17 من مايو سنة 1990

برئاسة السيد المستشار / حسين كامل حنفى نائب رئيس المحكمة وعضوية السادة المستشارين / حسن عميره ومحمد زايد نائبى رئيس المحكمة ومحمد حسام الدين الغريانى ومحمد طلعت الرفاعى .

 

الطعن رقم 29334 لسنة 59 القضائية

( 1 ) إثبات " شهود " . " خبرة " . محكمة الموضوع " سلطتها فى تقدير الدليل " . حكم " تسبيبه . تسبيب غير معيب " . ضرب " أفضى إلى موت " .

كفاية أن يكون جماع الدليل القولى غير متناقض مع الدليل الفنى تناقضا يستعصى على الملاءمة والتوفيق .

عدم التزام المحكمة بأن تورد من أقوال الشهود إلا ما تقيم عليه قضاءها . لها أن تأخذ من اقوال الشهود بما تطمئن إليه وتطرح ما عداه .

( 2 ) ضرب " أفضى إلى موت " . محكمة الموضوع " سلطتها فى تقدير الدليل " . رابطة السببية . مسئولية جنائية . حكم " تسبيبه . تسبيب غير معيب " .

رابطة السببية فى المواد الجنائية . علاقة مادية تبدأ بالفعل الذى اقترفه الجانى وترتبط من الناحية المعنوية بما يجب أن يتوقعه من النتائج المألوفة لفعله إذا ما أتاه عمداً .

ثبوت رابطة السببية . موضوعى . شرط ذلك ؟

مثال :

( 3 ) دعوى منية . دعوى جنائية . محكمة الإعادة " الإجراءابت أمامها " . نقض " حالات الطعن . الخطأ فى القانون " . محكمة النقض " الحكم فى الطعن " .

عدم جواز تدخل المدعى بالحقوق المدنية فى الدعوى الجنائية لأول مرة بعد احالتها من محكمة النقض إلى محكمة الموضوع لإعادة الفصل فيها بعد نقض الحكم . علة ذلك ؟

مخالفة ذلك . خطأ فى القانون . حق محكمة النقض فى تصحيح هذا الخطأ دون تحديد جلسة لنظر الموضوع . المدة 39 من القانون 57 لسنة 1959 .

1-    من المقرر أنه ليس يلازم أن تتطابق أقوال الشهود ومضمون الدليل الفنى على الحقيقة التى وصلت إليها المحكمة بجميع تفاصيلها على وجه دقيق ، بل يكفى أن يكون جماع الدليل القولى غير متناقض مع الدليل الفنى تناقضا يستعصى على الملاءمة والتوفيق وعلى فرض صحة ما يثيره الطاعن من أن الشاهد قرر فى التحقيقات أن الطاعن ضرب المجنى عليه ضربه واحدة على خلاف ما أثبته التقرير الطبى الشرعى من أن به إصابتين فإنه لا يعيب الحكم – وهو فى مقام المواءمة بين أقوال الشاهد وبين التقرير الفنى أن عول على شق من أقوال الشاهد وهو ما تعلق بإعتداء الطاعن بالضرب بقطعة من الخشب على رأس المجنى عليه ولم يعبأ بقالة فى الشق الآخر أنه ضربة ضربة واحدة ولم يورد هذا الشق الآخر فى بيانه مضمون أقواله ولا يعد ذلك تدخل فى رواية الشاهد أو أخذها على وجه يخالف صريح عبارتها ، إنما هو استنتاج سائغ أجرته المحكمة – وهى بسبيل استخلاص الحقيقة من كل ما يقدم إليها من أدلة واءمت به بين ما أطمأنت إليه واجتزأته من أقوال الشاهد وما كشف عنه التقرير الطبى الشرعى ولا تثريب عليها فى ذلك مادام أن تقدير الدليل موكول إلى اقتناعها واطمئنانها إليه ، ومادامت قد استقرت عقيدتها على أن الطاعن إعتدى بالضرب على رأس المجنى عليه بألة راضة ، إذ من المقرر أن الأحكام لا تلزم بحسب الأصل أن تورد من أقوال الشهود إلا ما تقيم عليه قضاءها ولها أن تجزئ الدليل المقدم لها وأن تأخذ بما تطمئن إليه من أقوال الشهود وتطرح ما لا تثق فيه من تلك الأقوال إذ المرجع فى هذا الشأن إلى اقتناعها هى وحدها ، فإنه لا يكون هناك ثمة تعارض حقيقى بين مؤدى الدليلين القولى والفنى اللذين أخذ بهما الحكم فى قضائه .

