جلسة 10 من أكتوبر سنة 1991

 

برئاسة السيد المستشار / محمد الصوفي عبد الجواد نائب رئيس المحكمة وعضوية الساحة المستشارين محمد زايد واحمد عبد الرحمن نائبي رئيس المحكمة ومحمد طلعت الرفاعي وانس عمارة.

_________________________________

 

الطعن رقم ٧١٩٣ لسنة ٦٠ القضائية

 

(۱) وصف التهمة، دفاع - الاخلال بحق الدفاع - ما يوفره.. محكمة الموضوع - سلطتها في تعليل وصف التهمة، - نقص، أسباب الطعن، مالا يقبل منها..

عدم تقيد المحكمة بالوصف الذي تعطيه النيابة العامة للواقعة، من واجبها أن تطبق على الواقعة المطروحة عليها وصفها الصحيح طبقاً للقانون - شرط ذلك؟

بيان المحكمة كيفية ارتكاب الجريمة وحدوث العامة، لا بعد إضافة منها الرفائع جديدة.

 

(۲) محكمة الموضوع: سلطتها في تقدير الدليل. - إثبات بوجه عام، «شهود: - حكم، تسبيبه. تسبيب غير معيب، دفاع، الاخلال بحق الدفاع. مالا يوفره..

العبرة في المحاكمات الجنائية. في باقتناع القاضي.

تساند الأدلة في المواد الجنائية - منها مجتمعة تتكون عقيدة المحكمة.

 

(۳) إثبات. شهود) - محكمة الموضوع: سلطتها في تقدير الدليل، حكم، تسبيبه، تسبيب غير معيب.. نقص اسباب الطعن، مالا يقبل منها.

اطمئنان المحكمة إلى أقوال المجني عليها، مفاده إطراحها جميع الاعتبارات التي ساقها الدفاع حملها على عدم الأخذ بها.

وزن أقوال الشهرة وتقديرها، موضوعي.

 

(4) إثبات اعتراف.. حكم مالا يعيبه.. محكمة الموضوع.. سلطتها في تقدير الدليل..

خطأ المحكم في تسمية أقوال المتهم اعترافاً، لا يعيبه - مادامت المحكمة لم ترتب عليه بذاته الأثر القانوني للاعتراف.

 

(٥) إثبات، شهود، محكمة الموضوع: سلطتها في تقدير الدليل.. حكم تسبيبه. تسبيب غير معيب..

حق المحكمة في الأخذ برواية ينقلها شخص عن آخر. متى رأت أن هذه الأقوال قد صدرت منه حقيقة وكانت تمثل الواقع في الدعوى.

 

(6) دفاع، الإخلال بحق الدفاع، ما لا يوفره، - إثبات، بوجه عام.. حكم، تسبيبه - تسبيب غير معيب..

عدم التزام المحكمة بالرد على كل شبهة يثيرها على استقلال.

 

(۷) نقض: التقرير بالطعن وإبداع الأسباب. - نيابة عامة.

تقرير الطعن. هو المرجع في تحديد الجزء المطعون فيه من الحكم.

قصر النيابة العامة طعتها على قضاء الحكم المطعون فيه بإدانة المطعون ضده الأول دون ما قضي به.

الحكم من براءة المطعون ضده الثاني، أثره: عدم قبول الطعن شكلاً بالنسبة للأخير - لا يغير من ذلك أن تكون النيابة قد نحت في أسباب طعنها على هذا القضاء، ما دامت لم تقرر بالطعن فيه.

 

(۸) نيابة عامة - نقض: المصلحة في الطعن والصفة فيه.. أسباب الطعن، ما يقبل منها..

النيابة العامة تمثل الصالح العام وتسعى إلى تحقيق موجبات القانون. فهي تختص مركز قانوني خاص يجيز لها الطعن في الحكم وإن لم يكن لها كسلطة اتهام مصلحة خاصة في الطعن بل كانت المصلحة للمحكوم عليه.

 

(۹) موظفون عموميون - جريمة، أركانها.. استعمال القوة والعنف مع موظف عام. قانون، تفسيره..

