الدين وعدلى محمود منصور ومحمد عبد القادر عبد الله. أعضاء
وحضور السيد المستشار/ محمد خيرى طه عبد المطلب النجار رئيس هيئة المفوضين
وحضور السيد / رأفت محمد عبد الواحد أمين السر
أصدرت الحكم الآتى
فى القضية المقيدة بجدول المحكمة الدستورية العليا برقم 7 لسنة 14 قضائية منازعة تنفيذ.
المقامة من
الاستاذ / ................... المحامى عن نفسه وبصفته مصفى لتركة المرحوم ...................
ضد
1 - السيد / رئيس الجمهورية
2 - السيد / وزير المالية
3 - السيد / ...................
4 - السيد / ...................
الإجراءات
بتاريخ 1992/11/4 أودع المدعى صحيفة هذه الدعوى قلم كتاب المحكمة طالباً الحكم بقبول الإشكال الموضوعى التنفيذى فى الحكم الصادر منها بجلسة 1992/7/7 ، وإصدار حكم تقريرى بتنفيذه، وإلزام المدعى عليهم بالمصاريف ومقابل أتعاب المحاماه.
قدمت هيئة قضايا الدولة ، مذكرة طلبت فيها الحكم أصلياً ببطلان صحيفة الدعوى للتجهيل، واحتياطيا برفض الدعوى .
وبعد تحضير الدعوى ، قدمت هيئة المفوضين تقريراً برأيها.
ونظرت الدعوى على النحو المبين بمحضر الجلسة ، وقررت المحكمة إصدار الحكم فيها بجلسة اليوم.
المحكمة
بعد الاطلاع على الأوراق ، والمداولة .
حيث إن الوقائع –على ما يبين من صحيفة الدعوى وسائر الأوراق- تتحصل فيما قرره المدعى من المحكمة الدستورية العليا كانت قد أصدرت أحكاماً بعدم دستورية قوانين التأميمات التى تمت في العهد الناصرى لانطوائها على عدوان على الملكية الخاصة و انه إثر صدور هذه الأحكام أقام دعوى أمام محكمة جنوب القاهرة يلتمس فيها من رئيس الجمهورية أن يصدر قانونا برد الأموال التى أممها العهد الناصرى عينا إلى أصحابها، ذلك أنه بغير صدور هذا القانون، فإن أحكام المحكمة الدستورية العليا تغدو هائمة فى الفراغ، مجردة من كل قيمة ، ولن تجد الاستثمارت الأجنبية ما يغريها بالتدفق إلى مصر، ما دامت الاستثمارات السابقة لا تزال فى يد أعوان الناصرية . واختتم المدعى دعواه بطلب تكليف المدعى عليهم الحضور إلى المحكمة الدستورية العليا لسماع الحكم التقريرى باشكال زيادة فى التنفيذ موضوعا وقطعاً للنزاع بأن أحكام المحكمة الدستورية العليا المشار إليها ومن بينها حكمها الصادر فى 7 من مارس 1992، ستكون مجرد أحكام أفلاطونية يتناقلها الناس فى ثرثراتهم لعدم اقترانها بالتنفيذ الكامل لمضمونها خلال مدة معقولة وهو ما يناقض حقوق الإنسان الإفريقى ، والإعلان العالمى لحقوق الإنسان، ويجعل الأحكام القضائية مجرد حبر على ورق.