2-    من المقرر أن علاقة السببية فى المواد الجنائية علاقة مادية تبدأ بالفعل الضار الذى قارفه الجانى وترتبط من الناحية المعنوية بما يجب أن يتوقعه من النتائج المألوفه لفعله إذا ما أتاه عمدا ، وثبوت قيام هذه العلاقة من المسائل الموضوعية التى ينفرد قاضى الموضوع بتقديرها فمتى فصل فى شأنها ، اثباتا ونفياً ، فلا رقابة لمحكمة النقض عليه مادم قد أقام قضاءه فى ذلك على أسباب تؤدى إلى ما انتهى إليه ، وكان الحكم المطعون فيه قد أثبت أن المجنى عليه أصيب فى رأسه بإصابتين وأن الطاعن هو المحدث لهما ثم أشار إلى نتيجة تقرير الصفة التشريحية فى أن الوفاة تعزى إلى هاتين الإصابتين فإنه يكون قد أثبت بما فيه الكفاية العناصر التى تستقيم بها علاقة السببية بين فعلته والنتيجة التى حدثت ومن ثم فلا محل لما يزعمه الطاعن من قصور الحكم فى هذا الخصوص .

3-    أن طبيعة الطعن بطريق النقض وأحكامه وإجراءاته لا تسمح بالقول بجواز تدخل المدعى بالحق المدنى فى الدعوى الجنائية لأول مرة بعد احالتها من محكمة النقض إلى محكمة الموضوع لاعادة الفصل فيها بعد نقض الحكم ، وكان الحكم قد خالف هذا النظر فإنه يكون قد أخطأ فى تطبيق القانون من هذه الناحية ، وأنه ولئن كان الطعن بالنقض للمرة الثانية ، إلا أنه لما كان العيب الذى شاب الحكم مقصورا على مخالفة القانون ، فإنه يتعين وفقاً للقاعدة الأصلية المنصوص عليها فى المادة 39 من قانون حالات وإجراءات الطعن أمام محكمة النقض الصادر بالقانون رقم 57 لسنة 1959 أن تصحح المحكمة الخطأ ، وتحكم بمقتضى القانون دون حاجة إلى تحديد جلسة لنظر الموضوع مادام العوار لم يرد على بطلان فى الحكم أو بطلان فى الإجراءات أثر فى الحكم ، مما كان يقتضى التعرض لموضوع الدعوى . لما كان ما تقدم فإنه يتعين نقض الحكم المطعون فيه فى الدعوى المدنية والقضاء بعدم قبولها .

الوقائع

اتهمت النيابة العامة الطاعن بأنه : ضرب – وآخر قضى ببراءته ......... بجسم صلب راض (عرق خشب ) على رأسه فأحدثا به الاصابات الموصوفة بتقرير الصفة التشريحية ولم يقصد من ذلك قتلا ولكن الضرب أفضى إلى موته على النحو المبين بالتحقيقات واحالته إلى محكمة جنايات المنصورة لمحاكمته طبقاً للقيد والوصف الواردين بأمر الإحالة . والمحكمة المذكورة قضت حضوريا عملا بالمادة 236 / 1 من قانون العقوبات بمعاقبة المتهم بالسجن لمدة سبع سنوات . فطعن المحكوم عليه فى هذا الحكم بطريق النقض ( وقيد بجدول محكمة النقض برقم ....... لسنة 58 القضائية ) وهذه المحكمة قضت بقبول الطعن شكلا وفى الموضوع بنقض الحكم المطعون فيه واعادة القضية إلى محكمة جنايات المنصورة للفصل فيها مجددا من هيئة أخرى . وادعى والد المجنى عليه مدنيا قبل المتهم بمبلغ واحد وخمسين جنيها على سبيل التعويض المؤقت . ومحكمة جنايات المنصورة ( مشكلة من دائرة أخرى ) قضت حضوريا عملاً بالمادة 236 / 1 من قانون العقوبات بمعاقبة المتهم بالسجن لمدة خمس سنوات وألزمته بأن يؤدى للمدعين بالحقوق المدنية مبلغ واحد وخمسين جنيها على سبيل التعويض المؤقت .

