جلسة 19 من نوفمبر سنة 1991
برئاسة السيد المستشار / حسن عميرة نائب رئيس المحكمة وعضوية السادة المستشارين / جابر عبد التواب وأمين عبد العليم نائبى رئيس المحكمة ومصطفى الشناوى وفتحى حجاب .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
167
الطعن رقم 5332 لسنة 59 القضائية
( 1 ) نقض " ما لا يجوز الطعن فيه من الأحكام " .
القضاء الغير منه للخصومة فى الدعوى والذى لا ينبنى عليه منع سير الخصومة . عدم جواز الطعن فيه بطريق النقض .
( 2 ) إثبات " بوجه عام " . محكمة الموضوع " سلطتها فى تقدير الدليل " . حكم " تسبيبه . تسبيب غير معيب " .
كفاية تشكك القاضى الجنائى فى اسناد التهمة إلى المتهم للقضاء بالبراءة . ما دام قد أحاط بالدعوى عن بصر وبصيره .
( 3 ) إضرار عمدى . موظفون عموميون . خطأ . جريمة " أركانها " . قانون " تفسيره " مسئولية إدارية . مسئولية جنائية . مسئولية تأديبية . نقض " أسباب الطعن . ما لا يقبل منها " . نيابة عامة . دعوى جنائية " تحريكها " .
الجريمة المنصوص عليها فى المادة 116 مكرر " أ " عقوبات . مناط تطبيقها : الخطأ والضرر الجسيم ورابطة السببية بينهما .
الخطأ . صورة وتعريفه فى مجال المسئولية الإدارية والمسئولية الجنائية ؟
الخطأ فى مجال المسئولية الإدارية والمسئولية الجنائية صنوين فى مجال المسئولية التأديبية .
النعى على الحكم لعدم معاقبة المطعون ضده بجريمة لم تكن واردة فى أمر الإحالة . غير جائز . علة ذلك ؟
الحكم بالبراءة فى واقعة لا يمنع النيابة من تحريك الدعوى الجنائية ضد ذات المتهم عن واقعة آخرى .
مثال :
1- من المقرر أن المادة 31 من قانون حالات وإجراءات الطعن أمام محكمة النقض قد نصت على أنه " لا يجوز الطعن بطريق النقض فى الأحكام الصادرة قبل الفصل فى الموضوع إلا إذا اتبنى عليها منع السير فى الدعوى " .
2- من المقرر أنه يكفى فى المحاكمة الجنائية أن يتشكك القاضى فى إسناد التهمة إلى المتهم لكى يقضى بالبراءة ، إذ مرجع الأمر فى ذلك إلى ما يطمئن إليه فى تقدير الدليل ما دام الظاهر من الحكم أنه أحاط بالدعوى عن بصر وبصيره .
3- لما كان ذلك وكان ما تثيره النيابة الطاعنة من عدم معاقبة المتهم بالمادة 116 مكرراً " أ " من قانون العقوبات – المستبدلة بالقانون 63 لسنة 1975 أن الحكم أسند إليه إهمالا يستوجب المساءلة التأديبية فإن ذلك مردود من وجهين أولهما أن إعمال حكم هذه المادة يتطلب توافر أركان ثلاثة أولها الخطأ ثانيا الضرر الجسيم وثالثها رابطة السببية بين الخطأ والضرر الجسيم وقد حدد المشرع للخطأ صوراً ثلاث الاهمال فى آداء الوظيفة أو الإخلال بواجباتها أو إساءة إستعمال السلطة وهذا الركن هو محل البحث فى هذا الطعن ، ومن الواضح أن الخطأ الذى إشترطه الشارع فى هذا النص يختلف عن الخطأ فى مجال المسئولية الإدارية ، ذلك أنه يجب عدم الخلط بينهما إذ أن كل منهما يمثل وجهاً مغايراً يختلف عن الآخر ، فالخطأ فى المسئولية الجنائية قوامه خروج الموظف عن المسلك المآلوف للرجل العادى المتبصر الذى يلتزم الحيطة والحرص على أموال ومصالح الجهة التى يعمل أو يتصل بها حرصه على ماله . ومصلحته الشخصية ، فى حين أن الخطأ فى المسئولية الإدارية قد يتوافر رغم عدم خروج الموظف عن هذا المسلك لمجرد مخالفته لتعليمات أو أوامر إدارية بحته ، وأنه وإن جاز اعتبار الخطأ فى المسئولية التأديبية إلا أن العكس غير صحيح فى مجال المساءلة الجنائية . لما كان ذلك . وكان ما أورده الحكم فى مدوناته من أن " الأوراق قد جاءت مليئة بأخطاء إدارية إقترفها المتهم المذكور يجدر بالجهة الإدارية إتخاذ شئونها فيها " فإن هذا القول من الحكم لا يوفر بذاته الخطأ الذى عناه الشارع فى المادة 116 مكرراً – المستبدلة بالقانون 63 لسنة 1975 – كما سلف بيانه هذا ، والوجه الثانى أن تهمة الجنحة المنصوص عليها فى هذه المادة هى واقعة جديدة لم تكن تهمتها موجهة للمتهم ولم ترفع بها الدعوى وتختلف عن واقعة جناية الاختلاس المنصوص عليها فى المادة 112 / 1 ، 2 من قانون العقوبات المرفوعة بها الدعوى وعلى ذلك فمعاقبته عن الجنحة المنصوص عليها فى المادة 116 مكرراً من قانون العقوبات هو تعديل فى التهمة نفسها يشتمل على إسناد واقعة جديدة إلى المتهم لم تكن واردة فى أمر الإحالة ، وأن قضاء الحكم الصادر بها على المتهم فى جناية الاختلاس لا يمنع النيابة العامة من إقامة الدعوى من جديد أمام المحكمة المختصة على المتهم بمقتضى المادة سالفة الذكر إذا رأت توافر أركان تلك الجريمة والأدلة فى حق المتهم .
الوقائع
إتهمت النيابة العامة المطعون ضدهم المتهم الأول : بصفته موظفا عموميا ( أمين مستودعى ...... – التابعين لشركة مطاحن وسط وغرب الدلتا اختلس كميات الدقيق والنخالة والأجولة الفارغة والبالغ قيمتها 160745جنيه و 730 مليم المملوكة للشركة سالفة الذكر والتى وجدت فى حيازته بسبب وظيفته حال كونه من الأمناء على الودائع – المتهمون من الثانى إلى الثامن : بصفتهم موظفين عموميين بشركة مطاحن وسط وغرب الدلتا تسببوا بخطئهم فى إلحاق ضرر جسيم بأموال ومصالح الجهة التى يعملون بها وكان ذلك ناشئاً عن إهمالهم فى أداء وظيفتهم وإخلالهم بواجباتهم بأن لم يراعوا سعة مستودعى الدقيق عند إجراء تحويلات الدقيق إليهما واقتصروا فى جردهم الدورى على الجرد الدفترى مما مكن المتهم الأول من اختلاس ما بعهدته من الدقيق والنخالة والأجولة الفارغة موضع التهمة الأولى . وأحالتهم إلى محكمة أمن الدولة العليا بكفر الشيخ لمعاقبتهم طبقاً للقيد والوصف الواردين بأمر الإحالة . والمحكمة المذكورة قضت حضورياً فى ........... ببراءة المتهم الأول عن التهمة الأولى المسندة إليه . ثانياً : بالنسبة لباقى المتهمين بإحالة الجنحة موضع التهمة الثانية إلى المحكمة الجزئية المختصة لنظرها وعلى النيابة إتخاذ شئونها فى هذا الصدد .
فطعنت النيابة العامة فى هذا الحكم بطريق النقض فى ................. إلخ .
المحكمة
من حيث إنه لما كانت المادة 31 من قانون حالات وإجراءات الطعن أمام محكمة النقض قد نصت على أنه " لا يجوز الطعن بطريق النقض فى الأحكام الصادرة قبل الفصل فى الموضوع إلا إذا إنبنى عليها منع السير فى الدعوى " وكان الحكم المطعون فيه قد قضى بإحالة الجنحة موضوع التهمة الثانية – المسندة إلى المطعون ضدهم من الثانى إلى الأخير – إلى المحكمة الجزئية المختصة ، وهو بهذه المثابة من الأحكام الصادرة قبل الفصل فى الموضوع ولا ينبنى عليه منع السير فى الدعوى ، وذلك بإحالتها إلى المحكمة الجزئية المختصة ، فإن الطعن بطريق النقض – فى ذلك الشق من الحكم – يكون غير جائز ، ويتعين لذلك الحكم بعدم جواز الطعن بالنسبة للمطعون ضدهم من الثانى إلى الأخير .
