جلسة 9 من ديسمبر سنة 1991
برئاسة السيد المستشار / نجاح تسار نائب رئيس المحكمة وعضوية السادة المستشارين / مجدي منتصر وحسن حمزة نائبي رئيس المحكمة وفتحي الصباغ ومصطفى كامل.
____________________________________
الطعن رقم ١٠٩٧١ لسنة ٦٠ القضائية
(1) اختصاص - الاختصاص المكاني، دفوع، الدفع بعدم الاختصاص.. نقض: أسباب الطعن. ما لا يقبل منها..
عدم جواز اثارة الدفع بعدم الاختصاص المكاني لأول مرة أمام النقض - مادامت مدونات الحكم قد خلت مما بظاهره. علة ذلك؟
(۲) اثبات اعتراف، حكم ما لا يعيبه في نطاق التدليل.. تسبيبه، تسبيب غير معيب..
أخذ الحكم بإقرار الطاعن بالتحقيقات، لا يعيبه. ما دام لم يرتب عليه وحده الأثر القانوني للاعتراف.
(۳) اثبات، اعتراف - استدلالات - ما مورو الضبط القضائي - محكمة الموضوع: سلطتها في تقدير الدليل..
حق مأمور الضبط القضائي في سؤال المتهم. دون استجوابه. المادة ٣٩ اجراءات.
الاعتراف في المسائل الجنائية من عناصر الاستدلال، تقدير صحته وقيمته في الاثبات، موضوعي.
حق المحكمة في الأخذ باعتراف المتهم في أي دور من أدوار التحقيق، وإن عدل عنه. متى اطمأنت إليه.
(٤) اثبات واعتراف.. اكراه. محكمة الموضوع: سلطتها في تقدير الدليل..
البحث في صحة ما يدعيه المتهم من انتزاع الاعتراف منه بالإكراه. موضوعي.
(5) اثبات بوجه عام. حكم، تسبيبه - تسبيب غير معيب..
تساند الأدلة الجنائية. لا يلزم أن ينبئ كل دليل منها ويقطع في كل جزئية من جزئيات الدعوى، كفاية أن تكون الأدلة في مجموعها كوحدة مؤدية إلى ما قصده الحكم منها.
(6) نقض: أسباب الطعن - تحديدها - ما لا يقبل منها..
تفصيل أسباب الطعن بالنقض ابتداء، واجب. علة ذلك؟
(۷) قتل عمد. جريمة، أركانها. - قصد جنائي - محكمة الموضوع: سلطتها في تقدير توافر القصد الجنائي..
قصد القتل. أمر خفي، اداركه بالأمارات والمظاهر الخارجية التي تتبي عنه، استخلاص توافر. موضوعي.
: (۸) إجراءات، اجراءات المحاكمة، دفاع، الاخلال بحق الدفاع - ما لا يوفره. نقش «اسباب الطعن. ما لا يقبل منها، - قتل عمد.
ليس للمطاعن أن ينعى على المحكمة تعودها عن القيام بأجراء لم يطلبه منها أو الرد على دفاع تم يثره أمامها.
الدفاع الموضوعي، التحدي به أمام النقض، غير مقبول. مثال.
(۹) اثبات، بوجه عام، معاينة.. حكم تسبيبه. تسبيب غير معيب. - قتل عمد.
عدم التزام المحكمة بالتحدث في حكمها. إلا عن الأدلة ذات الأثر في تكوين عقيدتها.
مثال لتسبيب سائغ.
(۱۰) اثبات، شهود.. إجراءات، إجراءات المحاكمة.. دفاع الاخلال بحق الدفاع - مالا يوفره. - نقش أسباب الطعن، ما لا يقبل منها..
حق المحكمة في الاستغناء عن سماع شهود الاثبات، بتنازل المتهم صراحة أو ضمنا، عدم حيلولة ذلك دون استعانتها بأقوالهم في التحقيق الابتدائي، ما دامت قد طرحت على بساط البحث.
