جلسة 14 من يونيه سنة 1990

برئاسة السيد المستشار / درويش عبد المجيد نائب رئيس المحكمة وعضوية السادة المستشارين / محمد عبد المنعم حافظ . د . رفعت عبد المجيد نائبى رئيس المحكمة ، محمد خيرى الجندى ومحمد شهاوى .

224

الطعن رقم 646 لسنة 58 القضائية :

1-    " قرار إدارى " إختصاص " الأختصاص الولائى " . تعويض . قانون .

القرار الإدارى . ما هيته . إختصاص محاكم مجلس الدولة دون سواها بطلب التعويض عنه . المادة العاشرة من القانون رقم 47 لسنة 1972 . عدم تعريف القرارات الإدارية أو بيان خصائصها المميزة لها . مؤداه . وجوب أن تعطى المحاكم المدنية الوصف القانونى لهذه القرارات على هدى حكمة التشريع ومبدأ الفصل بين السلطات توصلاً إلى تحديد إختصاصها للفصل فى النزاع المطروح .

2-    قرار " قرار جمهورى " . دستور " المحكمة الدستورية العليا " . " الإعتداء على الحرية الشخصية " . قانون " الدفع بعدم دستورية القوانين " . " تطبيق القانون من حيث الزمان " . إختصاص " الإختصاص الولائى " . تقادم .

عدم جواز القبض على أى إنسان أو حبسه إلا بأمر من السلطات المختصة بذلك قانوناً . م . 14 . ج . صدور قرار إعتقال المطعون ضده طبقا للقانون رقم 119 لسنة 1964 المحكوم بعدم دستورية مادته الأولى التى تبيح الإعتقال . أثره . عدم جواز تطبيقه من اليوم التالى لنشر الحكم بعدم الدستورية وإنسحاب أثره إلى الوقائع والعلاقات السابقة على صدوره إلا ما استقر من مراكز أو حقوق بحكم حائز قوة الأمر المقضى أو بإنقضاء مدة التقادم . إنتهاء الحكم إلى عدم تحقق الإستثناء من تطبيق الأثر الرجعى للحكم بعدم دستورية النص الذى يبيح الإعتقال . اثره . عدم جواز تطبيقه على واقعة الإعتقال وإعتبار القرار الجمهورى بالإعتقال قرار فردى مخالف للقانون والشريعة ومشوباً بعيب جسيم ينحدر به إلى مرتبة الفعل المادى المعدوم الأثر قانونا . مؤدى ذلك تجرده من صفته الإدارية وإختصاص القضاء العادى برفع ما ينتج عن هذا الإجراء المادى من آثار .

1-    إذ كان القرار الإدارى هو إفصاح جهة الإدارة فى الشكل الذى يتطلبه القانون عن إرادتها الملزمة بمالها من سلطة بمقتضى القوانين واللوائح بقصد أحداث أثر قانونى معين يكون ممكنا إبتغاء مصلحة عامة ، وتختص محاكم مجلس الدولة دون سواها بطلب التعويض عنه عملا بالمادة العاشرة من القانون رقم 47 لسنة 1972 بتنظيم مجلس الدولة ، إلا أنه لما كان القانون – وعلى ما جرى به قضاء هذه المحكمة – لم يعرف القرارات الإدارية ولم يبين الخصائص التى تميزها والتى يهتدى بها فى القول بتوافر الشروط اللازمة لها ولخصائصها من تعرض السلطة القضائية العادية لها بتعطيل أو تأويل أو نظر طلب تعويض عنها ، فإن وظيفة المحاكم المدنية أن تعطى هذا القرار وصفة القانونى على هدى حكمة التشريع ومبدأ الفصل بين السلطات وحماية الأفراد وحقوقهم توصلا إلى تحديد إختصاصها للفصل فى النزاع المطروح عليها .