متى بعد الشخص موظفاً عاماً؟

اعتبار الشارع أشخاصاً معينين في حكم الموظفين العامين في نطاق معين، إيراده نصا بذلك.

مثال.

خلو قانون العقوبات وأي قانون آخر من النص على اعتبار العاملين بالشركات في حكم الموظفين العمومين في تطبيق أحكام الباب السابع من الكتاب الثاني من قانون العقوبات والخاصة بمقاومة الحكام وعدم الامتثال لأوامرهم والتعدي عليهم بالسب وغيره.

 

(۱۰) استعمال القوة والعنف مع موظف عام. ضرب - أحدث عامة.. حكم تسبيبه، تسبيب معيب. نقض حالات الطعن - القطا في القانون، أسباب الطعن - ما يقبل منها، والحكم في الطعن.. محكمة النقض، سلطته..

تعديل المحكمة وصف التهمة من إحداث عامة مستديمة إلى مقاومة موظف عمومي بالقوة تخلف من جرائها عامة وإدانة المطعون ضده بالوصف الأخير رغم أن المجني عليه تتحمر عنه صفة الموظف العام أو من في حكمة، خطأ في القانون.

قصر العيب الذي شاب الحكم على الخطأ في تطبيق القانون - يوجب على محكمة النقض تصحيحه، أساس ذلك؟

_________________________________

 

1 - الأصل أن المحكمة غير مقيدة بالوصف الذي تعطيه النيابة العامة للواقعة كما وردت بأمر الإحالة أو بورقة التكليف بالحضور بل أن واجبها أن تطيق على الواقعة المطروحة عليها وصفها الصحيح طبقا للقانون لأن وصف النيابة ليس نهائياً بطبيعته وليس من شأنه أن يمنع المحكمة من تعديله متى رأت أن ترد الواقعة بعد تمحيصها إلى الوصف الذى ترى أنه الوصف القانوني السليم دون أن يعتبر قيامها بهذا الإجراء إبداء لرأيها في موضوع الدعوى قبل نظرها ، كما أن بيان المحكمة لكيفية ارتكاب الجريمة وحدوث العامة لا يعتبر إضافة منها لوقائع جديدة كما ذهب الطاعن في أسباب طعنه فإن ما يشيره في هذا الشأن يكون في غير محله .

 

٢ - العبرة في المحاكمة الجنائية هي باقتناع قاضي الموضوع بناء على الأدلة المطروحة عليه بإدانة المتهم أو ببراءته، ولا يشترط أن تكون الأدلة التي يعتمد عليها الحكم بحيث ينبئ كل دليل منها ويقطع في كل جزئية من جزئيات الدعوى إذ الأدلة في المواد الجنائية متساندة يكمل بعضها بعضا ومنها مجتمعه تتكون عقيدة المحكمة فلا ينظر إلى دليل بعينة لمناقشته على حده دون باقي الأدلة بل يكفي أن تكون الأدلة مؤدية إلى ما قصده الحكم منها ومنتجة في اكتمال اقتناع المحكمة واطمئنانها إلى ما انتهت إليه.

 

3 - من المقرر أن المحكمة الموضوع بما لها من سلطة تقدير الأدلة أن تأخذ بما ترتاح إليه منها وفي اطمئنانها إلى أقوال المجني عليه ما يفيد أنها أطرحت جميع الاعتبارات التي ساقها الدفاع لحملها على عدم الأخذ بها إذ أن وزن أقوال الشهود وتقدير الظروف التي يؤدون فيها شهادتهم وتعويل القضاء عليها مهما وجه إليها من مطاعن وحام حولها من الشبهات مرجعه إلى محكمة الموضوع ولا يجوز الجدل في ذلك أمام محكمة النقض.

 

4 - خطأ الحكم في تسمية أقوال المتهم اعترافا - بفرض صحته - لا ينال من صحة الحكم مادام أنه يتضمن من الدلائل ما يعزز باقي الأدلة والقرائن ومادامت المحكمة لم ترتب عليه بذاته الأثر القانوني للاعتراف.