(11) اثبات «بوجه عام، أوراق رسمية، تزوير (الطعن بالتزوير..
الأصل في الاجراءات الصحة. عدم جواز اثبات ما يخالف الثابت بمحضر الجلسة أو الحكم. إلا عن طريق الادعاء بالتزوير.
(12) مسئولية مدنية مسئولية المتبوع، دعوى مدنية، نظرها والحكم فيها، خطأ، ضرر. اثبات، قرائي قانونية، حكم تسبيبه. تسبيب غير معيب.
مسئولية المتبرع عن أعمال تابعه غير المشروعة. قيامها على خطأ مفترض في جانب المتبوع فرضا لا يقبل اثبات العكس - مرجعه سوء اختياره التابعة وتقصيره في رقابته. تحققها؟
ارتكاب ضابط الشرطة جريمة قتل عمد بمسدسه الذي في عهدته بحكم وظيفته. تحقق مسئولية وزير الداخلية عن الضرر باعتباره متبرعا. علة ذلك؟
____________________________________
١ - لما كان الطاعن لم يدفع أمام محكمة الموضوع بعدم اختصاصها المكاني بنظر الدعوى، وكانت مدونات الحكم خالية مما ينفى هذا الاختصاص ويظاهر ما يدعيه الطاعن من أن ضبطه تم في دائرة قسم الساحل بمحافظة القاهرة وليس في دائرة شبرا الخيمة التي تقع في اختصاص محكمة الموضوع فلا يجوز له أن يثير هذا الدفع لأول مرة أمام محكمة النقض ولو تعلق بالنظام العام لكونه يحتاج إلى تحقيق موضوعي يخرج عن وظيفتها.
٢ - من المقرر أنه لا يقدح في سلامة الحكم أخذه بإقرار الطاعن بالتحقيقات طالما أن الاقرار قد تضمن من الدلائل ما يعزز أدلة الدعوى الأخرى، وما دامت المحكمة لم ترتب عليه وحده الأثر القانوني للاعتراف.
3 - من المقرر طبقا لنص المادة ۲۹ من قانون الاجراءات الجنائية أن المأمور الضبط القضائي أن يسأل المتهم عن التهمة المسندة إليه دون أن يستجوبه تفصيلا وأن يثبت في محضره ما يجيب به المتهم بما في ذلك اعترافه بالتهمة ويكون هذا المحضر عنصرا من عناصر الدعوى للمحكمة أن تستند إلى ما ورد به ما دام قد عرض مع باقي أوراق الدعوى على بساط البحث في الجلسة ولها أن تحول على ما تضمنه محضر جمع الاستدلالات من اعتراف ما دامت قد أطمأنت إليه ، لما هو مترو من أن الاعتراف في المسائل الجنائية من عناصر الاستدلال التي تملك محكمة الموضوع كامل الحرية في تقدير صحتها وقيمتها في الاثبات بغير معقب ما دامت تقيمه على أسباب سائغة، ولها سلطة مطلقة في الأخذ باعتراف المتهم في أي دور من أدوار التحقيق بما في ذلك محضر الضبط وإن عدل عنه بعد ذلك متى اطمأنت إلى صدقه ومطابقته للحقيقة والواقع.
4 - من المقرر أن المحكمة الموضوع دون غيرها البحث في صحة ما يدعيه المتهم من أن الاعتراف المعزر إليه قد انتزع منه بطريق الاكراه.
5 - من المقرر أنه لا يلزم في الأدلة التي يعتمد عليها الحكم أن ينبئ كل دليل منها ويقطع في كل جزئية من جزئيات الدعوى لأن الأدلة في المواد الجنائية متساندة يكمل بعضها بعضا ومنها مجتمعة تتكون عقيدة القاضي، ومن ثم فلا ينظر إلى دليل بعينه لمناقشته على حدة دون باقي الأدلة، إذ يكفي أن تكون الأدلة في مجموعتها كوحدة مؤدية إلى ما قصد منها الحكم ومنتجة في اكتمال اقتناع المحكمة واطمئنانها إلى ما انتهت إليه.
٦ - من المقرر أن تفصيل أسباب الطعن ابتداء مطلوب على وجه الوجوب تحديدا للطعن وتعريفا بوجهه منذ افتتاح الخصومة بحيث يتيسر للمطلع عليه أن يدرك لأول وهلة موطن العيب الذي شاب الحكم.
7 - من المقرر أن قصد القتل أمر خفي لا يدرك بالحس الظاهر وإنما يدرك بالظروف المحيطة بالدعوى والأمارات والمظاهر الخارجية التي يأتيها الجاني وتلم عما يضمره في نفسه، فإن استخلاص هذه النية من عناصر الدعوى موكول إلى قاضي الموضوع في حدود سلطته التقديرية.
8 - لما كان الثابت من محضر جلسة المحاكمة أن الطاعن ولئن أثار في دفاعه أن وقت ارتكاب الحادث - بدلالة حالة التيبس الرمي التي وجدت عليها جثة المجني عليها - هو فجر يوم ۱۹۸۹/۱/۲۷ أي لاحقا على الوقت الذي ورد في أقوال الشهود من رجال الضبطية القضائية في التحقيقات ، إلا أنه لم يثر - على خلاف ما زعمه في أسباب طعنه - أن وفاة المجنى عليها حدثت في وقت سابق على هذا الوقت الأخير، فإنه ليس للطاعن أن ينعى على المحكمة تعودها عن إجراء تحقيق لم يطلبه منها أو الرد على دفاع لم يثره أمامها ، ولا يقبل منه التحدي بالدفاع الموضوعي لأول مرة أمام محكمة النقض .
9 - من المقرر أن المحكمة لا تلتزم في أصول الاستدلال بالتحدث في حكمها إلا عن الأدلة ذات الأثر في تكوين عقيدتها، ومن ثم فإن منعي الطاعن بخصوص التفات الحكم عن إيراد مزدي المعاينة التي أجريت للمكان الذي وجدت فيه جثة المجني عليها والتي لم يحول عليها الحكم ولم يكن لها أثر في عقيدته يكون ولا محل له.
١٠ - من المقرر أن المحكمة الموضوع أن تستغنى عن سماع شهود الاثبات إذا قبل المتهم أو المدافع عنه ذلك صراحة أو ضمنا دون أن يحول عدم سماعهم أمامها من أن تعتمد في حكمها على أقوالهم التي أدلوا بها في التحقيقات ما دامت هذه الأقوال مطروحة على بساط البحث، وكان الثابت من مطالعة جلسة المحاكمة أن الدفاع عن الطاعن قد تنازل صراحة عن سماع شهود الاثبات مكتفيا بتلاوة أقوالهم، فليس للطاعن من بعد أن ينعى على المحكمة قصودها عن سماعهم.
11 - لما كان الأصل في الاجراءات الصحة ولا يجوز الادعاء بما يخالف ما أثبت بمحضر الجلسة أو الحكم إلا بطريق الطعن بالتزوير، وكان الثابت أن الطاعن لم يسلك هذا السبيل في خصوص ما أثبت بمحضر جلسة المرافعة من اكتفاء الدفاع بالأقوال الواردة بالتحقيقات الشهود الاثبات، فإن الزعم بأن المحكمة قررت نظر الدعوى دون سماع الشهود مغاير للمواقع ويكون غير مقبول.