2-    إذ كان من المقرر وفقاً لما تقضى به المادة 40 من قانون الإجراءات الجنائية أنه لا يجوز القبض على أى إنسان أو حبسه إلا بأمر من السلطات المختصة بذلك قانوناً – وكان البين من قرار إعتقال المطعون ضده الصادر بتاريخ 11 من سبتمبر سنة 1965 أنه صدر من رئيس الجمهورية وأفصح عن سنده التشريعى فى الإصدار بأنه القانون رقم 119 لسنة 1964 بشأن بعض التدابير الخاصة بأمن الدولة والذى تضمن النص فى مأدته الأولى على أنه " يجوز بقرار من رئيس الجمهورية القبض على الأشخاص الآتى ذكرهم وحجزهم فى مكان أمين ..." وكانت المحكمة الدستورية العليا قد قضت بتاريخ الأول من إبريل سنة 1978 فى القضية رقم 5 لسنة 7 قضائية دستورية بعدم دستورية المادة الأولى من القانون رقم 119 لسنة 1964 سالفة الذكر . لما كان ذلك وكان يترتب على الحكم بعدم دستورية نص فى قانون أو لائحة عدم جواز تطبيقه من اليوم التالى لنشر الحكم ، إلا أن عدم تطبيق النص – وعلى ما جرى به قضاء هذه المحكمة – لا ينصرف إلى المستقبل فحسب وإنما ينسحب على الوقائع والعلاقات السابقة على صدور الحكم بعدم دستورية النص على أن يستثنى من هذا الأثر الرجعى الحقوق والمراكز التى تكون قد استقرت عند صدوره بحكم حاز قوة الأمر المقضى أو بإنقضاء مدة التقادم ، وإذ كان الحكم المطعون فيه قد خلص ، وبلا نعى عليه فى هذا الخصوص ، إلى رفض الدفع المبدى من الطاعنين بسقوط الحق فى رفع الدعوى بالتقادم الثلاثى ، ومن ثم فإن الإستثناء من تطبيق الأثر الرجعى للحكم بعدم دستورية نص المادة الأولى من القانون رقم 119 لسنة 1964 سالفة الذكر يكون غير متحقق ويتبنى عليه عدم جواز تطبيق هذا النص بشأن واقعة إعتقال المطعون ضده ويصبح قرار رئيس الجمهورية بإعتقاله بمثابة قرار فردى لا يستند فيه مصدره إلى قانون بما يجعل الأمر فى هذا الخصوص غير قائم على أساس من الشرعية ومتسماً بمخالفة صارخة للقانون ومشوباً بعيب جسيم ينحدر به إلى مرتبة الفعل المادى المعدوم الأثر قانوناً لما ينطوى عليه من إعتداء على الحرية الشخصية فيصبح متجرداً من صفته الإدارية وتسقط عنه الحصانة المقررة للقرارات الإدارية ويختص بالتالى القضاء العادى برفع ما ينتج عن هذا الإجراء المادى من آثار .

المحكمة

بعد الإطلاع على الأوراق وسماع التقرير الذى تلاه السيد المستشار المقرر والمرافعة وبعد المداولة .

حيث إن الطعن استوفى أوضاعه الشكلية .

