الطعن رقم 16989 لسنة 93 بتاريخ 10-07-2024

باسم الشعب
محكمة النقـــض
الدائــرة الجنائيـــة
دائرة الأربعاء (ب)
المؤلفة برئاسة السيد المستشــــار / صفـــــوت مكـــــادي " نــائب رئيس المحـكــــمــــــة " وعضوية السادة المستشــــارين / محمـــد أبـــــو السعــود ، علي أحمــــد عبــــد القــــــادر ، أحمــد أنــور الغربـــاوي نـواب رئيــــــس المحكمة أيمن صالح شريف وحضور رئيس النيابة العامة لدى محكمة النقض السيد / مصطفى راجح. وأمين السر السيد / أحمد لبيب.
في الجلسة المنعقدة بمقر المحكمة بدار القضاء العالي بمدينة القاهرة.
في يوم الأربعاء ٤ من محرم سنة ١٤٤٦ هـ الموافق١٠ من يوليو سنة ٢٠٢٤م.
أصدرت الحكم الآتي:
في الطعن المقيد في جدول المحكمة برقم ١٦٩٨٩ لسنة ٩٣ القضائية.

الوقائــــع


اتهمت النيابة العامة الطاعنة في قضية الجناية رقم ....... لسنة ....... مركز ....... (المقيدة برقم ....... لسنه ....... كلي جنوب .......).
بأنها في ٦ من أبريل سنة ۲۰٢٢ - بدائرة مركز ....... - محافظة .......:
تعدت على أرض أثرية بأن قامت ببناء سور دون الحصول على ترخيص من الجهة المختصة على النحو المبين بالتحقيقات.
وأحالتها إلى محكمة جنايات ....... لمحاكمتها طبقاً للقيد والوصف الواردين بأمر الإحالة.
والمحكمة المذكورة قضت حضوريًا في ١٦ من يوليو سنة ٢٠٢٣ عملًا بالمواد ١ ، ٣ ، ٤٠ ، ٤٣ من القانون ١١٧ لسنة ١٩٨٣ المعدل - مع إعمال المواد ١٧ ، ٥٥ ، ٥٦ من قانون العقوبات - بمعاقبة / ....... بالحبس لمدة سنة واحدة وتغريمها مائة ألف جنيهًا عما أسند إليها وألزمتها المصروفات الجنائية وأمرت بإيقاف تنفيذ عقوبة الحبس المقضي بها لمدة ثلاث سنوات تبدأ من تاريخ اليوم.
فطعنت المحكوم عليها في هذا الحكم بطريق النقض.
وبجلسة اليوم سمعت المحكمة المرافعة على ما هو مبين بمحضر الجلسة.