۱۲ - من المقرر في قضاء هذه المحكمة أن القانون المدني إذ نص في المادة ١٧٤ منه على أن « يكون المتبوع مسئولا عن الضرر الذي يحدثه تابعه بعمله غير المشروع متى كان واقعا منه في حال تأديته وظيفته أو بسببها وتقوم رابطة التبعية ولو لم يكن المتبوع حرا في اختبار تابعه متى كانت عليه سلطة فعلية في رقابته وفي توجيهه » . فقد أقام هذه المسئولية على خطأ مفترض في جانب المتبوع فرضا لا يقبل اثبات العكس ، مرجعه سوء اختباره لتابعه وتقصيره في رقابته ، وأن القانون إذ حدد نطاق هذه المسئولية بأن يكون العمل الضار غير المشروع واقعا من التابع و حال تأدية الوظيفة أو بسببها » لم يقصد أن تكون المسئولية مقتصرة على خطأ التابع وهو يؤدى عملا من أعمال وظيفته ، أو أن تكون الوظيفة هي السبب المباشر لهذا الخطأ ، أو أن تكون ضرورية - لا مكان وقوعه ، بل تتحقق المسئولية أيضا كلما كان فصل التابع قد وقع منه أثناء تأدية الوظيفة ، أو كلما استغل وظيفته أو ساعدته هذه الوظيفة على إتيان فعله غير المشروع أو هيأت له بأية طريقة فرصة ارتكابه، سواء ارتكبه التابع المصلحة المتبوع أو عن باعث شخصي وسواء أكان الباعث الذي دفعه إليه متصلا بالوظيفة أو لا علاقة لديها ، وسواء وقع الخطأ بعلم المتبوع أو بغير علمه ، ولما كان الثابت من الحكم المطعون فيه أن الطاعن الأول ضابط شرطة يعمل تحت رئاسة الطاعن الثاني - وزير الداخلية - وأن هذا الضابط قتل المجنى عليها بمسدسه الذي في عهدته بحكم وظيفته - فلحق ضرر بالمدعية بالحقوق المدنية ، فإن وظيفته لدى الطاعن الثاني المتقدم ذكره تكون قد هيأت له فرصة إتيان العمل غير المشروع ، إذ لوا هذه الوظيفة وما يسرته لصاحبها من حيازة السلاح الناري المستعمل في قتل المجنى عليها ، لما وقع الحادث منه بالصورة التي وقع بها، ويكون الطاعن الثاني مسئولا عن الضرر الذي أحدثه الطاعن الأول بعمله غير المشروع . وإذ التزم الحكم المطعون فيه هذا النظر يكون قد صادف صحيح القانون وأضحى هذا الطعن على غير أساس مستعينا رفضه موضوعا.
الوقائع
اتهمت النيابة العامة الطاعن بأنه أولا: قتل ............ عمدا بأن أطلق عليها عيارا ناريا من مسدسه الميرى الذي كان يحمله قاصدا من ذلك قتلها فأحدث بها الإصابة الموصوفة بتقرير الصفة التشريحية والتي أودت بحياتها ثانيا: سرق المبلغ النقدي والحلى المبينة بالمحضر المملوكة للمجني عليها سالفة الذكر على النحو المبين تفصيلا بالتحقيقات. ثالثا: أطلق في داخل مدينة سلاحا ناريا، وأحالته إلى محكمة جنايات بنها لمعاقبته طبقا للقيد والوصف الواردين بأمر الإحالة. وادعي كل من ............ و ............... و ............... مدنيا قبل المتهم والمسئول عن الحقوق المدنية متضامنين بملغ مائة وواحد جنيه على سبيل التعريض المؤقت.
والمحكمة المذكورة قضت حضوريا عملا بالمواد ١/٢٣٤، ٣١٨، ٦/٣٧٦ من قانون العقوبات مع إعمال المادتين ۱۷، ۳۲ من ذات القانون بمعاقبة المتهم بالسجن لمدة سبع سنوات والزمته والمسئول عن الحقوق المدنية بأن يدفعا للمدعين بالحقوق المدنية مبلغ مائة وواحد جنبه على سبيل التعويض المؤقت.