وحيث إن قضاء هذه المحكمة فى المسائل الدستورية – سواء فيما فصل فيه من ناحية العيوب الشكلية أو المطاعن الموضوعية - إنما يحوز حجية مطلقة فى مواجهة الكافة وبالنسبة إلى الدولة بكامل سلطاتها وعلى امتداد تنظيماتها المختلفة ، وهى حجية تحول بذاتها دون المجادلة فيه، أو السعى لنقضه من خلال إعادة طرحه على هذه المحكمة لمراجعته، ذلك أن الخصومة فى الدعوى الدستورية – وهى بطبيعتها من الدعاوى العينية علي ما سلف بيانه - قوامها مقابلة النصوص التشريعية المطعون عليها بأحكام الدستور تحرياً لتطابقها معها إعلاء للشرعية الدستورية . ومن ثم تكون هذه النصوص ذاتها هى موضوع الدعوى الدستورية أو هى بالأحرى محلها، وإهدارها بقدر تهاترها مع أحكام الدستور، هى الغاية التى تبتغيها هذه الخصومة . وقضاء المحكمة فى شأن تلك النصوص، هو القاعدة الكاشفة عن حقيقة الامر في شأن صحتها أو بطلانها. ومن ثم لا يعتبر قضاء هذه المحكمة باستيفاء النص التشريعى المطعون عليه لأوضاعه الشكلية أو انحرافه عنها، أو إتفاقه مع الأحكام الموضوعية فى الدستور أو مروقة منها، منصرفاً إلى من كان طرفاً فى الخصومة الدستورية دون سواه، بل منسحباً إليه وإلى الأغيار كافة ، ومتعديا إلى الدولة التى ألزمها الدستور فى المادة 65 منه بالخضوع للقانون، وجعل من علوه عليها، وانعقاد السيادة لأحكامه، قاعدة لنظامها ومحورا لبناء أساس الحكم فيها، على ما تقضى به المادة 64 من الدستور بما يردها عن التحلل من قضاء هذه المحكمة او مجاوزة مضمونة , ويلزم كل شخص بالعمل على مقتضاه، وضبط سلوكه وفقاً لفحواه، ذلك أن هذه المحكمة تستمد مباشرة من الدستور ولايتها فى مجال الرقابة الدستورية ، ومرجعها إلى أحكامه – وهو القانون الأعلى - فيما يصدر عنها من قضاء فى المسائل الدستورية التى تطرح عليها – وكلمتها فى شأن دلالة النصوص التى يضمها الدستور بين دفتيه هى القول الفصل، وضوابطها فى التأصيل ومناهجها فى التفسير، هى مدخلها إلى معايير منضبطة تحقق لأحكام الدستور وحدتها العضوية ، وتكفل الانحياز لقيم الجماعة فى مختلف مراحل تطورها. وليس التزامها بإنفاذ الأبعاد الكاملة للشرعية الدستورية إلا إرساء لحكم القانون فى مدارجه العليا، وفاء بالأمانة التى حملها الدستور بها، وعقد لها ناصية النهوض بتبعاتها. وكان حتماً أن يكون التقيد بأحكامها مطلقاً ساريا على الدولة والناس أجمعين، وعلى قدم من المساواة الكاملة ، وهو ما أثبتته المادة 49 من قانون هذه المحكمة .
وحيث إن سريان الأحكام الصادرة فى المسائل الدستورية على الدولة بأفرعها المختلفة وفى مواجهة الكافة باعتبار أنهم مخاطبون بها لا يملكون لها تبديلاً، ولايستطعون عنها حولا، مؤداه أنها تحمل فى ذاتها أسس فرضها فى النطاق الإقليمى للدولة ، ليكون الاحتجاج بها، واقتضاء تنفيذها حقاً لهؤلاء الذين تتعلق مصالحهم الشخصية المباشرة باعمال مضمونها، دون ما استثناء ينال منها.
وحيث إن المدعى أقام المنازعة الماثلة بوصفها منازعة تنفيذ مبناها قالة أنه بغير صدور قانون من السلطة التشريعية أو قرار بقانون عن السلطة التنفيذية برد الأموال التى أممها العهد الناصرى عيناً إلى أصحابها، فإن الأحكام التى أصدرتها المحكمة الدستورية العليا فى هذا النطاق تغدو مجرد أحكام أفلاطونية لا تقترن بالتنفيذ الكامل لمضمونها مما يعدم قيمتها.