 

5 - من المقرر أنه ليس في القانون ما يمنع المحكمة من الأخذ برواية ينقلها شخص عن آخر متى رأت أن تلك الأقوال قد صدرت منه حقيقة وتمثل الواقع في الدعوى، ولما كان الحكم قد استخلص من أقوال المجني عليه وأقوال الطاعن بمحضر الاستدلالات ومما شهد به الضابط ........... صحة ارتكاب الطاعن للواقعة وإحداث إصابة المجني عليه على النحو الذي أوردته في حكمها فإن ما يثيره الطاعن في هذا الصدد إنما يتحل إلى جدل موضوعي في تقدير الأدلة ومنازعة فيما استخلصته المحكمة منها بما لا تجوز إثارته أو الخوض فيه أمام محكمة النقض.

 

6 - من المقرر أن المحكمة لا تلتزم بأن تتبع المتهم في مناحي دفاعه المختلفة بالرد على كل شبهة يثيرها على استقلال إذ الرد يستفاد دلالة من أدلة الثبوت السائغة التي أوردها الحكم فإن ما ينعاه الطاعن بخصوص إغفال الحكم رده على دفاعه بعطل السيارة وعدم درايته بقيادتها لا يكون له محل.

 

7 - تقرير الطعن هو المرجع في تحديد الجزء المطعون فيه من الحكم. ومن ثم فإن النيابة العامة إذ لم تقرر بالطعن في قضاء الحكم بالبراءة فإن طعنها ضد المطعون ضده ............. يكون غير مقبول شكلا ولا يغير من ذلك أن تكون النيابة قد نعت في أسباب طعنها على هذا القضاء مادامت لم تقرر بالطعن فيه.

 

8 - النيابة العامة في مجال المصلحة أو الصفة في الطعن هي خصم عادل يختص بمركز قانوني خاص بحسبانها تمثل الصالح العام وتسعى إلى تحقيق موجبات القانون من جهة الدعوى الجنائية. فلها بهذه المثابة أن تطعن في الأحكام وإن لم يكن لها كسلطة اتهام مصلحة خاصة في الطعن بل كانت المصلحة هي للمحكوم عليه، ومن ثم فإن مصلحتها في الطعن المائل تكون قائمة.

 

9 - من المقرر أن الموظف العام هو الذي يعهد إليه بعمل دائم في خدمة مرفق عام تديره الدولة أو أحد أشخاص القانون العام، عن طريق شغله منصبا يدخل في التنظيم الإداري لذلك المرفق، وكان الشارع كلما رأى اعتبار أشخاص معينين في حكم الموظفين العامين في موطن ما أورد به نصا كالشأن في جرائم الرشوة واختلاس الأموال الأميرية. وغيرها من الجرائم الواردة بالبابين الثالث والرابع من الكتاب الثاني من قانون العقوبات فقد أورد في الفقرة الخامسة من المادة ١١٩ مكرراً منه المقصود بالموظف العام في حكم هذا الباب. لما كان ذلك، وكان قانون العقوبات قد خلا كما خلا أي قانون آخر من نص على اعتبار العاملين بالشركات في حكم الموظفين العمومين في تطبيق أحكام الباب السابع من الكتاب الثاني من قانون العقوبات والخاصة بمقاومة الحكام وعدم الامتثال لأوامرهم والتحدي عليهم بالسب وغيره، وكان الثابت من مدونات الحكم المطعون فيه أن المجني عليه من العاملين بشركة وادي كرم أمبو ومن ثم تنحسر عنه صفة الموظف العام أو من في حكمه.