قطعن المحكوم عليه وهيئة قضايا الدولة نيابة عن المسئول عن الحقوق المدنية في هذا الحكم بطريق النقض ....... إلخ
المحكمة
اولا / بالنسبة إلى الطعن المقدم من الطاعن الأول:
حيث إن الطاعن ينعى على الحكم المطعون فيه أنه إذ دائه بجرائم القتل العمد والسرقة وإطلاق سلاح ناري داخل مدينة، قد رأن عليه البطلان وشابه القصور والتناقض في التسبيب والفساد في الاستدلال والاخلال يحق الدفاع، ذلك بأنه صدر من محكمة غير مختصة مكانيا بنظر الدعوى إذ قبض على الطاعن بدائرة قسم
الساحل بمحافظة القاهرة وأن الجريمة وقعت في دائرة محافظة الشرقية، وعول الحكم في إدانة الطاعن على اعترافه في التحقيقات رغم أنه أنكر بها مقارفته للجريمة، كما عول على ما قرره الرجال الضبطية القضائية بارتكابه الحادث وعلى ما شهدوا به باعتبار أن ذلك اعترافا منه ، ودون أن يطرح دفعه ببطلان هذا الاقرار لصدوره تحت تأثير الاكراه الواقع عليه بما يسوع اطراحه ، وأيضا استند في قضائه بالإدانة إلى أن الطاعن كان قد التقى بالمجنى عليها قبيل اختفائها ، وهو ما لا يصلح دليلا لإسناد تهمة قتلها إليه، هذا ولم تعن المحكمة بسماع شهود الاثبات تنفيذا لقرارها بذلك بناء على طلب الطاعن وقررت نظر الدعوى بما أحاط الدفاع عنه بالخرج ودون أن تبين في حكمها سبب عدولها عن سماع الشهود ، وأغفل الحكم إيراد مؤدى المعاينة التي أجرتها الشرطة والنيابة للمكان الذي عشر فيه على جثة المجنى عليها ، والتفت عن دفاع الطاعن القائم على أن وفاة المجنى عليها - بدلالة حالة التيبس الرمي التي وجدت عليها الجثة - قد حدثت في وقت سابق على الوقت الذي عينه رجال الضبط القضائي في التحقيقات ، فلم يعن بتحقيقه أو الرد عليه.
كما جمع الحكم بين الدليل المستمد من أقوال ضابط الشرطة وبين الدليل المستفاد من تقريري الصفة التشريحية والمعمل الجنائي رغم تناقضهما في شأن كيفية وتاريخ قتل المجني عليها، ودلل على توافر نية القتل في حق الطاعن بما لا يكفي - كل ذلك مما يعيب الحكم المطعون فيه بما يستوجب نقضه.
وحيث إن الحكم المطعون فيه بين واقعة الدعوى بما تتوافر به كافة العناصر القانونية للجرائم التي دان الطاعن بها وأورد على ثبوتها في حقه أدلة سائغة مستمدة من أقوال شهود الاثبات وإقرار الطاعن ومما ثبت من تقارير الصفة التشريعية وإدارة البصمات بمصلحة تحقيق الأدلة الجنائية وفحص السلاح والطلقات، ومن شأنها أن تؤدي إلى ما رتبه الحكم عليها. لما كان ذلك، وكان الطاعن لم يدفع أمام محكمة الموضوع بعدم اختصاصها المكاني بنظر الدعوى.