وكان ما قرره المدعى على هذا النحو مردود بأن صدور قانون أو قرار بقانون يعكس بصفة نهائية وشاملة التصفية التى تقرر السلطة التشريعية أو التنفيذية ضرورتها لإنهاء كافة الآثار المخالفة للدستور التى رتبها النص التشريعى المحكوم بعدم دستوريته خلال فترة نفاذه، وإن كان أمراً مرغوباً فيه بالنظر إلى ما تؤول إليه هذه التصفية من رد الحقوق المختلفة التى عطلها هذا النص أو قيدها إلى أصحابها دون تمييز، إلا أن تدخل السلطة التشريعية أو التنفيذية على هذا النحو، لا يتمحض طريقاً وحيدا لإعمال آثار الأحكام الصادرة عن هذه المحكمة فى المسائل الدستورية . هذا بالإضافة إلى أن إقرار قانون أو إصدار قرار بقانون فى موضوع معين، هو مما تستقل السلطتان التشريعية والتنفيذية بتقديره وفقاً لأحكام الدستور، ولا يجوز بالتالى حملهما على التدخل فى زمن معين، أو على نحو ما كذلك فإن قعودها عن إقرار تنظيم تشريعى فى هذا النطاق، لا يعتبر بمثابة عقبة قانونية تحول بذاتها دون إنفاذ الأحكام الصادرة فى المسائل الدستورية وفرضها على المعارضين لها لضمان النزول عليها. ذلك أن منازعة التنفيذ التى يدخل الفصل فيها فى اختصاص المحكمة الدستورية العليا وفقاً للمادة 50 من قانونها، قوامها أن يكون التنفيذ قد اعترضته عوائق تحول دون إتمامه، أو تحد من جريانه وفقاً لطبيعته. وعلى ضوء الأصل فيه، ومن ثم تكون عوائق التنفيذ أو عقاباته القانونية هى المسألة الكلية التى يدور حولها طلب إزالتها بقصد إنهاء الآثار القانونية الملازمة لها أو المترتبة عليها. ولا يكون ذلك إلا بإسقاطها لضمان العودة بالتنفيذ إلى حالته السابقة على نشوئها. ومناطها بالضرورة عمل إيجابى يكون بذاته مقيداً أو معطلاً قضاء المحكمة الدستورية العليا انحرافاً عن مضمونه. ولا كذلك الموقف السلبى الذى نعاه المدعى على السلطتين التشريعية والتنفيذية ، إذ لا يعكس بطبيعته إجراء يناهض أحكامها ويرمى إلى تعطيل تنفيذها. ولا محاجة فى القول بأن تنفيذ الأحكام الصادرة فى المسائل الدستورية لن يكون ممكنا بغير التدخل التشريعى على النحو المتقدم بيانه، ذلك إنه بالإضافة إلى أن الامتناع عن تنفيذ الأحكام القضائية – أياً كانت الجهة التى أصدرتها- من قبل المسئولين عن إعمال مقتضاها يعد جريمة معاقبا عليها قانونا، وفقا لنص المادة 72 من الدستور، فإن إهدار الأحكام الصادرة فى المسائل الدستورية أو التقاعس عن تنفيذها، إنما ينحل إلى إنكار لحجيتها المطلقة ، ويشكل ركن الخطأ فى المسئولية التى يقوم الحق فى التعويض بتوافر أركانها، ودون ما إخلال بالحق فى اقتضاء تنفيذ قضاء هذه المحكمة عينا كلما كان ذلك ممكناً. وكلا الأمرين – التعويض والرد - منوطان بمحكمة الموضوع وحدها ولكل ذى شأن – ولو لم يكن طرفاً فى الدعوى الدستورية - أن يلوذ بها لاقتضاء الحقوق التى عطلها النص التشريعى المحكوم بعدم دستوريته أو قيدها، وذلك بأن يقيم لطلبها دعواه أمام محكمة الموضوع التى تتولى بنفسها إنزال قضاء المحكمة الدستورية العليا عليها لرد غائلة العدوان عنها، ذلك أن قضاء المحكمة الدستورية العليا فى شأن موافقة النصوص التشريعية المطعون عليها لأحكام الدستور أو مخالفتها، إما ان يكون كاشفاً عن صحتها منذ صدورها، أو مقررا بطلانها وملغيا قوة نفاذها اعتبارا من تاريخ العمل بها. وهو بذلك يعتبر محدداً – وبصفة نهائية - للقاعدة القانونية اللازمة للفصل فى النزاع الموضوعى ، والتى يتعين على محكمة الموضوع أن تطبقها – دون تعديل فى مضمونها - على العناصر الواقعية التى حصلتها وليس ذلك إلا إنفاذا لقضاء المحكمة الدستورية العليا، والتزاما بأبعاده، وبإعمال أثره على الناس كافة دون تمييز، وبإخضاع الدولة لمضمونه دون قيد.
فلهذه الأسباب
حكمت المحكمة برفض الدعوى ، وألزمت المدعى المصروفات، ومبلغ مائة جنيه مقابل أتعاب المحاماه.