فطعن المحكوم عليه فى هذا الحكم بطريق النقض ( للمرة الثانية ) ........... الخ .

 

المحكمة

حيث إن الطاعن ينعى على الحكم المطعون فيه أنه إذ دانه بجريمة الضرب المفضى إلى الموت قد شابه فساد فى الاستدلال وتناقض وقصور فى التسبيب وانطوى على خطأ فى تطبيق القانون ذلك أنه جمع فى نطاق التسبيب شهادة الشاهد وتقرير الصفة التشريحية رغم وقوع الخلف بينهما فى عدد الإصابات إذ قرر الشاهد أن الطاعن ضرب المدنى عليه على رأسه ضربة واحدة مما يستتبع حدوث إصابة واحدة به بينما أثبت التقرير أن بالمجنى عليه إصابتين بالرأس وخلا من بيان أيهما أدت إلى وفاة ، كما لم يدلل على توافر رابطة السببية بين فعل الضرب الذى أحدثه الطاعن وبين إصابتى المجنى عليه اللتين أودتا بحياته ، وأخيرا فإن المحكمة أخطأت إذ قبلت الدعوى المدنية لأول مرة بعد اعادة الدعوى الجنائية إليها لنظرها من جديد بعد نقض الحكم الأول بناء على طلب الطاعن ، والزمته بتعويض مؤقت لأن فى ذلك تسوئ لمركزه . مما يعيب الحكم بما يستوجب نقضه .

وحيث إن الحكم المطعون فيه بين واقعة الدعوى بما تتوافر به العناصر القانونية لجريمة الضرب المفضى إلى الموت التى دان الطاعن بها وأورد على ثبوتها فى حقه أدلة سائغة من شأنها أن تؤدى إلى مارتبه الحكم عليها مستمدة من أقوال الشاهد ......... وتقرير الصفة التشريحية ، وكان الحكم قد حصل أقوال الشاهد بما مؤداه أنه رأى الطاعن وهو يضرب شقيقه المجنى عليه على رأسه بقطعة من الخشب محدثا به إصابات ونقل عن تقرير الصفة التشريحية أن بالمجنى عليه إصابتين بالرأس إحداها بمقدم يمين فروة الرأس والأخرى بمنتصف يسار قمتها وأن كلا منهما تنشأ من المصادمة بجسب صلب راض ثقيل وأن وفاة المجنى عليه تعزى إلى الاصابتين المشار إليهما ، وإذ كان من المقرر أنه ليس يلازم أن تتطابق أقوال الشهود ومضمون الدليل الفنى على الحقيقة التى وصلت إليها المحكمة بجميع تفاصيلها على وجه دقيق ، بل يكفى أن يكون جماع الدليل القولى غير متناقض مع الدليل الفنى تناقضا يستعصى على الملاءمة والتوفيق وعلى فرض صحة ما يثيره الطاعن من أن الشاهد قرر فى التحقيقات أن الطاعن ضرب المجنى عليه ضربة واحدة على خلاف ما أثبته التقرير الطبى الشرعى من أن به إصابتين فإنه لا يعيب الحكم – وهو فى مقام المواءمة بين أقوال الشاهد وبين التقرير الفنى أن عول على شق من أقوال الشاهد وهو ما تعلق بإعتداء الطاعن بالضرب بقطعة من الخشب على رأس المجنى عليه ولم يعبأ بقالته فى الشق الآخر أنه ضربه ضربة واحدة ولم يورد هذا الشق الآخر فى بيانه مضمون أقواله ولا يعد ذلك تدخلا فى رواية الشاهد أو أخذها على وجه يخالف صريح عبارتها ، إنما هو استنتاج سائغ أجرته المحكمة – وهى بسبيل استخلاص الحقيقة من كل ما يقدم إليها من أدلة – واءمت به بين ما اطمأنت إليه واجتزأته من أقوال الشاهد وما كشف عنه التقرير الطبى الشرعى ولا تثريب عليها فى ذلك مادام أن تقدير الدليل موكول إلى اقتناعها وأطمئنانها إليه ، ومادامت قد استقرت عقيدتها على أن الطاعن اعتدى بالضرب على رأس المجنى عليه بآلة راضه ، إذ من المقرر أن الأحكام لا تلتزم بحسب الأصل أن تورد من أقوال الشهود إلا ما تقيم عليه قضاءها ولها أن تجزئ الدليل المقدم لها وأن تأخذ بما تطمئن إليه من أقوال الشهود وتطرح ما لا تثق فيه من تلك الأقوال اذ المرجع فى هذا الشأن إلى اقتناعها هى وحدها ، فإنه لا يكون هناك ثمة تعارض حقيقى بين مؤدى الدليلين القولى والفنى اللذين أخذ بهما الحكم فى قضائه ، هذا فضلا عن أن الثابت من محاضر جلسات المحاكمة أن الطبيب الشرعى الذى قام بتشريح جثة المجنى عليه ووضع التقرير الطبى الشرعى قطع بأن أيا من إصابتى الرأس تحدث الوفاة ، ومن ثم يكون منعى الطاعن فى هذا الصدد غير سديد ، لما كان ذلك ، وكان من المقرر أن علاقة السببية فى المواد الجنائية علاقة مادية تبدأ بالفعل الضار الذى قارفه الجانى وترتبط من الناحية المعنوية بما يوجب أن يتوقعه من النتائج المألوفة لفعله إذا ما أتاه عمداً ، وثبوت قيام هذه العلاقة من المسائل الموضوعية التى ينفرد قاضى الموضوع بتقديرها فمتى فصل فى شأنها ، اثباتا ونفيا ، فلا رقابة لمحكمة النقض عليه مادام قد أقام قضاءه فى ذلك على أسباب تؤدى إلى ما انتهى إليه ، وكان الحكم المطعون فيه قد أثبت أن المجنى عليه أصيب فى رأسه بإصابتين وأن الطاعن هو المحدث لهما ثم أشار إلى نتيجة تقرير الصفة التشريحية فى أن الوفاة تعزى إلى هاتين الإصابتين فإنه يكون قد أثبت بما فيه الكفاية العناصر التى تستقيم بها علاقة السببية بين فعلته والنتيجة التى حدثت ومن ثم فلا محل لما يزعمه الطاعن من قصور الحكم فى هذا الخصوص . ولما كان ما تقدم فإن الطعن على الدعوى الجنائية برمته يكون على غير أساس .