وحيث إن الوقائع – على ما يبين من الحكم المطعون فيه وسائر الأوراق – تتحصل فى أن المطعون ضده اقام الدعوى رقم 1334 سنة 1985 مدنى جنوب القاهرة الإبتدائية على الطاعنين بطلب الحكم بإلزامهما بالتعويض المناسب عما لحقه من أضرار مادية وأدبية بما لا يقل عن خمسة وثلاثين ألفا من الجنيهات وقال بيانا لدعواه أن كان عضواً فى جماعة الإخوان المسلمين . وبتاريخ 17 من نوفمبر 1954 صدر قرار باعتقاله وأودع السجن الحربى ثم معتقل القلعة إلى أن أفرج عنه فى 15 ديسمبر سنة 1955 ثم أعتقل ثانية فى أغسطس سنة 1965 وأودع بمعتقل أبو زعبل وطره إلى أن أفرج عنه فى سنة 1966 وأنه عذب فى المعتقلات السابقة تعذيبا شديداً مما ترتب عليه إصابته بأمراض خطيرة بدنية ونفسية ، كما اعتدى على حرمة مسكنه وعذبت أسرته وعزلت عن المجتمع الأمر الذى لحقته من جرائه أضرار مادية وأدبية يستحق عنها تعويضاً لا يقل عن 35 ألف جنية وقد أقام الدعوى ليحكم له بطلبها ، أحالت المحكمة الدعوى إلى التحقيق لاثبات ونفى عناصر المسئولية وبعد أن سمعت شهود المطعون ضده حكمت بتاريخ 16 من ديسمبر سنة 1986 بإلزام الطاعنين متضامنين بأن يؤديا للمطعون ضده مبلغ اثنى عشر ألفا من الجنيهات . استأنف المطعون ضده هذا الحكم لدى محكمة إستئناف القاهرة بالاستئناف رقم 164 لسنة 104 قضائية طالباً تعديل المبلغ المقضى به وزيادته إلى ما لا يقل عن خمسة وثلاثين ألفا من الجنيهات ، كما استأنفه الطاعنان بالاستئناف رقم 849 لسنة 104 قضائية طالبين إلغاءه والقضاء بصفة أصلية بعدم اختصاص جهة القضاء العادى ولائيا بنظر الدعوى واحتياطياً برفضها ، وبعد أن ضمت المحكمة الإستئناف الثانى إلى الأول حكمت بتاريخ 15 من ديسمبر سنة 1987 فى موضوع الإستئناف رقم 164 سنة 104 قضائية بتعديل الحكم المستأنف والزام الطاعنين بصفتيهما بأن يدفعا متضامنين للمطعون ضده مبلغ خمسة عشر ألفا من الجنيهات وفى موضوع الإستئناف رقم 849 سنة 104 قضائية برفضه . طعن الطاعنان فى هذا الحكم بطريق النقض ، وأودعت النيابة العامة مذكرة أبدت فيها الرأى برفض الطعن وإذ عرض الطعن على هذه المحكمة حددت جلسة لنظره وفيها إلتزمت النيابة رأيها .

وحيث إن الطعن أقيم على سببين ينعى بهما الطاعنان على الحكم المطعون فيه القصور ومخالفة القانون والخطأ فى تطبيقه وفى بيان ذلك يقولان أن المطعون ضده حدد عناصر الضرر التى طلب التعويض عنها باعتبارها نشأت بسبب اعتقاله وتعذيبه ، وإذ كانت قرارات الإعتقال إنما هى قرارات صدرت بناء على حالات واقعية كانت قائمة وقت صدورها واستكملت مقومات القرارات الإدارية ومن ثم تختص محاكم مجلس الدولة دون غيرها بنظر طلبات التعويض عنها ، وقد تمسك الطاعنان امام محكمة الإستئناف بعدم إختصاص جهة القضاء العادى بنظر الدعوى فى شقها الخاص بطلب التعويض عن الإعتقال إلا أن الحكم المطعون فيه رفض هذا الدفع وفصل فى موضوع الدعوى بشقيها على سند من أن قرار الإعتقال منعدم ودون أن يين سنده ودليله فى حين أنه على فرض صدوره من غير مختص يظل قراراً إدارياً تملك محاكم مجلس الدولة دون غيرها بحث وجه العوار فيه . وإذ أدخل الحكم المطعون فيه ضمن عناصر الضرر المعوض عنها ما نشأ من الإعتقال فضلا عما ترتب على التعذيب وبنى تقديره للتعويض على هذه العناصر مجتمعة فإنه يكون معيباً مما يستوجب نقضه .