وكانت مدونات الحكم خالية مما ينفى هذا الاختصاص ويظاهر ما يدعيه الطاعن من أن ضبطه تم في دائرة قسم الساحل بمحافظة القاهرة وليس في دائرة شيرا الخيمة التي تقع في اختصاص محكمة الموضوع فلا يجوز له أن يشير هذا الدفع الأول مرة أمام محكمة النقض ولو تعلق بالنظام العام لكونه يحتاج إلى تحقيق موضوعي يخرج عن وظيفتها ، لما كان ذلك ، وكان الحكم قد حصل اقرار الطاعن بتحقيقات النيابة العامة في قوله « بأنه أتفق مع المجنى عليها على الزواج منذ فترة طويلة وأنه أخذ منها مصاغها يوم ۱۹۸۹/۱/۲۵ عندما قابلها أمام نادي أسكو بشيرا وباعه للصائغين .............. و ................. بمبلغ ألف وثلاثمائة جنيه وأنه يحتفظ بهذا المبلغ في مسكنه، وكان لا يقدح في سلامة الحكم أخذه بإقرار الطاعن بالتحقيقات طالما أن الاقرار قد تضمن من الدلائل ما يعزز أدلة الدعوى الأخرى، وما دامت المحكمة لم ترتب عليه وحده الأثر القانوني للاعتراف. وإذ كان من المقرر طبقا لنص المادة ٣٩ من قانون الاجراءات الجنائية أن المأمور الضبط القضائي أن يسأل المتهم عن التهمة المسندة إليه دون أن يستجوبه تفصيلا وأن يثبت في محضره ما يجيب به المتهم بما في ذلك اعترافه بالتهمة ويكون هذا المحضر عنصرا من عناصر الدعوى للمحكمة أن تستند إلى ما ورد به ما دام قد عرض مع باقي أوراق الدعوى على بساط البحث في الجلسة ولها أن تعول على ما تضمنه محضر جمع الاستدلالات من اعتراف ما دامت قد اطمأنت إليه. لما هو مقرر من أن الاعتراف في المسائل الجنائية من عناصر الاستدلال التي تملك محكمة الموضوع كامل الحرية في تقدير صحتها وقيمتها في الاثبات بغير معقب ما دامت تقيمه على أسباب سائغة ، ولها سلطة مطلقة في الأخذ باعتراف المتهم في أي دور من أدوار التحقيق بما في ذلك محضر الضبط وإن عدل عنه بعد ذلك متى اطمأنت إلى صدقه ومطابقته للحقيقة والواقع ، وأن المحكمة الموضوع دون غيرها البحث في صحة ما يدعيه المتهم من أن الاعتراف المعزو إليه قد انتزع منه بطريق الاكراه ، وإذا كان الثابت من مدونات الحكم المطعون فيه أنه قد خلص في منطق سائغ وتدليل مقبول إلى اطراح الدفع ببطلان إقرار الطاعن الوارد بمحضر ضبط الواقعة لصدوره تحت تأثير الإكراه وأفصح عن اطمئنانه إلى صحة هذا الاقرار ومطابقته للحقيقة والواقع ، فلا على الحكم - من بعد ذلك - أن يأخذ بإقرار الطاعن الوارد بمحضر الاستدلالات ، وبأقوال الشهود من ضباط الشرطة الذين أدلى الطاعن في حضرتهم بهذا الاقرار من ضمن الأدلة التي أقام عليها قضاءه بالإدانة ، ومن ثم يكون الحكم المطعون فيه قد يرى من أية شائبة رماه الطاعن بها في شأن ما تقدم . لما كان ذلك، وكان من المقرر أنه لا يلزم في الأدلة التي يعتمد عليها الحكم أن ينبئ كل دليل منها ويقطع في كل جزئية من جزئيات الدعوى لأن الأدلة في المواد الجنائية متساندة يكمل بعضها بعضا ومنها مجتمعة تتكون عقيدة القاضي، ومن ثم فلا ينظر إلى دليل بعينه لمناقشته على حدة دون باقي الأدلة، إذ يكفي أن تكون الأدلة في مجموعها كوحدة مؤدية إلى ما قصد منها الحكم ومنتجة في اكتمال اقتناع المحكمة واطمئنانها إلى ما انتهت إليه، فإن ما يثيره الطاعن - في شأن أخذ الحكم بما أورده الشهود في أقوالهم من أنه كان قد التقى بالمجني عليها قبيل الحادث رغم أنها واقعة لا تفيد بناتها تدليلا على مقارفته جريمة قتلها - لا يكون