 

۱۰ - ولما كانت المحكمة إذ عدلت وصف التهمة التي رفعت بها الدعوى قبل المطعون ضده من إحداث عاهة مستديمة إلى مقاومة موظف عمومي بالقوة تخلف من جرائها عامة ودانته بالوصف الأخير قد أخطأت في تطبيق القانون . وكان العيب الذي شاب الحكم مقصوراً على الخطأ في تطبيق القانون على الواقعة كما صار إثباتها في الحكم - إذ لا محل لاستظهار اختصاص المجنى عليه ما دامت صفة الموظف العام قد انحسرت عنه - فإنه يتعين حسب القاعدة الأصلية المنصوص عليها في المادة ٣٩ من قانون حالات وإجراءات الطعن أمام محكمة النقض الصادر بالقانون رقم ٥٧ لسنة ١٩٥٩ أن تحكم محكمة النقض في الطعن وتصحح الخطأ وتحكم بمقتضى القانون بما يتعين معه نقض الحكم المطعون فيه وتصحيحه بمعاقبة المطعون ضده عن جريمة إحداث العامة المنصوص عليها في المادة ١/٢٤٠ من قانون العقوبات.

 

الوقائع

 

اتهمت النيابة العامة كلا من (۱) .................. (طاعن) (۲) ................ في قضية الجناية رقم ............... بأنهما أحدثا عمداً ب ............ الإصابة الموصوفة بالتقرير الطبي الشرعي والتي تخلف لديه من جرائها عاهة مستديمة يستحيل برؤها في قصر حوالي ١.٥ سم وضمور حوالي ٢سم وتيبس جزئي بالركبة واستقرار شريحة معدنية موضع الكسر بعظمة الفخذ وتقدر نسبة العجز بنحو ٤٠٪ على النحو المبين بالتحقيقات. وأحالتهما إلى محكمة جنايات أسوان لمحاكمتهما طبقا للقيد والوصف الواردين بأمر الإحالة.

وادعى المجني عليه مدنيا قبل المتهمين بمبلغ واحد وخمسين جنيها على سبيل التعويض المؤقت، والمحكمة المذكورة قضت حضوريا عملاً بالمادة ١٣٧ مكرراً (أ) /١-٣) من قانون العقوبات أولاً: بإحالة الدعوى المدنية إلى المحكمة الجزئية المختصة. ثانيا: بمعاقبة المتهم الأول ............ بالأشغال الشاقة لمدة ثلاث سنوات عما أسند إليه. ثالثاً: ببراءة المتهم الثاني ........... مما أسند إليه باعتبار أن ما نسب إلى المتهم الأول هو استعمال القوة والعنف مع المهندس ............. الموظف بشركة وأدى كوم أمبو الحملة بغير حق على الامتناع عن عمله وتخلف عن ذلك عاهة مستديمة يستحيل برؤها تقدر بنحو ٤٠%.

فطعن كل من المحكوم عليه والنيابة العامة في هذا الحكم بطريق النقض ............... الخ.

 

المحكمة

 

أولا: - الطعن المقدم من المحكوم عليه:

من حيث إن الطاعن ينعى على الحكم المطعون فيه أنه إذ دانه بجريمة مقاومة موظف عمومي بالقرة والعنف ونشأ عنها عاهة مستديمة قد شابه البطلان والفساد في الاستدلال والإخلال بحق الدفاع. ذلك أن النيابة العامة قد أحالته إلى المحكمة بتهمة إحداث العاهة غير أن المحكمة عدلت وصف التهمة مما يدل على أنها قد كونت رأيها قبل نظر الدعوى كما اسندت إلى الطاعن وقائع لم ترد في أمر الإحالة وعولت في قضائها بالإدانة على أقوال المجني عليه وما أسمته اعترافاً من الطاعن ما شهد به الضابط ................ رغم أن المجنى عليه قرر في التحقيقات أنه و لا يعرف شخص محدث إصابته ، وأن ما صدر من الطاعن من أقوال بمحضر الاستدلالات من إقرار يضرب المجنى عليه ومرور السيارة على المجنى عليه لا يعني تعمده السير بالسيارة على جسم المجنى عليه أو أنه هو قائدها فضلا عن أن أقوال الضابط لا تعدو أن تكون ترديداً لما أثبته بمحضره على لسان الطاعن ، وأخيراً فإن المحكمة لم تعرض لدفاعه بالتحقيقات وبالجلسة من أنه لا دراية له بقيادة السيارات فضلا عن عطل السيارة في تاريخ الحادث والذي تايد بأقوال مالكها ، فإن ذلك كله مما يعيب الحكم ويستوجب نقضه.