وحيث إن هذا النعى مردود ذلك بأنه وإن كان القرار الإدارى هو إفصاح جهة الإدارة فى الشكل الذى يتطلبه القانون عن إرادتها الملزمة بما لها من سلطة بمقتضى القوانين واللوائح بقصد إحداث أثر قانونى معين يكون ممكناً إبتغاء مصلحة عامة ، وتختص محاكم  مجلس الدولة دون سواها بطلب التعويض عنه عملاً بالمادة العاشرة من القانون رقم 47 لسنة 1972 بتنظيم مجلس الدولة ، إلا أنه لما كان القانون – وعلى ما جرى به قضاء هذه المحكمة – لم يعرف القرارات الإدارية ولم يبين الخصائص التى تجيزها والتى يهتدى بها فى القول بتوافر الشروط اللازمة لها ولحصانتها من تعرض السلطة القضائية العادية لها بتعطيل أو تأويل أو نظر طلب تعويض عنها ، فإن وظيفة المحاكم المدنية أن تعطى هذا القرار وصفه القانونى على هدف حكمة التشريع ومبدأ الفصل بين السلطات وحماية الأفراد وحقوقهم توصلاً إلى تحديد إختصاصها للفصل فى النزاع المطروح عليها ، وإذ كان من المقرر وفقاً لما تقضى به المادة 40 من قانون الإجراءات الجنائية أنه لا يجوز القبض على أى إنسان أو حبسة إلا بأمر من السلطات المختصة بذلك قانوناً ، وكان البين من قرار إعتقال المطعون ضده الصادر بتاريخ 11 من سبتمبر سنة 1965 – والمودع صورته الرسمية ضمن حافظة مستندات الطاعنين المرفقة بالملف الإبتدائى المنضم – إنه صدر من رئيس الجمهورية وأفصح عن سنده التشريعى فى الإصدار بأنه القانون رقم 119 لسنة 1964 بشأن بعض التدابير الخاصة بأمن الدولة ، والذى تضمن النص فى مادته الأولى على أنه " يجوز بقرار من رئيس الجمهورية القبض على الأشخاص الأتى ذكرهم وحجزهم فى مكان أمين .... " . وكانت المحكمة الدستورية العليا قد قضت بتاريخ الأول من إبريل سنة 1978 فى القضية رقم 5 لسنة 7 قضائية دستورية بعدم دستورية المادة الأولى من القانون رقم 119 لسنة 1964 سالفة الذكر ، لما كان ذلك ، وكان يترتب على الحكم بعدم دستورية نص فى قانون أو لائحة عدم جواز تطبيقه من اليوم التالى لنشر الحكم ، إلا أن عدم تطبيق النص – وعلى ما جرى به قضاء محكمة النقض – لا ينصرف إلى المستقبل فحسب وإنما ينسحب على الوقائع والعلاقات السابقة على صدور الحكم بعدم دستورية النص على أن يستثنى من هذا الأثر الرجعى الحقوق والمراكز التى تكون قد استقرت عند صدوره بحكم حاز قوة الأمر المقضى او بإنقضاء مدة التقادم ، وإذ كان الحكم المطعون فيه قد خلص ، وبلا نعى عليه فى هذا الخصوص ، إلى رفض الدفع المبدى من الطاعنين بسقوط الحق فى رفع الدعوى بالتقادم الثلاثى ، ومن ثم فإن الإستثناء من تطبيق الأثر الرجعى للحكم بعدم دستورية نص المادة الأولى من القانون رقم 119 لسنة 1964 سالفة الذكر يكون غير متحقق ويتبنى عليه عدم جواز تطبيق هذا النص بشأن واقعة إعتقال المطعون ضده ويصبح قرار رئيس الجمهورية بإعتقال بمثابة قرار فردى لا يستند فيه مصدره إلى قانون بما يجعل الأمر فى هذا الخصوص غير قائم على أساس من الشرعية ومتسماً بمخالفة صارخة للقانون ومشوباً بعيب جسيم ينحدر به إلى مرتبة الفعل المادى المعدوم الأثر قانوناً لما ينطوى عليه من إعتداء على الحرية الشخصية ، فيصبح متجرداً من صفته الإدارية وتسقط عنه الحصانة المقررة للقرارات الإدارية ويختص بالتالى القضاء العادى برفع ما نتج عن هذا الإجراء المادى من آثاره وإذ إلتزم الحكم المطعون فيه هذا النظر وأدخل ضمن عناصر الضرر المعوض عنها ما لحق المطعون ضده من ضرر بسبب الإعتقال ، فإنه لا يكون قد خالف القانون أو أخطأ فى تطبيقه ولم يسبه ثمة قصور ويكون النعى عليه بهذين السببين على غير أساس .

ولما تقدم يتعين رفض الطعن .