وحيث إن الطعن – بالنسبة إلى المطعون ضده الأول – قد استوفى الشكل المقرر فى القانون .
وحيث إن النيابة العامة تنعى على الحكم المطعون فيه أنه إذ قضى ببراءة المطعون ضده الأول من التهمة الأولى المسندة إليه قد شابه القصور فى التسبيب والفساد فى الاستدلال ، ذلك بأنه بنى قضاءه بالبراءة على نفى القصد الجنائى لديه ، وعلى ان الجرد الدورى لعهدته كان جرداً دفتريا مع أنه كان فعلياً ، فضلا عن أن العجز لا يدل على الاختلاس ، إلى جانب أن سلطانه لم يكن كاملا على المستودعات التى بعهدته ، وذلك دون أن يورد الحكم سبباً سائغاً لما انتهى إليه ودون أن يفتد أدلة الثبوت ، يضاف إلى ذلك أن الحكم نسب إليه إهمالا يستوجب المواخذة التأديبية ومع ذلك لم يعاقبه بالجنحة المنصوص عليها فى المادة 116 مكرر (1) من قانون العقوبات مما يعيب الحكم بما يوجب نقضه .
وحيث إن الحكم المطعون فيه بعد أن أورد أدلة الإتهام – أجمل الأسباب التى عول عليها فى قضائه بالبراءة فى قوله : ( وحيث إن المحكمة ترى أن ما ساقته النيابة العامة دليلاً على قيام تهمة الاختلاس قبل المتهم الأول ونسبتها إليه محل شك كبير وذلك للاسباب التالية : أولا : أن ما إستندت إليه النيابة العامة ينحصر فى مجرد ما ثبت من وجود عجز فى عهدة المتهم الأول الأمر الذى لا يصلح بذاته دليلاً على حصول الاختلاس لجواز أن يكون ذلك ناشئاً عن خطأ فى العمليات الحسابية أو لسبب آخر ، ولا يغير من ذلك قاله الشهود الواردة أسمائهم بقائمة شهود الإثبات أن المتهم اختلس ذلك العجز لأن هذا القول لا تطمئن المحكمة إليه لا سيما وقد جاء مرسلا عاريا من أى سند يؤيده . ثانياً – أن الثابت من تقرير الخبير أن المتهم كلف بالعمل لمستودعى بلطيم والحامول بالإضافة إلى عمله مع بعد المسافة بين تلك المستودعات الأمر الذى جعل سيطرته على عهدته غير كاملة سيما وقد ثبت أن هناك تكدساً بالمخازن نتيجة ارسال كميات دقيق تزيد كثيراً عن سعتها الأمر الذى اضطر المتهم لتخزين الزائد منها خارج تلك المخازن وكتابة عدة خطابات لرئاسته للكف عن إرسال دقيق إليه دون جدوى ، بل أن الثابت من أقول المتهم الثانى ................ أن عاملاً يدعى ................ الشهير .................... يحتفظ بمفاتيح مستودع بيلا بصفة دائمة مما يتيح له الوصول إلى مابه على نحو أو آخر . ثالثا : ثابت من أقوال ................ أن المتهم الأول إستلم منه مستودع بلطيم فى 31/12/1978 تسليماً دفترياً وليس فعليا . رابعا : ثابت من تقريرى اللجنة والخبير أن الجرد الدورى للمستودع عهدة المتهم كان يجرى على نحو دفترى ولا يستند إلى واقع فعلى مما لا يمكن معه التعويل عليه ) . لما كان ذلك ، وكان يكفى فى المحاكمة الجنائية أن يتشكك القاضى فى إسناد التهمة إلى المتهم لكى يقضى بالبراءة ، إذ مرجع الأمر فى ذلك إلى ما يطمئن إليه فى تقدير الدليل مادام الظاهر من الحكم أنه أحاط بالدعوى عن بصر وبصيرة ، وكان يبين من الحكم المطعون فيه أن