وحيث إنه ببين من المفردات المضمومة أن النيابة العامة قد أقامت الدعوى الجنائية ضد الطاعن - وآخر حكم ببراءته، يوصف أنهما: أحدثا عمداً بـ ..................... إصابة فخذه الأيمن الموصوفة بالتقرير الطبي الشرعي والتي تخلف من جرائها عاهة مستديمة يستحيل بروها هي قصر حوالي ۱.۵ سم وضمور حوالي ٢ سم وتيبس جزئي بالركبة واستقرار شريحة معدنية موضع الكسر بعظمه الفخذ يقدر مداها بنحو ٤٠% أربعين في المائة على النحو المبين بالتحقيقات وطلبت عقابهما بالمادة ١/٢٤٠ من قانون العقوبات. ويبين من محضر جلسة المحاكمة أن المحكمة قد عدلت وصف التهمة ونبهت الدفاع إلى المرافعة على أساس أن المتهمين ، في الزمان والمكان الواردين بأمر الاحالة استعملا القوة والعنف مع المهندس ...............الموظف بشركة وادى كوم أمبو الحمله بغير حق على الامتناع عن أداء عمله فاعتديا عليه بالضرب ومر عليه الأول بسيارته فأحدث إصابة فخذه الأيمن الموصوفة بالتقرير الطبي الشرعي والتي تخلف لديه من جرائها عاهة مستديمة يستحيل برؤها على النحو المبين بالتقرير الطبي الشرعي والتي تقدر بنحو ٤٠% ولم يبلغا بذلك مقصدهما الأمر المعاقب عليه بنص المادة ۱۳۷ مكرراً فقرة ١، ٣ من قانون العقوبات . . لما كان ذلك، وكان الأصل أن المحكمة غير مقيدة بالوصف الذي تعطيه النيابة للواقعة كما وردت بأمر الاحالة أو بورقة التكليف بالحضور بل أن واجبها أن تطبق على الواقعة المطروحة عليها وصفها الصحيح طبقا للقانون لأن وصف النيابة ليس نهائيا بطبيعته وليس من شأنه أن يمنع المحكمة من تعديله متى رأت أن ترد الواقعة بعد تمحيصها إلى الوصف الذي ترى أنه الوصف القانوني السليم دون أن يعتبر قيامها بهذا الإجراء إبداء لرأيها في موضوع الدعوى قبل نظرها، كما أن بيان المحكمة لكيفية ارتكاب الجريمة وحدوث العامة لا يعتبر إضافة منها لوقائع جديدة كما ذهب الطاعن في أسباب طعنه فإن ما يشيره في هذا الشأن يكون في غير محله، لما كان ذلك، وكانت العبرة في المحاكمة الجنائية هي باقتناع. قاضي الموضوع بناء على الأدلة المطروحة عليه بإدانة المتهم أو ببراءته ، ولا يشترط أن تكون الاولة التي يعتمد عليها الحكم بحيث ينبئ كل دليل منها ويقطع في كل جزئية من جزئيات الدعوى إذ الأدلة في المواد الجنائية متساندة يكمل بعضها بعضا ومنها مجتمعة تتكون عقيدة المحكمة فلا ينظر إلى دليل بعينه لمناقشته على حده دون باقي الأدلة بل يكفى أن تكون الأدلة مؤدية إلى ما قصده الحكم منها ومنتجة في اكتمال اقتناع المحكمة واطمئنانها إلى ما انتهت إليه ، وكان من المقرر أن المحكمة الموضوع بما لها من سلطة تقدير الأدلة أن تأخذ بما ترتاح إليه منها وفى اطمئنانها إلى أقوال المجنى عليه ما يفيد أنها اطرحت جميع الاعتبارات التي ساقها الدفاع حملها على عدم الأخذ بها إذ أن وزن أقوال الشهود وتقدير الظروف التي يؤدون فيها شهادتهم وتعويل القضاء عليها مهما وجه إليها من مطاعن وحام حولها من الشبهات مرجعه إلى محكمة الموضوع ولا يجوز الجدل في ذلك أمام محكمة النقض كما أن خطأ الحكم في تسمية أقوال المتهم اعترافا - بفرض صحته . لا ينال من صحة الحكم مادام أنه يتضمن من الدلائل ما يعزز باقي الأدلة والقرائن وما دامت المحكمة لم ترتب عليه بذاته الأثر القانوني للاعتراف، كما أنه من المقرر أنه ليس في القانون ما يمنع المحكمة من الأخذ برواية بنقلها شخص عن آخر متى رأت أن تلك الأقوال قد صدرت منه حقيقة وتمثل الواقع في الدعوى، ولما كان الحكم قد استخلص من أقوال المجني عليه وأقوال الطاعن بمحضر الاستدلالات وما شهد به الضابط ........ صحة ارتكاب الطاعن للواقعة وإحداث إصابة المجني عليه على النحر الذي أوردته في حكمها فإن ما يثيره الطاعن في هذا الصدد إنما ينحل إلى جدل موضوعي في تقدير الأدلة ومنازعة فيما استخلصته المحكمة منها مما لا تجوز اثارته أو الخوض فيه أمام محكمة النقض، لما كان ذلك، وكان من المقرر أن المحكمة لا تلتزم بأن تتبع المتهم في مناحي دفاعه المختلفة بالرد على كل شبهة يثيرها على استقلال إذ الرد يستفاد دلالة من أدلة الثبوت السائغة التي أوردها الحكم فإن ما ينعاه الطاعن بخصوص إغفال الحكم رده على دفاعه بعطل السيارة وعدم درايته بقيادتها لا يكون له محل. لما كان ما تقدم فإن الطعن برمته يكون على غير أساس متعينا رفضه موضوعا، وحسب المحكمة أن تشير إلى أن الحكم المطعون فيه إذ دان الطاعن بتهمة مقاومة موظف عمومي قد أخطأ في تطبيق القانون مما كان يوجب عليها التصدي لهذا الخطأ وفقا لنص المادة ٢/٣٥ من قانون حالات وإجراءات الطعن أمام محكمة النقض الصادر بالقانون رقم ٥٧ لسنة ٥٩ إلا أنه مما يغنى عن هذا التدخل أن النيابة العامة قد تناولت هذا العيب في أسباب طعنها.