المحكمـــة


بعد الاطلاع على الأوراق وسماع التقرير الذي تلاه السيد المستشار المقرر والمرافعة وبعد المداولة قانوناً.
من حيث إن الطعن استوفى الشكل المقرر في القانون.
ومن حيث إن مما تنعاه الطاعنة على الحكم المطعون فيه إذ دانها بجريمة التعدي على أرض أثرية بدون ترخيص قد شابه القصور في التسبيب ، والفساد في الاستدلال ، ذلك بأن الحكم اعتوره الغموض والإبهام ولم يبين الوقعة المستوجبة للعقوبة بيانًا تتحقق به أركان الجريمة التي دانها بها سيما القصد الجنائي فيها، وهو مما يعيب الحكم ويستوجب نقضه.
وحيث إن الحكم المطعون فيه حصل وقعة الدعوى في قوله: "... تتحصل في أنه وأثناء مرور فتحي عبد المغني أبو طالب شيخ خفراء منطقة آثار دهشور بالمنطقة تبين وجود تعدي من المتهمة / ....... على الأرض الأثرية يتمثل في بناء سور بداخله بناء من الطوب الأحمر بدون سقف قديم فأبلغ الشاهد الثاني بتلك الوقعة والذي انتقل وبصحبته الشاهدين الثالث والرابع وبالمعاينة تبين صحة البلاغ كما أكدت تحريات الشاهد الأخير حددت ذلك التعدي"، وخلص الحكم إلى القول أن الوقعة قد قام الدليل على ثبوتها وصحة إسنادها للمتهمة مما شهد به كل من / ....... و ....... و ....... و ....... و ....... و ....... ، وحصل أقوالهم بما لا يخرج عن مضمون ما أورده بيانًا لوقعة الدعوى ، وانتهى الحكم من ذلك إلى إدانة الطاعنة. لما كان ذلك، وكانت الأحكام الجنائية يجب أن تبنى على الجزم واليقين لا على الظن والاحتمال ، وكان الشارع يوجب في المادة ٣١٠ من قانون الإجراءات الجنائية أن يشتمل كل حكم بالإدانة على بيان الوقعة المستوجبة للعقوبة بيانًا تتحقق به أركان الجريمة والظروف التي وقعت فيها والأدلة التي استخلصت منها المحكمة ثبوت وقوعها من المتهم ، وأن تلتزم بإيراد مؤدى الأدلة التي استخلصت منها الإدانة حتى يتضح وجه استدلالها بها وسلامة مأخذها وإلا كان الحكم قاصرًا ، وكان المقصود من عبارة بيان الوقعة الواردة بالمادة ٣١٠ من القانون المذكور هو أن يثبت قاضي الموضوع في حكمه كل الأفعال والمقاصد التي تتكون منها أركان الجريمة ، أما إفراغ الحكم في عبارات عامة معماة أو وضعه في صورة مجملة ، فلا يحقق الغرض الذي قصده الشارع من إيجاب تسبيب الأحكام ، ولا يمكن محكمة النقض من مراقبة صحة تطبيق القانون على الوقعة كما صار إثباتها بالحكم . لما كان ذلك ، وكان النص في المادة الثالثة من القانون رقم ۱۱۷ لسنة ۱۹۸۳ بإصدار قانون حماية الآثار المعدلة بالقانون رقم ٣ لسنة ٢٠١٠ قد جرى على أنه: "تعتبر أرضًا أثرية الأراضي المملوكة للدولة التي اعتبرت أثرية بمقتضى قرارات أو أوامر سابقة على العمل بهذا القانون أو التي يصدر باعتبارها كذلك قرار من رئيس مجلس الوزراء بناءً على عرض الوزير المختص بشئون الثقافة ..." ، كما نصت المادة ٤٣ من القانون سالف الذكر - بعد تعديلها بالقانون رقم ٩١ لسنة ٢٠١٨ - على أنه: "يُعاقب بالسجن مدة لا تقل عن ثلاث سنوات ولا تزيد على سبع سنوات ، وبغرامة لا تقل عن مائة ألف جنيه ولا تزيد على مليون جنيه ، كل من قام بأي من الأفعال الآتية:١ - .... ٢ - حوّل المباني أو الأراضي الأثرية أو جزءً منها إلى مسكن أو حظيرة أو مخزن أو مصنع أو زرعها ، أو أعدها للزراعة أو غرس فيها أشجارًا أو اتخذها جرنًا أو شق بها مصارف أو مساقي أو أقام بها أي إشغالات أخرى أو اعتدى عليها بأي صورة كانت بدون ترخيص طبقًا لأحكام هذا القانون ..". لما كان ذلك ، وكان مؤدى النصين المتقدمين في صريح ألفاظهما أن مناط التأثيم في جريمة التعدي على أرض أثرية المنصوص عليها في المادة ٤٣ من القانون المشار إليه أن تكون الأرض المعتدى عليها مملوكة للدولة ، وأن يكون قد صدر بشأنها قرار أو أمر سابق على العمل بالقانون أو بعد صدوره باعتبارها أثرية - على أن يكون القرار الصادر في الحالة الأخيرة من رئيس مجلس الوزراء بناء على عرض الوزير المختص بشئون الثقافة - ، وأن يأتي الجاني بأية صورة من صور التعدي على هذه الأرض - على النحو الذي أشارت إليه المادة - بدون ترخيص طبقًا لأحكام القانون ، وكانت هذه الجريمة من الجرائم العمدية التي يشترط لقيامها توافر القصد الجنائي العام وهو تعمد الجاني ارتكاب الفعل المادي المكون للجريمة والمتمثل في إتيان فعل التعدي على الأرض المعتبرة أثرية - أيًا كانت صورته - بدون ترخيص طبقًا لأحكام القانون ، واتجاه إرادته إلى ارتكاب الوقعة الإجرامية مع علمه بعناصرها ، والأصل أن القصد الجنائي من أركان الجريمة ، فيجب أن يكون ثبوته فعليًا ، ولا يصح القول بالمسئولية الفرضية إلا إذا نص عليها الشارع صراحةً ، أو كان استخلاصها سائغًا عن طريق استقراء نصوص القانون