المحكمة محصت الدعوى وأحاطت بظروفها وادلة الثبوت التى قام عليها الاتهام ، ثم أفصحت عن عدم اطمئنانها إلى أدلة الثبوت للاسباب السائغة التى أوردتها والتى تكفى لحمل النتيجة التى خلصت إليها ، فإن ما تثيره النيابة العامة فى هذا الخصوص لا يكون له محل وينحل إلى جدل موضوعى لا تجوز إثارته أمام محكمة النقض . لما كان ذلك ، وكان ما تثيره النيابة الطاعنة من عدم معاقبة المتهم بالمادة 116 مكرراً " أ " من قانون العقوبات – المستبدلة بالقانون 63 لسنة 1975 رغم أن الحكم أسند إليه إهمالا يستوجب المساءلة التأديبية فإن ذلك مردود من وجهين أولهما أن إعمال حكم هذه المادة يتطلب توافر أركان أولها الخطأ ثانيها الضرر الجسيم وثالثها رابطة السببية بين الخطأ والضرر الجسيم وقد حدد المشرع للخطأ صوراً ثلاث الأهمال فى أداء الوظيفة أو الإخلال بواجباتها أو إساءة إستعمال السلطة وهذا الركن هو محل البحث فى هذا الطعن ، ومن الواضح أن الخطأ الذى إشترطه الشارع فى هذا النص يختلف عن الخطأ فى مجال المسئولية الإدارية ، ذلك أنه يجب عدم الخلط بينهما إذ آن كل منهم يمثل وجهاً مغايراً يختلف عن الآخر – فالخطأ فى المسئولية الجنائية قوامه خروج الموظف عن المسلك المألوف للرجل العادى المتبصر الذى يلتزم الحيطة والحرص على أموال ومصالح الجهة التى يعمل أو يتصل بها حرصه على ماله . ومصلحته الشخصية ، فى حين أن الخطأ فى المسئولية الإدارية قد يتوافر رغم عدم خروج الموظف عن هذا المسلك لمجرد مخالفته لتعليمات أو أوامر إدارية بحته ، وأنه وإن جاز اعتبار الخطأ فى المسئولية التأديبية إلا أن العكس غير صحيح فى مجال المساءلة الجنائية ، لما كان ذلك ، وكان ما أورده الحكم فى مدوناته من أن " الأوراق قد جاءت مليئة بأخطاء إدارية اقترفها المتهم المذكورلا يجدر بالجهة الإدارية اتخاذ شئونها فيها " فإن هذا القول من الحكم لا يوفر بذاته الخطأ الذى عناه الشارع فى المادة 116 مكرر أ – المستبدلة بالقانون 63 لسنة 1975 – كما سلف بيانه هذا والوجه الثانى أن تهمة الجنحة المنصوص عليها فى المادة هى واقعة جديدة لم تكن تهمتها موجهه للمتهم ولم ترفع بها الدعوى وتختلف عن واقعة جناية الاختلاس المنصوص عليها فى المادة 112 / 1 ، 2 من قانون العقوبات المرفوعة بها الدعوى وعلى ذلك فمعاقبته عن الجنحة المنصوص عليها فى المادة 116 مكرراً من قانون العقوبات هو تعديل فى التهمة نفسها يشتمل على إسناد واقعة جديدة إلى المتهم لم تكن واردة فى أمر الإحالة ، وأن قضاء الحكم الصادر بها على المتهم فى جناية الإختلاس لا يمنع النيابة العامة من إقامة الدعوى من جديد أمام المحكمة المختصة على المتهم بمقتضى المادة سالفة الذكر إذا رأت توافر أركان تلك الجريمة والأدلة فى حق المتهم ويكون ما تنعاه النيابة العامة على الحكم فى هذا الصدد لا محل له . لما كان ما تقدم ، فإن الطعن برمته يكون على غير أساس متعيناً رفضه موضوعا .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