أما ما يثيره الطاعن بشأن خطأ الحكم المطعون فيه فى تطبيق القانون بالنسبة للدعوى المدنية لقبوله لها لأول مرة بعد إعادة الدعوى الجنائية لنظرها بعد نقض الحكم الأول بناء على طلب الطاعن ، والزامه فيها بتعويض مؤقت وما فى ذلك من تسوئ لمركزه ، فإن هذا النعى صحيح ذلك أن طبيعة الطعن بطريق النقض وأحكام وإجراءاته لا تسمح بالقول بجواز تدخل لمدعى بالحق المدنى فى الدعوى الجنائية لأول مرة بعد أحالتها من محكمة النقض إلى محكمة الموضوع لاعادة الفصل فيها بعد نقض الحكم ، وكان الحكم قد خالف هذا النظر فإنه يكون قد أخطأ فى تطبيق القانون من هذه الناحية ، وإنه ولئن كان الطعن بالنقض للمرة الثانية ، إلا أنه لما كان العيب الذى شاب الحكم مقصورا على مخالفة القانون ، فإنه يتعين وفقا للقاعدة الأصلية المنصوص عليها فى المادة 39 من قانون حالات وإجراءات الطعن أمام محكمة النقض الصادر بالقانون رقم 57 لسنة 1959 أن تصحح المحكمة الخطأ ، وتحكم بمقتضى القانون دون حاجة إلى تحديد جلسة لنظر الموضوع مادام العوار لم يرد على بطلان فى الحكم أو بطلان فى الإجراءات أثر فى الحكم ، مما كان يقتضى التعرض لموضوع الدعوى ، لما كان ما تقدم فإنه يتعين نقض الحكم المطعون فيه فى الدعوى المدنية والقضاء بعدم قبولها مع إلزام رافعها بالمصاريف ورفض الطعن فيما عدا ذلك .