وتفسيرها بما يتفق وصحيح القواعد والأصول المقررة في هذا الشأن ؛ إذ من المقرر في التشريعات الجنائية الحديثة أن الإنسان لا يسأل بصفته فاعلًا أو شريكًا إلا عما يكون لنشاطه دخل في وقوعه من الأعمال التي نص القانون على تجريمها سواءً أكان ذلك بالقيام بالفعل أم بالامتناع الذي يجرمه القانون، ولا مجال للمسئولية المفترضة في العقاب إلا استثناءً وفي الحدود التي نص عليها القانون ، ويجب التحرز في تفسير القوانين الجنائية والتزام جانب الدقة في ذلك وعدم تحميل عباراتها فوق ما تحتمل . لما كان ذلك ، وكان الحكم المطعون فيه - وعلى ما يبين من مدوناته - قد خلا مما يفيد صدور قرار أو أمر سابق أو لاحق على العمل بالقانون آنف الذكر باعتبار الأرض محل الوقعة أثرية ، هذا من ناحية ، ومن ناحية أخرى ، فإن الحكم لم يورد الظروف التي استخلص منها ثبوت القصد الجنائي لدى الطاعنة أو يدلل على ذلك تدليلًا سائغًا ، وكانت مدوناته لا تفيد في ذاتها أنها قد تعمدت التعدي على الأرض محل الوقعة وهي تعلم بأنها أرض أثرية ، كما خلت أقوال الشهود مما يشير إلى توافر هذا العلم لديها ، وفوق هذا وذاك ، فإن البين من مطالعة المفردات - التي أمرت المحكمة بضمها تحقيقًا لوجه الطعن - أن تقرير الخبير الذي انتدبته محكمة الجنايات قد انتهى إلى أنه لا يمكن تحديد تاريخ إقامة الأعمال المخالفة محل الاتهام ، وأن الطاعنة قررت أمام الخبير المنتدب بأن الأعمال المخالفة أقيمت سنة ١٩٨٨ وأن زوجها الذي توفي سنة ٢٠١٢ - طبقًا لشهادة وفاته المقدمة منها - هو من أقامها ، وقدمت مجموعة من صور ضوئية من إيصالات سداد منافع خلال الفترة من عام ١٩٩٠ وحتى ٢٠١٦ باسم زوجها المتوفى وصورة ضوئية من كشف أصول وخصوم مؤرخ سنة ٢٠١٧ مستخرج من الضرائب العقارية عن المدة من سنة ٢٠٠٩ وحتى ٢٠١٧ عن الأرض محل المخالفة وضع يد باسم الطاعنة ، وأنه طبقًا للمعاينة على الطبيعة فقد قامت الطاعنة بإزالة الأعمال المخالفة حتى سطح الأرض ، وهو الأمر الذي لا يمكن معه الجزم بأن الطاعنة هي من قامت بأعمال التعدي ، أو أنها تعمدت ارتكاب الجريمة ، والقول بغير ذلك فيه إنشاء لقرينة قانونية مبناها افتراض العلم بذلك التعدي من واقع حيازتها للأرض المقام عليها الغرفة موضوع المخالفة ، وهو ما لا يمكن إقراره قانونًا ما دام القصد الجنائي من أركان الجريمة ، ويجب أن يكون ثبوته فعليًا لا افتراضًا - على ما سلف بسطه - . لما كان ذلك ، وكان مؤدى ما أورده الحكم لا يتوافر به قيام العلم لدى الطاعنة ولا يؤدي إلى الإدانة التي انتهى إليها ، ولا يغير من ذلك أن يكون الحكم قد استند إلى أقوال شاهد الإثبات الأخير بخصوص تحرياته وما أسفرت عنه من قيام الطاعنة بارتكاب جريمة التعدي على أرض أثرية ، لما هو مقرر من أن الأحكام الجنائية يجب أن تبنى على الأدلة التي يقتنع بها القاضي بإدانة المتهم أو ببراءته صادرًا في ذلك عن عقيدة يحصلها هو مما يجريه من التحقيق مستقلًا في تحصيل هذه العقيدة بنفسه لا يشاركه فيها غيره ، ولا يصح في القانون أن يدخل في تكوين عقيدته بصحة الوقعة التي أقام قضاءه عليها أو بعدم صحتها حكمًا لسواه ، وأنه وإن كان الأصل أنه يجوز للمحكمة أن تعول في تكوين عقيدتها على التحريات باعتبارها معززة لما ساقته من أدلة أو قرائن أخرى طالما أنها كانت مطروحة على بساط البحث ، إلا أنها لا تصلح وحدها لأن تكون قرينة معينة أو دليلًا أساسيًا على ثبوت الاتهام ، وهي من بعد لا تعدو أن تكون رأيًا لصاحبها يخضع لاحتمالات الصحة والبطلان ، والصدق والكذب ، إلى أن يعرف مصدرها ويتحدد حتى يتحقق القاضي بنفسه من هذا المصدر ويستطيع أن يبسط رقابته على الدليل ويقدر قيمته القانونية في الإثبات ، وإذ كان البين من مدونات الحكم المطعون فيه أن المحكمة اتخذت من التحريات دليلًا أساسيًا في ثبوت الاتهام في حق الطاعنة دون أن تورد من الأدلة أو القرائن ما يساندها ، كما أنها لم تشر إلى مصدر التحريات تلك على نحو يمكن معه تحديده والتحقق من صدق ما نقل عنه ، فإن حكمها يكون قد تعيب بالفساد في الاستدلال والقصور في التسبيب بما يبطله ويوجب نقضه . وإذ كانت أوراق الدعوى من بعد - وعلى ما يبين من مطالعة المفردات المضمومة - قد خلت من أي دليل معتبر يمكن التعويل عليه في إدانة الطاعنة سوى تحريات الشرطة التي لا تصلح وحدها لأن تكون دليلًا أساسيًا على ثبوت الاتهام - على ما سلف بيانه - ، ومن ثم فإنه يتعين القضاء ببراءتها مما أسند إليها من اتهام عملًا بالمادة ٣٠٤ / ١ من قانون الإجراءات الجنائية.

فلهذه الأسباب


حكمت المحكمة: بقبول الطعن شكلًا ، وفي الموضوع بنقض الحكم المطعون فيه وبراءة الطاعنة مما أسند إليها من اتهام .