 

ثانيا: الطعن المقدم من النيابة العامة:

من حيث إن الحكم المطعون فيه صدر بتاريخ ١٩٩٠/٢/١١ فقررت النيابة العامة بالطعن فيه بتاريخ ۱۹۹۰/۳/۱۹ وفى التاريخ ذاته قدمت مذكرة بأسباب طعنها. وكان البين من مطالعة تقرير الطعن أن النيابة قصرت طعنها على قضاء الحكم المطعون فيه بإدانة المطعون ضده ..... دون ما قضى به الحكم من براءة المطعون ضده لما كان ذلك، وكان تقرير الطعن هو المرجع في تحديد الجزء المطعون فيه من الحكم. ومن ثم فإن النيابة العامة إذ لم تقرر بالطعن في قضاء الحكم بالبراءة فإن طعنها ضد المطعون ضده يكون غير مقبول شكلا ولا يغير من ذلك أن تكون النيابة قد تعت في أسباب طعنها على هذا القضاء ما دامت لم تقرر بالطعن فيه.

وحيث إن النيابة العامة في مجال المصلحة أو الصفة في الطعن هي خصم عادل يختص بمركز قانوني خاص بحسبانها تمثل الصالح العام وتسعى إلى تحقيق موجبات القانون من جهة الدعوى الجنائية. فلها بهذه المشابه أن تطعن في الأحكام وإن لم يكن لها كسلطة اتهام مصلحة خاصة في الطعن بل كانت المصلحة هي للمحكوم عليه، ومن ثم فإن مصلحتها في الطعن المائل تكون قائمة وإذ كان ذلك وكان طعنها - بالنسبة للمطعون ضده - .......... قد استوفى الشكل المقرر في القانون فإنه يكون مقبولاً شكلاً.