مقبولا. لما كان ذلك وكان من المقرر أن تفصيل أسباب الطعن ابتداء مطلوب على وجه الوجوب تحديدا للطمن وتعريفا بوجهه منذ افتتاح الخصومة بحيث يتيسر للمطلع عليه أن يدرك لأول وهلة موطن العيب الذي شاب الحكم، وإذ كان الطاعن قد أرسل القول دون أن يكشف بأسباب الطعن عن أوجه التعارض بين أقوال ضباط الشرطة في تصويرهم للحادث وبين المستفاد من تقريري الصفة التشريحية والمعمل الجنائي حتى يتبين ما إذا كان التناقض بين الدليلين على نحو يستعصي على الملائمة والتوفيق أم لا. هذا، والبين من أسباب الحكم أن جماع الدليل القولي غير متناقض مع جوهر الدليل الفني، ومن ثم فإن ما يشيره الطاعن في هذا الخصوص فضلا عن عدم قبوله يكون غير سديد. لما كان ذلك، وكان من المقرر أن قصد القتل أمر خفي لا يدرك بالحسن الظاهر وإنما يدرك بالظروف المحيطة بالدعوى والأمارات والمظاهر الخارجية التي يأتيها الجاني وتنم عما يضمره في نفسه، فإن استخلاص هذه النية من عناصر الدعوى موكول إلى قاضي الموضوع في حدود سلطته التقديرية، وكان ما أورده الحكم المطعون فيه تدليلا على توافر نية القتل في حق الطاعن - مما أوضحه من الظروف والملابسات وما استقاه من عناصر الدعوى - كافيا وسائغا في استظهار قيامها فإن ما يثيره الطاعن في هذا المنصوص غير سديد. لما كان ذلك ، وكان الثابت من محضر جلسة المحاكمة أن الطاعن ولئن أثار في دفاعه أن وقت ارتكاب الحادث - بدلالة حالة التيبس الرمي التي وجدت عليها جثة المجنى عليها - هو فجر يوم ٢٧ / ١ / ١٩٨٩ أي لاحقا على الوقت الذي ورد في أقوال الشهود من رجال الضبطية القضائية في التحقيقات ، إلا أنه لم يشر - على خلاف ما زعمه في أسباب طعنه - أن وفاة المجنى عليها حدثت في وقت سابق على هذا الوقت الأخير ، فإنه ليس للطاعن أن ينعى على المحكمة قعودها عن إجراء تحقيق لم يطلبه منها أو الرد على دفاع لم يشره أمامها ، ولا يقبل منه التحدي بالدفاع الموضوعي لأول مرة أمام محكمة النقض . لما كان ذلك، وكان من المقرر أن المحكمة لا تلتزم في أصول الاستدلال بالتحدث في حكمها إلا عن الأدلة ذات الأثر في تكوين عقيدتها، ومن ثم فإن منعي الطاعن بخصوص التفات الحكم عن إيراد مؤدى المعاينة التي أجريت للمكان الذي وجدت فيه جثة المجني عليها والتي لم يعول عليها الحكم ولم يكن لها أثر في عقيدته يكون ولا محل له. لما كان ذلك، وكان لمحكمة الموضوع أن تستغنى عن سماع شهود الاثبات إذا قبل المتهم أو المدافع عنه ذلك صراحة أو ضمنا دون أن يحول عدم سماعهم أمامها من أن تعتمد في حكمها على أقوالهم التي أدلوا بها في التحقيقات ما دامت هذه الأقوال مطروحة على بساط البحث، وكان الثابت من مطالعة محضر جلسة المحاكمة أن الدفاع عن الطاعن قد تنازل صراحة عن سماع شهود الاثبات تكلفها بتلاوة أقوالهم، فليس للطاعن من بعد أن ينعى على المحكمة قعودها عن سماعهم. وإذ كان الأصل في الاجراءات الصحة ولا يجوز الادعاء بما يخالف ما أثبت بمحضر الجلسة أو الحكم إلا بطريق الطعن بالتزوير، وكان الثابت أن الطاعن لم يسلك هذا السبيل في خصوص ما أثبت بمحضر جلسة المرافعة من اكتفاء الدفاع بالأقوال الواردة بالتحقيقات الشهود الاثبات، فإن الزعم بأن المحكمة قررت نظر الدعوى دون سماع الشهود مغاير للواقع ويكون غير مقبول. لما كان ما تقدم، فإن الطعن برمته يكون على غير أساس، متعينا رفضه موضوعا.