وحيث إن النيابة العامة تنعى على الحكم المطعون فيه أنه إذ دان المطعون ضده بجريئة مقاومة موظف عمومي بالقوة وتخلف من جرائها عاهة قد شابه خطأ في تطبيق القانون وقصور في التسبيب ذلك أنها كانت قد أقامت الدعوى الجنائية قبل المطعون ضده بتهمة إحداث عاهة مستديمة بالمجنى عليه وقد عدلت المحكمة وصف التهمة بجعلها مقاومة موظف عمومي بالقوة وأسبغت على المجنى عليه صفة الموظف العام رغم عدم توافر هذه الصفة ودون استظهار ما إذا كان العمل الذي حاول المطعون ضده منعه من تأديته داخلا في نطاق وظيفته ، مما يعيب الحكم ويستوجب نقضه.

ومن حيث إن النيابة العامة قد أقامت الدعوى الجنائية ضد المطعون ضده - وآخر - ونسبت إليه تهمة إحداث عاهة مستديمة بالمجني عليه غير أن المحكمة قد عدلت وصف التهمة ودانته عن جريمة مقاومة موظف عمومي بالقوة والعنف والتي تخلف من جرائها عاهة مستديمة وعاقبته بمقتضى الفقرتين الأولى والثالثة من المادة ۱۳۷ مكرراً. أ» من قانون العقوبات على أساس أن المجني عليه من الموظفين العموميين. لما كان ذلك وكان من المقرر أن الموظف العام هو الذي يعهد إليه بعمل دائم في خدمة مرفق عام تديره الدولة أو أحد أشخاص القانون العام، عن طريق شغله منصبا يدخل في التنظيم الإداري لذلك المرفق، وكان الشارع كلما رأى اعتبار أشخاص معينين في حكم الموظفين العامين في موطن ما أورد به نصبا كالشأن في جرائم الرشوة واختلاس الأموال الأميرية ... وغيرها من الجرائم الواردة بالبابين الثالث والرابع من الكتاب الثاني من قانون العقوبات فقد أورد في الفقرة الخامسة من المادة ١١٩ مكرراً منه المقصود بالموظف العام في حكم هذا الباب. لما كان ذلك، وكان قانون العقوبات قد خلا كما خلا أي قانون آخر من نص على اعتبار العاملين بالشركات في حكم الموظفين العمومين في تطبيق أحكام الباب السابع من الكتاب الثاني من قانون العقوبات والخاصة بمقاومة الحكام وعدم الامتثال لأوامرهم والتعدي عليهم بالسب وغيره. وكان الثابت من مدونات الحكم المطعون فيه أن المجني عليه من العاملين بشركة ومن ثم تنحسر عنه صفة الموظف العام أو من في حكمه. وتكون المحكمة إذ عدلت وصف التهمة التي رفعت بها الدعوى قبل المطعون ضده من إحداث عاهة مستديمة إلى مقاومة موظف عمومي بالقرة تخلف من جرائها عاهة وداءته بالوصف الأخير - قد أخطأت في تطبيق القانون. لما كان ذلك وكان العيب الذي شاب الحكم مقصوراً على الخطأ في تطبيق القانون على الواقعة كما صار إثباتها في الحكم - إذ لا محل لاستظهار اختصاص المجني عليه مادامت صفة الموظف العام قد انحسرت عليه - فإنه يتعين حسب القاعدة الأصلية المنصوص عليها في المادة ٣٩ من قانون حالات وإجراءات الطعن أمام محكمة النقض الصادر بالقانون رقم ٥٧ لسنة ١٩٥٩ أن تحكم محكمة النقض في الطعن وتصحيح الخطأ وتحكم بمقتضى القانون بما يتعين معه نقض الحكم المطعون فيه وتصحيحه بمعاقبة المطعون ضده عن جريمة إحداث العاهة المنصوص عليها في المادة ١/٢٤٠ من قانون العقوبات.