ثانيا: بالنسبة إلى الطعن المقدم من المسئول عن الحقوق المدنية.
حيث إن مبنى ما ينعاه الطاعن الثاني - المسئول عن الحقوق المدنية - على الحكم المطعون فيه أنه إذ قضى بإلزامه بصفته بالتعويض متضامنا مع تابعه. الطاعن الأول - قد أخطأ في تطبيق القانون، ذلك بأنه أسس قضاء على أن التابع أخطأ فالحق ضررا بالمدعية بالحقوق المدنية رغم أن الخطأ الذي قارفه منيت الصلة بعمله مكانا وزمانا، مما يعيب الحكم بما يستوجب نقضه.
وحيث إنه من المقرر في قضاء هذه المحكمة أن القانون المدني إذ نص في المادة ١٧٤ منه على أن يكون المتبوع مسئولا عن الضرر الذي يحدثه تابعه يعمله غير المشروع متى كان واقعا منه في حال تأديته وظيفته أو بسببها. وتقوم رابطة التبعية ولو لم يكن المتبوع حرا في اختيار تابعه متى كانت عليه سلطة فعلية في رقابته وفي توجيهه، فقد أقام هذه المسئولية على خطاً مفترض في جانب المتبوع فرضا لا يقبل اثبات العكس، مرجعه سوء اختياره التابعة وتقصيره في رقابته، وأن القانون إذ حدد نطاق هذه المسئولية بأن يكون العمل الضار غير المشروع واقعا من التابع وحال تأدية الوظيفة أو بسببها، لم يقصد أن تكون المسئولية مقتصرة على خطأ التابع وهو يؤدى عملا من أعمال وظيفته، أو أن تكون الوظيفة هي السبب المباشر لهذا الخطأ، أو أن تكون ضرورية - الإمكان وقوعه.
بل تتحقق المسئولية أيضا كلما كان فعل التابع قد وقع منه أثناء تأدية الوظيفة.
أو كلما استغل وظيفته أو ساعدته هذه الوظيفة على إتيان فعله غير المشروع أو هيأت له بأية طريقة فرصة ارتكابه، سواء ارتكبه التابع لمصلحة المتبوع أو عن باعث شخصي وسواء أكان الباعث الذي دفعه إليه متصلا بالوظيفة أو لا علاقة به بها، وسواء وقع الخطأ بعلم المتبوع أو بغير علمه. ولما كان الثابت من الحكم المطعون فيه أن الطاعن الأول ضابط شرطة يعمل تحت رئاسة الطاعن الثاني - وزير الداخلية - وأن هذا الضابط قتل المجني عليها بمسدسه الذي في عهدته بحكم وظيفته - فلحق ضرر بالمدعية بالحقوق المدنية، فإن وظيفته لدى الطاعن الثاني المتقدم ذكره تكون قد هيأت له فرصة إتيان العمل غير المشروع. إذ لولا هذه الوظيفة وما يسرته لصاحبها من حيازة السلاح الناري المستعمل في قتل المجني عليها، لما وقع الحادث منه بالصورة التي وقع بها، ويكون الطاعن الثاني مسئولا عن الضرر الذي أحدثه الطاعن الأول بعمله غير المشروع. وإذ التزم الحكم المطعون فيه هذا النظر يكون قد صادق صحيح القانون وأضحى هذا الطعن على غير أساس متعبنا رفضه موضوعا.